الفصل التاسع عشر

يوم سار، ونهاية غير سارة

كانت الطيور لحسن حظها، وسكينة خاطرها، وراحتها، وطمأنينة بالها — في جهل سعيد بأمر المعدات التي كانت تُعَدُّ لمباغتتها في اليوم الأول من شهر سبتمبر، فلا غرو إذا هي رحبت بمقدمه، كأجمل يوم مر عليها في ذلك الموسم، فكم من «حجلة» فتية راحت تحجل راضية مغتبطة فوق أعقاب الحصاد، وتتخطر في زهو الشباب وخيلائه، وكم من بطة كبيرة مضت ترقب نزق تلك الصغيرة بعينها المستديرة، وتنظر إليها نظرة السخرية، وترنو نحوها رنوة الحكمة والخبرة، وإن كانت هي الأخرى في جهل بمصيرها المقترب، ونهايتها المحتومة، قد مضت «تتشمس» في أنسام الصباح العليلة، فَرِحة مبتهجة، ثم راحت بعد بضع ساعات ترف على الأرض بأجنحتها.

ولكنا قد أخذنا نتكلف، فَلْنعد إلى سياق الحديث.

لقد كان الصباح — بصريح القول، وحقيقة الواقع — رائعًا، بلغ من إمتاعه أنك لا تكاد تصدِّق أن أشهر الصيف المألوف في إنجلترا — على قلتها — قد انقضت منذ وقت قريب، فقد بدت الأسوار المقامة من العوسج، والحقول والمروج والأشجار، والرُّبَى والمستنقعات، مرسلة ظلالها المنوعة، وأفياءها الوارفة، ونضرتها المورقة، كأن ورقة منها لم تسقط، ولا أثر لصفرة الذبول قد اختلط بألوان الصيف الزاهية، حتى لا تكاد تشعر بأن الخريف قد بدأ، فقد خلا أديم السماء من السحب، والشمس تسطع فتملأ الكون ضياءً ودفئًا، وشدو الطير وطنين الآلاف المؤلَّفة من حشرات الصيف، تفعم الهواء صدحًا ولحنًا، والبساتين المحيطة بالأكواخ مزدحمة بالأزاهر من كل لون بهيج، تتلألأ وتبرق في الندى الكثيف كأنها اللآلئ والجواهر المتألقة … وكل شيء يومئذٍ يحمل طابع الصيف، ولا تزال كل ألوانه الجميلة زاهية لم تنصل بعدُ.

كذلك كان مشهد الصبح حين وقفتْ بباب على عدوة الطريق مركبةٌ مكشوفة، تقل ثلاثة من البكوكيين — فقد آثر المستر سنودجراس البقاء في الفندق — والمستر واردل، والمستر تراندل، بينما اتخذ سام ولر مجلسه بجانب السائق، وكان بالباب حارس صيد فارع القامة معروق البدن، وغلام يكاد يكون منتعلًا نصف انتعال، وقد لفَّ بأغطية من الجلد ساقَيْه الصغيرتين، وقد حمل كلٌّ منهما حقيبة رحيبة الجوانب، ومعهما كلبان.

وهمس المستر ونكل لواردل، حين جاء الرجل فأنزل سلم المركبة لينزل الجمع منها: «هل تراهما يظنان أننا سنقتل من الطير ما يكفي ليملأا هاتين الحقيبتين؟»

فصاح الشيخ واردل قائلًا: «يملأهما! أي نعم، بارك الله فيك، أنت تملأ واحدة، وأنا أملأ الأخرى، فإذا امتلأتا، فإن جيوب «السترة» تتسع لمزيد.»

ونزل المستر ونكل من المركبة دون أن يُحِير جوابًا عن هذه الملاحظة، ولكنه مضى يحدِّث نفسه قائلًا: إنه إذا بقيت الجماعة في الهواء الطلق حتى ينتهي هو من ملء إحدى الحقيبتين، فسوف لا ينجو القوم في الغالب من وعكة برد تصيب منهم الرءوس والصدور.

وانثنى واردل يلاطف الكلبين صائحًا: «هي جونو، يا حبيبة، وأنت يا داف انزل، انزل.» ثم التفت إلى الحارس فقال: «لا يزال السير جفري في إسكوتلندا بالطبع يا مارتن، أليس كذلك؟»

فأجاب الحارس المديد القامة بالإيجاب، ومضى ينظر في شيء من الدهشة إلى المستر ونكل، وهو ممسك ببندقيته كأنه يتمنى لو أغنى جيب ردائه عنه مئونة جذب الزناد، ثم إلى المستر طبمن وهو ممسك ببندقيته هو الآخر كأنه منها الخائف المشفق، ولم يكن ثمة شك مطلقًا في أنه كان فعلًا كذلك.

ولاحظ المستر واردل نظرته فقال: «إن صديقَيَّ هذين لم يتقنا هذا النوع من الصيد بعدُ، وأنت تعرف المثل القائل: «مَن يَعِشْ يَرَ»، وسوف يحسنان الرماية في يوم من الأيام، وأعتذر مع ذلك للمستر ونكل، فقد جرى له شيء من التمرين قبل الآن.»

فابتسم المستر ونكل ابتسامة خفيفة من فوق غطاء رقبته الأزرق اللون، ردًّا على هذه «التحية»، وارتبك في حمل بندقيته أشد الارتباك، من فرط حيائه، بحيث لو كانت محشوة لَخَرَّ مجندلًا منها لساعته.

