الفصل الثامن والثلاثون

كيف أراد المستر ونكل أن يستجير من الرمضاء، فوقع برفق وراحة في النار …

***

وبعد أن قضى ذلك السيد السيئ الحظ الذي كان سببًا في تلك الجلبة غير المألوفة التي أزعجت سكان شارع «الهلال الملكي»، على ذلك النحو الذي وصفناه، ليلة نكدة مليئة بالاضطراب والقلق، غادر البيت الذي كان أصحابه لا يزالون نيامًا تحت سقفه، وانطلق على غير هدى، لا يدري إلى أين؟ ولن يتيسر مطلقًا تقدير المشاعر الكريمة التي دفعت المستر ونكل إلى اتخاذ هذه الخطوة حق تقديرها، ولا الإشادة بها أصدق الإشادة؛ فقد فكر في نجواه قائلًا: «إذا حاول هذا الرجل الذي يدعى داولر — ولست أشك في أنه سيحاول — تنفيذ وعيده، وهو العدوان على شخصي، فسأجدني مضطرًّا إلى مناجزته، ولكن لهذا الرجل زوجة، وهذه الزوجة متعلقة به، ومعتمدة في الحياة عليه، ومعتمدة في الحياة عليه، يا إلهي! ماذا تكون النتيجة، إذا أنا قتلته في جِنة غضبي وسَورة حنقي؟ بل لعمري ماذا سيكون شعوري بعد ذلك؟» وكان لهذا التفكير الأليم أثر بالغ في مشاعر هذا الشاب الرحيم، حتى لقد ارتعدت فرائصه، وبدت على وجهه أمارات مزعجة تدل على مدى تأثُّره، ودفع به هذا التفكير إلى تناول حقيبته المصنوعة من قطعة بساط، وانطلق مسترق الخطى يهبط مدارج السلم، وخرج إلى الطريق وأغلق ذلك الباب اللعين بكل رفق ممكن، وسار متجهًا صوب فندق رويال فوجد مركبة على أُهبة المسير إلى برستل، واعتقد أن برستل تصلح كأي موضع سواها يمكن أن يلجأ إليه، فصعد إلى المركبة، ووصل إلى وجهته في الوقت الذي استطاع فيه الحصانان فعلًا الوصول فيه إليها، وكانا يقطعان الرحلة ذهوبًا وجيئة مرتين في اليوم أو أكثر.

واستأجر مكانًا له في فندق بش «الدغل»، ورأى أن يرجئ الكتابة إلى المستر بكوك ريثما يكون غضب المستر داولر قد خفَّ شيئًا ما، وسكنت ثائرته قليلًا في أغلب الظن، وخرج يمشي في مناكب المدينة، لمشاهدة بعض أرجائها، فبدا له أنها أقذر هونًا ما من أي موضع زاره من قبل، وبعد أن تفقد الأحواض فيها والميناء وحركة السفن، وشاهد كنيستها الكبرى، سأل عن الطريق إلى كلفتن، فلما عرفه، ولَّى وجهه شطره، ولم تكن شوارع برستل أنظف الشوارع على وجه الأرض، ولا أكثرها عرضًا، فلا غرو إذا هي لم تكن أوفرها استقامة، أو أقلها انعراجًا وتفرعًا وتشابكًا، فلم يلبث المستر ونكل أن أحسَّ ارتباكًا شديدًا إزاء كثرة منعطفاتها، وتعدد منعرجاتها، واختلاف دروبها وأزِقَّتِها المتناوحة، فوقف يدير عينه فيما حوله لعله واجد حانوتًا نظيفًا يصح أن يلتمس لديه النصيحة ويتعرف منه مشرع الطريق.

واستقرت عينه على مبنى حديث الطلاء يبدو كأنه قد تحوَّل منذ عهد قريب إلى شيء بين حانوت ومسكن خاص، ورأى مصباحًا أحمر بارزًا فوق كوة الباب الخارجي، فكان ذلك إعلانًا كافيًا أن المكان مقر رجل مشتغل بالطب، وإن لم تكن كلمة «طبيب وجراح» منقوشة بأحرف مذهبة على لافتة فوق نافذة لما كان في سالف الدهر يُدعى قبل تحويل ذلك المبنى غرفة استقبال أمامية، واعتقد المستر ونكل أن هذا المكان صالح لكي يسترشد به، ويظفر منه بالمعلومات التي يطلبها، فدخل الحانوت الصغير حيث تقوم الأدراج، وتصطف الزجاجات والقوارير التي لصقت بها البطاقات الدالة على أسمائها ومركباتها، ولكنه لم يجد أحدًا فيه، فانثنى يمسك بقطعة من أنصاف الكراون ويدق بها المنصة، حتى يجتذب نظر أحد قد يكون في الغرفة الخلفية؛ إذ اعتقد أنها حرم المكان وعقره ومحرابه، حين رأى كلمة «عيادة» مكتوبة على الباب، بأحرف بِيض في هذه المرة، على سبيل التنويع؛ مخافة التكرار والإملال.

وعلى أول دقة، انقطع فجأة صوت كان يبدو إلى تلك اللحظة مسموعًا، وكأنه صوت شخصين في مباراة يتناجزان بحدائد الموقدة، وعلى الطرقة الثانية، خرج إلى الحانوت فتى تلوح عليه سمات الدأب، وقد وضع منظارًا أخضر اللون على عينيه، وتسلل برفق وراء المنصة وسأل الزائر ما حاجته.

