الفصل الثالث عشر

وصف لدائرة إيتنزول الانتخابية، ومراكز الأحزاب فيها، وانتخاب نائب في البرلمان عن تلك الدائرة القديمة الوفية الوطنية.

***

دَعْنَا نعترف صراحة بأننا إلى الفترة التي بدأنا فيها نغوص في مجلدات محاضر نادي بكوك، وأوراقها الضخمة، لم نكن قد سمعنا «بإيتنزول» أبدًا، بل دَعْنَا نُقِرَّ بتلك الصراحة ذاتها أننا قد بحثنا عن دليل يُثبِت وجود هذا الموضع في عهدنا الحاضر، ولعلمنا بالثقة البالغة التي ينبغي أن توضع في كل مذكرة أو بيان من جانب المستر بكوك، ونفيًا لكل رغبة منا في تغليب ذاكرتنا على بيانات ذلك الرجل العظيم، وتصريحاته المدونة في السجلات، مضينا نستأنس بكل المراجع والمظان التي تتصل بهذا الموضوع، ونتابع كل اسم وارد في قوائم «أ و ب»، فلم نعثر على أثر فيها «لإيتنزول» في حرف الألف، ولا في الحرف الذي يليه، وتقصينا البحث أيضًا في كل ناحية من خرائط الجيب، والمصورات الجغرافية للأقاليم التي يصدرها كبار الناشرين عندنا لخدمة الجمهور؛ فلم نعثر فيها على أثر لذلك الاسم، فلا غرو إذا نحن اعتقدنا أن المستر بكوك قد تعمَّد الاستعاضة عن اسم الموضع الذي دوَّن ملاحظاته عنه باسم مصطنع، تحدوه تلك الرغبة الملحة في تحاشي الإساءة إلى أحد، وتحفزه تلك المشاعر المرهفة التي يعرف كلُّ مَن عرفوه حق المعرفة أنها أروع خلاله، وأبرز سجاياه، وقد تأكد هذا الاعتقاد لدينا من حادث يلوح صغيرًا وتافهًا في حد ذاته، ولكنه جدير بالتنويه، إذا نحن نظرنا إليه من هذه الناحية، فقد تيسَّرَ لنا أن نستخلص من «كناشة» المستر بكوك عبارة تفيد بأن الأماكن المطلوبة له ولمريديه كانت محجوزة قبيل السفر في المركبة الحافلة الشاخصة إلى «نوروك»، وإن كانت هذه العبارة قد شُطِبت فيما بعدُ، كأنما أُرِيدَ إخفاء كل شيء يتصل بموقع هذه الدائرة، والطريق المؤدي إليها، ولهذا لا نريد أن نضرب في أودية الحدس، بل نمضي سراعًا في سياق هذا التاريخ، قانعين بالمواد التي يسَّرَها أبطاله لنا، والأشخاص الذين ورد ذكرهم في ثناياه.

يبدو إذن أن أهل «إيتنزول» كأهل عدة بلدان صغيرة أخرى، يعدون أنفسهم قومًا لا يدانيهم أحد في خطر الشأن، وعلو المكانة، وأن كل رجل في «إيتنزول» يشعر بالقدر الواجب لأمثاله، فلا يتردد في الانتساب قلبًا وقالبًا إلى أحد الحزبين الكبيرين اللذين تقاسما البلدة بينهما، وهما حزب «الزُّرْق»، وحزب «الصُّفْر»، فأما الزُّرْق فلا يَدَعُون فرصة إلا انتهزوها لمعارضة الصُّفْر، ولم يكن الصُّفْر ليدعوا فرصة إلا اهتبلوها لمعارضة الزُّرْق، فكانت النتيجة أنه كلما التقى الزُّرْق والصُّفْر في اجتماع عام، سواء في قاعة البلدية أو المولد أو السوق، تبادلوا الكلمات الحادة، والألفاظ النابية، والنزاع المستحر، حتى لَنحسب مع كل هذه الخلافات أننا بحاجة إلى القول بأن «الحزبية» في «إيتنزول» دخلت في كل شيء. فإذا اقترح الصُّفْر بناء «كوَّة» في سقف السوق العامة؛ لدخول النور إليها، عقد الزُّرْق اجتماعات، وندَّدوا بهذا الاقتراح وشنَّعوا عليه، وإذا اقترح الزُّرْق إنشاء مضخة إضافية في شارع «هاي ستريت»، هَبَّ الصُّفْر هبَّة رجل واحد، وأعلنوا استنكارهم لهذه الكبيرة المنكرة، وكانت في البلدة صحيفتان، صحيفة «الغازت إيتنزول»، وفنادق لهؤلاء، وفنادق لأولئك، وفي الكنيسة ذاتها للزُّرْق جناح، وللصُّفْر جناح.

ولم يكن بد لكل حزب من هذين الحزبين القويين بطبيعة الحال من أن يختار لسانه الناطق، وممثله الصادق، فكانت في البلدة صحيفتان: صحيفة «الغازت إيتنزول»، و«الإيتنزول الإنديبندنت»، أولاهما تذود عن مبادئ الزُّرْق، والأخرى تنتهج سياسة الصُّفْر قطعًا، وكانت الصحيفتان ظريفتين بديعتين، فهما فصول افتتاحية أي فصول! وهجمات حامية أية هجمات! فتقول إحداهما عن زميلتها: «رصيفتنا الغازت المعدومة الفضل.» وتقول هذه: «الإنديبندنت المخادعة الخسيسة.» وتتحدث هذه عن «الغازت» قائلة: «تلك الصحيفة السافلة، العيابة الدساسة.» إلى آخر تلك الشتائم المثيرة للنفوس التي تتناثر غزارًا في أعمدة كل صحيفة منهما، وتفيض بها أنهارها، ولا يخلو منها عدد من أعدادها، وتلك العبارات التي يسرُّ لها القراء أشد السرور، أو يغضبون منها أبلغ الغضب، وكل حزب بصحيفتهم مرحون …

وقد اختار المستر بكوك ببُعْد نظره المعروف، وفطانته المشهورة، الوقت الملائم كل الملاءمة لزيارة تلك الدائرة، فما عُرِف يومًا فيها تنافس حامي الوطيس كذلك التنافس على الترشيح، بين «الأونورابل» صمويل سلمكي، من سلمكي هول، مرشح الزُّرْق، والسيد هوراشيو فزكن، من فزكن لودج بقرب إيتنزول الذي ألحَّ عليه أصدقاؤه في قبول ترشيح نفسه عن حزب الصُّفْر، وراحت صحيفة «الغازت» تهيب بالناخبين في الدائرة ألا ينسوا أن الأنظار — لا في إنجلترا فحسب، بل في جميع أرجاء العالم المتحضر أيضًا — تتطلع إليهم، بينما طالبت «الإنديبندنت» حتمًا بأن تعرف هل ناخبو دائرة «إيتنزول» لا يزالون على عهدها بهم رجالًا عظماء النفوس، أو انقلبوا آلات مهنية مُسَخَّرة، لا يستحقون اسم «الانجليز»، ولا هم جديرون بنعمة الحرية التي حباهم الله بها. وهكذا لم تشهد البلدة من الحمية والحماسة في يوم من الأيام قدر ما شهدت منهما الآن.

