الفصل الثاني والأربعون

يصور كسابقه صدق المثل القديم القائل: إن الشدائد تسوق المرء يومًا إلى معرفة أعجب الخلطاء، وأغرب الرفقاء، ويصف أيضًا النبأ الفجائي المزعج الذي أعلنه المستر بكوك للمستر صمويل ولر.

***

ولما فتح المستر بكوك عينيه في صباح اليوم التالي، كان أول شيء استقرتا عليه هو وجه صمويل ولر، وقد جلس فوق حقيبة صغيرة سوداء اللون، وهو ينظر مليًّا، في شرود تام، إلى روعة شكل المستر سمانجل الجريء الجسور، وهو مرتدٍ بعض ثيابه ومستوٍ فوق سريره منشغل بلا أمل ولا رجاء بمحاولة التحديق في وجه المستر ولر حتى يكف عن إطالة النظر إليه، ونقول بلا أمل ولا رجاء؛ لأن سام أبى إلا المضي في تلك النظرة الشاملة التي أحاطت بقلنسوة المستر سمانجل وقدميه ورأسه ووجهه وساقيه وعارضيه جميعًا في وقت واحد، وهو يبدو في ارتياح بالغ، ولكن بلا مبالاة مطلقًا لشعوره الشخصي، كأنه يتفحص تمثالًا من خشب أو دمية «لجاي فوكس» محشوة بالقش.١

وأنشأ المستر سمانجل يقول بعبوس: «ما الخبر، أتريد أن تعرفني مرة أخرى؟»

وأجاب سام باغتباط: «أحلف أنني أعرفك في أي مكان أراك فيه.»

وقال المستر سمانجل: «لا تتوقح على رجل مهذب يا سيدي.»

وأجاب سام: «حاشا، لا أفعل، وإذا أنت قلت لي ذلك عندما يستيقظ، جعلت تصرفي أحسن ما يكون لطفًا، بل أكثر من اللطافة نفسها.» وكانت هذه العبارة تنطوي من بعيد على معنى يوحي بأن المستر سمانجل ليس رجلًا مهذبًا، فاستشاط هذا غضبًا.

وصاح مستر سمانجل قائلًا بحدة وغضب: «يا ميفنز»، وأجاب هذا من فوق وسادته: «ماذا تطلب؟»

قال: «أي شيطان هذا؟»

وأجاب ميفنز وهو ينظر بكسل وفتور من تحت أغطية الفراش: «أولى بي أن أسألك أنت هذا السؤال، هل له عمل هنا؟»

وأجاب المستر سمانجل: «أبدًا.»

وقال المستر ميفنز: «ألق به إذن من فوق السلم وقل له: لا ينهض حتى آتي إليه فأركله.» وما كاد الرجل يسدي هذه النصيحة إلى رفيقه حتى استسلم إلى النوم.

ولما رأى المستر بكوك أن الحديث بدأت تظهر عليه أعراض الاقتراب من حدود الشتائم والسباب الشخصي، تبين أنه قد وصل إلى نقطة تقتضي منه التدخل.

قال: «يا سام.»

وأجاب هذا: «سيدي.»

قال: «هل جد شيء منذ الليلة البارحة؟»

وأجاب سام وهو ينظر إلى عارضي المستر سمانجل: «لم يجِد شيء ذو بال يا سيدي، سوى أن الأحوال الجوية الأخيرة ساعدت بدفئها وسكون ريحها على نمو أعشاب من نوع مزعج، وصنف دموي، وفيما عدا ذلك تسير الأمور في هدوء تام.»

وقال المستر بكوك: «سأنهض من الفراش، أعطني ثيابًا نظيفة.»

وإذا كانت قد خامرت نفس المستر سمانجل أية نيات عدائية في تلك اللحظة، فإن أفكاره لم تلبث أن انشغلت عنها بمشاهدة الحقيبة وهي تفتح وتخرج الثياب منها، فقد بدا للعين أن ما حوته منها أوحت إليه في الحال، أحسن الظن لا بالمستر بكوك فحسب، بل بسام كذلك. فانتهز أول فرصة سنحت له وأعلن بصوت مرتفع يسمعه ذلك الشخص الغريب الأطوار أنه شخصية حسنة النشأة فريدة في ذاتها، وأنه لهذا السبب يميل إليه بكل قلبه. وأما محبته للمستر بكوك فلا حد لها ولا نهاية.

