الفصل الخامس عشر

تصوير صادق لشخصين بارزين، ووصف دقيق لمأدبة فطور عامة في بيتهما وحديقتهما، وكيف أدت هذه المأدبة إلى لقاء صاحب قديم، وبداية فصل جديد …

***

وبدأ ضمير المستر بكوك يؤنبه قليلًا على إهماله في الأيام الأخيرة شأن صديقيه المقيمين في فندق «بيكوك»، وفيما هو يهم بالخروج للبحث عنهما في صبيحة اليوم الثالث عقب انتهاء الانتخاب، إذ جاء خادمه الأمين، فدس في يده بطاقة كُتِب عليها هذا الاسم:
مسز ليو هنتر١
العرين – إيتنزول

وقال سام بلهجة غامضة: «صاحب البطاقة في الانتظار.»

وسأله المستر بكوك: «هل يريد مقابلتي يا سام؟»

وأجاب سام: «إنه يريد مقابلتك شخصيًّا، ولا يغني أحد سواك عنك، كما قال السكرتير الخاص في خدمة الشيطان حين جاء يدعو الدكتور فاوستس.»

وقال المستر بكوك: «هل هو رجل؟»

وأجاب المستر ولر قائلًا: «إذا لم يكن كذلك، فهو أحسن تقليد له.»

وقال المستر بكوك: «ولكن هذه بطاقة سيدة!»

وأجاب سام قائلًا: «سواء كان هذا أو ذاك، فقد أعطانيها سيد، وهو منتظر في حجرة الاستقبال، وقال إنه يفضِّل أنْ ينتظر طول النهار على أن ينصرف دون مقابلتك.»

وما إن سمع المستر بكوك هذا الإلحاح في لقائه، حتى نزل إلى حجرة الاستقبال، حيث جلس رجل وقور السمات، لم يكد يراه مقبلًا عليه حتى استوى قائمًا، وقال باحترام بالغ: «المستر بكوك، أليس كذلك؟»

قال: «بلى.»

وعاد الرجل الوقور يقول: «اسمح لي يا سيدي بشرف مصافحتك، ائذنْ لي يا سيدي في تناول يدك.»

وقال المستر بكوك: «بلا شك.»

وهز الغريب اليد المبسوطة إليه، ثم استرسل يقول: «لقد سمعنا يا سيدي بصيتك، وبلغت الضجة التي أحاطت بكشفك الأثري سمع مسز ليو هنتر زوجتي يا سيدي، فأنا المستر ليو هنتر.» وتمهل الغريب لحظة كأنما كان يرتقب من المستر بكوك التأثر بهذا الكشف عن اسمه، ولكنه رآه قد ظل هادئًا كل الهدوء، فاستتلى قائلًا: «إن زوجتي يا سيدي … مسز ليو هنتر لفخورة بأن تعد في مصاف معارفها كل مَن رفعوا ذكرهم بأمجاد أعمالهم ومواهبهم، فاسمح لي يا سيدي أن أضع في مكان بارز من قائمة أسمائهم اسم المستر بكوك، وإخوانه أعضاء النادي الذي يستمد اسمه منه.»

وأجاب المستر بكوك قائلًا: «إني ليسعدني السعادة كلها أن أتعرف إلى مثل هذه السيدة يا سيدي.»

وقال الرجل الوقور: «وإنك لفاعل يا سيدي، فنحن صباح غد يا سيدي مقيمون مأدبة فطور عامة — حفلة ريفية — لعدد كبير من أولئك الأعلام الذين ظفروا بالمجد والشهرة بفضل أعمالهم ومواهبهم، فاسمح يا سيدي لمسز ليو هنتر بأن تحظى بلقائك في مغناها المعروف بالعرين.»

وأجاب المستر بكوك: «بكل سرور.»

ومضى الرجل الوقور يقول: «إن مسز ليو هنتر قد أقامت عدة مآدب إفطار من هذا النوع يا سيدي، مآدب للعقل والنهى يا سيدي، وفيض النفس والروح، كما وصفها أحدهم في أبيات كتبها إلى مسز ليو هنتر عن مآدبها هذه، وهي أبيات تنم عن شعور صادق، ووصف مبتكر.»

وقال المستر بكوك: «وهل هو من الذين مجدتهم أعمالهم ومواهبهم؟»

وأجاب الرجل الوقور: «أي نعم يا سيدي، إن جميع معارف مسز ليو هنتر هم كذلك، إن كل أمنيتها يا سيدي ألا تعرف أحدًا سواهم.»

وقال المستر بكوك: «تلك أمنية سامية جدًّا.»

وأجاب الرجل الوقور: «إن مسز ليو هنتر ستعتز حقًّا بهذه الملاحظة التي خرجت من بين شفتيك يا سيدي حين أنقلها إليها، وأظن يا سيدي أن بين رفقائك سيدًا أخرج قصائد روائع، وخرائد صغيرة.»

وأجاب المستر بكوك قائلًا: «إن لصديقي المستر سنودجراس نزعة قوية إلى الشعر.»

واستتلى الرجل الوقور يقول: «ومسز ليو هنتر كذلك يا سيدي، فهي بالشعر مولعة، إنها لتعبد الشعر عبادة، بل يجوز لي أن أقول إن كل روحها وخواطر ذهنها مندمجة فيه اندماجًا، وقد أخرجت بعض قصائد طرائف من نظمها يا سيدي، ولعلك قرأت لها يومًا أغنيتها التي تناجي فيها «ضفدعة تلفظ أنفاسها» يا سيدي.»

وقال المستر بكوك: «لا أظن أنني قرأت شيئًا كهذا من قبلُ.»

وأجاب المستر ليو هنتر: «إني لفي دهشة يا سيدي، فإن تلك الأبيات أثارت ضجة بالغة، وقد مهرتها بالحرف «ل»، وثمانية نجوم، وظهرت أولًا في «مجلة السيدة»، وكان مطلعها:

هل أطيق رؤيتك تلهثين
وعلى بطنك، ترقدين، ولا تتنهدين؟
وكيف أطيق صبرًا على مشهدك تموتين
فوق الخشبة أيتها الضفدعة!