وكان المساء قد أوغل حين نزل المستر بكوك وصحبه من سقف المركبة الحافلة بمعاونة سام، فإذا هم يشهدون أعلامًا زرقاء كبيرة ترفرف من شرفات فندق «تاون أرمز»، ويرون اللافتات منصوبة في كل نافذة، معلنة بحروف ضخمة أن لجنة الأونورابل صمويل سلمكي تنعقد يوميًّا في ذلك الفندق، ويبصرون حشدًا من المتسكعين والمتبطلين قد ازدحم الطريق بهم، وهم يتطلعون بأبصارهم إلى رجل مبحوح الصوت جاهدًا، حتى احمر من كثرة الصراخ وجهه، وإن كانت قوة حججه، ومحور خطابه قد ضاعا إلى حد ما وسط الدقات المستمرة من أربعة طبول ضخمة، كانت اللجنة الانتخابية المناصرة للمستر «فزكن» قد أقامتها في ركن الشارع، وكان بجانب الخطيب رجل نحيف كثير الحركة، جعل يرفع قبعته بين لحظة وأخرى، ويشير إلى الناس بمعاودة التصفيق والهتاف لذلك الخطيب، فكان الناس لا ينفكون يفعلون ذلك وهم في أشد الحماسة. ولبث السيد المحمرُّ الوجه مسترسلًا في الخطابة حتى ارتدَّ وجهه أشد احمرارًا، كأنما كانت حماسة القوم عنده وافية بالغرض، حتى ولو لم يسمع أحد مقاله.

وما إن نزل البكوكيون من المركبة، حتى أحاط بهم فريق من أفراد الغوغاء المخلصين الأوفياء، هاتفين ثلاثة هتافات تصم الآذان، وما لبث جموع الغوغاء الأخرى أن ردَّدتْ تلك الهتافات؛ لأنه ليس من الضروري مطلقًا أن يعرف المحتشدون حقيقة ما هم هاتفون بسبيله! فلم يلبث ترديدهم أن استحال إلى زئير انتصار يدوي في الفضاء دويًّا، حتى اضطر الخطيب المحمر الوجه في الشرفة إلى الوقوف عن الكلام.

وصاح الغوغاء في الختام: «مرحى!»

وصرخ الرجل النحيف الموكل بإعطاء الإشارة إلى الناس: «هتاف … مرة أخرى!» فعاد الغوغاء يهتفون كأن رئاتهم من حديد، وأجهزتها من فولاذ …

وصرخ الناخبون الأمناء الأحرار: «سلمكي إلى الأبد!»

وردَّد المستر بكوك وهو يرفع قبعته: «سلمكي إلى الأبد!» وصاح المحتشدون: «لا فزكن بعد الآن!»

وعاد المستر بكوك يهتف: «لا فزكن بعد الآن بلا شك … مرحى …!»

وأعقب الهتاف زئير جديد، كصيحة الحيوانات في حديقتها، حين يدق الفيل الجرس إيذانًا بمجيء اللحم البارد.

وهمس المستر طبمن يسأل صاحبه: «ومَن يكون سلمكي هذا؟»

وقال المستر بكوك هامسًا كذلك: «لست أدري فلا تسأل عن شيء؛ لأنه من الخير في هذه المواقف وأشباهها أن يفعل المرء كما يرى الناس يفعلون!»

وهنا قال المستر سنودجراس: «ولكن افرضْ أن هناك فريقين منهم، فماذا تكون الحال؟»

فكان جواب المستر بكوك: «تهتف مع أكثر الفريقين عددًا، وأعز نفرًا!»

وكان ذلك الرد وحده أبلغ من جملة كتب ومجلدات.

ودخل الرفقاء الفندق، وأفسح الحشد لهم عن اليمين والشمال منتحين طريقًا لمرورهم، وهم يهتفون أشد الهتاف.

وكان أول أمر أحق بالتفكير البحث عن أماكن للمبيت.

فنادى المستر بكوك أحد غلمان الفندق، وسأله قائلًا: «هل نستطيع الظفر بسُرُر هنا؟»

وأجاب الغلام: «لا أعرف يا سيدي، أخشى أن يكون المكان ممتلئًا يا سيدي، ولكني سأستفهم يا سيدي.»

وانصرف لتنفيذ هذا الغرض، ثم لم يلبث أن عاد ليسأل السادة هل هم من حزب «الزُّرْق»؟

ولم يكن المستر بكوك، ولا أحد من صحابه معنيًّا بقضية الترشيح، ولا مهتمًا بأيهما يؤيد، فلا عجب إذا كانت الإجابة عن هذا السؤال متعذِّرة.

وانثني المستر بكوك يسأل الغلام: «هل تعرف سيدًا يُدعَى المستر بركر؟»

وأجاب الغلام قائلًا: «بلا شك يا سيدي.»

قال: «أحسبه من الزُّرْق؟»

وأجاب الغلام: «نعم يا سيدي.»

فصاح المستر بكوك قائلًا: «نحن إذن … زُرْق!»، ولكنه لاحظ على الرجل شيئًا من التشكك عقب هذا الإعلان الصريح، فأعطاه «بطاقته»، وطلب إليه تقديمها إلى المستر بركر في الحال، إذا كان بالمصادفة مقيمًا في الفندق.

وانصرف الغلام، وعاد بعد هنيهة يرجو من المستر بكوك أن يتبعه، ومشى به إلى قاعة رحيبة في الطبقة الأولى من الفندق، حيث جلس المستر بركر إلى منضدة مغطاة بالكتب والأوراق.

وتقدم السيد النحيف للقائه: «آه ها، يا سيدي العزيز، إني لسعيد بلقائك يا سيدي العزيز جدًّا، تكرمْ بالجلوس، أهكذا أدخلت نيتك في حيز التنفيذ؟ لقد جئت إلى هنا لمشاهدة الانتخاب؟»

فأجاب المستر بكوك: «أي نعم.»

واستتلى الرجل النحيف قائلًا: «المنافسة حامية الوطيس يا سيدي العزيز.»

وقال المستر بكوك وهو يفرك يديه: «يسرني أن أسمع ذلك؛ لأني أحب أن أشهد الوطنية الصلبة المكينة في أي جانب هي منبعثة متدفقة، المنافسة إذن حامية؟»

وأجاب الرجل النحيف: «أي نعم، إلى حد بالغ فعلًا، وقد فتحنا جميع المقاهي، والمحال العامة في البلدة، فلم نَدَعْ لخصمنا منها شيئًا غير حانات الجعة؛ ضربة عارف بالأمور يا سيدي العزيز، آه؟»

وابتسم الرجل النحيف ابتسامة سرور ورضى، وتناول قدرًا كبيرًا من السعوط، وسأل المستر بكوك: «وما هي النتيجة المرجحة لهذه المنافسة؟»

وأجاب الرجل النحيف: «لا تزال مشكوكًا فيها إلى الآن يا سيدي العزيز، إن جماعة «فيزكين» احتجزوا ثلاثة وثلاثين ناخبًا في مربط المركبات بفندق الأيل الأبيض.»

وقال المستر بركر، وهو هابط بصوته إلى ما يشبه الهمس: «أتقول في مربط المركبات؟»

ومضى الرجل النحيف يقول: «إنهم سيبقونهم في هذا المكان ريثما يحتاجون إليهم، والغاية من هذا الاحتجاز هي كما ترى منعنا من الوصول إليهم، ولو استطعنا لما كان ثمة أية فائدة؛ لأنهم يبقونهم سكارى عن عمد، إن وكيل فزكين داهية، داهية كبير فعلًا.»

ولبث المستر بكوك محملقًا، ولم يقل شيئًا.

وقال المستر بركر راجٍ، وهو هابط بصوته إلى ما يشبه الهمس: «ولكننا جد مطمئنين، وقد أقمنا هنا ليلة أمس حفلة شاي صغيرة، دعونا إليها خمسًا وأربعين امرأة يا سيدي العزيز، وأعطينا كل واحدة منهن مظلة خضراء عند انصرافها.»

وقال المستر بكوك مبهوتًا: «مظلة!»