وقال المستر سمانجل: «والآن هل من شيء أستطيع أن أؤديه لك يا سيدي العزيز؟»

وأجاب المستر بكوك: «لا أظن ثمة شيئًا، إنني شاكر لك.»

قال: «أليس لديك ملابس داخلية تريد أن ترسلها إلى الغسالة؟ إنني أعرف غسالة لطيفة في الخارج تأتي لتأخذ غسيلي مرتين في الأسبوع، يمين الله! إنها لمصادفة حسنة، فإن اليوم هو موعد زيارتها، فهل أضع شيئًا من هذه الثياب الصغيرة مع ملابسي؟ لا تقل: هذا تكليف أو تعب لي، لا شيء من هذا مطلقًا، وإذا لم يبادر سيد في شدة من الشدائد فيتقدم لمساعدة سيد آخر في مثل حاله، فقل لي ما هي الطبيعة البشرية إذن؟»

قال ذلك وراح يقترب شيئًا فشيئًا من الحقيبة ويرسل نظرات توحي بصداقة متحمسة كل التحمس خالية من كل غرض.

وعاد سمانجل يقول: «هل من شيء لديك تريد أن تسلمه إلى من ينظفه بالفرجون أيها المخلوق العزيز؟»

وقال سام وهو يتولى الرد بنفسه: «لا شيء مطلقًا أيها الصديق اللطيف، وإذا كان أحد منا سيتولى التنظيف بدلًا من تكليف إنسان آخر به؛ كان ذلك مريحًا لجميع الأطراف كما قال ناظر المدرسة حين اعترض الطالب على أن يتولى الخادم ضربه.»

وأشاح المستر سمانجل وجهه عن سام، والتفت إلى المستر بكوك، فقال بارتباك: «أليس ثمة شيء يمكن أن أرسله في صندوقي الصغير إلى الغسالة؟ هل من شيء؟»

وأجاب سام: «لا شيء بالمرة يا سيدي، إنني أخشى أن يكون صندوقك الصغير ممتلئًا إلى حافته بملابسك كلها كما يبدو.»

وكانت هذه العبارة مقترنة بنظرة بليغة إلى ذلك الملبس القليل الذي يبدو على المستر سمانجل، والذي يتبين من شكله مدى براعة الغسالات في تنظيف ملابس السادات المهذبين. ويقاس عامة به، فلم يكن من المستر سمانجل إلا أن دار على عقبيه، يائسًا في ذلك الوقت على الأقل، من محاولة ابتزاز نقود المستر بكوك أو السطو على ثيابه، ومضى محنقًا إلى ملعب الكرة، حيث تناول فطورًا خفيفًا صحيًّا على لفافتين كبيرتين من التبغ الذي اشترى في الليلة الماضية.

أما المستر ميفنز فلم يكن مدخنًا ولكن وصل حساب ما عليه من البقالة إلى آخر «اللوح»، و«رحل» إلى ما «بعده»، فلم يغادر فراشه، وقال — على حد تعبيره: إنه سيتناول الفطور في النوم.

وتناول المستر بكوك طعام الإفطار في غرفة صغيرة ملحقة بالمقهى، عرفت باسم رائع، وهو «الخلوة» وتمتاز لقاء أجر إضافي قليل بأن الذي يختارها لمجلسه ومأكله فترة من الوقت يتمكن وهو فيها من سماع الأحاديث التي تدور في ذلك المقهى. وبعد أن أوفد المستر ولر لقضاء بعض الحاجات الضرورية قصد إلى «المكتب»؛ ليستشير المستر روكر بشأن المكان الذي سوف يخصص له.

وقال ذلك السيد، وهو ينظر في دفتر ضخم: «تسأل عن المحل، آه، المحال كثيرة يا مستر بكوك، إن تذكرة «زمالتك» ستكون رقم (٢٧) في الدور الثالث.»