وقال المستر بكوك: «جميل!»

وقال المستر ليو هنتر: «بديع، سلس!»

وقال المستر بكوك: «جدًّا.»

ومضى المستر ليو هنتر يقول: «والأبيات التالية لا تزال أكثر تأثيرًا، هل أتلوها؟»

وقال المستر بكوك: «من فضلك.»

وقال السيد الوقور، وقد بدا أكثر وقارًا: «إنها تجري هكذا:

خبريني أَشَياطين في صورة غلمان
بصرخات موحشة، وصياح يصم الآذان
صادوك بكلبهم من مستنقعات المتع
أيتها الضفدعة التي بأنفاسك تجودين؟»

وقال المستر بكوك: «صياغة بديعة.»

وقال المستر ليو هنتر: «كلها في الصميم! ولكنك ستسمع مسز ليو هنتر ترددها على سمعك بنفسها، فهي وحدها التي تعرف كيف توفيها حقها يا سيدي، إنها سترددها وهي متمثلة لك في شخصية أخرى يا سيدي صباح الغد.»

– «شخصية أخرى؟»

– «في شخصية «منيرفا» ربة الحكمة، لقد نسيت أن أقول لك يا سيدي إنها مأدبة في ثياب تنكرية.»

وقال المستر بكوك، وهو ينظر إلى شكله: «يا عجبًا! ربما لا يمكني!»

وصاح المستر ليو هنتر بدهشة: «لا يمكنك؟ لا يمكنك؟ يا سيدي، كيف هذا؟ إن لدى سلمون لوكس اليهودي في شارع «هاي ستريت» آلافًا مؤلَّفة من هذه الثياب، فَلْنفكر يا سيدي في عديد الشخصيات المناسبة لتختار منها ما يلائمك: أفلاطون، زينون، أبيقور، فيثاغورس، وسائر أصحاب المدارس ومؤسسي الأندية.»

وأجاب المستر بكوك: «أعرف ذلك، ولكني لا أستطيع أن أضع نفسي في ميزان واحد وأولئك العظماء، ولهذا لا أدعي لنفسي حق ارتداء ثيابهم.»

ففكَّر الرجل الوقور مليًّا، ثم عاد بعد لحظات يقول: «لست أدري بعد أن فكرت يا سيدي في هذا الأمر، هل سيكون سرور مسز ليو هنتر أكبر وأعظم أن يرى ضيوفها سيدًا في مثل صيتك الذائع في ثوبه المألوف، أو يشهدوه في ثوب من ثياب التنكر، وشخصية منتحلة؟ ولكن يصح أن أجترئ فأعدك بهذا «الاستثناء» فيما يتعلق بك. نعم يا سيدي، إنني لواثق كل الثقة أنه بالنيابة عن مسز ليو هنتر يجوز لي أن أقدم على هذه الجرأة.»

وقال المستر بكوك: «إذا كان الأمر كذلك فسوف يسرني كل السرور أن أحضر.»

وقال الرجل الوقور كأنما قد ثاب فجأة إلى نفسه: «ولكني قد أضعت عليك وقتك يا سيدي، وإني أعلم أنه لثمين يا سيدي، ولهذا لن أحتجزك، سأقول إذن لمسز ليو هنتر أن لها أن تطمئن إلى قدومك أنت وأصحابك الأمجاد، طاب صباحك يا سيدي، إني لفخور بأني قد شهدت شخصية عظيمة كهذه، لا خطوة يا سيدي ولا كلمة.»

وتسلل المستر ليو هنتر بكل وقار منصرفًا، قبل أن يعطي المستر بكوك فرصة لاحتجاج أو رفض.

وتناول المستر بكوك قبعته، وقصد إلى فندق الطاووس «بيكوك»، ولكن المستر ونكل كان قد نقل إليه نبأ المأدبة التنكرية قبله.

وكان أول كلام استقبل به الزعيم قوله إن مسز بت ستحضر المأدبة.

وقال المستر بكوك: «أحقًّا؟»

ومضى المستر ونكل يقول: «في ثياب «أبوللو»، ولكن المستر بت يعترض على الثوب فقط.»

وقال المستر بكوك بلهجة التوكيد: «وله حق، كل الحق.»

وقال المستر ونكل: «أي نعم، ولهذا سترتدي ثوبًا أبيض من الحرير ذا برق من الذهب.»

وسأل المستر سنودجراس قائلًا: «أحسبهم لا يكادون يعرفون مرادها منه، أتظنهم سيعرفون المقصود؟»

فأجاب المستر ونكل بغضب: «طبعًا، سيعرفون؛ لأنهم سيرون قيثارها.»

فقال المستر سنودجراس: «هذا صحيح، لقد نسيت ذلك.» وقاطعه المستر طبمن قائلًا: «وسأبدو أنا في زي قاطع طريق.»

وهنا قال المستر بكوك، وقد تولته هزة فجائية: «ماذا؟»

وردد المستر طبمن القول في رفق: «قاطع طريق!»

ومضى المستر بكوك يقول وهو ينظر إلى صديقه بعبوس شديد: «لا أحسبك تعني يا مستر طبمن أن في نيتك أن تحشر نفسك في سترة من القطيفة «الخضراء»، ذات ذيل يبلغ طوله بوصتين؟»

وأجاب المستر طبمن بحماسة: «هذه هي نيتي، ولم لا يا سيدي؟»

وقال المستر بكوك ثائرًا: «لأنك يا سيدي … لأنك أكبر سنًّا من أن تبدو في هذا الذي اخترته.»

وصاح المستر طبمن مبهوتًا: «أكبر سنًّا!»