ومضى المستر بركر يقول: «فعلًا، يا سيدي العزيز، فعلًا، وزَّعنا خمسًا وأربعين مظلة خضراء بسعر الواحدة سبعة شلنات وستة بنسات؛ كل النساء بالزخارف والزينة مولعات، إن تأثير هذه المظلات خارق للمألوف؛ لأنها كفيلات بحصولنا على أصوات أزواجهن، ونصف عدد إخوتهن. إنها لتفوق في تأثيرها الجوارب والقمصان، وما إليها من الأشياء الجوفاء، إنها فكرتي يا سيدي العزيز، فكرتي أنا من جميع نواحيها، إنها تنفع في البرد والمطر والشمس على السواء، ولا تستطيع الآن أن تمشي بضع خطوات في الشارع دون أن تلتقي بعدد «من هذه المظلات الخضراء.»

وهنا استرسل الرجل النحيف في ضحك شديد، لم ينثنِ عنه إلا بدخول شخص ثالث، وكان هذا رجلًا طويلًا نحيلًا ذا رأس رملي اللون، يميل إلى الصلع، ووجه امتزجت فيه رهبة المظهر بنظرة العمق الذي لا يسبر له غور، وكان مرتديًا ثوبًا أسود مستطيلًا، وصدارًا في مثل لون ردائه، وسراويل فضفاضة، ويتدلى منظار ذو زجاجتين من جيب صداره، وعلى رأسه قبعة خفيضة ذات حاشية عريضة، وتولى المستر بركر تعريف المستر بكوك به، فقال: إنه المستر «بت» رئيس تحرير «الغازت إيتنزول».

وبعد بضع ملاحظات تمهيدية راح المستر بت يدور بعينيه ناحية المستر بكوك، وهو يقول بلهجة الجد: «هل تثير هذه المنافسة اهتمامًا شديدًا في العاصمة يا سيدي؟»

وأجاب المستر بكوك: «أعتقد ذلك.»

وعاد المستر بت يقول وهو ينظر صوب المستر بركر مرتقبًا منه التأمين على قوله: «إني لواثق أن بعض الفضل في ذلك يرجع إلى مقالي المنشور في يوم السبت الماضي.»

وأجاب السيد النحيف: «بلا أدنى شك.»

وقال المستر بت: «إن الصحافة أداة ذات قوة بالغة يا سيدي.»

ووافق المستر بكوك على هذا الرأي كل الموافقة.

واستتلى المستر بت قائلًا: «ولكني على يقين يا سيدي من أنني لم أُسِئْ يومًا استغلال هذه القوة العظيمة التي في يدي، ولم أوجه هذا السلاح الرفيع الشأن الذي وُضِع في كفي في صدر حياة الأفراد الخاصة وقدسيتها، أو في صميم سمعة إنسان وشهرته، وأعتقد يا سيدي أنني كرست قواي وجهودي، وقد تكون هذه الجهود صغيرة متواضعة، بل أعرف أنها كذلك في سبيل غرس تلك المبادئ التي …»

وهنا بدا على رئيس تحرير «الغازت إيتنزول» أن ذهنه بدأ يشرد، فبادر المستر بكوك إلى إسعافه قائلًا: «بلا شك.»

وقال المستر بت: «ودَعْنِي أسألك يا سيدي، ما شعور الرأي العام في لندن من ناحية خصومتي مع جريدة «إيتنزول المستقلة»؟»

وتدخل المستر بركر قائلًا، وهو ينظر نظرة استحياء يغلب على الظن أنها عريضة: «لقد تأثرت كثيرًا بلا شك.»

ومضى المستر بت يقول: «ستبقى هذه الخصومة ما بقيت لي صحتي وقواي، وذلك النصيب من النبوغ الذي وهبته، ولن أنزوي أو أتراجع يا سيدي يومًا عن هذا النضال، حتى أضع قدمي فوق هامة «إيتنزول المستقلة»، وإن كان نضالي حيالها قد يُحدِث بلبلة في عقول الناس، ويثير مشاعرهم، ويجعلهم عاجزين عن تأدية واجباتهم اليومية في الحياة العادية. إني أود أن يعلم أهل لندن وشعب هذا البلد جميعًا يا سيدي، أن لهم أن يضعوا ثقتهم في شخصي، وأنني لن أتخلى عنهم، وأنني معتزم أن أقف بجانبهم يا سيدي إلى النهاية …»

وقال المستر بكوك: «إن تصرفك يا سيدي نهاية في النبالة، وسمو النفس.» وراح يتناول يد «بت» العظيم.

وعاد المستر بت يقول، وهو يكاد تتقطع أنفاسه من تأثير هذا التصريح الوطني الذي أدلى به: «إنني أراك يا سيدي أخا رجاحة ونبوغ، وإني لسعيد كل السعادة يا سيدي بمعرفة رجل مثلك.»

وأجاب المستر بكوك قائلًا: «إنني أشعر بشرف عظيم من هذا الرأي الذي أبديته، اسمح لي يا سيدي بأن أقدِّم إليك رفقائي في سفري، وهم أعضاء مراسلون أيضًا في النادي الذي أفخر بأنني مؤسِّسه.»

وقال المستر بت: «يسرني التعارف بهم كل السرور.»

فانصرف المستر بكوك لحظة، وعاد بأصحابه، فقدَّمهم كما تقتضي المراسيم إلى رئيس تحرير «الغازت إيتنزول».

وهنا قال المستر بركر: «والآن يا عزيزي «بت» … إن المسألة التي أمامنا اللحظة هي ماذا نحن صانعون لأصدقائنا هنا؟»

وقال المستر بكوك: «أظن أن في إمكاننا أن ننزل في هذا الفندق.»

وأجاب المستر بيركر: «ليس فيه ولا سرير واحدًا خاليًا يا سيدي العزيز، ولا سرير واحدًا.»

وقال المستر بكوك: «هذا غريب كل الغرابة!»

وتبعه رفقاؤه قائلين: «جدًّا!»

وانثنى المستر بت يقول: «عندي فكرة في هذا الموضوع، قد تكون موفَّقة كل التوفيق، إن في فندق «بيكوك» سريرين، وفي إمكاني أن أجترئ فأقول بالنيابة عن مسز بت: إنها ستسر كل السرور بتوفير مكان للمستر بكوك، وواحد من أصدقائه في بيتنا، إذا لم يكن ثمة مانع لدى السيدين الآخرين وخادمهما من التنقل حيث يشاءون في فندق «بيكوك».

وبعد إلحاح متكرر من جانب المستر بت، وتكرار رجاء من الأعضاء من هذا الاقتراح من جانب المستر بكوك، محتجًّا بأنه لا يرضى لنفسه أن يُحدِث مضايقة أو تعبًا لزوجته الفاضلة، تم الاتفاق على أن هذا هو التدبير الميسور الذي يمكن اتخاذه، وتم هذا فعلًا، وعقب أن تناول الأصدقاء طعام الغداء معًا في فندق «تاون آرمز» افترقوا، فذهب المستر طبمن والمستر سنودجراس إلى فندق «بيكوك»، واتجه المستر بكوك والمستر ونكل إلى دار المستر بت، بعد أن اتفق الجميع على أن يتوافوا إلى فندق «تاون آرمز» في الصباح؛ لمرافقة موكب السيد المحترم صمويل سلمكي إلى مقر الانتخاب.