وقال المستر بكوك: «ماذا تقول؟ تذكرة ماذا؟»

وأجاب المستر روكر: «تذكرة زمالتك، هل فهمت المعنى المقصود؟»

وقال المستر بكوك مبتسمًا: «لم أفهم تمامًا.»

وقال المستر روكر: «كيف، وهو واضح كقولك: «سالسبوري»٢ إنني أقصد أنك ستعطى تذكرة تخول لك الحق في الإقامة بالغرفة رقم (٢٧) في الدور الثالث، وسيكون الذين يحتلونها معك «زملاءك» فيها.»

وقال المستر بكوك مستريبًا: «هل هم كثير؟»

وأجاب المستر روكر: «ثلاثة.»

وسعل المستر بكوك.

ومضى المستر روكر يقول، وهو يحفظ في الملف قصاصة صغيرة من الورق: «أحدهم قسيس، وآخر قصاب.»

وصاح المستر بكوك مبهوتًا: «إيه؟»

وأجاب المستر روكر وهو يطرق سن قلمه فوق المكتب لعلاج امتناعه عن التأشير: «قصاب، لقد كان في زمانه بلا شك رجلًا مستقيمًا، هل تتذكر توم مارتن يا ندى؟»

وكان هذا النداء موجهًا إلى رجل آخر في المكتب كان منهمكًا بإزالة الوحل اللاصق بحذائه بمطواة جيب ذات خمسة وعشرين نصلًا.

وقال هذا وهو يضغط بقوة التوكيد على ضمير المتكلم: «أنا، أذكر هذا الاسم.»

وقال المستر روكر، وهو يهز رأسه ببطء من جانب إلى آخر، ويطل بذهول من النافذة ذات القضبان القائمة أمامه كأنما يذكر في حنين مشهدًا هادئًا من مشاهد شبابه: «مسكين، إني ليخيل لي أن ذلك كله جرى أمس فقط، ولم يجر من زمن طويل، حين غلب في الشجار حمال الفحم بقرب الميناء عند فوكس اندر ذي هل، إني لأتمثله اللحظة قادمًا من شارع ستراند، وقد أفاق قليلًا من الرضوض التي أصابته، ووضع ضمادة من الخل والورق الأسمر فوق جفن عينه اليمنى، وذلك الكلب اللطيف الذي عقر الغلام الصغير فيما بعد، يتبعه كظله. يا للعجب من الزمان! إن تصاريفه لغريبة، أليس كذلك يا ندى؟»

وكان السيد الذي وُجهت إليه هذه الملاحظات يبدو صموتًا بطبعه مستغرقًا في التفكير، فلم يقل شيئًا غير ترديد هذا السؤال، وراح المستر روكر ينفض عنه هذا التأمل الشعري الحزين الذي انساق إليه، فيهبط من أفقه الحالم إلى الأرض والحياة والعمل فتناول قلمه ليواصل ما كان فيه.

وقال المستر بكوك: «هل تعرف من يكون السيد الثالث؟» ولم يكن قد شعر بارتياح كثير للوصف الذي سمعه من زملائه في الغرفة المعينة له.

والتفت المستر روكر إلى زميله فقال: «من يكون سمسون يا ندى؟»

وقال ندى: «أي سمسون؟»

وعاد المستر روكر يقول: «أي نعم، نزيل الغرفة (٢٧) في الطابق الثالث الذي سينضم هذا السيد إليه.»

وأجاب ندى قائلًا: «آه هو، إنه لا شيء في الحقيقة، لقد كان فيما مضى سمسار خيول، ولكنه الآن نصاب.»

وقال المستر روكر: «آه، هذا هو ما كنت أعتقد.» وطوى دفتره ووضع الورقة الصغيرة في يدي المستر بكوك وهو يقول: «هذه هي التذكرة يا سيدي.»