وأنشأ المستر ونكل يقول: «آسف لإزعاجك يا سيدي، ولكن هلَّا تكرمت بارشادي إلى …»

ولم يستكمل القول؛ فقد انثنى ذلك الفتى يقهقه قهقهة مدوية، ويقذف بالكتاب الكبير في الفضاء ثم يتلقاه ببراعة وهو هابط منه يوشك أن يحطم جميع الزجاجات المصفوفة على النضد فلا يذر منها شيئًا، وصاح يقول: «يا لها من مفاجأة!»

وفي الحق لقد كانت كذلك؛ لأن المستر ونكل شعر بدهشة بالغة من هذا التصرف الغريب الذي بدا من ذلك السيد الطبيب، حتى لقد تراجع مرغمًا إلى الباب وهو في انزعاج شديد من هذا الاستقبال العجيب الذي استقبل به.

وقال الفتى الطبيب: «يا عجبًا! ألا تعرفني؟»

وأجاب المستر ونكل مغمغمًا أنه لم يتشرف بهذه المعرفة من قبل.

وقال الفتى: «إذن لا تزال أمامي آمال طيبة في المستقبل، ولو ساعدني الحظ فمن يدري؟! لعلي معالِج نصف عجائز هذه المدينة، اخرج من هنا … اخرج أيها الشقي العفن الأثيم!» وكان هذا السباب موجهًا إلى الكتاب الكبير، وإذا الفتى يتبعه بركلة بخفة ظاهرة، حتى طرحه في الطرف الآخر من الحانوت وانثنى ينزع من عينيه منظاره الأخضر، ويضحك تلك الضحكة المعهودة من صاحبنا ربرت سوير طالب الطب السابق في مستشفى جاي بالضاحية والمقيم بمسكنه الخاص في شارع لانت.

وقال المستر بب سوير، وهو يهز يد المستر ونكل بحرارة ومودة صادقة: «هل تريد أن تقول إنك لم تأتِ إليَّ قصدًا، وتهبط عليَّ وأنت عالم أني هنا؟»

وضغط المستر ونكل يد بب سوير وهو يقول: «أقسم لك أنني لم أكن أعرف.»

وقال بب سوير وهو يلفت نظر صديقه إلى الباب الخارجي الذي كتبت عليه بالطلاء الأبيض ذاته هذه العبارة «بب سوير – نكمورف سابقًا»: «أعجب لك كيف لم ترَ الاسم؟!»

وأجاب المستر ونكل: «لم يسترع نظري إطلاقًا.»

وقال بب سوير: «والله لو كنت أعرف أنك أنت الذي كنت تدق لبادرت إلى الخروج وأسرعت إلى أخذك بين ذراعي، ولكن أقسم لك بحياتي أنني ظننتك محصل الضرائب.»

وقال المستر ونكل: «ما هذا الكلام؟»

وأجاب بب سوير: «فعلًا، وكنت أهم بأن أقول: إنني لست هنا، ولكن إذا تركت لي رسالة فتأكد أنها ستصل إليَّ؛ لأن الرجل لا يعرفني، كما لا يعرفني محصل النور، ولا محصل البلدية، وأظن أن محصل الكنيسة هو الذي يظن أنه يعرفني أو يشبه عليَّ، وأعرف أن محصل المياه يعرفني؛ لأنني خلعت له ضرسًا عقب قدومي إلى هنا، ولكن تعال، ادخل!»

وانثنى بب سوير بهذه الثرثرة يدفع المستر ونكل إلى الحجرة الخلفية؛ حيث لمح شخصًا يلهو بثقب نقرات صغيرة مستديرة في المدخنة بمحراك محمى في النار وإذا ذلك الشخص هو المستر بنجمن ألن.

وصاح المستر ونكل: «جميل، هذه فرصة لم أكن أتوقعها، ما ألطف هذا الموضع الذي تحتله هنا!»

وأجاب بب سوير: «لطيف جدًّا، لطيف جدًّا؛ فقد اجتزت الامتحان عقب تلك الحفلة الشيقة بوقت قصير، وأعانني الأصدقاء على كل ما اقتضته هذه المهنة من مستلزمات، فارتديت حلة سوداء واقتنيت منظارًا أخضر، وجئت إلى هنا لأتراءى جدًّا ما أمكن.»

وقال المستر ونكل بلهجة العريف الخبير: «وهي مهنة هينة لطيفة بلا شك.»

وأجاب بب سوير: «جدًّا، حتى ليبلغ من هونها أن تستطيع بعد بضع سنين أن تضع كل أرباحها في كأس نبيذ وتغطيها بورقة من أوراق التوت.»

وقال المستر ونكل: «لا يمكن أن تكون جادًّا فيما تقول، والبضاعة ذاتها …»

وعاجله بب سوير قائلًا: «صورية، يا غلامي العزيز؛ فإن نصف الأدراج خاوٍ، والنصف الآخر لا ينفتح.»

وقال المستر ونكل: «هذا الكلام لا يعقل.»

وأجاب بب سوير: «حقيقي، بالشرف.» وتقدم خطوة في الحانوت، وأراد أن يبين لصاحبه صدق قوله، فوقف يشد الأكر الصغيرة المذهبة التي في الأدراج المزيفة عدة شدات قوية فلا ينفتح، وانثنى يقول: «لا يكاد شيء في الحانوت يبدو حقيقيًّا غير الدود العلق ولكنه أيضًا قديم مستعمل.»

وصاح المستر ونكل وهو في دهشة بالغة: «ما كنت أتصور شيئًا كهذا! من كان يظن؟!»

وأجاب بب سوير: «أرجو ألا يظن أحد، وإلا فما جدوى المظاهر إذن؟ ولكن قل لي: ماذا تشرب؟ هل تشرب مما نشرب؟ حسن يا عزيزي بن أدخل يدك في الصوان وأخرج لنا المشروب الهضام.»