ومضى المستر بكوك يقول: «وإذا أردت اعتراضًا آخَر، فأنت أكثر بدانة من ذلك يا سيدي.»

فاشتد احمرار وجه صديقه، وانثنى يقول: «هذه إهانة يا سيدي.»

وأجاب المستر بكوك باللهجة ذاتها: «إن ظهورك يا سيدي في حضرتي بسترة خضراء من المخمل ذات ذيل قصير لا يعدو البوصتين إهانة لي، أكثر منه إهانة لك.»

وقال المستر طبمن: «سيدي، أنت مخلوق …»

وقال المستر بكوك: «سيدي، وأنت آخَر.»

وراح المستر طبمن يتقدم خطوة أو خطوتين، ويحدج المستر بكوك بنظرة حادة، ورد المستر بكوك عليها بمثلها، وزادها منظاره احتدادًا، وزفر زفرة التحدي، بينما وقف المستر سنودجراس والمستر ونكل يشهدانهما وهما جامدان في موضعهما من شدة الدهشة لهذا المشهد بين رجلين من طرازهما.

وقال المستر طبمن بعد لحظة بصوت خافت أجش: «سيدي، لقد دعوتني كبيرًا في السن.»

وقال المستر بكوك: «نعم، لقد فعلت.»

– «وبدينًا.»

– «وأكرر التهمة.»

– «ومخلوقًا …»

– «وإنك لكذلك!»

وهنا مضى المستر طبمن يقول بصوت راعش من شدة الانفعال، وهو يشمر عن معصميه: «إن صلتي بشخصك يا سيدي كبيرة، كبيرة جدًّا، ولكن لا بد لي من الأخذ عاجلًا بثأري من شخصك هذا.»

وقال المستر بكوك: «تقدَّمْ إذن يا سيدي.» وراح هذا البطل من شدة تأثره بهذا الحوار المهيج المستفز يستسلم فعلًا لاتخاذ موقف جمود تام، اعتقد المشاهدان الواقفان على مرأى منه أنه موقف أراد به اتخاذ وضع دفاعي حيال مهاجمه.

وانثنى المستر سنودجراس يصيح قائلًا، وقد استطاع فجأة استعادة قوة النطق التي أفقدته إياها حتى اللحظة تلك الدهشة البالغة التي استولت عليه، وهو يندفع نحوهما، فيقف حائلًا بينهما، معرِّضًا نفسه حتمًا لتلقي ضربة على الصدغ من أحدهما: «ما هذا يا مستر بكوك؟ وعين الدنيا تتطلع إليك، والعالم إليك ناظر، والمستر طبمن مثلنا جميعًا يستمد بريقًا متألقًا من اسمه الخالد الذي لا يمحي العار! أيها السيدان! العار!»

وما لبث الغضون والتقاطيب غير المألوفة التي رسمها الغضب العارض على جبين المستر بكوك الواضح، وجبهته المتهللة، أن توارت على منطق صديقه الشاب، وانمحت كما تنمحي السطور المكتوبة بالقلم الرصاص من أثر الممحاة الرقيقة اللينة؛ فاستعاد وجهه هدوءه وطيبته، وانثنى يقول: «لقد كنت متسرعًا، متسرعًا جدًّا، يا طبمن هات يدك!»

وعندئذٍ اختفى الظل القاتم على وجه المستر طبمن، وهو يتناول بحرارة يد صديقه قائلًا: «لقد كنتُ أنا أيضًا متسرعًا.»

ولكن المستر بكوك قاطعه قائلًا: «كلا، كلا، الخطأ خطئي، أسترْتَدِي السترة القطيفة الخضراء؟»

وأجاب المستر طبمن: «كلا، كلا.»

فعاد المستر بكوك يقول: «بل ستفعل لإرضائي.»

وقال المستر طبمن: «حسن، حسن، سأفعل!»

وكذلك تم الاتفاق على أن يرتدي المستر طبمن، والمستر ونكل، والمستر سنودجراس جميعًا ثيابًا تنكرية، وهكذا انساق المستر بكوك مع حرارة إحساسه الرقيق إلى قرار أمرٍ كانت رجاحة عقله وأصالة رأيه تمُجَّانه، وتنفران من قبوله، ولا نحسب مثلًا أروع، ولا شاهدًا أبلغ من هذا وأَجَلَّ، يمكن أن نتصوره؛ للدلالة على لطف شخصيته، ولين عريكته، ولو افترضنا أن الحوادث المدونة في هذه الصفحات جاءت جميعًا من نسج الخيال.

ولم يكن المستر ليو هنتر مبالغًا فيما تحدَّث به عن كثرة موارد المستر سلمون لوكس، والألوف المؤلفة من الثياب التنكرية في متجره، فقد كانت خزائنه ملأى حافلة بها، لا بالقديم منها فحسب، ولا بالقشيب فقط، ولا بالمفصل التفصيل الدقيق على زي عصر بذاته، وجيل بعينه، بل كان كل شيء فيه مرصَّعًا بالبرق، وأي شيء أبدع وأجمل مظهرًا من التراصيع والبروق …! ورُبَّ معترض يقول إنها ليست مناسبة في النهار، ولكن كل إنسان يعرف أنها تبرق وتتلألأ إذا كانت ثمة شموع ومصابيح، وأنه لا خلاف في أن الذنب ذنب الذين يقيمون الحفلات التنكرية، إذ هم أقاموها نهارًا، ولم تَبْدُ الثياب براقة ذات سناء كما تلوح ليلًا، وليس الذنب مطلقًا للبروق ذاتها والتراصيع.

وكان هذا الرأي رأي المستر سلمون لوكس، وحجته المقنعة، وقد تأثر بها المستر طبمن والمستر ونكل والمستر سنودجراس، فقبلوا أن يستأجروا من الثياب ما وصاهم به الرجل، وزكاه لديهم، معتمدين على ذوقه وخبرته، آخذين برأيه فيها، وهي أنها مناسبة للحفلة إلى حد بديع.