وعاد المستر بكوك أدراجه إلى السجن، وهو جد مرتبك حائر، عقب هذا التصرف السريع في شخصه، يفكر فيما يحسن به أن يفعل، ولكنه اقتنع بأن من الحكمة قبل اتخاذ أية خطوات أخرى أن يجتمع أولًا ويتحدث شخصيًّا مع أولئك السادة الثلاثة الذين أشير عليهم بالمقام بينهم، فانطلق يريد الطابق الثالث.

وبعد أن تحسس طريقه في الممر فترة من الوقت محاولًا في الظلمة، أو على بصيص النور الضئيل فيه، قراءة الأرقام المكتوبة على الأبواب، اضطر أخيرًا إلى الالتجاء إلى غلام ممن يتولون غسل الأواني في المقهى كان بمحض المصادفة يطوف طوفة الصباح لجمعها.

وقال المستر بكوك: «أين الغرفة رقم (٢٧) أيها السيد الكريم؟»

وأجاب الغلام: «خامس باب أمامك، الباب الذي تجد عليه صورة رجل على المشنقة وهو يدخن في قصبته، وهذه الصورة مرسومة خارج الباب بالطباشير.»

ومضى المستر بكوك على هدى هذا التوجيه يقطع الدهليز بخطى وئيدة حتى التقى بصورة «الرجل المهذب» التي أسلفنا وصفها، فدق الباب فوق وجه صاحب الصورة بإحدى عقد سبابته، دقة خفيفة في مبدأ الأمر، ثم بصوت مسموع، وبعد أن كرر ذلك عدة مرات فلم يستجب أحد إليه، تجرأ ففتح الباب وأطل منه.

ولم يكن في الغرفة سوى رجل واحد، كان متدليًا من النافذة قدر إمكانه، دون أن ينقلب أو يفقد توازنه، محاولًا في إلحاح شديد، ودأب بالغ، البصق فوق قمة قبعة صديق له في الاستعراض تحت النافذة، فلم يرع لكلام، ولا سعال، ولا دق، ولا أية وسيلة أخرى من الوسائل العادية لاجتذاب النظر، ولم ينبهه شيء منها إلى وجود زائر، فلم يسع المستر بكوك بعد تردد قليل إلا أن يخطو نحو النافذة ويجذب برفق ذيل سترته، وإذا الرجل يبعد رأسه وكتفيه عن النافذة في سرعة بالغة، ويتفحص المستر بكوك من فرعه إلى قدمه، ويسأله في غضب: «بحق ذلك الشيء الذي يبدأ بحرف «الجيم» ماذا تريد؟»٣

وقال المستر بكوك وهو ينظر إلى تذكرته: «أعتقد أن هذه الغرفة هي رقم (٢٧) في الطابق الثالث.»

وأجاب الرجل: «ثم ماذا؟»

وقال المستر بكوك: «لقد جئت إلى هنا؛ لأني تلقيت هذه القصاصة.»

وقال السيد: «سلمها.»

ففعل المستر بكوك ذلك.

وقال المستر سمسون — لأنه كان هو النزيل الثالث أو «النصاب» الذي وصف له — بعد سكون مقترن بسخط شديد: «كان أولى بالمستر روكر أن يختار لك زملاء في مكان آخر.»

وكان هذا هو الرأي ذاته الذي خطر ببال المستر بكوك، بعد هذه المقدمات، ولكنه رأى من حسن السياسة في هذه الظروف أن يعتصم بالصمت.

وفكر المستر سمسون بضع لحظات، ثم أطل برأسه من النافذة فأطلق صفيرًا حادًّا ونطق بكلام ما، وعاد يردده عاليًا عدة مرات، ولم يستطع المستر بكوك أن يفهم ذلك الكلام، ولكنه استنتج أنه لقب عرف به المستر مارتن؛ لأن خلقًا كثيرًا ممن كانوا تحت الشرفة راحوا في الحال يصيحون «يا قصاب» في لهجة تشبه ما اعتاد أفراد هذه الفئة النافعة في المجتمع أن يعرفوا الناس بوجودهم في كل منطقة.