وكانت أسرة المستر بت مقصورة عليه هو وزوجته وحدهما، ولا يخفى أن الذين رفعتهم عبقريتهم الجبارة إلى مصافِّ الأعلام البارزين في هذا العالم، لا يخلون عادة من مواطن ضعف صغيرة، تلوح أوضح وأجلى ظهورًا مما هي في الواقع، لتناقضها مع شخصيتهم العامة، وإذا كان في المستر بت نقطة ضعف، فقد كان موطن الضعف فيه أنه «يكاد يبدو» خاضعًا أكثر مما ينبغي لرقابة زوجته عليه، وسلطانها الذي لا يخلو من الغض والازدراء به، وإنْ كنَّا لا نجد مبرِّرًا يدعو إلى تعليق أهمية خاصة على هذه الحقيقة؛ لأن مسز بت في هذا الحادث بالذات أبدت أدبًا جمًّا، وسلوكًا يستهوي النفوس، وفتونًا يستبي الأفئدة في استقبال السيدين.

وقال المستر بت وهو يقدِّم الضيفين: «يا عزيزتي، هذا هو المستر بكوك … المستر بكوك من لندن.»

وتلقت مسز بت يد المستر بكوك الأبوية بعذوبة ساحرة، بينما وقف المستر ونكل الذي لم يُقدَّم إليها إطلاقًا، في ناحية مظلمة، وهو يحني رأسه بالتحية دون أن يأبه أحد به.

وقالت مسز بت: «يا عزيزي ب.»

وأجابها المستر بت قائلًا: «إيه يا عزيزتي.»

قالت: «من فضلك عرِّفني بالسيد الآخر.»

قال: «ألف معذرة! اسمح لي — مسز بت، المستر …» وعاجله المستر بكوك قائلًا: «المستر ونكل.»

وردَّد بت الاسم: «ونكل.»

وتم التعارف …

وأنشأ المستر بكوك يقول: إننا معتذران لك يا سيدتي كثيرًا عن إزعاجنا لنظامكما المنزلي في «ساعة ضيقة».

وأجابت السيدة بت برشاقة بالغة: «أرجوك يا سيدي ألا تذكر هذا، وأؤكد لك أن هذه متعة كبيرة لي، أن أشهد وجوهًا جديدة؛ لأنني أعيش من يوم إلى يوم، وأسبوع إلى أسبوع، في هذا المكان المضجر دون أن أرى أحدًا.»

وقال المستر بت مداعبًا: «لا ترين أحدًا يا عزيزتي!»

وأجابت مسز بت بحدة: «لا أحد سواك.»

وقال رب الدار لضيفه، تعليلًا لأسف زوجته وضجرها: «وهكذا ترى يا مستر بكوك أننا إلى حد ما منقطعان عن عدة ملذات ومسرات، كان من الجائز أن نتناول قسطًا منها. إن مركزي في رياسة تحرير «الغازت إيتنزول»، والمكانة التي تحتلها هذه الصحيفة في البلاد، وانغماسي المستمر في دوامة السياسة …»

وهنا قاطعته مسز بت قائلة: «عزيزي ب …»

وقال رئيس التحرير: «نعم يا حياتي.»

فعادت تقول: «أود يا عزيزي أن نحاول إيجاد موضوع آخَر للحديث يتسنى لهذين السيدين أن يجدا فيه مصلحة وطنية.»

وقال المستر بت بذلة بالغة: «ولكن المستر بكوك يا حبيبتي يبدي اهتمامًا به.»

وقالت مسز بت بلهجة التوكيد: «لا بأس عليه إذا هو استطاع، ولكنني تضايقت أشد الضيق من سياستك ومشاداتك مع «الجريدة المستقلة»، وهذا الهراء كله، وإني لمندهشة حقًّا يا «ب» من هذا العرض الذي تريد به إظهار سخافتك!»

وقال المستر بت: «لكن يا عزيزتي …»

وعاجلته زوجته قائلة: «أوه! كلام فارغ! لا تكلمني! هل تلعب «الأكارتيه» يا سيدي؟»

وأجاب المستر ونكل قائلًا: «يسعدني كل السعادة أن أتعلمها منك.»

قالت: «إذن قرِّبْ هذه المنضدة الصغيرة من هذه النافذة، ودَعْني أبتعد من سماع هذا الكلام السقيم في السياسة.»

وقال المستر بت للخادم التي أحضرت الشموع: «اذهبي يا جان إلى مكتبي في الدور الأول، وهات الملف الخاص «بالغازت» عن عام ١٨٢٨.» والتفت إلى المستر بكوك، ومضى يقول: «سأقرأ عليك بضع افتتاحيات كتبتها في حينها عن تعيين واحد من الصُّفْر جابيًا جديدًا لجمع المكوس هنا، وأعتقد أنها ستسرك.»

وقال المستر بكوك: «أحب كثيرًا أن أسمعها.»

وجاء الملف، وجلس رئيس التحرير وبجانبه جلس المستر بكوك.

وقد بحثنا عبثًا في كل صفحات «كناشة» المستر بكوك على أمل الاهتداء إلى خلاصة عامة لتلك المقالات الإنشائية الجميلة، ولدينا من الأسباب ما يحملنا على الاعتقاد بأنه وجد لذة تامة في قوة أسلوبها وطرافته، وقد رأينا المستر ونكل يسجل من جانبه القول بأن عينيه ظلتا مغمضتين — كأنما إغماضهما من فرط السرور — طيلة الوقت الذي استغرقتها قراءتها.

وجاء إعلان القوم أن العشاء قد هُيِّئ، فأوقف لعب «الأكارتيه»، وقراءة المقالات الجميلة في «الغازت إيتنزول»، وبدت مسز بت أصفي ما تكون مزاجًا، وأبدع ما تكون نفسية، وكان المستر ونكل قد قطع شوطًا كبيرًا في كسب جميل رأيها فيه، فلم تتردد في إبلاغه سرًّا أن المستر بكوك شيخ لطيف ظريف، وهي عبارة تنطوي على تعبير اعتاد بعض الذين توثقت معرفتهم بذلك الرجل الجهار الذهن التحدث به، والكلام فيه، وقد حرصنا على إيراده هنا؛ لما فيه من دليل يهز القلوب لتوه وساعته، ويقنع النفوس بذلك التقدير الذي تقدِّره به كل طبقة من طبقات المجتمع، والسهولة التي يشق بها طريقه إلى المشاعر والأفئدة.

وكان الوقت متأخرًا، وقد أوغل الليل، حين أوى الصديقان إلى الراحة، بعد أن استولى النعاس على صاحبيهما الآخرين، وهما المستر طبمن والمستر سنودجراس في بعض زوايا فندق «بيكوك» بوقت طويل، ولم يلبث النوم أن أخذ بمعاقد أجفان المستر ونكل، ولكن مشاعره كانت قد اضطربت، وإعجابه قد استثير، فلبث وجه السيدة بت الجميل، وقوامها المحبَّب، عدة ساعات بعد أن غشي النوم على حواسه، فلم يَعُدْ يشعر بأمور الدنيا ومشاهدها، يتراءيان مرة بعد أخرى لخياله السابح، ويتمثلان له في شوارد أحلامه، وسوانح رؤاه.

وكانت الضوضاء والحركة اللتان عادتا مع مطالع الصباح كافيتين لأن تنفيا من خاطر أغزر الخياليين في العالم خيالًا، كلَّ شيء غير الأفكار المتصلة رأسًا بالانتخاب، الذي أخذ موعده يقترب مسرعًا، فلم يلبث قرع الطبول، والنفخ في الأبواق والمزامير، وصيحات الناس، ومواقع حوافر الخيل أن ترددت أصديتها في الشوارع من أبكر ساعات الفجر وبوادره، وجاءت معركة عارضة بين خفاف المناوشين من كل حزب، فزادت في الحال حركة الاستعدادات صخبًا، ونوَّعت صورها وأشكالها تنويعًا لطيفًا مقبولًا …

وأنشأ المستر بكوك يقول «لسام» غلامه حين ظهر بباب غرفة نومه، في اللحظة التي كان يُتِم فيها زينته: «إيه يا سام، أظن الحياة قد دبَّت اليوم في كل شيء.»