واستؤجرت مركبة من فندق أسلحة المدينة «تاون آرمز»؛ لكي تقلَّ البكوكيين، وأخرى مكشوفة من الفندق عينه ليركبها المستر بت وزوجته، إلى دار مسز ليو هنتر، وكان المستر بت قد عمد إلى وسيلة لطيفة لإبداء عرفانه للدعوة التي وُجِّهت إليه، فكتب في جريدة «الغازت إيتنزول» يقول: «إنه لعلى ثقة بأن الحفلة سوف تتيح للعين مشهدًا حافلًا بأفانين وألوان مختلفة من الفتنة، والسحر المبين، وسوف تكون معرضًا مدهشًا يأخذ بمجامع القلوب، تتلاقى فيه أضواء الجمال والنبوغ، والكرم العظيم، والأبهة البالغة … وفوق ذلك كله ستمتاز المأدبة بحدٍّ من الروعة يلطف منه الذوق الرفيع، وحدٍّ من الزينة يهذب من حواشيه الانسجام التام، والحشمة الطبيعية الواجبة، حتى ليبدو بهاء الشرق وأرض سحره التي تحدِّثنا عنها الأساطير، بالقياس إليها، قاتمةً كدرةً معتمةً، كخاطر المخلوق الحقود الخسيس الذي يحاول أن ينال بسم حسده ونفث حقده، من جمال الاستعدادات التي تعدها السيدة الفاضلة الرفيعة المكانة التي تتقدم بهذا الإعجاب المتواضع إلى محرابها.» وكانت هذه العبارة الأخيرة سخرية لإذاعة موجهة إلى الإنديبندنت «الجريدة المستقلة» التي ظلت في أربعة أعداد متوالية تحاول الزراية بالحفلة؛ لأنها لم تُدْعَ إليها، وتشنع على المأدبة، بأكبر الحروف حجمًا، وتصفها بأسوأ الأوصاف.

وحل الصباح، فكان مشهدًا بديعًا ممتعًا للعين أن ترى المستر طبمن في ثوب «قاطع طريق»، ذي سترة محبوكة ضيقة للنهاية، جالسة فوق ظهره وكتفيه أشبه شيء بمخدة الدبابيس، بينما بدا الجزء الأعلى من ساقيه محشورًا في سراويل قصيرة من المخمل، والجزء الأدنى منهما ملفوفًا مقمطًا في تلك الأربطة، واللفائف المعقدة التي اعتاد قطَّاع الطرق جميعًا ربطها وحزمها بنوع خاص، وكان من الممتع للعين كذلك أن تشهد وجهه المتفتح الصفي المزدان بالشارب، الشبيه بسدادة القوارير، وهو مطل من طوق قميص مفتوح، وأن تتأمل قبعته التي تحكي «قمع السكر» بأربطتها التي جمعت بين مختلف الألوان، وقد اضطر أن يحملها فوق ركبته، كما لو كانت شيئًا مما يحمل ولا يعرف، وله قمة تعلوه، ولا يتواتى للمرء أن يحمله بين رأسه والسقف. وكان منظر المستر سنودجراس لا يقل إضحاكًا وطرافة، فقد بدا في صدار وحلة من الحرير الأزرق، وسراويل محكمة من الدمقس الأبيض، وحذاء وخوذة إغريقية، يعرف كل إنسان — أو إذا لم يعرف، فإن المستر سلمون لوكس يعرف — أنه الثوب المألوف الذي يرتديه عادة شعراء الفروسية الغزلون، من أبعد عصور التاريخ إلى الوقت الذي اختفوا فيه جملة على وجه الأرض.

كل ذلك كان ممتعًا، ولكنه لم يكن شيئًا مذكورًا بجانب هتاف العامة وصرخاتهم، حين وقفت بهم المركبة، وراء مركبة مسز بت، التي كانت واقفة بباب داره، وحين انفتح الباب ذاته، وبدا منه ذلك الرجل العظيم «بت»، مرتديًا ثوب ضابط روسي من رجال الشرطة، يحمل سوطًا ضخمًا في يده كأبدع رمز، وأنسب شارة، لسلطان «الغازت إيتنزول» ونفوذها المرهوب، وبأسها العظيم، وتلك السياط المخيفة التي يُلهِب بها ظهور المخطئين والمسيئين إلى الحياة العامة.

وصاح المستر طبمن والمستر سنودجراس من جانب الدهليز، حين شهدا هذا «الرمز» الماشي على قدمين: «مرحى!»

وهتف الجمهور: «مرحى! يا بت!»

وفي وسط هذه التحيات تقدَّم المستر بت وهو يبتسم تلك الابتسامة المقترنة بالكرامة والهيبة، التي تدل دلالة كافية على شعوره بقوته، وإحساسه بنفوذه، ومعرفته كيف يبديه، ومتى يجب أن ينفذه، فدخل في المركبة.

وعندئذٍ خرجت من البيت المسز بت، وكانت بلا ريب ستبدو أشبه بأبوللو لو لم ترتدِ ثوبًا فضفاضًا، وكان يأخذ بيدها المستر ونكل، وهو في سترة ذات لون أحمر مائل إلى البياض، كان من المحتمل أن يتراءى للعين أشبه بالرجل «الرياضي» دون أحد سواه، لو لم يرتدِ هو الآخَر شيئًا جعله أقرب ما يكون شبهًا إلى ساعي بريد، وأخيرًا أقبل المستر بكوك، فصفق الأولاد والغلمة له كما صفقوا للآخرين، وهتفوا كهتافهم المدوي لهم، وأغلب الظن أنهم اعتقدوا أن سراويله وأربطة ساقيه هي بعض بقايا العصور المظلمة.

وانطلقت المركبتان صوب دار مسز ليو هنتر، بينما راح المستر ولر الذي تقرر أن يذهب معهم للخدمة كبعض الندول والسعاة، يتخذ مجلسه فوق مقدم المركبة التي احتوت سيده.