وجاءت الحوادث بعد ذلك مؤكدة صدق استنتاج المستر بكوك، فلم تمض بضع ثوان حتى دخل الغرفة سيد يلوح عريض الألواح قبل الأوان، بالنسبة لسنه. وهو مرتدٍ ثوبًا أزرق سابغًا من ثياب المهنة، وحذاء عاليًا مستدير المقدم، وكان لاهث الأنفاس عند دخوله، وفي أثره جاء سيد آخر في ثوب أسود قديم العهد وطاقية من جلد كلاب البحر، وقد زرر سترته إلى ذقنه بدبوس، فزر فدبوس، ثم زر، وهكذا دواليك، وهو أحمر الوجه بادي الخشونة، يلوح كأنه قسيس سكير، والواقع أنه كان كذلك.

وبعد أن قرأ كل من السيدين القصاصة أبدى الأول رأيه فيها قائلًا: إن هذا «خداع»، وعبر الآخر عن اعتقاده بقوله: هذه «حيلة»، وعلى أثر تسجيل شعورهما بهذين التعبيرين الواضحين، نظرا إلى المستر بكوك، ثم إلى بعضهما البعض، في صمت غريب.

وقال القسيس، وهو ينظر إلى ثلاث «حشيات» قذرة، لُفت كل واحدة منها في غطاء، واحتلت الثلاث ركنًا من الغرفة طيلة النهار، وتألف منها على تلك الصورة «رف»، وضع فوقه حوض قديم مشقوق وإبريق، وطبق للصابون من الخزف الأصفر العادي رسمت عليه صورة زهرة زرقاء: «إن هذا لمؤلم جدًّا، بعد أن نظمنا فراشنا هكذا وجعلناه مستكنًّا دافئً، مؤلم جدًّا.»

وأبدى المستر مارتن رأيه بعبارة أقوى من ذلك وأشد لهجة، وبعد أن أطلق المستر سمسون طائفة منوعة من النعوت والصفات المشبعة الحشو في حق المجتمع، دون أن يقرنها بتعيين أحد بالذات، راح يشمر عن ساعديه، وأخذ يغسل الخضر استعدادًا للغداء.

وكان المستر بكوك، خلال ذلك كله، يجيل عينه في أرجاء الغرفة، فبدت له مفرطة في القذر، وخبث الريح، حتى لتخنق الأنفاس، ولم يكن ثمة أثر لبساط فيها، ولا ستار، ولا حجاب، بل ولا حاجز يصح أن تلقى خلفه المهملات، وكانت في الغرفة بضعة أشياء تدخل في هذا الباب، كان أولى بأن تلقى جانبًا، لو أن فيها مكانًا كهذا لحجبها عن الأنظار، ولكنها على قلة عددها، ومحدود أحجامها، بقيت متناثرة في نواحيها، بين كسرات من رغفان، وقطع من جبن، وبين مناشف رطبة، وصحاف مكسرة ومنافخ بغير فوهات، وشوك بغير سنان، فكان شكلها مزعجًا، وهي على هذا النحو منثورة على أرض غرفة صغيرة، تجمع بين غرفة جلوس، وحجرة نوم، لثلاثة رجال مكاسيل متبطلين.

وأنشأ «الجزار» يقول بعد صمت طويل: «أظن أن هذا يمكن تداركه بأية وسيلة من الوسائل، ماذا ترضى أن تأخذ نظير ترك مكانك هنا؟»

وأجاب المستر بكوك عفوًا: «ماذا قلت، إنني لا أكاد أفهمك.»

وقال الجزار: «ماذا تأخذ نظير «خلو الرجل»، إن الفئة المعتادة هنا هي شلنان وستة بنسات، هل تحب أن تأخذ ثلاثة شلنات؟»

واقترح السيد القس قائلًا: «وعشاءً بسيطًا.»

وقال المستر مارتن: «هذا لا يهمني، إن ثمن الواحدة بنسان، فلا مانع من أن يأخذ هذه أيضًا.»