وأجاب المستر ولر: «مباراة منظَّمة يا سيدي، إن جماعتنا يتوافون الساعة إلى الفندق، وقد بدأت أصواتهم تبح من الصياح الآن.»

وعاد المستر بكوك يسأل غلامه قائلًا: «وهل يبدو عليهم يا سام أنهم فعلًا مخلصون لحزبهم.»

وقال سام: «لم أرَ يا سيدي إخلاصًا كهذا في حياتي.»

وقال المستر بكوك: «قويًّا، آه؟»

وأجاب سام: «بشكل غير عادي، لم أرَ الناس من قبلُ يأكلون ويشربون إلى هذا الحد الكبير، وأعجب أنهم لا يخافون أن «يتفجروا» من كثرة الأكل والشراب على هذه الصورة.»

وقال المستر بكوك: «هذا يرجع إلى خطأ السادات هنا في فهم معنى العطف والحنان.»

وأجاب سام بإيجاز: «جائز جدًّا.»

وألقى المستر بكوك نظرة من النافذة وهو يقول: «يلوحون لي أناسًا خفافًا لطافًا ظرافًا.»

وأجاب سام قائلًا: «ظرافًا للغاية، لقد كنت أنا واثنان من خدم فندق بيكوك نضع تحت «المضخة» الناخبين المؤيدين لصحيفة «إنديبندنت» الذين كانوا يتعشون هناك في الليلة الماضية.»

وصاح المستر بكوك قائلًا في دهشة: «تضعونهم تحت المضخة!»

وأجاب خادمه: «نعم، فقد نام كل إنسان حيث سقط، فكنا نجرهم في هذا الصباح واحدًا بعد واحد إلى المضخة؛ فنضعهم تحتها، ونترك الماء ينزل عليهم، وهم الآن في حال حسنة، وشكل بديع، وقد دفعت لنا اللجنة على هذا العمل شلنًا عن كل رأس.»

وصاح المستر بكوك في دهشة: «أيمكن أن تحدث هذه الأمور؟»

وقال سام: «يا سيدي، بارك الله في عمرك، بالله أين كان مولدك؟ هذه أمور بسيطة جدًّا، فما بالك بغيرها إذن؟ هذه لا شيء.»

وقال المستر بكوك «لا شيء!»

وأجابه غلامه: «لا شيء مطلقًا يا سيدي، لقد حدث في الليلة السابقة لآخر يوم في الانتخاب الأخير هنا أنَّ الحزب المعارض رشا الساقية في فندق «تاون آرمز»؛ لغش البراندي الذي ستقدمه لأربعة عشر ناخبًا لم يكونوا قد أعطوا أصواتهم، وكانوا نازلين في هذا الفندق.»

فسأله المستر بكوك: «ماذا تقصد بكلمة غش البراندي؟»

وأجاب سام قائلًا: «يعني تضع فيه منوِّمًا، وقد فعلت الساقية، فتركتهم ينامون جميعًا إلى ما بعد انتهاء الانتخاب باثنتي عشرة ساعة، واضطر القوم أن يحملوا واحدًا منهم إلى صندوق الانتخاب في مركبة نقل، وهو نائم غارق في النوم، على سبيل التجربة، ولكنها لم تفلح؛ لأن اللجنة رفضت، فاضطروا إلى العودة به وألقوه في فراشه ليواصل النوم مرة أخرى.»

وقال المستر بكوك محدِّثًا نفسه، ومخاطبًا سام في وقت واحد: «هذه تصرفات غريبة!»

وأجاب سام: «ليست غريبة كثيرًا بالنسبة لظرف عجيب حدث لوالدي نفسه في أحد الانتخابات في هذه الدائرة ذاتها يا سيدي.»

قال: «وكيف كان ذلك؟»

ومضى سام يقول: «كان والدي يسوق مركبة إلى هنا في ذات مرة، فحلَّ موعد الانتخاب، فأستجأره أحد الحزبين لإحضار ناخبين من لندن، وفي الليلة السابقة لموعد انصرافه، بعثت اللجنة الانتخابية لتأييد مرشح الحزب الآخَر في طلبه سرًّا، فذهب مع الرسول، وأدخله الرسول على اللجنة، وكانت تجلس في غرفة واسعة، فرأى خلقًا كثيرًا فيها، وأكوامًا من الأوراق والأقلام والمحابر وغيرها، وقال السيد الجالس في كرسي الرياسة: «آه يا مستر ولر، يسرني لقاؤك يا سيدي، كيف حالك؟» وقال والدي: «بخير والحمد لله، أشكرك يا سيدي.» وقال السيد الرئيس: «أرجو أن تكون الأحوال بين بين.» وأجاب والدي: «الحال طيبة، وأشكرك يا سيدي.» وقال السيد: «اجلس يا مستر ولر، أرجوك أن تجلس يا سيدي.» فجلس والدي، وراح هو والسيد يتبادلان النظر طويلًا، وبدأ السيد يقول: «ألا تتذكرني؟» وأجاب والدي: «لا أستطيع أن أقول.» وقال السيد: «أنا عارفك … لقد عرفتك وأنت غلام.» وأجاب والدي: «والله أنا غير متذكر.» وقال السيد: «شيء غريب جدًّا، لا بد أن تكون ذاكرتك ضعيفة يا مستر ولر.» وأجاب والدي: «ذاكرتي ضعيفة جدًّا.» وقال السيد: «أعتقد ذلك.» وعندئذٍ ملئوا له كأسًا من النبيذ، وطفقوا يتحدثون معه عن سوقه، ويداعبونه، ويمزحون معه، وأخيرًا دسوا ورقة بعشرين جنيهًا في يده، وعاد السيد يقول: «إن الطريق رديء للغاية من هنا إلى لندن.» وأجاب والدي: «إنه طريق ثقيل في بعض أجزائه.» وقال السيد: «وبالأخص قرب القناة.» وقال والدي: «هذا طريق ملعون جدًّا.» وقال السيد: «ولكنك يا مستر ولر سوَّاق بارع تُحسِن استخدام السوط، وتفعل بخيلك ما تشاء، ونحن جميعًا نحبك يا مستر ولر، فإذا كان لا بد أن يقع حادث وأنت قادم بأولئك الناخبين إلى هنا، فَلْيكن ذلك الحادث إسقاطهم في القناة، ولكن دون أذى لهم، وهذا المبلغ لمزاجك.» وقال الوالد: «هذا كريم منك يا سيد، وسأشرب كأسًا في صحتك.» وراح يشربها، ووضع المال في جيبه، وضم ثوبه عليه، وانحنى مسلمًا وخرج.»

ومضى سام يقول وهو يلقي على سيده نظرة جريئة صامتة لا يمكن التعبير عنها: «وسوف لا تصدق يا سيدي إذا قلت لك أن المركبة التي جاء فيها بأولئك الناخبين في ذلك اليوم انقلبت عن تلك النقطة عينها، وسقطوا كلهم في القناة …!»

وأسرع المستر بكوك في سؤاله: «وهل خرجوا منها؟»

وأجاب سام بكل رفق وبطء: «أظن أنه ظهر أن شيخًا منهم لم يُعثَر عليه، ولكني علمت أن قبعته وُجِدت، وإن لم أكن متأكدًا تمامًا هل كان رأسه فيها أو لا، وكل ما أنا مندهش له هو هذه المصادفة العجيبة المدهشة؛ إن مركبة والدي بعد الذي قاله ذلك السيد رئيس اللجنة الانتخابية قد انقلبت في تلك الجهة بالذات، وفي ذلك اليوم بعينه …!»