وابتسم المستر بنجمن ألن مبديًا استعداده وأخرج من الصوان القريب من مرفقه زجاجة سوداء تحوي براندي مملوءة إلى النصف.

وقال بب سوير: «أنت بالطبع لا تتناول عليه ماء.»

وأجاب المستر ونكل: «شكرًا لك؛ فإن الوقت مبكر، ولكن لا بأس من تخفيفه بالماء إذا لم يكن لديك مانع.»

وقال بب سوير مطوحًا بكأس في فمه بلذة شديدة وهو يقول: «ليس لدي أقل مانع إذا أنت وفقت بينه وبين ذوقك. يا بن، علينا بالجرة.»

وأخرج المستر بنجامين ألن من المخبأ ذاته قدرًا صغيرة من النحاس، قال بب سوير إنه يعتز بها وخاصة لأنها تبدو عليها مظهر العمل، وكانت تحوي قدرًا من الماء، وأخرج المستر بب سوير من عتبة نافذة أشبه بالدرج، كتبت عليها «ماء الصودا» بضع قطع صغيرة من الفحم، وترك الماء في القدر الصغيرة يغلي على مهل، ومزج المستر ونكل الشراب بشيء منه، وأخذ الثلاثة يتجاذبون أطراف الحديث، وإذا غلام يدخل الحانوت فيقطع عليهم سبيله، وكان الغلام في حلة داكنة، وقبعة ذات شريط ذهبي، وهو يتأبط سلة صغيرة مغطاة، فما إن رآه بب سوير حتى هلَّل قائلًا: «تعالَ هنا يا توم أيها المتشرد!»

وتقدم الغلام ممتثلًا.

وقال المستر بب سوير: «لقد وقفت بجميع أعمدة المصابيح في برستل كلها أيها المكسال البليد المهمل.»

وأجاب الغلام: «كلا، لم أقف.»

وقال المستر بب سوير مهددًا متوعدًا: «لَخير لك ألا تفعل، من ذا الذي تظنه يرضى يومًا عن استخدام رجل صاحب مهنة؛ إذا كان الناس يرون غلامه يلعب البلي في الأزقة، أو يقفز كالضفدع؟! ألا تشعر بأي اهتمام بصنعتك أيها الخسيس؟! قل لي هل أوصلت كل الأدوية؟»

قال: «نعم سيدي.»

– «المسحوق للأطفال في البيت الكبير الذي تسكنه الأسرة الجديدة، والحبوب التي تؤخذ أربع مرات في اليوم في دار الشيخ الحاد الطبع الذي يشكو من النقرس في ساقه؟»

– «نعم يا سيدي.»

– «إذن أغلق الباب، والتفت إلى الحانوت.»

وقال المستر ونكل، عقب انصراف الغلام: «قل لي إن الأمور ليست من السوء كما تريدني أن أعتقد، فها هي ذي بعض أدوية ترسل إلى الزبائن!»

وألقى المستر بب سوير نظرة على المحل ليستوثق من أنه ليس ثمة غريب يسترق السمع، ثم أقبل على المستر ونكل فقال وهو يغض من صوته: «إنه يتركها جميعًا في بيوت غير المرسلة إليها.»

وبدا الارتباك على وجه المستر ونكل، وضحك بب سوير وصاحبه، وقال الأول: «ألم تفهم؟ إنه يذهب إلى منزل ما، فيدق الجرس، فيأتي الخادم، فيدس في يده علبة دواء في صمت وينصرف، ويحمل الخادم الدواء إلى قاعة الطعام فيفتحه رب البيت ويقرأ البطاقة التي عليها: «تؤخذ جرعة منه قبل النوم» مع الحبوب نفسها، والغسيل كالمعتاد، والمسحوق من محل سوير – نكمورف سابقًا، وإلى جانب ذلك عبارة إضافية «تذاكر الأطباء تحضر بكل عناية» وما إلى ذلك ونحوه. وينثني رب البيت فيُري زوجته الدواء، وتقرأ هي العنوان، ثم يعيدونه إلى الخدم ويقرأون العنوان، وفي اليوم التالي يعود الغلام فيقول: «إنه متأسف جدًّا، والغلطة غلطته وهي نتيجة لكثرة العمل في المحل، وكثرة الأدوية التي يطلب إليه تسليمها للزبائن والمستر سوير — نكمورف سابقًا — يهدي تحياته. وهكذا يزداد الناس على الأيام معرفة بالاسم، وهذه هي طريقة العمل يا بني في مهنة الطب، إنها أحسن من أي طريقة أخرى من طرق الإعلان في العالم، وقد عرفنا كيف نوزع بهذا الشكل زجاجة لا تجاوز سعتها أربع أوقيات على نصف بيوت برستل، ولا يزال أمامها مجال واسع.»

وقال المستر ونكل: «يا عجبًا! لقد فهمت، هذه خطة بارعة.»

وأجاب بب سوير بابتهاج شديد: «لقد خطرت لنا أنا وبن عدة طرق من هذا النوع؛ فمثلًا: اتفقنا مع الرجل المكلَّف بإضاءة المصابيح في الشوارع على أن نؤدي له ثمانية عشر بنسًا له في كل أسبوع نظير دق جرس الليل لدينا مدة عشر دقائق كلما جاء يطوف حول هذا الموضع، واعتاد غلامنا أن يعدو نحو الكنيسة قبل ابتداء المزامير، حين لا يبقى أمام الناس من شيء يفعلونه غير التلُّفت حولهم، فينادي باسمي، والرعب والفزع مرتسمان على وجهه، حين يسمع الجميع يقولون: يا لله! إن أحدهم أغمي فجأة عليه. وعندئٍذ يطلبون: سوير — نكمورف سابقًا — ألا ما أكثر العمل لدى هذا الشاب!»