وقال الحارس المديد القامة: «لا ينبغي لك أن تمسك البندقية بهذا الشكل، حين تكون محشوة يا سيدي، وإلا فاللعنة عليَّ في كل كتاب إذا أنت لم تصنع لحمًا باردًا من أحد منا هنا.»

وبادر المستر ونكل عقب هذه النصيحة إلى تغيير وضع البندقية، فجعل الماسورة بعد كل محاولة بذلها تكاد تمس رأس المستر ولر، فصاح هذا وهو يلتقط القبعة، وكانت قد انقلبت من فوق هامته، قائلًا وهو يفرك صدغه: «ها! ها يا سيد، إذا أنت أَدَرْتَها إلى هذه الناحية، فستملأ إحدى هاتين الحقيبتين، وأكثر منها برصاصة واحدة!»

وضحك الغلام الملفف الساقين بالجلد ضحكة عالية مرحة، ثم تظاهر بأن أحدًا سواه هو الذي ضحك، وعندئذٍ عبس المستر واردل عبسة ذات رهبة وجلال.

وانثنى يسأل الحارس: «أين قلت للغلام أن يقابلنا ومعه قليل من الطعام يا مارتن؟»

وأجاب الحارس: «بجانب «ون تري هل» (التل ذي الشجرة الواحدة) يا سيدي في الساعة الثانية عشرة.»

قال: «ليست هذه أرض السير جفري، أليس كذلك؟»

وأجاب الحارس: «بلى يا سيدي، ولكنها قريبة منها، إنها أرض الضابط بولدويج، ولكننا لن نجد أحدًا يعترضنا، وهناك أيضًا موضع معشب جميل.»

قال: «حسن جدًّا، والآن من الخير أن نبادر، أَلَا توافينا في الثانية عشرة إذن يا بكوك؟»

وكان المستر بكوك يشتهي فعلًا مشاهدة الصيد، ولا سيما أنه كان يشعر بشيء من القلق على حياة المستر ونكل وأوصاله، وكان من المؤلم حقًّا، في صباح مُغْرٍ كهذا شديد الفنتة، أن يرفض الدعوة، ويترك صديقَيْه يستمتعان وحدهما، ولهذا راح يجيب بلهجة جدية قائلًا: «سأفعل حتمًا.»

وسأل الحارس: «أليس السيد صيادًا يا سيدي؟»

وقال واردل: «كلا، ثم هو أعرج لا يقدر على الحركة.»

وقال المستر بكوك: «أود كثيرًا أن أذهب معكم، كثيرًا جدًّا.»

وساد السكون لحظة أسفًا ورثاءً للشيخ في ملمته.

وقال الغلام: «إن على الجانب الآخر من السور عربة تُدفَع باليد، فلو تيسَّر لخادم السيد أن يدفع بها على طول الدرب، لاستطاع البقاء منا على كثب، ونحن في إمكاننا أن نرفعها من فوق الحواجز وأمثالها.»

وقال المستر ولر بوصفه الشخص المقصود، ولرغبته الشديدة في مشاهدة الصيد: «هذا هو المطلوب تمامًا، وعين الجد، أحسنتَ يا ذا الخد الصغير، سأخرجها من مكانها في الحال، دقيقة واحدة.»

ولكن هنا ظهرت صعوبة، فإن ذلك الحارس المديد احتجَّ بقوة على إشراك سيد محمول على عجلة يد في رحلة صيد، قائلًا: «إن هذا عمل مخالف لجميع القواعد المرعية والسوابق الماضية، مخالفةً صارخة!»

وكان هذا الاعتراض حائلًا كبيرًا، ولكن لم يكن بالمتعذر التغلب عليه، فإن الحارس بعد أن لوطف وأشبع، وأرضى خاطره أيضًا بلكز الغلام المبتكر الذي اقترح الاستعانة بتلك الأداة، في رأسه عدة لكزات، لم يسعه سوى السكوت، فحُمِل المستر بكوك فوق العربة، وانطلق الجمع، وفي المقدمة واردل والحارس الطويل، وفي الساقة جلس المستر بكوك في المركبة، وتولى سام دفعها إلى الأمام.

ولم يكد الجميع يجتازون نصف الميدان الأول حتى صاح المستر بكوك قائلًا: «قِفْ يا سام!»

وقال واردل: «ماذا جرى؟»

فأجاب المستر بكوك بلهجة العزم الشديد: «لن أَدَع هذه العربة تتحرك خطوة واحدة، إذا لم يحمل ونكل بندقيته بشكل آخَر.»

وقال ونكل المسكين: «بأي شكل أحملها؟»

وأجاب المستر بكوك: «احملها بحيث توجِّه فوهتها إلى الأرض.»

وقال ونكل: «ولكن حملها هكذا لا يتفق وقواعد الصيد!»

وأجاب المستر بكوك: «لا يهمني ألا يتفق مع قواعد الصيد أو يتفق معها، فلست أريد أن أصاب بالرصاص وأنا محمول في عربة يد مراعاة للمظاهر، وإرضاء لأحد.»

وقال الرجل الطويل مزمجرًا: «أنا عارف أن هذا السيد سيطلق القذيفة على أحد منا قبل أن يدري ما هو صانع.»

وقال المستر ونكل، وهو يجعل فوهة البندقية إلى الأرض: «حسن، حسن، لا مانع!»

وقال المست ولر: «أي شيء يكفل لنا الأمان، فالحياة لا يستهان بها.»

وانطلقوا.

ولكنهم لم يسيروا غير بعيد حتى صاح المستر بكوك مرة أخرى: «قف!»

فقال واردل: «ما الذي جرى أيضًا؟»

وأجاب المستر بكوك: «إن بندقية طبمن ليست في وضع سليم … أعرف أنها ليست كذلك.»