ولم يلبث الرجال والنساء، والأولاد والبنات، والأطفال الصغار الذين احتشدوا لرؤية المدعوين في ثيابهم المستعارة، أن صاحوا صيحات الفرح الشديد والمسرة البالغة، حين رأوا المستر بكوك يمشي بين «قاطع طريق»، وبين أحد الشعراء الغزلين، إلى مدخل الدار في وقار وجلال، وما كان أشد الصيحات التي استقبلوا بها المستر طبمن، وهو يحاول تثبيت قبعته الشبيهة بقمع السكر فوق رأسه، يهم بالدخول إلى حديقة البيت دخلة رسمية جليلة.

وكانت الاستعدادات أبدع ما تكون مدى، وأبهج ما تكون نطاقًا، بل كانت في الحق مصداقًا لما توقعه المستر بت فيما كتبه عن أبهة الشرق، وفخفخة أرض السحر، وتكذيبًا كافيًا في الوقت ذاته لما كتبته «الإنديبندنت» الأفعى عن الحفلة من سوء، وقول خبيث، وتشنيع.

وكانت حديقة البيت أكثر من فدان وربع فدان مساحةً، وهي مزدحمة بالناس، فلم تشاهد العين يومًا مثل ما اجتمع في الحديقة ذلك الصباح من وهج الجمال، وسناء الأدب، وحسن الأزياء، فهنالك الغادة الشابة التي كانت تتولى قسم الشعر في صحيفة «الغازت إيتنزول»، وهي في ثوب «سلطانة»، وقد استندت إلى ذراع الشاب الذي يشرف على باب النقد والاستعراض، وكان يرتدي ثوبًا مناسبًا لمركزه ذاك، وهو ثوب «فريق»، خلا الحذاء، وهنالك أيضًا جموع من العباقرة وأهل النبوغ، ممن يحسب العاقل أو مَن به مسكة من العقل أن الشرف كله في لقائهم، ولكن إلى جانب أولئك جميعًا كان هناك نحو ستة من أسود لندن، من المؤلفين والكتاب، الذين وضعوا كتبًا ومؤلفات كاملة، ثم عادوا فطبعوها للناس.

وإنك لتراهم في الحديقة يمشون بين المدعوين كأنهم من عامة الناس، مبتسمين ومتحدثين أحاديث لا تخلو من هراء كثير، وليس من شك في أنهم تعمدوها تعمدًا، عن لطف ورعاية، لكي يفهمهم عامة الناس الذين أحاطوا بهم، وكانت هناك أيضًا فرقة موسيقية وضع أفرادها على رءوسهم قلانس من الورق المقوى، وأربعة مغنين «من كل شيء كان»، وهم مرتدون زيَّ بلادهم، واثنا عشر من السعاة والخدم في الفنادق استؤجروا، وجاءوا هم كذلك في زيِّ بلادهم، وهو زيٌّ قذر نهاية في الاتساخ كذلك.

وفوق كل هذا وذاك، كانت هنالك مسز ليو هنتر في زي «منيرفا» تستقبل الجميع، وتفيض زهوًا واغتباطًا بجمع هذا الحشد الحاشد من المشاهير والأعلام في صعيد واحد.

وقال خادم ينبه ربة الدار: «المستر بكوك يا سيدتي.» بينما كان هذا السيد يقترب من تلك «المعبودة» المشرفة على الحفل، وهو ممسك قبعته بيده، وكلٌّ من «قاطع الطريق» والشاعر الغزلي ممسك بإحدى ذراعيه.

وصاحت مسز ليو هنتر مجفلة في نشوة دهشة مصطنعة: «ماذا! أين!»

وقال المستر بكوك: «هنا.»

فعادت مسز ليو هنتر تصيح قائلة: «هل أتيح لي حقًّا أن أحظى برؤية المستر بكوك نفسه؟ أممكن هذا؟»

وأجاب المستر بكوك وهو ينحني انحناءة بالغة: «هو بعينه، لا أحد سواه يا سيدتي، اسمحي لي أن أقدم أصدقائي: المستر طبمن، والمستر ونكل، والمستر سنودجراس، إلى الشاعرة صاحبة قصيدة الضفدعة المحتضرة.»

ولا يعرف غير القليلين الذين جربوا مدى المشقة التي يعانيها كلُّ مَن يريد أن ينحني بالتحية، وهو في سترة خضراء من المخمل ضيقة عليه شديدة الضيق، وقبعة عالية مفرطة في الارتفاع، أو في صدار حريري أزرق، وسراويل بيضاء، أو أربطة ركب، وأحذية طوال لم تُفصَّل مطلقًا على لابسيها، بل رُكِّبت عليهم دون أي مراعاة لتناسب الأحجام والمساحات بينها وبين المرتدين، فلا عجب إذا قلنا: إنه لم يعانِ أحدٌ يومًا مثل ما عانى المستر طبمن من التلوي والتقلص والتقبض، وهو يحاول أن يبدو مستريحًا ليس به من عناء، وإنه لم يقاسِ أحدٌ يومًا من هذه الأوضاع المحرجة مثل ما قاساه أصدقاؤه المتنكرون في تلك الثياب.

وانثنت مسز ليو هنتر تقول: «إنني مضطرة يا مستر بكوك إلى استنزال وعد منك بأن لا تتحرك من جنبي طيلة اليوم، إن هناك مئات من الناس لا بد لي قطعًا من تقديمك إليهم.»

وقال المستر بكوك: «إنك لجد كريمة يا سيدتي.»