وقال المستر بكوك: «إنه بلا شك ظرف غير مألوف بالمرة، ولكن نظِّفْ قبعتي يا سام؛ لأنني أسمع صوت المستر ونكل يناديني إلى الفطور.»

ومضى المستر بكوك بعد هذه الكلمات يهبط السلم إلى قاعة الجلوس؛ حيث وجد طعام الإفطار مهيَّأ، والأسرة مجتمعة، ولم تلبث الوجبة أن انتهت، وزُيِّنَتْ قبعة كل من السيدين بشارة زرقاء بارزة، وكان المستر ونكل قد تعهد بمرافقة السيدة إلى سطح أحد المساكن القريبة من مكان الانتخاب، فذهب المستر بكوك والمستر بت وحدهما إلى فندق «تاون آرمز»، وكان أحد أعضاء لجنة المستر سلمكي واقفًا في شرفة خلفية منه يخطب في ستة أولاد صغار وصبية، وهو يمجدهم بين كل عبارة وأخرى من خطابه بمناداتهم: يا رجال «إيتنزول»، فكان أولئك الغلمة يستقبلون هذا اللقب المخلوع به عليهم بأشد الهتاف والتصفيق.

وكان فناء الإسطبلات في الفندق مظهرًا صادقًا من مظاهر قوة «الزُّرْق»، وروعتهم وجلالهم، فقد كان هنالك جيش منظم من حَمَلة الأعلام الزرقاء، بعضهم يحمل سارية واحدة، والآخرون يحملون ساريتين، وقد ازدانت تلك الأعلام بوسائل مبتكَرة، وزخارف مناسبة، وكُتِب عليها عبارات بحروف مذهَّبة، وهي ترتفع أربعة أقدام، وتلوح كبيرة الأحجام، كما كانت هناك فرقة موسيقية كبيرة، تتألف من طبول ومزامير وأبواق، ويسير أفرادها أربعة أربعة، ويبرئون ذممهم من الأجر الذي يتقاضونه بحق، ولا سيما الطبالون منهم، فقد كانوا أشداء مفتولي العضلات، إذا صح أن في الناس مَنْ يكسب أجره بحق، وكان هنالك أيضًا جماعات من المحافظين على النظام يحملون عصيًّا زرقاء، وأعضاء اللجنة — وهم عشرون عضوًا — يضعون أغطية زرقاء حول أعناقهم، وجمع حاشد من السوقة يلبسون قبعات بهذا اللون، وكان هنالك ناخبون على ظهور الخيل، وآخرون مشاة، ومركبة مكشوفة بأربعة جياد لمركب السيد الشريف صمويل سلمكي، وأربع مركبات بحصانين لأصدقائه ومؤيديه، وكانت الأعلام خفاقة، والموسيقى عازفة، والمحافظون على النظام يسبون ويلعنون، وأعضاء اللجنة يتشاحنون ويتشاجرون، والغوغاء يصيحون ويصرخون، والجياد تتواثب وتتراجع، والسائسون تتفصد جباههم عرقًا، وكل مَن في الموضع، وكل ما في الساحة، قد هُيِّئ واجتمع وتوافر لخدمة السيد الشريف صمويل سلمكي ومصلحته، وشرفه وسمعته، وهو أحد المرشحين عن دائرة إيتنزول للنيابة عنها في مجلس العموم ببرلمان المملكة المتحدة.

وتعالت الهتافات واستطالت، وخفقت الرايات — وقد كُتِب على أديم إحداها «حرية الصحافة» — في اللحظة ذاتها التي أشرف فيها رأس المستر بت الأصفر الشعر على الحاشدين من إحدى الشرفات، على السوقة المحتشدين في الفناء، وما كان أشد الحماسة التي استُقْبِل بها السيد الشريف صمويل سلمكي، وقد تقدَّم في حذائه الطويل، وغطاء رقبته الأزرق، فتناول يد المستر بت، معبِّرًا في صورة «مسرحية» للمحتشدين في الساحة عن شكره الذي لا يمحوه شيء، ودَيْنه الذي لا يفي به عرفان لجريدة «الغازت إيتنزول».

وانثنى المستر صمويل سلمكي يسأل المستر بركر: «هل كل شيء على ما يرام؟»

وأجاب ذلك الرجل النحيف: «كل شيء يا سيدي العزيز.»

وقال السيد الشريف: «أرجو ألا تكونوا قد نسيتم شيئًا.»

وأجاب المستر بركر: «لم نترك شيئًا يصح أن يُفعَل إلا فعلناه يا سيدي العزيز، لا شيء إطلاقًا، إن لدى الباب المؤدي إلى الشارع عشرين شخصًا اغتسلوا واستحموا وتهيئوا لتتقدم إليهم فتصافحهم بيدك، وستة أطفال محمولين على الأذرع لكي تربت على رءوسهم بكفك، وتسأل عن أعمارهم، فاهتمَّ خاصة بالأطفال يا سيدي العزيز، فإن هذه الحركة كبيرة الأثر في النفوس دائمًا.»

وقال السيد الشريف صمويل سلمكي: «سأهتم بالأمر.»

وعاد السيد النحيف الفطن المحتاط لكل شيء يقول: «ويمكن أيضًا يا سيدي العزيز، إذا استطعت، لأني أريد أن أقول إن ذلك شيء لا يمكن الاستغناء عنه، وإنما أقول إذا تيسَّر أن تقبِّل واحدًا منهم، فثِقْ أن ذلك سيُحدِث تأثيرًا عظيمًا جدًّا في نفوس الناخبين.»

وهنا سأل السيد الشريف قائلًا: «ألا يمكن أن يحدث هذا التأثير العظيم ذاته إذا تولى عملية التقبيل أحد من الأنصار والمؤيدين؟»

وأجاب الوكيل: «أخشى ألا يُحدِثه، أما إذا توليتها أنت بنفسك يا سيدي العزيز، فإني أعتقد أنها ستجعلك محبوبًا من الشعب كل المحبة.»

وقال السيد المحترم بلهجة المستسلم: «ليكن ذلك، ما دام لا مفر منه …»

وصاح أعضاء اللجنة العشرون: «أَعِدُّوا الموكب.»

وفي الحال، ووسط الهتاف المدوي من حناجر المحتشدين، اتخذت الفرقة الموسيقية، والمحافظون على النظام، وأعضاء اللجنة الانتخابية، وجموع الناخبين، والخيالة، والمركبات، أماكنهم من الموكب الزاخر، وامتلأت كل مركبة من المركبتين اللتين يجرهما حصانان بأقصى عدد من الركاب يمكن حشرهم فيها وقوفًا على سوقهم، وركب في الأخرى المستر بكوك، والمستر بركر، والمستر طبمن، والمستر سنودجراس، ونحو ستة من أعضاء اللجنة أيضًا.

وسادت لحظة رهيبة، وغمرها سكون مروع؛ انتظارًا لظهور السيد المحترم صمويل سلمكي، وتقدُّمه ليستقل المركبة ليبدأ الموكب سيره، ولم تلبث الجماهير أن أرسلت فجأة هتافًا مدويًا.

وقال المستر بركر في حماسة بالغة: «لقد خرج إليهم.» ولم يكن السيد النحيف في موضع يمكِّنه أن يمكِّن الركب الذين معه من رؤية ما هو حادث.

وتعالى هتاف آخَر أشد دويًّا من سالفه.

وعاد المستر بركر يقول: «لقد صافح الناخبين بيده.»

ودوَّى هتاف ثالث أبعد صدى.