وقال صاحب الفكرة من البداية: «هيه! ما قولك؟ هل تقبل الاستغناء عن مكانك معنا نظير ثلاثة شلنات وستة بنسات في الأسبوع، ما رأيك؟»

وأردف المستر سمسون قائلًا: «وتناول جالون من البيرة في المقهى أيضًا، ما رأيك؟»

وقال القسيس: «وتشربه في المحل رأسًا. هيه، قل موافق.»

وأجاب المستر بكوك: «إنني في الحقيقة جاهل كل الجهل بقواعد هذا المكان وأنظمته، فلا عجب إذا لم أفهم ما قلتم، هل من سبيل إلى الإقامة في مكان آخر؟ لقد كنت أظن أن هذا غير ميسور.»

وعلى أثر هذا السؤال نظر المستر مارتن بدهشة متناهية إلى صاحبه، ثم راح كل منهم يشير بإبهامه الأيمن من فوق كتفه اليسرى، وهي حركة يعبرون عنها كلامًا، وإن ظل التعبير ناقصًا غير وافٍ، بقولهم: «نحو اليسار» وهو اصطلاح ضعيف لا يفي بالمراد، وإن لجأ إليه كل من ألفوا العمل «ارتباطًا»، من النساء أو الرجال باعتباره اصطلاحًا متفقًا عليه فيما بينهم، بل هي حركة تجمع إلى اللطف قوة التأثير، وهي من حيث التعبير حركة «سخرية» خفيفة، وتهكم فكه.

وقال المستر مارتن، وهو يبتسم ابتسامة إشفاق ورثاء: «أتسألنا هل من سبيل؟»

وتبعه القسيس فقال: «لو كنت قليل العلم بالحياة إلى هذا الحد، لأكلت قبعتي، وابتلعت المشبك، فلا أترك منه شيئًا.»

وأضاف السيد الرياضي بلهجة الجد: «ولفعلت أنا كذلك.»

وانثنى الزملاء الثلاثة، بعد هذه المقدمة، يقولون للمستر بكوك، في نفَس واحد: إن سلطان المال داخل سجن فليت هو بذاته سلطانه في خارجه، وأنه بالمال يستطيع في الحال الظفر بكل ما يشتهيه تقريبًا، وأنه إذا فرض أن لديه مالًا، وأن لا مانع لديه من إنفاقه، فإنه لا يحتاج للحصول على غرفة خاصة لا يشاركه فيها أحد، وتأثيثها كاملة، إلا أن يبدي رغبته، فيكون له ما أراد، في نصف ساعة.

وتفرق الجمع، وذهب كلٌّ في سبيله، راضين مغتبطين، فعاد المستر بكوك أدراجه إلى «المكتب» وانطلق الزملاء الثلاثة إلى «المقهى»؛ لينفقوا الشلنات الخمسة التي استطاع السيد القسيس بقدر من الحكمة، وبُعد البصر، حقيق بالإعجاب، أن يقترضها منه لهذا الغرض.

وقال المستر روكر وهو يضحك عقب أن شرح له المستر بكوك الغرض الذي عاد من أجله: «لقد كنت عارفًا أنك ستعود، ألم أقل ذلك يا ندى؟»

وهمهَم ذلك الفيلسوف صاحب المبراة العامة همهمة إيجاب.

ومضى المستر روكر يقول: «لقد كنت عارفًا أنك ستطلب غرفة لك بمفردك، دعني أنظر في المسألة، ستحتاج طبعًا إلى شيء من الأثاث، أظنك ستستأجرها مني، فإن هذا هو الإجراء المتبع.»

وأجاب المستر بكوك: «بكل سرور.»

وقال المستر روكر: «إن هناك غرفة مفتخرة في الطابق الذي يقع فيه المقهى، كانت معدة لسجين من موظفي المحكمة المدنية، وهي ستكلفك جنيهًا في الأسبوع، أظنك لا تمانع في ذلك؟»

وأجاب المستر بكوك: «مطلقًا.»