ولما فرغ المستر بب سوير وصاحبه المستر بن ألن من شرح بعض الأسرار المتعلقة بالمهنة، ارتميا على مسندي كرسيهما واستغرقا في ضحك صاخب، ولما استمتعا بهذه المجانة ملء صدريهما، تحوَّل الحديث إلى موضوعات كان المستر ونكل أكثر اهتمامًا بها من ذلك كله.

ونذكر أننا قد أشرنا في موضع سابق إلى عادة استولت على المستر بنجمن ألن عقب تعاطي البراندي وهي الاستسلام للعواطف. ولا غرابة في ذلك، كما نستطيع نحن أن نثبت، بعد أن شاهدنا فريقًا من الناس مرضى على هذه الصورة ذاتها، ولعل المستر بنجمن ألن في هذه الفترة عينها من حياته أصبح أشد نزوعًا إلى سرعة التأثر من الشراب ممَّا لمسه من قبل أو اعتراه في يوم من الأيام، وكان سبب هذه العلة هو باختصار أنه منذ قرابة ثلاثة أسابيع وهو يقيم مع المستر بب سوير، ولم يكن الامتناع عن الشراب معروفًا عن بب، كما لم يكن معروفًا عن المستر بنجمن ألن أنه من أصحاب الرءوس القوية، فكانت النتيجة أنه ظل طيلة مقامه عند صاحبه متراوحًا بين الثمل والسكر القليل.

وانتهز المستر بن ألن فرصة قيام المستر بب سوير إلى المنضدة لتصريف شيء من الدود العلق القديم، فأنشأ يقول للمستر ونكل: «يا صديقي العزيز، إني تعس جدًّا.»

وأجاب المستر ونكل قائلًا: إنه يحزنه في الحق أن يسمع ذلك منه، ويريد أن يعرف هل في إمكانه أن يفعل شيئًا لتخفيف أحزانه.»

وقال بن: «لا شيء يا بني العزيز، لا شيء، إنك تذكر أربلا يا ونكل، أختي أربلا، الفتاة الصغيرة ذات العينين السوداوين، التي رأيتها حين كنا في دار واردل، لست أعرف هل اتفق لك أن رأيتها أو لا؟ إنها فتاة صغيرة ظريفة يا ونكل، لعل ملامحي تذكرك بملامحها؛ لشدة الشبه بيننا.»

ولم يكن المستر ونكل بحاجة إلى شيء يذكره بأربلا الفاتنة، ولم يحتج لحسن الحظ إلى مذكر؛ لأن قسمات وجه أخيها بنجمن ألن لم تكن أبدًا وبلا نزاع مجدِّدًا قويًّا لذاكرته، ولكنه أجاب بكل هدوء استطاع أن يتخذ سماته بأنه يتذكر تلك الفاتنة حق التذكر ويرجو مخلصًا أن تكون موفورة الصحة.

وكان رد المستر بن ألن الوحيد: «إن صديقنا بب إنسان لطيف.»

وقال المستر ونكل: «جدًّا»، وإن لم يستطب كثيرًا اقتران الاسمين إلى هذا الحد.

ووضع المستر بن ألن الكأس أمامه وقال بلهجة التوكيد: «لقد انتويت أن يكون كل منهما لصاحبه؛ فقد خُلِقَ له، وأرسل إلى هذه الدنيا من أجله، وولد لاستكماله، يا ونكل، إن في هذه المسألة قدرًا مقدورًا يا سيدي العزيز، وليس الفارق في السن بينهما غير خمس سنين، ويوم ميلاد كل منهما في شهر أغسطس.»

وكان المستر ونكل في لهفة شديدة لسماع ما سيأتي بعد ذلك، لم يُبْدِ عجبًا كثيرًا من هذا الاتفاق الغريب على ما فيه من عجب، وانثنى المستر بن ألن بعد دمعة، أو دمعتين، يقول: إن أربلا، رغم كل إكباره واحترامه وإجلاله لصديقه، قد أبدت بغير سبب ولا مبرر أشد النفور منه.

ومضى المستر بن ألن قائلًا بارتباك: «وأظن أن هناك علاقة سابقة.»

وقال المستر ونكل باضطراب بالغ: «هل لديك أية فكرة عمن عسى أن يكون موضع هذه العلاقة؟»

وهنا تناول المستر ألن بن محراك النار ولوح في الفضاء به كما يشهر الجندي السلاح في الحرب فوق رأسه، وأهوى به في ضربة عنيفة على جمجمة وهمية، وختم الحديث بقوله في لهجة بالغة في التعبير: إنه يود أن يعرف من يكون، وإن هذا هو كل ما لديه.

وعاد المستر بن ألن يقول: «سأريه مدى رأيي فيه.» وانثنى يشهر المحراك في الفضاء مرة أخرى أشد عنفًا وهياجًا من الأولى.

وكان ذلك كله بالطبع مهدِّئًا قوي الأثر لشعور المستر ونكل، فلبث صامتًا بضع دقائق، ولكنه استجمع أخيرًا عزيمته وجرأته فسأل: «هل مس ألن تقيم الآن في كنت؟»

وأجاب المستر بن ألن وهو يلقي المحراك جانبًا وينظر نظرات مكر: «كلا، كلا؛ لأنني لم أعتقد أن بيت واردل هو المكان الصلح تمامًا لإقامة فتاة عنيدة مثلها، ولما كنت الوصي عليها وحاميها الطبيعي، بعد وفاة أبوينا، رأيت أن أحضرها معي إلى هذه البقعة من البلاد؛ لتقضي بضعة أشهر عند عمة عجوز لها تقيم في بيت هادئ لطيف يغمره السكون، وأعتقد أن هذا هو خير علاج لها يا بني، فإذا لم ينجح العلاج فسوف أسافر إلى الخارج، لأرى هل هذا الدواء الآخر سيصلح من شأنها أو لا.»