وقال المستر طبمن في فزع شديد: «إيه؟ ماذا؟ ليست في وضع سليم؟»

وقال المستر بكوك: «ما دمت ممسكًا بها على هذا النحو، إنني آسف على إثارة أية اعتراضات أخرى، ولكني لا أرضى أن نتابع المسير ما لم تجعلها كما حملها ونكل من قبلك.»

وقال الحارس المديد: «أظن يا سيدي من الخير أن تفعل؛ لأنه من المحتمل كثيرًا أن تطلق الرصاصة على نفسك، أو على أحد سواك.»

وبادر المستر طبمن إلى النزول على الأمر، فوضع بندقيته على الصورة المطلوبة، وتابع الجمع المسير، وكان الصائدان «الهاويان» يمشيان منكسي السلاح، كجنديين بسيطين في جنازة ملكية.

وعندئذٍ وقف الكلبان فجأة لا يريدان تقدُّمًا، وتسلل القوم خطوة واحدة، ثم وقفوا هم كذلك.

وهمس المستر ونكل متسائلًا: «ما الذي عرا سيقان الكلبين؟ وما هذه الوقفة الغريبة؟»

وأجاب واردل مخافتًا: «صه! ألا تستطيع السكوت؟ ألا ترى كيف يشيران؟»

وقال المستر ونكل وهو يتلفت حوله كأنما كان يتوقع شيئًا معينًا، من جمال المشهد وروعته كان الكلبان الذكيان يسترعيان الأنظار إليه خاصة: «أتقول يشيران … وإلى أي شيء يشيران؟»

وقال واردل غير ملقٍ بالًا إلى هذا السؤال في حماسة اللحظة: «افتحْ عينيك، والآن!»

وارتفعت عندئذٍ جلبة، وسُمِع رفيف طائر جعل المستر ونكل يتراجع كأنما قد أصابه الرصاص، وانبعث دوي طلقتين … بانج! بانج! … وانجاب الدخان سريعًا مكتسحًا الميدان، مقلوبًا متجعدًا في جوف الأفق.

وقال المستر ونكل في أشد الاضطراب، وهو يتلفت ويدور في كل ناحية: «أين هي؟ قولوا لي متى أُطلِق النار؟ أين هي؟ … أين هي؟»

وقال واردل، وهو يتناول حجلتين وضعهما الكلبان عند قدميه: «ها هما!»

وقال ونكل في ذهلته: «كلا، كلا إنني أقصد الأخرى.»

وأجابه واردل ببرود وهو يعيد حشو البندقية: «طارت بعيدًا، وأنت تسأل عنها.»

وقال الحارس الطويل: «أكبر ظني أننا سنلتقي بعد خمس دقائق بسرب آخر، فإذا بدأ السيد يطلق الآن، فلعله مستطيع أن يُخرِج الرصاصة من الأنبوبة عندما تتراءى الأطيار في الفضاء.»

وقهقه المستر ولر لهذه النكتة اللاذعة.

وقال المستر بكوك، في لهجة الرثاء لصاحبه في اضطرابه وارتباكه: «يا سام!»

– «سيدي.»

– «لا تضحك.»

– «بلا شك يا سيدي.»

ومضى المستر ونكل على سبيل التعويض عن ارتباكه السابق، يقطب تقاطيع وجهه من خلف عربة السيد، والغلام ذو الأربطة فَرِح لَاهٍ بهذا المشهد وحده، ولكنه لم يتمالك من إطلاق ضحكة مدوية، فبادر الحارس الطويل إلى لكزه كأن هذا اللكز حجة أو شفيع يبرر استدارته إلى الوراء، ليخفي ضحكاته هو من ذلك المشهد العجيب.

وقال واردل للمستر طبمن: «مرحى يا صاح، لقد أطلقت النار في هذه المرة على كل حال.»

وأجاب المستر طبمن في زهو ظاهر: «أي نعم!»

وقال واردل: «أحسنت، وستصيب شيئًا في المرة التالية إذا انتبهت، سهل جدًّا، أليس كذلك؟»

فأجاب طبمن: «بلى … سهل للغاية، وإن كانت موجعة للكف، لقد كادت تلقيني إلى الخلف، لم أكن أتصور أن هذه الأسلحة الصغيرة تردُّ المرء إلى الخلف على هذا النحو.»

وقال الشيخ مبتسمًا: «آه! ستعتادها مع الوقت، والآن هيا، كل شيء على استعداد، والعربة معدَّة هي الأخرى؟»

وقال المستر ولر: «معدَّة يا سيدي.»

– «هلموا إذن.»

وقال سام وهو يرفع العربة: «امسك جيدًا يا سيدي.»

وصاح المستر بكوك: «إيه! إيه!»

وانطلقوا خفافًا في طريقهم.

وصاح المستر واردل حين رُفِعت العربة من فوق أحد الأسوار! لتدخل ميدانًا آخَر، وعاد المستر بكوك فاستقر فوقها: «دَعُوا هذه العربة تقف الآن إلى الخلف.»

وكف المستر ولر عن دفعها وهو يقول: «سأفعل يا سيدي.»

والتفت الشيخ إلى ونكل فقال: «والآن يا ونكل، اتبعني متسللًا، ولا تتأخر كثيرًا في هذه المرة.»

وقال المستر ونكل: «لا تخف أبدًا، هل هما يشيران؟»

وأجاب الشيخ: «كلا! كلا! ليس الآن! فَلْنسكت اللحظة، وَلْنهدأ قليلًا.»