ومضت «منيرفا» تقول وهي تشير بغير اهتمام إلى فتاتين مليئتين، إحداهما تلوح في نحو العشرين، والأخرى أكبر منها بعام أو عامين، وهما مرتديتان ثيابًا أقرب ما تكون إلى ثياب الأحداث والصغار لكي تلوحا أصغر من سنهما، أو تبدو أمهما أدنى إلى الشباب، وهو أمر لم يحدثنا عنه المستر بكوك في مذكراته، ولم يقطع فيه برأي حاسم، ومضت منيرفا تقول أول كل شيء: «ها هما هاتان ابنتاي الصغيرتان، لقد كدت أنساهما.»

وأجاب المستر بكوك بعد أن شهدهما تتوليان مبتعدتين، عقب تقديمهما إليه: «إنهما جميلتان في غاية الجمال.»

وقال المستر بت بجلال: «مثل أمهما.»

وصاحت به مسز ليو هنتر: «أوه أيها الرجل الشرير!» وراحت مداعبة تدقُّ بلطف ذراع رئيس التحرير بمروحتها (تصوروا منيرفا ممسكة بمروحة!)

وقال المستر بت، وهو يشغل في هذا البيت وظيفة (النافخ في البوق): «والآن يا عزيزتي مستر هنتر، أنت تعرفين أنه عندما كانت صورتك في معرض الجمعية الملكية، ذهب كل إنسان يتساءل: هل هي صورتك أو صورة ابنتك الصغرى؟ لأنكما بدوتما أقرب شبهًا وأتم تماثلًا، حتى ليحار المرء فيكما، ولا يدري الفارق بينكما!»

وقالت مسز ليو هنتر، وهي تنعم بدقة أخرى من مروحتها على هذا الأسد الرابض في جريدة «الغازت إيتنزول»: «وإذا كانوا قد حاروا ولم يدركوا الفارق، فما حاجتك إلى ترديد ذلك أمام الغرباء؟»

وصاحت مسز ليو هنتر في أثر رجل غزير الشاربين في ثوب أجنبي كان قد مر بها: «يا كونت، يا كونت!»

وتولى الكونت إليها بوجهه قائلًا: «آه، أتريدنني؟»

قالت: «أريد أن أقدِّم رجلين بارعين كل البراعة، أحدهما إلى الآخر. يا مستر بكوك، يسرني أن أقدم إليك الكونت «سمورلتورك»، وأردفت تقول للمستر بكوك مخافتة بصوتها: «الأجنبي المشهور الذي جاء ليجمع معلومات ومواد لكتابه العظيم عن إنجلترا. يا كونت سمورلتورك، أقدم إليك المستر بكوك.»

فحيا المستر بكوك الكونت بكل الاحترام الخليق برجل عظيم مثله، بينما أخرج الكونت مجموعة من الألواح، ومضى يقول وهو يبتسم لمسز ليو هنتر: «ماذا قلت يا مسز هنت؟ بيج فج، أو ما تدعونه «محاميًا» آه، فهمت بيج فج.» وهمَّ الكونت بأن يدوِّن اسم المستر بكوك في ألواحه بوصفه سيدًا من ذوي الأردية الطوال، ورجلًا استمد اسمه هذا من المهنة التي ينتمي إليها، لولا أن قاطعته مسز ليو هنتر قائلة: «كلا، كلا، يا كونت، إن اسمه هو بك … وك.»

وأجاب الكونت: «آه، فهمت، بيك الاسم الأول، «وويكي» اللقب أو الكنية، حسن جدًّا، بيك ويكس، كيف حالك يا مستر ويكس؟»

وأجاب المستر بكوك بكل لطفه المألوف: «بخير، أشكرك، هل جئت إلى إنجلترا من عهد بعيد؟»

قال: «من عهد بعيد، بعيد جدًّا، من أسبوعين أو أكثر.»

وسأله المستر بكوك قائلًا: «وهل تنوي المقام طويلًا؟»

قال: «أقيم أسبوعًا واحدًا.»

وابتسم المستر بكوك وهو يقول: «سيذهب الوقت كله في جمع كل المواد التي تريدها.»

وقال الكونت: «آه، إنها مجموعة فعلًا.»

وقال المستر بكوك: «أحقًّا؟»

وأردف الكونت قائلًا وهو يدق جبينه بيده دقة ذات دلالة: «كلها هنا، وفي البيت كتاب ضخم حافل بالملاحظات والمذكرات عن الموسيقى، والرسم، والعلم، والشعر، والسياسة، وكل الأشياء.»

وقال المستر بكوك: «إن كلمة «السياسة» تقتضي وحدها دراسة شاقة لا يستهان بسعة نطاقها، وترامي حدودها.»

وقال الكونت وقد عاد يُخرِج ألواحه: «آه، حسن جدًّا، هذا أبدع مطلع يُفتَتَح به فصل في الكتاب، وهو الفصل السابع والأربعون: السياسة، إن كلمة السياسة مدهشة في حد نفسها.» وراح يدون كلمات المستر بكوك في ألواحه، في مختلف الصياغات والزيادات التي عنت لخياله الخصيب، واقتضاها علمه الناقص باللغة الإنجليزية.

ونادته مسز ليو هنتر قائلة: «يا كونت!»

وأجاب الكونت: «نعم يا مسز هنت.»

قالت: «وهذا هو المستر سنودجراس، صديق للمستر بكوك وشاعر!»

وصاح الكونت قائلًا وهو يُخرِج الألواح مرة أخرى: «قفي، في باب «الشعر» أصدقاؤنا الأدباء، الاسم «سنوجرادس»، حسن جدًّا، وقُدِّمنا إلى «سنودجراس» الشاعر الكبير، وصديق «بيك ويكس»، وكانت التي قدمتنا إليه هي مسز هنت، التي نظمت قصيدة أخرى بديعة، ما هو ذلك الاسم؟ الضفدعة … الضفدعة المحتضرة؟! حسن جدًّا، حسن جدًّا في الحقيقة.»

وأعاد الكونت الألواح إلى مكانها، وانحنى عدة انحناءات مختلفة، وانصرف وهو مرتاح كل الارتياح؛ لأنه استطاع أن يضيف أهم وأثمن الإضافات إلى خزانة معلوماته.