وقال المستر ونكل متلعثمًا: «آه! هل تقيم العمة العجوز إذن في برستل؟»

وأجاب بن ألن، وهو يهز سبابته من فوق كتفه اليمنى: «كلا، كلا، ليست في برستل، إنها في تلك الناحية هناك. ولكنه صه، فها هو ذا بب، لا تقل كلمة واحدة يا صديقي العزيز، ولا كلمة واحدة.»

وقد أثار هذا الحديث، على قصره، أشد الاضطراب والقلق في نفس المستر ونكل، وأحس وجيعة في أعماق قلبه من سماعه نبأ «العلاقة السابقة» التي تحدث المستر بن ألن عنها. أتراه هو المقصود بها؟ وهل يجوز أن تكون أربلا الحسناء قد ذهبت من أجله تنظر بعين السخرية والنفور إلى بب سوير، أو أن له مزاحمًا ناجحًا؟ ولم يلبث أن صحت منه النية على لقائها، مهما كلفه لقاؤها من ثمن، ولكن حائلًا لا سبيل إلى التغلُّب عليه تراءى لخاطره، وهو ما كان يعنيه المستر بن ألن بقوله: «في تلك الناحية، وهناك.» فهل الموضع على مبعدة ثلاثة أميال أو ثلاثين ميلًا أو ثلاثمائة، إنه لم يستطع أن يحرز من ذلك القول شيئًا.

ولكن الفرصة لم تواته للتفكير في حُبِّهِ عندئذٍ؛ لأن عودة بب سوير كانت البشير العاجل بوصول فطيرة محشوَّة باللحم من عند الخباز، وإلحاح ذلك السيد عليه في البقاء للاشتراك في تناولها. وجاءت خادمة عارضة تشتغل في البيت بغسل الثياب وتنظيف المسكن فوضعت الغطاء فوق المائدة وسكينًا ثالثًا وشوكة أخرى استعارتهما من أم الغلام ذي الحلة الرمادية؛ لأن تدابير المستر سوير المنزلية كانت حتى الآن في نطاق محدود، وجلسوا لتناول الطعام، وسعي عليهم بالجعة، في أوعيتها «المحلية» كما قال المستر سوير، وهي آنية من القصدير.

وبعد الطعام أمر المستر بب سوير بإحضار أكبر مهراس — هاون — في المحل، وشرع في مزج شراب خليط فيه من الروم والبنتش، وجعل يحركه ويمزج مواده الأولية بمدق الهاون في براعة الصيدلي الخبير، وكان المستر سوير أعزب، فلم يكن لديه سوى قدح كبير لا ثاني له في البيت كله، فخص به المستر ونكل تحية للضيف، بينما قنع المستر بن ألن بقُمع وضَع سدادة له في طوفه الضيق، وخص بب سوير نفسه بأحد تلك الأوعية الزجاجية الواسعة الحافة نقشت عليه تلك الحروف الخفية التي اعتاد الكيميائيون أن يكيلوا بها العقاقير والأدوية السائلة التي تحويها وصفات الأطباء. ولما انتهت هذه التمهيدات، أقبلوا على البنتش يذوقونه، وحكموا له بالجودة وطيب المذاق، وكان قد تم الاتفاق على أن يكون بب سوير وبن ألن طليقي الإرادة، في تناول كأسين لقاء كأس واحدة يتناولها المستر ونكل، وبدأوا الشراب على هذه القسمة العادلة، برضى بالغ، ورفقة حسنة.

ولم يحدث غناء؛ لأن المستر بب سوير قال: إنه لا يتفق ومقتضيات المهنة، ولكنهم استعاضوا عن هذا الحرمان بكثرة الكلام والضحك اللذين يستطاع سماعهما، بل يرجح سماعهما في نهاية الشارع، وكان هذا الحديث قد خفف كثيرًا من وطأة الوقت على غلام المستر بب سوير، وأصلح من باله وخاطره، فمضى بدلًا من أن يخصص المساء لعمله المألوف وهو كتابة اسمه على النضد ثم محوه بعد كتابته، يطل من خلال الباب الزجاجي، ويصغي وينظر في آنٍ واحد.

ولم يلبث مرح المستر بب سوير أن اشتد فاستحال إلى صخب شديد، وهبط المستر بن ألن وشيكًا في وادي العواطف، وكاد البنتش يختفي جملة، حين جاء الغلام مسرعًا يقول: إن شابة قد حضرت في تلك اللحظة وقالت: إن سوير — نكمورف سابقًا — مطلوب في الحال عند قوم يسكنون على قيد شارعين اثنين من الدار، فاضطر الجمع إلى الانفضاض، وفهم المستر بب سوير فحوى هذه الرسالة، وبعد أن كررت له عشرين مرة أو نحوها، ربط قطعة قماش مبللة حول رأسه؛ ليفيق من الشراب، وكاد يفيق شيئًا ما بالفعل، ووضع منظاره الأخضر على عينيه وانطلق.