وتسللوا، وكانوا على وشك أن يتقدموا في هدوء وسكينة، لو لم يعبث المستر ونكل ببندقيته، ويأتِ ببعض الحركات المعقدة الدقيقة، فيُطلِق النار في أحرج لحظة، من فوق رأس الغلام القصير، في ذلك الموضع بالذات الذي كان رأس الحارس الطويل سيكون فيه، لو أنه كان واقفًا في البقعة التي وقف الغلام فيها.

وصاح الشيخ واردل قائلًا: «لماذا بالله فعلت هذا؟» وقد رأى الطير تفر آمنة ليس عليها من سوء.

وأجاب ونكل المسكين، وهو ينظر إلى قفل البندقية، كأن النظر إليها يجدي: «لم أرَ بندقية كهذه في حياتي، إن رصاصها ينطلق من تلقاء ذاته، وستفعل هذا حتمًا.»

وصاح واردل في شيء من القلق والهياج: «ستفعل هذا حتمًا! أتمنى لو أنها قتلت شيئًا، ومن تلقاء ذاتها أيضًا!»

وقال الحارس الطويل بصوت خفيض، ولهجة المتنبئ: «لن يمضي وقت طويل يا سيدي حتى تفعل هذا.»

وأجاب المستر ونكل بغضب: «ماذا تعني يا سيدي بهذه الملاحظة؟»

وقال الحارس: «لا بأس، يا سيدي، لا بأس، أنا لست متزوجًا ولا رب أسرة، وهذا الغلام الذي هنا ستأخذ أمه تعويضًا حسنًا من السير جفري إذا هو قُتِل في أرض صيده، أَعِدْ حشو بندقيتك يا سيدي، أَعِدْ حشوها.»

وصرخ المستر بكوك من جانب العربة، وقد ريع من تلميحات ذلك الحارس، وإشاراته المؤلمة: «خذوا منه هذه البندقية، ليأخذها منه أحد منكم، هل تسمعون ما أقول؟»

ولكن لم يتطوع أحد لتنفيذ أمره، وأما المستر ونكل فقد أرسل نظرة متمردة ثائرة إلى المستر بكوك، وأعاد حشو بندقيته، وانطلق مع الآخرين.

ونجد لزامًا علينا أن نقول استنادًا إلى مذكرات المستر بكوك، أن تقدُّم المستر طبمن مع الجمع كان أدنى إلى الحكمة والحذر والروية، من الطريقة التي اتبعها المستر ونكل، ولكن هذا لا ينقص بحال من فضل هذا السيد، وعلمه بكل ما يتصل بالصيد وفنونه، فقد رأينا — كما قال المستر بكوك فأحسن القول — أن خلقًا كثيرًا من أفضل الفلاسفة وأقدرهم، منذ أبعد القرون والأجيال، كانوا في زمانهم منارات عليا في العلم، من الناحية النظرية، ولكنهم عجزوا كل العجز عن تطبيق نظرياتهم من الوجهة العملية.

فقد كانت طريقة المستر طبمن متناهية في البساطة، كشأن كثير من أكبر المكتشفات، فقد أدرك في الحال بسرعة الرجل العبقري وحيطته أن أهم ما ينبغي تحقيقه من الأهداف في الصيد نقطتان: الأولى أن يُطلِق بندقيته بحيث لا يحدث أذى لنفسه، والثانية أن يُطلِقها بحيث لا يتعرض أحد من النظارة للخطر. ومن الجلي أن الوسيلة المثلى — بعد التغلب على صعوبة الإطلاق في ذاته — هي إغماض عينيه كل الإغماض، وإطلاق الرصاص في الفضاء.

وقد حدث في إحدى المرات، بعد أن أغمض المستر طبمن عينيه وأطلق النار، ثم فتحهما، أن أبصر بطة سمينة، وهي تسقط جريحة على الأرض، فهَمَّ بأن يهنِّئ المستر ونكل بنجاحه المطرد، ولولا أن رآه يتقدم نحوه، ويمسك يده بحرارة.

وقال الشيخ: «لقد سددت يا طبمن الرماية إلى تلك الحجلة بالذات!»

وأجاب المستر طبمن: «كلا! كلا!»

قال: «بل لقد فعلت، وقد رأيتك بعيني رأسي، ولاحظت أنك صوبت إليها دون سواها، لقد رأيت ذلك بنفسي، وشاهدتك وأنت ترفع البندقية لتسدد الرمية، وأريد أن أقول لك الحق: إن أبرع الرماة في العالم كله لم يكن في استطاعته أن يفعل أكثر مما فعلت، ولا أجمل رماية مما رميت، إنك لأبرع مما كنت أظن يا طبمن، هل سبقت لك في الصيد سابقة؟»

وقد حاول المستر طبمن الاحتجاج، وهو يبتسم ابتسامة الإيثار وإنكار الذات، ويقول: إنه لم يشترك في الصيد من قبلُ، فلم يُجْدِ الإنكار نفعًا، بل لقد اتُّخِذَتْ تلك الابتسامة دليلًا على العكس، ومن تلك اللحظة توطدت شهرته في عالم الصيد، ولم تكن تلك الشهرة هي الوحيدة التي نالها بهذه السهولة، ولا كانت الظروف السعيدة الموفقة مقتصرةً على صيد البط دون سواه.