وقالت مسز ليو هنتر عقب انصرافه: «الكونت سمورلتورك رجل مدهش!»

وقال المستر بت: «فيلسوف سديد الرأي.»

وأضاف المستر سنودجراس: «صافي القريحة، قوي الذهن.»

وتناول جمعٌ من الذين كانوا وقوفًا على مقربةٍ الثناءَ على الكونت سمورلتورك، فقالوا وهم يهزون الرءوس هزة الحكماء: «جدًّا.» بإجماع الأصوات.

وكان من الجائز وقد سرت الحماسة في مديح الكونت، وتعالت بالثناء عليه، أن يتغنى القوم بها إلى نهاية الحفل، لولا أن بادر الأربعة المغنون «المساكين»، فاصطفوا أمام شجرة تفاح صغيرة؛ ليتراءوا في منظر جميل، وشرعوا يغنون أغانيهم الوطنية، وتبيَّن أن التغني بها لم يكن شاقًّا في شيء؛ لأن السر في غنائها هو أن ثلاثة منهم كان عليهم أن يقبعوا كالخنازير، وليس على الرابع إلا أن يعوي أو يزمجر، ولم يكد هذا الدور الغنائي ينتهي وسط التصفيق الشديد، والهتاف المدوي، من حناجر المدعوين، حتى انبرى غلام فبدأ يشتبك في إسلاك مقعد، ثم يقفز فوقه، ويزحف تحته، ويقع معه، ثم يلفهما حول عنقه، وأخيرًا، بمثل السهولة التي يتيسر بها للمخلوق البشري أن يبدو للأنظار كأنه ضفدعة برية، وكانت كل هذه الحركات والألعاب تثير السرور والضحك والابتهاج في نفوس النظارة الحاشدين.

وعقب ذلك سمع صوت مسز بت وهي ترسل شدوًا مخافتًا، أو شيئًا تدعوه المجاملة «غناء»، وكان كله «قديمًا» أو مناسبًا للمقام؛ لأن «أبوللو» نفسه كان واضع «ألحان»، وقلما يغني واضعو الألحان ألحانهم، أو ألحان سواهم.

وتلا ذلك قراءات من الشعر، فقرأت مسز ليو هنتر على المدعوين مرثيتها الشعرية «للضفدعة المحتضرة»، وكان المدعوون يصفقون لها ويستعيدونها، وكادوا يكررون الهتاف باستعادتها، لولا أن فريقًا أكبر منهم رأوا أنه قد حان أن يجدوا شيئًا يأكلونه، وذهبوا يقولون إنه من المحبب للغاية استغلال طيبة مسز هنتر وطبيعتها الكريمة، إلى حد مطالبتها بإعادة الأبيات، وكانت مسز ليو هنتر قد أبدت ارتياحها التام لتلاوة القصيدة من جديد، ولكن أصدقاءها الكرام المشفقين عليها أَبَوْا أن يسمعوها مهما يكن الأمر، وكانت قاعة الطعام قد فتحت أبوابها، فاندفع إليها كل الذين كانوا من قبلُ فيها، وتزاحموا عليها سراعًا متدافعين، وكان برنامج مسز ليو هنتر يقضي بتوزيع مائة بطاقة، وإعداد الطعام لخمسين، أو بعبارة أخرى لا تُطعِم غير «الآساد» الكبار من المدعوين، وتدع الحيوانات الصغار تتلمس طعامها جاهدة.

وصاحت مسز ليو هنتر، وقد جعلت «الآساد» يحيطون بها: «أين المستر بت؟»

وقال رئيس التحرير من أقصى طرف القاعة، حيث لا أمل له في الوصول إلى الطعام، ما لم تبادر ربة البيت إلى نجدته: «هأنذا!»

قالت: «أَوَلا تأتي إلى هنا؟»

وقالت مسز بت بصوت رقيق للغاية: «أوه، أرجوك، لا تحفلي به، إنك تتعبين نفسك كثيرًا دون ضرورة يا مسز هنتر، ألا تستطيع يا عزيزتي أن تؤدي لنفسك حقها، وأنت في موضعك ذاك؟»

وأجاب بت المسكين، وهو يكشر نابه عن ابتسامة مصطنعة: «بلا شك يا عزيزتي!»

واأسفًا لذلك السوط الذي في يده …! إن الذراع العصيبة التي تستخدمه بتلك القوة الضخمة في المسائل العامة، قد استحالت شلَّاء من نظرة زوجته الآمِرة المتحكمة.

وأرسلت مسز ليو هنتر عينها فيما حولها، وألقت نظرة فوز وانتصار، فقد رأت الكونت سمورلتورك منهمكًا كل الانهماك في تدوين ملاحظاته عن ألوان الصحاف والمآكل، بينما مضى المستر طبمن يوزع «السلاط» المصنوع من جراد البحر على عدة «لبؤات» كبار بأدب جم، لم يُشهد مثله من قاطع طريق في يوم من الأيام، وراح المستر سنودجراس يعرض على الشاب الذي كان يتولى نقد الكتب في «الغازت إيتنزول»، ويُقبِل على محادثة السيدة الشابة التي تشرف على قسم الشعر فيها، وكان المستر بكوك يحاول جاهدًا التلطف للجميع، وبدا كل شيء بديعًا، والحلقة لا ينقصها أحد، وإذا بالمستر ليو هنتر، الذي كان كل عمله في هذه المناسبات الوقوف بالأبواب، والتحدث إلى المدعوين الذين هم أقل شأنًا من أولئك المحيطين بزوجته، ينادي فجأة قائلًا: «يا عزيزتي، هنا المستر شارل فيتز-مارشال.»

وصاحت مسز ليو هنتر: «أواه يا عزيزي، لكم كنت في قلق وارتقاب شديد لحضوره، أرجو أن تفسحوا طريقًا لكي يمر المستر فتز-مارشال، ألا أنبئ يا عزيزي المستر فتز-مارشال أن يأتي رأسًا إليَّ لكي أؤنبه على تأخيره.»