أما المستر ونكل فقد قاوم كل إلحاح عليه في البقاء ريثما يعود المستر بب سوير، ووجد أن لا سبيل أمامه إلى اجتذاب المستر بن ألن إلى حديث مُجْدٍ في الموضوع الحبيب إلى فؤاده أو أي حديث سواه، فاستأذن في الانصراف، وعاد إلى غرفته في فندق «بش».

وكان القلق الذي استحوذ على خاطره، والأفكار المتزاحمة عليه والتي أثارتها أربلا وأيقظتها في أعماق نفسه، قد حالا بين النصيب الذي تناوله من البنتش وبين إحداث التأثير الذي كان بلا شك محدثه في ظروف أخرى، وبعد أن تناول كأسًا من البراندي والصودا في محل الشراب بالفندق، عاد إلى غرفة القهوة، مهموم النفس غير منتعش الخاطر، من أثر الحوادث التي جرت في ذلك المساء.

ولم يكن في الغرفة سوى سيد يغلب طول القوام عليه، وهو في معطف كبير، وقد جلس قبالة الموقدة موليًا ظهره إليه، وكان المساء أميل إلى البرودة بالنسبة إلى ذلك الموسم من السنة، فعمد ذلك السيد إلى التنحي بمقعده قليلًا؛ ليكفل للقادم الجديد رؤية النار. فماذا عسى أن يكون شعور المستر ونكل، حين فعل السيد ذلك فكشف لعينيه عن وجه «داولر» الحانق عليه المهدد بسفك دمه؟

وكان الدافع الأول الذي انبعث في نفس المستر ونكل هو جذب أقرب مقبض جرس من موضعه، ولكن تبين لسوء الحظ أنه خلف مقعد المستر داولر مباشرة، وكان المستر ونكل قد تقدم خطوة واحدة صوبه، ولكنه ارتدَّ عن التقدم، ورأى داولر ذلك منه فبادر إلى التراجع، وانثنى يقول وهو أكثر حلمًا مما كان يتوقعه المستر ونكل من رجل في مثل شراسته ووحشيته: «المستر ونكل! سيدي هدئ روعك، ولا تضربني؛ لأنني لن أحتمل ضربة أبدًا!»

وقال المستر ونكل متلعثمًا: «أتقول ضربة يا سيدي؟!»

وأجاب المستر داولر: «نعم، ضربة يا سيدي، هدئ ثائرتك، واجلس واستمع لقولي!»

وأجاب المستر ونكل وهو يرتعد من فرعه إلى قدمه: «قبل أن أرضى بالجلوس بجانبك أو قبالتك، في غياب أحد من الخدم يجب أن أطمئن إلى مزيد ولو قليل من التفاهم، لقد هددتني يا سيدي في الليلة الماضية، ووجهت إليَّ وعيدًا مروعًا.»

وهنا اشتد شحوب المستر ونكل فعلًا ووقف عن الكلام.

وقال المستر داولر وقد ارتد وجهه شاحبًا كوجه المستر ونكل أو قريبًا منه: «صحيح، كانت الظروف مريبة، لقد شرحت لي واستبانت، إنني أحترم شهامتك وأقدر سمو إحساسك، وأومن ببراءة ذمتك ونقاء ضميرك، هذه يدي، تناولها!»

وقال المستر ونكل وهو متردد لا يدري: أيمد يده إليه، أم يقبضها عنه؟ ويكاد يخشى أن يكون وراء تقديم الرجل يده إليه مأرب يراد به الاستمكان منه: «إنني في الحقيقة يا سيدي، إنني …»

وقاطعه المستر داولر قائلًا: «إنني فاهم ما تعني، إنك شاعر بأنك قد ظُلِمْتَ، طبيعي جدًّا، وكذلك أنا، لقد أخطأت في حقك، أستسمحك لنكن صديقين، اصفح عني.» وبهذه الكلمات انثنى المستر داولر يضع يده بالإكراه في يد المستر ونكل، ويهزها بشدة متناهية ويعترف له بأنه إنسان شهم، نبيل النفس كل النبل، وأنه قد ازداد تقديرًا له عمَّا كان من قبل.

وأنشأ يقول: «والآن، اجلس، واقصص على سمعي الخبر من أوله إلى آخره، كيف اهتديت إلى مكاني؟ ومتى تبعتني؟ كن صريحًا، قل لي.»

وأجاب المستر ونكل وهو في ارتباك شديد من هذه المقابلة الغريبة التي لم يكن يتوقعها مطلقًا: «لقد كان ذلك عرضًا ومجرد مصادفة!»

وقال داولر: «يسرني ذلك، لقد استيقظت في هذا الصباح، وكنت قد نسيت وعيدي فضحكت من الحادث، وأعلنت أن شعوري ودي، وأنني لا أضمر شرًّا.»

وسأل المستر ونكل: «لمن أعلنت ذلك؟»

وأجاب داولر: «لمسز داولر، فقالت: ولكنك أقسمت! قلت: نعم. قالت: كنت متهورًا؟ قلت: نعم، سأعتذر، أين هو؟»

وقال المستر ونكل: «من؟»

وأجاب داولر: «أنت، نزلت السلم، لم أهتدِ إليك، كان بكوك يبدو متجهمًا، تناولت يده فهززتها، قلت: أرجو أن لا يحدث عنف، لقد تبينت كل شيء، لقد شعرت بأنك أُهِنْتَ، لعلك بحثت عن شاهد، ربما طلبت مسدسات، روح عالية، إنني معجب بك.»

وسعل المستر ونكل وبدأ يدرك حقيقة الموقف فاتخذ سمات الجد وخطر الشأن.