أما المستر ونكل فقد ظل يرسل الشهب والنيران والدخان، دون الوصول إلى أية نتائج مادية تستحق الذكر، بل راح أحيانًا ينفق «الرش» في الفضاء، وأحيانًا يطلقه ماسحًا به سطح الأرض مسحًا، يعرِّض حياة الكلبين لخطر بالغ، فكان إطلاق الرصاص على تلك الصورة منوَّعًا كل التنويع، وغريبًا كل الغرابة، إذا نظرنا إليه على أنه معرض لهو وعبث، ولكنه من ناحية الرماية إلى هدف معين، قد يكون في الجملة إخفاقًا، ولا يخفى أن المثل السائر يقول: «لكل رصاصة مستقَر»، فإن طبَّقناه على رصاصات المستر ونكل، بدا لنا أنها لم تكن سوى رصاصات «لقيطة» تعسة محرومة من حقوقها الطبيعية، أُلقِيت إلى هذا العالم إلقاءً، فلم تجد مستقرًّا.

وتقدم المستر واردل إلى جانب المركبة، ومسح العرق المتصبِّب من وجهه الأحمر المرح، وهو يقول: «كيف الحال؟ إنه ليوم «صائف»، أليس كذلك؟»

وأجاب المستر بكوك: «إنه لكذلك حقًّا، إن الشمس لحارة أشد ما تكون حرارتها، حتى بالنسبة لي، وأنا الجالس لا حراك بي، لست أدري كيف تشعر بها أنت؟»

وقال السيد الكبير: «حارة جدًّا، من غير شك، وقد تجاوزت الساعة اثنتي عشرة، أتبصر تلك الربوة الخضراء التي تلوح هنالك؟»

– «بلا شك.»

– «هذا هو الموضع الذي سنتناول فيه الغداء، يمين الله، ها هو ذا الغلام قد حضر بالسلة في الموعد المضروب، كأنه الساعة في دقتها.»

وتهلَّلت أسارير المستر بكوك، ومضى يقول: «حقًّا إنه لكذلك، يا له من غلام طيب … سأنفحه شلنًا في الحال، يا سام، هيا، ادفع العربة.»

وقال المستر ولر، وقد جدَّدت من قواه أخيلة الغداء، وقرب تناوله: «امسك جيدًا يا سيدي، وأنت يا صاحب الأربطة، أفسح الطريق، ولا تقلبني إن كنت تقدر حياتي الغالية، كما قال ذلك السيد للسائق، وهم يسوقونه إلى طايبرن.»١

وانطلق يسرع في خطوه، ويدفع عربة سيده بخفة نحو الربوة النضيرة، حتى وقف بها بجانب السلة تمامًا، وأقبل يُخرِج ألوان الطعام منها في سرعة فائقة، وجعل يناجي نفسه، وهو يصف الأطعمة فوق الحشائش: «فطير بلحم العجول، هذا صنف بديع جدًّا، حين تعرف السيدة التي طهته، وتتأكد أنه ليس لحم قطط، وماذا يهم إذا كان أقرب ما يكون شبهًا إلى لحم العجول، حتى لا يعرف صناع الفطائر أنفسهم الفرق بين اللحمين!»

وقال السيد بكوك: «أحقًّا لا يعرفون يا سام؟»

وأجاب المستر ولر، وهو يلمس قبعته: «كلا يا سيدي، لا يعرفون فعلًا، فقد كنت في يوم ما أسكن مع صانع فطير في مسكن واحد يا سيدي، وكان الرجل لطيفًا، ملء ثيابه لطافة، ورجلًا مجتهدًا منتظمًا في معيشته أيضًا، يستطيع أن يصنع فطيرًا من أي شيء كان، قلت له حين تأكدت الصداقة بيننا: كم من القطط تقتني يا مستر بردكس؟ قال: آه … إني أقتني كثيرًا منها. قلت: لا بد من أنك مولع جدًّا بالقطط. فغمز لي بعينه، وقال: كثير من الناس يربون قططًا، ولكنهن لا موسم لهن متى ينقضي الشتاء. قلت: لا موسم لهن، كيف؟ قال: نعم، إن للفواكه موسمًا، ولكن القطط خارج الموسم! قلت: عجبًا! ماذا تعني؟ قال: أعني! أعني أنني لن أتآمر مع الجزارين على تثبيت أسعار اللحوم! وراح يضغط بشدة، ويهمس لي في أذني قائلًا: يا مستر ولر، أرجو ألا تذكر ما سمعته هنا أبدًا، إن الموسم هو الذي له دخل في هذا كله، إن هذه الفطائر تُصنَع كلها من هذه الحيوانات النبيلة — ومضى يشير إلى قطة لطيفة صغيرة — وأنا أقدد لحومها لصنع شطائر محمرة من لحم العجول الكبيرة والكلى حسب الطلب، وفوق ذلك أستطيع أن أصنع من لحم العجول الصغير شطائر محمرة، أو من الشطائر «كلاوي»، أو من هذا أو ذاك لحم ضأن في دقيقة واحدة، حسب أحوال السوق والأذواق تختلف!

وقال المستر بكوك وهو يرتعش ارتعاشة خفيفة: «لا بد من أن هذا الرجل كان شابًّا بارعًا ماهرًا يا سام.»

ومضى المستر ولر يقول وهو ماضٍ في تفريغ السلة: «فعلًا يا سيدي، وكانت فطائره جميلة، ماذا أرى؟ لسانًا، هذا صنف بديع، إذا لم يكن لسان امرأة، وهذا خبز، وهذا لحم خنزير مملَّح بديع، قطع صغيرة من اللحم البارد، مفتخر! وماذا في هذه القدور الفخارية يا هذا؟»

وأجاب الغلام وهو يُنزِل عن كتفه قدرين كبيرتين من الفخار، مربوطتين بسير من الجلد: «في هذه القدر «بيرة»، وفي الأخرى «بنتش» بارد.»