وقال المستر روكر وهو يتناول قبعته باغتباط شديد، وخفة بالغة: «تعال معي لنسوي المسألة في خمس دقائق، يا لله! لماذا لم تقل من أول الأمر إنك تريد أن تتمتع بشيء من الراحة والمنزل اللطيف؟»

ولم يلبث أن تم تدبير الأمر كما توقع الحارس، وكان ذلك السجين قد طال عليه البقاء في المحبس، حتى فقد الصحاب، والمال، والموطن، والرغد والهناءة، فاستحق أن تكون له غرفة بمفرده، وكان كثيرًا ما تعز كسرة الخبز عليه، فلا غرو إذا هو استمع في لهفة إلى طلب المستر بكوك ورغبته في استئجار الغرفة، ورضي على الفور بنقل ملكيتها المطلقة إليه نظير عشرين شلنًا في الأسبوع، بشرط أن يدفع منها «خلو رجل» لأي شخص أو أشخاص يحتمل أن يساكنوه وينزلوا عليه.

وفيما كانا يعقدان هذه الصفقة، أخذ المستر بكوك يتفحص الرجل باهتمام أليم، فبدا له طويلًا نحيلًا كالهيكل العظمي، في معطف قديم وخفين، غائر الخدين، خلاج العينين، ملهوف البصر، خلت شفتاه من الدم، وأمست عظامه حادة ناحلة بارزة. كان الله في عونه! إن أنياب المحبس الحداد، وأضراس الجوع والحرمان كانت تبرده بردًا بطيئًا منذ عشرين عامًا.

وقال المستر بكوك، وهو يضع أجرة الأسبوع الأول مقدمًا على المنضدة المتخاذلة السيقان: «وأين تقيم أنت في هذه الفترة يا سيدي؟»

وتناول الرجل المال بيد راجفة، وأجاب بأنه لا يعرف إلى الآن، وأنه سوف يذهب فيبحث عن مكان ينقل إليه سريره.

وقال المستر بكوك وهو يضع يده برفق وعطف على ذراعه: «أخشى يا سيدي أن تضطر إلى الإقامة في مكان شديد الجلبة مزدحم بالنازلين، فأرجو أن تعد هذه الغرفة تحت أمرك، إذا التمست شيئًا من الهدوء أو جاء أحد من أصحابك لرؤيتك.»

وعاجله الرجل قائلًا بصوت يتحشرج في حنجرته: «أصحابي! لو أنني رقدت ميتًا في قاع أعمق منجم في العالم، مسجًّى مسمرًا علي في تابوتي، أو متعفنًا في ذلك الأخدود المظلم المليء بالحمأ تحت قاعدة هذا السجن، لما نسيني الناس ولا استخفوا بي، قدر ما هم ناسون اليوم شأني هنا ومستخفون بأمري. إنني في نظر المجتمع ميت، في عداد الأموات، يضن الناس علي بتلك الرحمات التي يضيفونها على الذين سبقوني إلى يوم الحساب. أتقول: أصحابي يجيئون لرؤيتي؟ رباه! لقد هويت من ريعان الحياة إلى الشيخوخة والوهن في هذا المكان، فلا أحد يرفع يده فوق فراشي حين أرقد فيه ميتًا ويقول: حمدًا لله، لقد استراح!»

ولكن الانفعال الذي ألقى ضياء غريبًا على وجه الرجل، ضياء لم يألفه محياه، ولا خطف من قبل بمعارفه، وهو يتحدث على هذا النحو، لم يلبث أن هدأ وخَفَتَ عند انتهائه، وراح يشبك يديه الذابلتين معًا، في عجلة وارتباك، وانصرف من الغرفة.

وقال المستر روكر وهو يبتسم: «كلام طال عليه القدم، إن هؤلاء الناس كالفيلة، في طول صبرها، ولكنها حين تنفعل أحيانًا وتهيج، تبدو متوحشة ثائرة، وكذلك هم!»

ولم يكد المستر روكر يبدي هذه الملاحظة الشديدة العطف، حتى دخل في موضوع التنفيذ بسرعة فائقة فلم تنقضِ فترة قصيرة من الوقت حتى فرشت الغرفة ببساط، ووضعت في جوانبها ستة مقاعد، وجيء بمنضدة، ومتكأ للنوم، ومغلاة شاي، وعدة أشياء صغيرة أخرى بالإيجار، نظير فئة معقولة جدًّا، وهي سبعة وعشرون شلنًا وستة بنسات في الأسبوع.