واستطرد داولر: «لقد تركت لك رقعة، قلت فيها: إنني آسف، والواقع أنني كذلك، وأن عملًا عاجلًا اقتضاني القدوم إلى هنا، ولكنك لم تقتنع، فتبعتني، طالبًا اعتذارًا شفويًّا مني، وأنت على حق، انتهت القصة الآن، وانتهى العمل العاجل الذي ذكرته لك، وسأعود غدًا، فتعالَ معي.»

وكان وجه المستر ونكل خلال هذا البيان الذي أدلى به داولر على سبيل الشرح والتفسير قد بدأ يلوح أكثر وقارًا من ذي قبل؛ فقد عرف منه سر تلك البداية الغامضة التي بدت له من أول الحديث، وتبيَّن أن المستر داولر لم يكن أقل منه إحجامًا عن المبارزة، وأدرك باختصار أن كل هذا الضجيج الذي أوتيه هذا الشخص المرهوب إنما يخفي من ورائه إنسانًا من أشد الناس جبنًا في العالم؛ فقد علل غيابه على أساس مخاوفه هو وجبنه، فاتخذ الإجراء ذاته الذي لجأ إليه، ورأى من الحكمة أن يختفي، حتى يهدأ الهياج وتسكن الثائرة.

وما كادت حقائق الموقف تطالع خاطر المستر ونكل على هذا النحو حتى اتَّخَذَ سمات الرهبة والخطر وقال: إنه قد اقتنع كل الاقتناع. ولكنه استدرك قائلًا بلهجة لم تدع أمام المستر داولر سبيلًا غير الاعتقاد بأنه لو لم يفعل ما فعله لوقع حتمًا حادث من أخطر الأحداث وأشدها نكرًا، حتى لقد بدا على المستر داولر التأثُّر الصادق برفعة نفس المستر ونكل وشهامته والإيمان العميق بتواضعه وسماحته، فافترق المحاربان ليأوي كل منهما إلى النوم، بعد تبادل كثير من مظاهر الصداقة الأبدية وعباراتها.

وعند الساعة الثانية عشرة والنصف أو قرابتها، أو بعد عشرين دقيقة أو نحوها استمتع فيها المستر ونكل بأول نوم هنيٍّ تواتى له عقب ذلك الحادث، استيقظ فجأة على طرق شديد بباب غرفته، وتوالى الطرق بعنف متزايد، فلم يلبث أن استوى جالسًا في فراشه ليسأل من الطارق وما الخطب؟!

وسمع عندئذٍ صوت الفتاة الموكلة بغرف الفندق وهي تقول: «من فضلك يا سيدي، هنا شاب يقول: إنه يريد مقابلتك في الحال.»

وصاح المستر ونكل قائلًا: «شاب؟!»

وإذا صوت آخر يجيبه من خلال ثقب المفتاح: «لا خطأ في ذلك يا سيدي.» وإذا لم يؤذن لهذا الشاب المهم بالدخول في الحال، فمن الجائز جدًّا أن ساقيه ستدخلان قبل وجهه!

وانثنى ذلك الشاب يركل بقدمه الجزء الأسفل من ألواح الباب، كأنما يريد أن يُتْبِعَ القولَ العملَ.

وصاح المستر ونكل وهو يثب من فراشه: «أهذا أنت يا سام؟»

وأجاب ذلك الصوت بلهجة منطقية: «يستحيل على الإنسان أن يعرف سيدًا ما ويتأكد أنه هو بعينه ما لم ينظر إليه يا سيدي.»

ولم يشك المستر ونكل أكثر مما ينبغي في أن الطارق هو ذلك الفتى بعينه، ففتح الباب، ولم يكد يفعل حتى دخل المستر صمويل ولر بسرعة بالغة وراح بكل عناية وحرص يغلقه من الداخل ويضع بكل تؤدة المفتاح في جيب صداره، وبعد أن أجال عينه في المستر ونكل من فرعه إلى قدمه انثنى يقول: «إنك لسيد شاب مضحك جدًّا يا سيدي.»

وقال المستر ونكل بغضب: «ماذا تقصد بهذا السلوك يا سام؟ اخرج من هنا حالًا يا سيدي، ماذا تقصد يا سيدي؟»

وأجاب سام: «تسألني ماذا أقصد؟ حسبك هذا، هذا شيء زائد عن الحد، كما قالت السيدة لبائع الفطير احتجاجًا حين باع لها فطيرًا باللحم فلم تجد في جوفه شيئًا غير الشحم، تسألني ماذا أقصد؟ سؤال لا بأس به، سؤال لطيف فعلًا.»

وقال المستر ونكل: «افتح الباب كما كان، واخرج من هذه الغرفة حالًا يا سيدي.»

وأجاب سام بلهجة قوية وهو يجلس بكل جد ورزانة: «سأخرج من هذه الغرفة يا سيدي في اللحظة ذاتها التي ستخرج فيها معي، وإذا لم يكن بُدٌّ من حملك على ظهري حملًا فسأخرج منها في أقلَّ مما يستغرقه خروجك أنت منها وحدك، ولكن اسمح لي أن أعبر عن أملي في أن لا تضطرني إلى استخدام القوة، ومجاوزة الحد، وهي كلمة أقتبسها من ذلك النبيل الذي قال لذلك القوقع العنيد الذي لم يشأ أن يخرج من المحارة بدبوس، بدأ يخشى أن يضطر إلى كسره على باب غرفة الاستقبال.»

وما إن انتهى سام من هذه الخطبة التي بدت طويلة على خلاف المألوف منه، حتى وضع يديه فوق ركبتيه، ونظر طويلًا إلى وجه المستر ونكل بشكل يوحي بأنه لا ينوي مطلقًا أن يدع أحدًا يستخف به.