وقال المستر ولر وهو يستعرض ترتيب الأطعمة بسرور شديد: «إنه لغداء شهي في مجموعه، والآن أيها السادة اهجموا! اهجموا! كما قال الإنجليز للفرنسيين حين ثبَّتوا الحراب في البنادق.»

ولم يكن القوم بحاجة إلى دعوة ثانية ليؤدوا لهذه الوجبة حقها، ولم يكن المستر ولر، وذلك الحارس المارد، والغلامان الآخران ينتظرون مَن يدعوهم إلى الجلوس فوق العشب على مسافة قصيرة، والانقضاض على نصيب طيِّب من اللحوم، وكانت من فوقهم شجرة سرو كبيرة تغمرهم بظل وارف، ويحيط بهم مشهد ممتع تترامى فيه حيالهم المروج والحقول، وتتخلله أسوار وحواجز كثيرة من عوسج نضير.

وأنشأ المستر بكوك يقول، وقد أخذت بشرة وجهه البليغ في تعبيره تتقشر سريعًا من أثر التعرض للهواء: «هذا مشهد بهيج! بهيج كل البهجة!»

وأجاب واردل: «هو كذلك، هو كذلك يا صاح، هيَّا، كأسًا من بنتش؟»٢

وقال المستر بكوك: «بكل سرور.» وكان البشر الذي طفح على وجهه بعد تناول الشراب، دليلًا على صدق جوابه، وانثنى يقول وهو يمسح بلسانه شفتيه: «بديع! ممتع للغاية! سأتناول كأسًا أخرى، إنه لرطب، رطب جدًّا! هلموا يا سادة، لنشرب نخب أصدقائنا في دنجلي ديل.»

وراح يصب الشراب من القدر، وهو لا يفارقها.

وشُرِب النخب وسط صيحات عالية.

وقال المستر ونكل، وهو يأكل خبزًا ولحم خنزير بمطواة جيب: «سأقول لكم: ماذا أنا صانع للعودة إلى الصيد، سأضع بطة محشوة فوق قمة أحد الأعمدة، وأتدرب على رميها، مبتدئًا من مسافة قصيرة، ثم آخذ في إطالتها شيئًا فشيئًا، وأعتقد أن هذا تدريب بديع!»

وقال المستر ولر: «إنني أعرف سيدًا فعل ذلك يا سيدي، مبتدئًا بياردتين، ولكنه لم يَعُدْ إلى هذه التجربة أبدًا؛ لأنه من الطلقة الأولى نسف الطائر نسفًا، فلم يرَ أحد له ريشًا بعد ذلك.»

وقال المستر بكوك: «يا سام!»

وأجاب المستر ولر: «نعم يا سيدي.»

قال: «من فضلك احتفظ بنوادرك حتى يُطلَب إليك.»

– «بلا شك يا سيدي.»

وهنا غمز المستر ولر بعينه غمزة لم يُخْفِها وعاء الجعة الذي كان يرفعه إلى شفتيه بلذة متناهية، فلم يسع الغلامين غير الانطلاق معًا في الضحك، كما تفضل الرجل الطويل فابتسم.

وقال المستر بكوك، وهو ينظر بجد إلى تلك القدر: «إن هذا البتش السائغ فاخر بلا شك، واليوم قائظ مفرط القيظ، وأنت يا طبمن يا صديقي العزيز، ألك في كأس أخرى منه؟»

وأجاب المستر طبمن: «بأعظم السرور.» وبعد أن شرب المستر بكوك الكأس تناول أخرى؛ لكي يتبين هل في «البنتش» قشر برتقال؛ لأن قشر البرتقال لا يوافق معدته دائمًا، ولما لم يجد فيه أثرًا له، تناول كأسًا أخرى في صحة صديقهم الغائب، ثم وجد نفسه مضطرًّا حتمًا إلى شرب نخب صانع البنتش، ومقطره «المجهول».

وما لبثت الكئوس المتوالية أن أحدثت أثرًا كبيرًا في نفس المستر بكوك؛ فطفح مُحَيَّاه بشرًا ظاهرًا، وابتسامًا كثيرًا، وضحكًا متتابعًا حتى بدت نواجذه، ومرحًا شديدًا يبرق في عينيه، وأخذ يستسلم شيئًا فشيئًا لحميا الشراب، وبطشة الصهباء، وزاده اشتداد الهجير استسلامًا، فأبدى رغبة قوية في تذكر أغنية كان قد سمعها في طفولته، ولكنه لم يستطع أن يتذكرها، فالتمس تنبيهها واحتثاثها بكئوس أخرى من «البنتش»، تبيَّن أنها أحدثت عكس التأثير الذي كان يريده منها، فبعد أن نسي كلمات تلك الأغنية، بدأ ينسى النطق بأي كلام إطلاقًا، وأخيرًا، وبعد أن تحامل على ساقيه ليخطب القوم، ويُسمِعهم كلامًا بليغًا، سقط في العربة، وراح في سبات عميق في اللحظة ذاتها.

وبعد أن أعيدت الصحاف إلى السلة، وتبيَّن أنه من المتعذر تمامًا إيقاظ المستر بكوك من نعاسه الشديد، أخذ القوم يبحثون هل كان يحسن بالمستر ولر أن يدفع العربة التي تُقِلُّ سيده لمواصلة المسير، أو أن من الأفضل أن يتركوه حيث هو، حتى يعودوا إليه، وتقرَّر أخيرًا الأخذ بالخطة الثانية، ولم تكن بقية الرحلة لتتجاوز الساعة، وقد ألحف المستر ولر في مرافقة الجماعة، فصحت النية على ترك المستر بكوك نائمًا في العربة، والعودة إليه بعد الفراغ من الصيد، وانطلقوا بعد أن تركوه يغطُّ هادئًا مستريحًا في الظل كما يشاء ويشاء له الغطيط.