وصاح صوت قائلًا: «أنا آتٍ يا سيدتي العزيزة بأسرع ما استطعت، زحام شديد، القاعة غاصة، مهمة شاقة جدًّا.»

ولم يكد المستر بكوك يسمع هذا الصوت حتى سقطت السكين والشوكة من يده، وأرسل نظرة من وراء المائدة إلى المستر طبمن، وكان هذا أيضًا قد سقطت السكين والشوكة من كفه، وبدا كأنما يوشك أن يسقط على الأرض بلا سابق إنذار.

وصاح ذلك الصوت، بينما كان صاحبه يشق طريقه بين الخمسة والعشرين الأخيرين من المتنكرين في أزياء «الأتراك»، والضباط، والفرسان، وشارل الثاني، وهم الذين لا يزالون حائلًا بينه وبين الوصول إلى المائدة: «يا لله! صقل بديع من طراز بيكر لم يَدَعْ ولا ثنية واحدة في سترتي بعد كل هذا الحشر، ليتني جئت بكل ثيابي الثمينة لكي تصقل هنا، ها ها فكرة حسنة هذه أن تصقل الثياب هكذا، وهي على جسم لابسها، وإن كانت عملية متعبة جدًّا.»

وبهذه العبارات المتقطعة مضى شاب يرتدي زي ضابط بحري يشق الطريق إلى المائدة، ويتمثل للبكوكيين المبهوتين المستر ألفريد جنجل بشكله وملامحه.

ولم يكد يتسع له الوقت لتناول يد مسز ليو هنتر الممدودة إليه، حتى التقت عيناه بعيني المستر بكوك، وهما من شدة الغيظ تقدحان شررًا، فقال: «ها، لقد نسيت شيئًا! لم أعطِ تعليمات لسائسي الخيل، سأذهب إليهم في الحال وأعود بعد دقيقة واحدة.»

وقالت مسز ليو هنتر: «دَعِ الخادم أو المستر هنتر يقوم بذلك في الحال يا مستر فتز-مارشال.»

ولكنه أجاب قائلًا: «كلا، كلا، سأقوم أنا بها، لن أغيب، سأعود بعد لحظة.» واختفى في غمار الزحمة.

وقال المستر بكوك وهو ينهض من مقعده: «هل تسمحين لي يا سيدتي أن أسأل: مَن يكون ذلك الشاب، وأين يقيم؟»

وأجابت مسز ليو هنتر: «إنه سيد من أهل الثراء يا مستر بكوك، أريد أن أقدمك إليه، ويقيني أن الكونت سيسر بمعرفته.»

وقال المستر بكوك في عجلة: «نعم، نعم، وأين يقيم؟»

قالت: «إنه يقيم الآن في فندق الملاك «أنجل» ببلدة بري.»

فعاد يسأل ليستوثق: «أتقولين في بيري.»

قالت: «نعم، في بري سانت أدموندز التي لا تبعد منا أميالًا كثيرة، ولكن عجبًا يا مستر بكوك، لا أحسبك تاركنا هكذا، لا يمكن يا مستر بكوك أن تفكر في الانصراف هكذا وشيكًا!»

وقبل أن تتم كلامها كان المستر بكوك قد توارى في غمار الزحام، ووصل إلى الحديقة حيث وافاه بعد لحظة المستر طبمن، وكان قد تبع حركاته عن كثب.

قال المستر طبمن: «لا فائدة، لقد انطلق.»

فأجاب المستر بكوك: «أعرف ذلك، ولكني سأتبعه.»

وقال المستر طبمن مبهوتًا: «تتبعه! إلى أين؟»

وأجاب المستر بكوك بلهجة سريعة: «إلى فندق أنجل في بلدة بري، ما يدرينا أي قوم تراه يحتال عليهم فيها، لقد غش رجلًا فاضلًا من قبلُ، وكنا نحن السبب، ولم نكن ندري، لن أدعه يفعلها مرة أخرى إذا أنا استطعت؛ لأفضحنه، ولأكشفن خبيئته للناس، أين خادمي؟»

وإذا المستر ولر يقول: «أنا هو يا سيدي.» وقد خرج من بقعة منعزلة كان فيها «يناقش» زجاجة من نبيذ «الماديرة» استخلصها من مائدة الفطور قبل ذلك بساعة أو ساعتين.

ومضى يقول: «ها هو ذا خادمك يا سيدي الفخور بهذا اللقب، كما قال الهيكل العظمي الحي عندما عرضوه …»

وقال المستر بكوك: «اتبعني في الحال! وأنت يا طبمن إذا أنا تأخرت في «بيري»، فوافني إليها حين أكتب إليك، والآن إلى اللقاء.»

ولم تكن الاحتجاجات على ذهابه بمجدية، فإن المستر بكوك قد اتقدت الحماسة في صدره، وأجمع نيته على الذهاب، فلم يسع المستر طبمن إلا الرجوع إلى أصحابه، ولم تنقضِ ساعة حتى غرقت ذكريات المستر ألفريد جنجل، أو المستر شارلز فيتز-مارشال في لجة رقصة «الكوادريل»،٢ وزجاجة من الشمبانيا، بينما كان المستر بكوك وخادمه سام ولر جالسين خارج مركبة حافلة، تنهب بهما الأرض، وتقربهما شيئًا فشيئًا من بلدة «بري سانت أدموندز» لمطاردة الرجل الغريب!
١  معنى «ليو هنتر» في الأصل «صيادة السبع»، وتقيم في العرين، بيت السبع، ولكن الكلمة هنا تعني المكان الذي اتخذته السيدة للدرس والبحث، أو المحراب.
٢  رقصة يشترك فيها أربعة أزواج من الراقصين، وتسمى موسيقاها «كوادريل» كذلك.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١