فقال المستر بركر وهو يرعش من شدة الفضول والسعوط: «لقد ربَّتَ بيده على رءوس الوِلْدان.»

وعاد الهتاف يشق عنان السماء.

وصاح السيد النحيف وهو في فرح بالغ: «لقد قَبَّل أحدهم.»

وتعالى الهتاف مرة أخرى.

وعاد السيد النحيف يصيح من شدة الحماسة: «لقد راح يقبِّلهم جميعًا.»

وبدأ الموكب يشق طريقه وسط صيحات تصم الآذان.

وليس في إمكاننا أن نصف كيف اختلط هذا الموكب بالموكب الآخر، أو بأية وسيلة اختلط، وكيف تواتى له الخروج من الفوضى التي ضربت أطنابها، من جراء هذا الاختلاط، وكل ما في وسعنا أن نقوله إن قبعة المستر بكوك طارت من فوق رأسه؛ فهبطت فوق عينيه وأنفه وفمه، بسبب سارية من ساريات أعلام «الصُّفْر»، أصابتها في بداية الموكب، وقد وصف هو المشهد بقوله إنه وجد نفسه — حين تيسر له أن يلتقط لمحة من المشهد — محاطًا من كل جانب بوجوه غاضبة، وسحنات كاشرة، وغمامة كثيفة من الغبار، وحشد حاشد من المتشاجرين، وقال إن قوة خفية أنزلته من المركبة كرهًا، وإنه اشتبك أيضًا في معركة ملاكمة، ولكنه لا يعرف مطلقًا مع مَن اشتبك أو كيف، أو لماذا، ثم وجد نفسه يُدفَع من الخلف دفعًا فوق مدارج سلم خشبي، ولم يكد يرفع قبعته عن رأسه حتى رأى نفسه بين أصدقائه في مقدمة الجانب الأيسر من المنصة، وكان الجناح الأيمن مخصَّصًا لحزب «الصُّفْر»، والجزء الأوسط منها للعمدة وموظَّفِيه، وكان أحدهم — وهو المنادى البدين في المدينة — يقرع ناقوسًا ضخمًا، يطلب أن يسود الصمت، بينما كان السيد هوراشيو فيزكن والسيد المحترم صمويل سلمكي قد وضعا يديهما فوق قلبيهما، وهما يدليان في تلطُّف متناهٍ لذلك البحر الزاخر من الرءوس الذي غمر مقدمة الساحة المكشوفة، وقد تصاعدت من ناحيتها عواصف وزوابع من الأنات والصرخات والصيحات والصفير، تزري بما للزلزال من تأثير.

وقال طبمن: «هناك، فوق سطح ذلك البيت … ها هو ذا ونكل!»

وقال المستر بكوك، وهو يضع منظاره فوق عينيه، وكان لحسن الحظ قد حفظه في جيبه إلى تلك اللحظة: «أين؟»

وقال طبمن: «هناك، فوق سطح ذلك البيت.»

وبالفعل كان المستر ونكل ومسز بت هنالك فوق الأنابيب المصنوعة من الرصاص في سطح بيت من القرميد يجلسان مستريحين على مقعدين، وهما يلوحان بمنديلهما تلويحة توحي أنهما قد لمحا المستر بكوك وزميله، وهي تحية رَدَّ عليها المستر بكوك بقبلة من يده أسلمها إلى الريح لتحملها إلى السيدة.

ولم تكن الإجراءات المتبعة في هذا الموقف قد ابتدأت بعدُ، والمعروف عن الجماهير، حين لا تجد شيئًا تنشغل به، أن تنبعث إلى «التنكيت»، فكانت تلك الحركة البريئة من جانب المستر بكوك كافية لإثارة المجون.

figure
الانتخابات في إيتنزول.

فصاح صوت قائلًا: «آه، أيها العجوز الخبيث، الذي ينظر إلى البنات! أليس كذلك؟»

وصاح آخر: «ارجع أيها الشيخ عن الإثم، وتُبْ يومًا.»

وصاح ثالث يضع المنظار على عينيه: «ليغازل امرأة متزوجة!»

وصرخ رابع: «أراه يغمز لها بطرف عينه الأثيمة.»

وقال خامس: «احرص يا بت على امرأتك.»

وتعالت الضحكات.

وكان غضب المستر بكوك على أشده، من هذه النكات التي اقترنت بمقارنة مثيرة بينه وبين رجل كبير السن، واختلطت بعدة مداعبات ونكات من هذا النوع وأمثاله، والتي أريد منها أيضًا المساس بشرف سيدة بريئة، فكاد يرفع الصوت محتجًا، لولا أن طُلِب إلى الجمع التزام السكوت؛ فاكتفى بإرسال نظرة قاسية عابسة إلى الجماهير، ورثاء لعقولها الضالة، فما زادتهم نظرته هذه إلا ضحكًا مدويًا، واستهزاء متناهيًا.

وصاح رجال العمدة: «سكوتًا!»

وقال العمدة بلهجة فخمة تليق بمركزه الرفيع: «يا ويفن، اطلب إليهم السكوت.»

وامتثالًا لهذا الأمر عاد المنادي يقرع الناقوس، وعندئذٍ صاح أحدهم قائلًا: «أين الفطير؟» فدوت الضحكات مرة أخرى.

وبدأ العمدة يخطب، فقال بأعلى صوت استطاع إطلاقه من حنجرته: «أيها السادة، أيها الإخوان، ناخبي دائرة إيتنزول، لقد اجتمعنا هنا اليوم لانتخاب نائب يشغل المقعد الخالي بوفاة المرحوم …»

وهنا قاطعه صوت من جانب الجمهور يقول: «ليحيَ العمدة، وَلْيكن النجاح والتوفيق نصيبه، حتى لا يفلت من كفه المسمار وطبق الفنجان اللذان يتقاضى منهما مرتبه!»

فقوبلت هذه الإشارة إلى مهنة الخطيب ووظيفته بعاصفة من الضحك والسرور، فلم تلبث بقية خطبته من أثر قرع الناقوس مرة بعد أخرى أن ضاعت في الهواء، ولم تَعُدْ مسموعة إلا حين بلغ منها العبارة الختامية التي شكر فيها للجمهور انتباهه وإصغاءه لخطبته من بدايتها إلى خاتمتها، وهو شكر قوبل بعاصفة جديدة من الضحك لبث ربع ساعة مدويًا.

وانبرى عندئذٍ رجل نحيف طويل العود يلبس قميصًا أبيض، مكويًّا بالنشاء؛ ليخطب في الجماهير المحتشدة، ولكنه ما كاد يتكلم حتى ارتفعت الأصوات من كل ناحية تطلب إليه أن يرسل غلامًا إلى بيته ليسأل امرأته: هل تراه ترك صوته تحت الوسادة! بَيْدَ أنه استطاع أن يقول إنه يرجو أن يرشح الشخص الجدير بشرف النيابة عنهم في البرلمان. ولما قال إن هذا الشخص هو السيد هوراشيو فيزكن، قابله أنصار فيزكن بالهتاف، ومؤيدو سلمكي بالصفير، واشتد الهتاف والصفير لحظة طويلة، حتى لقد كان في وسع الخطيب والذي سيليه فوق المنبر أن يغنيا أغنيات فكهة، بدلًا من أن يخطبا ويناشدا، دون أن يأبه بهما أي مخلوق لغنائهما.