والظاهر أن ليس ثمة سبب معقول للشك في أن المستر بكوك سيظل في غطيطه تحت الظلال حتى يئوب إليه أصحابه، أو حتى ترتمي ظلال المساء على المروج، إذا هم تخلفوا عن الأوبة إليه، ما دمنا نتصور أنه قد تُرِك في ذلك الموضع بأمان، ولكنه لم يُترَك في أمان فعلًا، وإليك السبب.

كان الضابط بولدويج رجلًا قصير القامة شديد البطش، يرتدي ثوبًا سابغًا أزرق اللون، وغطاء رقبة أسود، وإذا تنزَّل يومًا من عليائه ليتجول في رحاب أرضه، حمل معه عصا غليظة من الخيزران ذات كعب من نحاس، واصطحب بستانيًّا، وصبي بستاني يبدو الحلم على وجهيهما، وتلوح الوداعة على سحنتيهما، وكان الضابط بولدويج يُصدِر إليهما — لا إلى العصا — الأوامر في عظمة وغلظة، وكانت داره مغنى جميلًا، وأرضه بساتين وساحات صيد، وكل شيء حوله رفيع وجليل وعظيم.

ولم يقضِ المستر بكوك في ذلك السبات الذي استولى عليه غير نصف ساعة، حتى أقبل الضابط بولدويج يتبعه البستانيان، مسرعًا على قدر ما يواتيه حجمه، ويليق بخطر شأنه، وحين اقترب من السروة الظليلة تمهَّل في مسيره، وأخذ نفسًا مستطيلًا، ونظر إلى ذلك المشهد، كأنما كان يعتقد أن المشهد ذاته أولى به أن يتشرف بأنه قد استرعى انتباهه، ثم راح يضرب بعصاه الأرض، وينادي البستاني قائلًا: «هنط!»

وأجاب البستاني: «نعم يا سيدي.»

– «حُشَّ هذا الموضع صباح غد، هل أنت سامع يا هنط؟»

– «نعم يا سيدي.»

– «واعتنِ بتنظيفه لي وتنظيمه، هل أنت سامع يا هنط؟»

– «نعم يا سيدي.»

– «وفكرني في صنع لافتة خشبية لتحذير العامة من دخول هذه الأرض، وطلب الصيد فيها، وما إلى ذلك، أأنت سامع؟ أأنت سامع؟»

– «لن أنسى ذلك يا سيدي.»

وتقدَّم الآخَر، ويده مرفوعة إلى قبعته فقال: «أستمحيك المعذرة يا سيدي.»

وقال الضابط بولدويج: «إيه يا ولكنز، ما حكايتك؟»

– «أستميحك المعذرة يا سيدي، ولكني أعتقد أنه كان هنا اليوم متعدُّون يطلبون صيدًا.»

وقال الضابط بولدويج مزمجرًا، وهو يُدِير عينيه في المكان: «ها!»

– «نعم يا سيدي، وأحسبهم تناولوا غداءهم هنا يا سيدي.»

وقال الضابط بولدويج، وقد وقعت عينه على الفتات والفضلات المتناثرة فوق الحشائش: «ما أوقحهم، وأشد جرأتهم! أحسبهم قد فعلوا، والواقع أنهم قد التهموا طعامهم هنا!»

ومضى يقول في حنق، وهو يشدد قبضته على عصاه الغليظة: «ليتني رأيت هؤلاء المتشردين هنا!»

وقال ولكنز: «عفوًا يا سيدي ولكن …»

وزأر الضابط قائلًا: «ولكن ماذا؟»

وأتبع عينيه نظرات ولكنز الخائفة، فوقعتا على العربة والمستر بكوك.

وقال الضابط وهو يلكز المستر بكوك عدة لكزات بعصاه: «مَن تكون أيها الشقي؟ وما اسمك؟»

وغمغم المستر بكوك قائلًا: «بنتش بارد!» وراح في النوم مرة أخرى.

وصاح الضابط بولدويج: «إيه؟»

ولكنه لم يتلقَّ جوابًا.

وسأل الضابط تابعيه: «ما هو الاسم الذي قاله؟»

وأجاب ولكنز: «أظنه قال بنتش يا سيدي.»

وقال الضابط بولدويج: «هذه وقاحته، هذه وقاحة اللعين، إنه يتظاهر الآن بالنوم، إنه سكران، رجل من السوقة طافح خمرًا، ابعده بعربته يا ولكنز، أسرع بإبعاده من وجهي، هيا ادفعه.»

وقال ولكنز بخوف شديد: «إلى أين يا سيدي؟»

وأجاب الضابط بولدويج: «إلى الشيطان!»

وقال ولكنز: «سمعًا وطاعة يا سيدي.»

وقال الضابط: «قف!»

فامتثل البستاني للأمر.

وقال الضابط: «ادفع به، ادفع به إلى الحظيرة، ودعنا نرَ هل سيدعو نفسه بنتش حين يفيق، لا أريد أن أتنكد بسببه، هيا، ادفع به.»

ودُفِع المستر بكوك امتثالًا لهذا الأمر القاهر، وانطلق الضابط بولدويج الجبار في طريقه متورمًا منتفخًا من سورة الغضب.