ومضى المستر ولر يقول بلهجة التأنيب والملامة: «لقد عهدتك يا سيدي شابًّا وديعًا محبوبًا، فلا أظن أنك ترضى أن تجر معلمنا — وهو الرجل العظيم القدر — إلى مشاكلَ ومتاعبَ من كل نوع في الوقت الذي يحرص فيه على التمسك بالمبدأ في كل شيء، إنك يا سيدي ألعن من ددسن، وأما فج، فإني أعده ملاكًا بالنسبة لك.»

ومضى المستر ولر يقرن هذا الرأي الأخير بضربة مؤكدة على كل ركبة من ركبتيه، وشبك ذراعيه فوق صدره، وينظر نظرة نفور شديد، ويلقي بظهره على مسند كرسيه، كأنما يترقب دفاع المجرم عن نفسه.

وقال المستر ونكل وهو يمد إليه يده، وتصطك أسنانه من البرد؛ لأنه ظل واقفًا طيلة الوقت الذي استغرقته محاضرة المستر ولر، في جلباب النوم: «اسمع أيها الإنسان القويم الخلق، إنني مقدر إخلاصك لصديقي الفاضل وإني لآسف كل الأسف على أنني قد زدته متاعبَ على متاعبه … هذا ما أردت أن أقوله لك يا سام، فهل فهمته؟»

وقال سام بعبوس، وإن كان في الوقت ذاته قد تناول اليد الممتدة إليه فهزها هزة الاحترام: «هذا كلام طيب، ولك حق أن تتأسف فعلًا، وأنا مسرورٌ كلَّ السرورِ لاهتدائي إليك هنا؛ لأنني لا أتحمل أحدًا يغضبه، إذا أمكن، هذا هو كل ما في المسألة.»

وقال المستر ونكل: «بلا شك يا سام، والآن اذهب إلى الفراش وسنوالي الكلام في هذا الأمر حين يطلع النهار.»

وقال سام: «متأسف جدًّا! لا أستطيع الذهاب إلى الفراش.»

وردد المستر ونكل كلماته: «لا تستطيع الذهاب إلى الفراش!»

وقال سام وهو يهز رأسه: «نعم، لا يمكن.»

وأجاب المستر ونكل وهو في دهشة شديدة: «لا أظنك تقصد أن تقول: إنك راجع الليلة يا سام؟!»

وقال سام: «لست راجعًا إلا إذا كنت أنت تشدد في الرجوع، ولكن لا يمكنني أن أغادر هذه الغرفة، إن أوامر المعلم صريحة قاطعة.»

وأجاب المستر ونكل: «هذا كلام لا معنى له يا سام؛ لأنني مضطر إلى البقاء هنا يومين أو ثلاثة أيام، وإلى جانب هذا يا سام يجب أن تقيم هنا معي لمساعدتي على الظفر بمقابلة شابة، وهي مس ألن يا سام، وأنت تتذكرها؛ لأنه من المحتوم أن أراها، وسأراها قبل أن أغادر برستل.»

ولكن سام جعل يهز رأسه ردًّا على كل فقرة من هذا الكلام بإصرار شديد، وبادر إلى الجواب بقوة فقال: «هذا لا يمكن.»

وبعد جدل طويل، وشرح كثير، من جانب المستر ونكل، وعقب مكاشفته بكل ما جرى بينه وبين داولر عند مقابلته، بدأ سام يتردد، وأخيرًا تم التراضي على شروط كان أهمها أن يأوي سام إلى الفراش ويترك للمستر غرفته لا ينازعه ملكيتها بشرط أن يسمح له بإقفالها بالمفتاح من الخارج على أن يأخذ المفتاح معه، بجانب شرط دائم، وهو أن يبادر في الحال إلى فتح الباب إذا شب في الفندق حريق، أو طرأ طارئ ينذر بخطر.

وكان من بين الشروط المتفق عليها كذلك أن يرسل كتابًا إلى المستر بكوك في الصباح الباكر، على يد داولر؛ رجاء الموافقة على بقاء سام والمستر ونكل في برستل؛ تنفيذًا للغرض الذي سلف ذكره، وإرسال الرد بالموافقة على بقائهما، برجوع البريد، أو بطلب عودتهما إلى باث بمجرد وصوله إليهما.

والشرط الأخير إن يكون مفهومًا لدى الطرفين أن المستر ونكل قد تعهد ألا يلجأ إلى الهرب من هذه الساعة إلى مطلع النهار، بالقفز من النافذة أو سلم الحريق، أو بأي وسيلة من وسائل التسلل والغدر بالعهد.١

وبعد أن صادق الطرفان على هذه الشروط انصرف سام وأغلق الباب من الخارج.

ولم يكد يهبط السلم حتى وقف وأخرج المفتاح من جيبه.

ومضى يقول وهو يتولى بظهره؛ ليعود من حيث أتى: «لقد نسيت كل ما يتعلق بمسألة التجائي إلى الضرب واللكم؛ فقد قال المعلم بصراحة: إنه لا بد منهما، إني لغبي فعلًا!» ولكنه ما لبث أن تهلل وعاد يقول: «لا بأس، هذا شيء يمكن عمله بسهولة غدًا على أي حال.»

وبدا كأن هذه الفكرة قد أرضته كثيرًا فرد المفتاح إلى جيبه، ونزل بقية السلم، بغير تردد آخر أو تصور مخاوف جديدة، ولم يلبث كبقية سكان الفندق ونزلائه أن هبط في سبات عميق.

١  انظر كيف جعلها دكنز مسألة قانونية! كأنها عقد اتفاق له نصوص وبنود، وأضفى عليها روح فكاهة ممتعة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١