وبعد أن فرغ أنصار هوراشيو فيزكن من دورهم، تقدَّم رجل صغير الجثة، سريع الغضب، قرنفلي الوجه، ليقترح مرشحًا آخَر خليقًا بأن يمثل ناخبي إيتنزول في البرلمان، وكان من الجائز لذلك الرجل القرنفلي الوجه أن يمضي في خطبته سابحًا طافيًا، لو لم يكن مفرطًا في الغضب والاحتداد إلى حدٍّ جعله لا يفطن إلى مجانة الجماهير ودعابتها، ولكنه بعد بضع كلمات حشد فيها ألوانًا من الاستعارات والمجاز، انتقل من التنديد بأولئك الذين قاطعوه إلى تبادل التحدي مع السادة القائمين فوق المنصة، فلم تلبث أن ارتفعت صيحات مزمجرة في وجهه، فاضطر إلى التعبير عن مشاعره بالإشارات والحركات دون الكلام، ثم ترك المنصة للخطيب الذي يليه، فقام هذا يلقي خطبة مكتوبة استغرقت نصف ساعة، وهو يأبى الامتناع عن الكلام، والوقوف عن الخطبة؛ لأنه كان قد بعث بها إلى صحيفة «الغازت إيتنزول»، وكانت الصحيفة قد نشرتها فعلًا بحذافيرها.

وعندئذٍ تقدَّم السيد هوراشيو فيزكن من «لودج فيزكن» بقرب إيتنزول ليخطب في جموع الناخبين، ولكنه ما كاد يبدأ الكلام حتى أخذت الفرقة الموسيقية التي استأجرها السيد المحترم صمويل سلمكي تعزف بقوةٍ لم يكن صخبها في الصباح ليُذكَر بجانب ضوضائها في هذا المقام، فما كان من أنصار «الصُّفْر» للرد على هذا إلا أن راحوا يضربون بالعصي رءوس «الزُّرْق» وأكتافهم، ومضى هؤلاء يحاولون التخلص من هؤلاء الجيران الثقلاء معاشر الصُّفْر، وعندئذٍ بدأ التدافع والتجاذب والعراك بين الفريقين، وهو مشهد ليس في إمكاننا أن نؤدي له من حق الإنصاف أكثر مما فعله «العمدة»، وإن كان قد أصدر أوامر مشدَّدة إلى اثني عشر رجلًا من القائمين على حفظ النظام بالقبض على كبار الجناة، وهم قرابة مائتين وخمسين رجلًا، وكان السيد هوراشيو فيزكن وأصحابه خلال هذه الملاحم والاشتباكات قد استشاطوا غيظًا، وتناهوا في الغضب والهياج، حتى اضطر السيد هوراشيو في النهاية أن يرجو إلى منافسه السيد المحترم صمويل سلمكي أن ينبئه هل كان عزف تلك الفرقة الموسيقية تنفيذًا لأمر صادر منه؟ ولكن السيد المحترم صمويل سلمكي رفض الإجابة عن هذا السؤال، فما كان من السيد هوراشيو فيزكن إلا أنْ هَزَّ قبضة يده في وجه السيد المحترم، وعندئذٍ تصاعد الدم في وجه هذا السيد، فطلب إلى منافسه المبارزة، وإزاء هذه المخالفة الصارخة لجميع القواعد والسوابق المتصلة بأمر النظام وصونه، طلب العمدة إلى «المنادي» أن يقرع الناقوس، وأعلن أنه سوف يدعو كلًّا من السيد هوراشيو فيزكن، والسيد المحترم صمويل سلمكي إلى الحضور أمامه، وينذرهما بوجوب حفظ النظام، وأمام هذا التنديد المروع تدخَّل أنصار المرشحين، وبعد أن قضى أصدقاء كل حزب ومريدوه ثلاثة أرباع الساعة في مشاجرات ومنازعات بين كل اثنين من الفريقين، رفع السيد هوراشيو فيزكن يده، فلمس قبعته تحية للسيد المحترم صمويل سلمكي، وفعل هذا ما فعله منافسه، فكفَّت الموسيقى عن العزف، وهدأ الفريقان نوعًا ما، وسُمِح للسيد هوراشيو فيزكن بمتابعة الكلام.

وكانت خطبتا المرشحين، على اختلافهما في كل شيء، تنويهًا بديعًا بفضل ناخبي إيتنزول ورجاحة ألبابهم، فقد ذهب كلاهما في خطابه يعلن أن الدنيا لم تشهد من قبلُ مَن هُمْ أكثر استقلالًا، ولا أوفر فطنة واستنارة، ولا أرعى للروح الوطنية، ولا أسمى أذهانًا، ولا أبدع نزاهة، من معاشر الناخبين الذين تعهدوا بإعطائه أصواتهم، كما مضى كلٌّ منهما يشير من طرف خفي إلى توجسه خيفة من أن يكون الناخبون في الجانب الآخر من الخبث والسخف والعجز، بحيث لا يصلحون لتأدية الواجب الخطير الذي طُلِب إليهم تأديته، وراح السيد فيزكن يعلن استعداده لإنجاز كل ما يطلبه الناخبون منه، بينما مضى سلمكي يعلن أنه معتزم ألا يفعل شيئًا يطلبه الناخبون إليه أن يفعله، وقال الاثنان إن تجارة «إيتنزول» ومصالح أصحاب المصانع فيها، ومستلزمات رخاء الدائرة ورفاهيتها، أعز على نفسيهما من كل شيء في هذا العالم، وإن في وسع كلٍّ منهما أن يعلن بكل اطمئنان وثقة أنه هو الرجل الذي سيفوز في المعركة، ويظفر بتمثيل الدائرة.

وعزفت الموسيقات، وأعلن العمدة أنه يؤيد السيد المحترم صمويل سلمكي، وطلب السيد هوراشيو أخذ الأصوات، فحُدِّد موعد للتصويت، وعندئذٍ تقدم اقتراح بشكر العمدة على حسن تصرفه، ومقدرته في توجيه الحفل، من كرسي رياسته، ورد العمدة شاكرًا بعد أن قال إنه كان يتمنى لو أنه وجد كرسيًّا يستطيع وهو فيه أن يُظهِر كفايته وحسن تصرفه؛ لأنه ظل واقفًا على قدميه طيلة الاجتماع.

وأعيد تنظيم الموكب، ودرجت المركبات في طريقها برفقٍ، شاقةً صفوف الجماهير، وانثنى الناس في إثرها يرسلون صيحات وهتافات مختلفة كما تملي عليهم مشاعرهم، وترتضي أهواؤهم.

وظلت البلدة خلال فترة أخذ الأصوات في حمى شديدة من الهياج والحماسة، وجرى كل شيء على أحسن وجوهه، وفي أبدع مظاهره، فكانت السلع التي فُرِضت عليها المكوس تُعرَض رخيصة إلى حد ملحوظ في مختلف المتاجر والمحال العامة، وكانت مركبات الإسعاف تطوف الشوارع لنقل الناخبين الذين يصابون فجأة بدوار خلال المعركة الانتخابية، وهو عارض انتشر بينهم انتشارًا يبعث على أشد القلق، حتى ليُشَاهَد خلق كثير منهم في أغلب الأحيان رقودًا فوق الأفاريز غائبين عن صوابهم، وقد بقيت فئة قليلة من الناخبين متخلفة عن الانتخاب إلى اليوم الأخير قبل إقفال الصناديق، وهم معاشر أهل الرأي والمفكرين الذين لم يقتنعوا بحجج كلا الحزبين، وإن كثرت الاجتماعات والمؤامرات بينهم وبين أنصارهما، وقبل انتهاء الموعد بساعة، طلب المستر بت التشرف بحديث خاص مع أولئك الأذكياء الكبار النفوس الوطنيين، فاستجابوا له، وكانت حججه موجزة ولكن مرضية، فانطلقوا بجمعهم إلى صناديق الانتخاب، وحين عادوا كان الفوز للسيد المحترم صمويل سلمكي من سلمكي هول «محقَّقًا».

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١