ولشد ما كانت دهشة الجماعة حين عادوا فلم يجدوا المستر بكوك في الموضع الذي تركوه فيه، وبدا لهم أنه أخذ العربة معه، فقد كان ذلك أغرب شيء سمع الناس به، وأشد شيء غموضًا واستغلاقًا على الأفهام، فإن نهوض رجل أعرج مستويًا على ساقيه بلا سابق إنذار، وانصرافه من ذلك الموضع قد يكون حادثًا خارقًا للمألوف إلى أبعد الحدود، أما أن يتمكن من دفع عربة ثقيلة أمامه، على سبيل العبث والتسلية، فشيء يبلغ قطعًا حد المعجزات.

ومضوا ينقبون في كل ركن، ويبحثون في كل زاوية، آحادًا ومجتمعين، ويصيحون بأعلى أصواتهم، ويطلقون الصفير والضحكات، وينادون باسمه، ولكن كانت النتيجة واحدة، وهي الفشل في العثور عليه، وبعد بحث لا جدوى منه بضع ساعات انتهوا إلى قرار أليم، وهو أن يعودوا أدراجهم يائسين.

وكان المستر بكوك عندئذٍ قد نُقِل بعربته إلى الحظيرة، وتُرِك في أمان، وهو لا يزال مستغرقًا في النوم، ولشد ما كان فرح أولاد القرية، بل ما كان أشد سرور ثلاثة أرباع أهلها، وقد احتشدوا من حول الحظيرة؛ منتظرين حتى يروه صاحيًا من النوم. وإذا كان مجرد رؤيتهم إياه وهو مدفوع إليها فوق العربة قد أثار في نفوسهم أشد السرور، فما بالك بفرحهم وابتهاجهم حين يشهدونه، بعد بضع نداءات غير واضحة: «يا سام!» قد استوى جالسًا في العربة، وراح ينظر وهو في دهشة لا توصف إلى الوجوه المترائية لعينيه، لقد كان فرحهم في تلك اللحظة بلا شك أضعافًا مضاعفة، وكانت الصيحة العامة بالطبع هي الإشارة بأنه قد صحا من النوم، وجاء تساؤله بالضرورة: «ما الخبر؟» فكان مدعاة إلى صيحة أشد من الأولى، إن أمكن أن يكون بعد الأولى ما هو أشد منها.

وصرخ النظارة: «ما أعجبه من منظر!»

وصاح المستر بكوك: «أين أنا؟»

وأجاب الغوغاء: «في الحظيرة.»

– «كيف جئت إلى هنا؟ وماذا كنت أفعل؟ ومن أين جيء بي؟ …»

فكان الرد الوحيد: «بولدويج … الضابط بولدويج.»

وعاد المستر بكوك يصيح: «أخرجوني، أين خادمي؟ وأين أصحابي؟»

وصاح الناس به: «لا أصحاب لك، مرحى!»

وألقى بعضهم عليه لفتة، ورشقه آخرون بقطعة من البطاطس، وترامت إليه بيضة، وبضعة رموز أخرى، وأدلة على فرح القوم وانبعاثهم إلى المداعبة والعبث.

وليس في استطاعة أحد أن يقول إلى متى كان هذا المشهد سيطول، أو إلى أي حد كان المستر بكوك سيعاني من عبث العابثين، لو لم تقف فجأة عربة كانت مسرعة بقرب ذلك الموضع، وينزل منها الشيخ واردل وسام ولر، وينطلق أولهما مسرعًا، فيصل إليه في أقل مما تستغرقه كتابة هذه السطور، إن لم نَقُلْ قراءتها، ويحمله إلى المركبة، بينما كان الآخَر قد انتهى من الجولة الثالثة والأخيرة في معركة منفردة بينه وبين شماس القرية.

وصاحت عدة أصوات تقول: «نادوا المأمور!»

ووثب المستر ولر إلى مكانه بجانب السائق وهو يقول: «هلموا أسرعوا فنادوه، وأبلغوه تحياتي، تحيات المستر ولر، وقولوا له: إنني ضربت شماسكم، وإذا أرسل أحدًا سواه فسأعود غدًا، وأوسعه هو الآخَر ضربًا، هيا سُقْ أيها الحوذي!»

وقال المستر بكوك حين خرجت المركبة من حدود القرية: «سأكلِّف أحدًا برفع دعوى حجز بلا مبرر على الضابط بولدويج بمجرد وصولي إلى لندن.»

وقال واردل: «يظهر أننا تعدينا على أرضه.»

وعاد المستر بكوك يقول: «لا يهمني، سأرفع دعوى حتمًا.»

وقال واردل: «كلا، لن تفعل.»

وأجاب المستر بكوك منفعلًا: «بل سأفعلن بحق.» وكاد يقسم لولا أن بدت أمارات المزاح على وجه واردل، فأمسك وقال: «ولِمَ لا؟»

وأجاب الشيخ واردل، وهو يكاد يستلقي من الضحك: «لأنهم قد يقلبون الدفة على أحدنا، فيقولون: إنه كان قد أفرط كثيرًا في شرب البنتش.»

فلم يتمالك المستر بكوك من إخفاء ابتسامة خطفت بوجهه، وما لبثت الابتسامة أن امتدت فكانت ضحكة، وتطورت الضحكة إلى قهقهة مدوية، والقهقهة إلى زأرة عامة، ولكي يظل مزاجهم صافيًا، وقفوا عند أول حانة وجدوها على الطريق، وطلبوا «دورًا» من البراندي والماء، وقدرًا كبيرًا من شراب شديد البطش للمستر ولر.

١  ساحة الإعدام.
٢  Punch نوع من المسكر.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