وسأل المستر روكر، وهو يدير بصره في أرجاء الغرفة بارتياح شديد، ويحرك في سرور وفرح أجرة الأسبوع الأول في كفه المطبق عليها: «والآن هل من شيء آخر تريد أن نصنعه لك؟»

وقال المستر بكوك، وكان مطيل التفكير منذ لحظة: «أي نعم، هل هنا أحد يمكن أن يُنتفع به في تأدية قضاء الحاجات وما إليها؟»

وسأل المستر روكر: «في الخارج، تقصد؟»

قال: «نعم، أحد يستطيع الخروج، لا من بين السجناء أنفسهم؟»

وأجاب المستر روكر: «نعم، إن لدينا شيطانًا منكود الحظ له صاحب في قسم الفقراء يسره أن يؤدي أي شيء من هذا القبيل، وقد مضى عليه في هذا العمل ونحوه شهران. هل أرسله إليك؟»

وقال المستر بكوك: «إذا تكرمت، ولكن كلَّا، هل قلت: قسم الفقراء؟ إنني أود أن أشاهده، سأذهب أنا بنفسي للقائه هناك.»

وكان قسم الفقراء — كما يوحي اسمه — هو الجناح الذي يُعتقل فيه أشد المدينين بؤسًا، وأحطهم قدرًا، وأبشعهم فاقة، فإن السجين الذي يحال إليه لا يدفع أجرًا ولا رسوم «زمالة»، بل تخفض قيمة الرسوم التي يدفعها عند الدخول والخروج من المحبس إلى قدر ضئيل من المال، ويصبح مستحقًّا لنصيب يسير من الطعام، اعتاد بعض المحسنين من وقت إلى آخر أن يتركوا في وصاياهم قبل مماتهم شيئًا تافهًا، لشرائه وتوزيعه على نزلاء هذا الجناح وسجنائه. ولعل أكثر قرائنا يذكرون، كيف كان إلى بضع سنوات ماضية يقوم قفص حديدي في جدار «سجن فليت»، يقف فيه رجل يبدو السغب على وجهه، ويهز بين لحظة وأخرى صندوقًا للنقود، وهو يصيح بصوت محزن: «لا تنسوا المدينين الفقراء، لا تنسوا المدينين الفقراء، ناشدتكم المروءة.» وكانت النقود التي يحتويها ذلك الصندوق، إذا احتوى شيئًا منها، تقسم بين أولئك المساجين البائسين، وهكذا كان نزلاء هذا الجناح من السجن يتعاونون على جمع هذه الصدقات بالتناوب بالوقوف في ذلك الموقف المذل للكرامة المليء بالهوان.

ولئن كانت هذه العادة قد أُبطلت، ولم يبقَ لذلك القفص اليوم أثر، فلا تزال أحوال أولئك القوم المنكودين باقية على بأسائها ونكرها، فلم نعد نرتضي وقوفهم بأبواب السجن ينشدون الرحمة والإحسان من السابلة، ولكنا لا نزال تاركين في سجلات شرائعنا وقوانيننا، لإعجاب الأجيال الخالفة بنا وإكبارها لشأننا، ذلك القانون العادل السديد الذي ينص على أن المجرم القوي ذا البأس يجد في السجن الغذاء والكساء، أما المدين المعدم فيُترك للموت سغبًا وعريًا، وليس هذا القول من نسج الخيال، ولا هو قصة من القصص، ولكنه الواقع، فما من أسبوع ينقضي، إلا عاجل الموت حتمًا، في كل سجن من السجون التي يحبس فيها المدينون، بعض أولئك المساجين، من أثر التلوي من الجوع، والعذاب البطيء المستطيل من الحاجة والحرمان، إذا لم يسعفهم زملاؤهم في تلك السجون.

وقد تناهبت هذه الحقائق خاطر المستر بكوك ودارت جميعًا في خلده، وهو يصعد السلم الضيق الذي تركه روكر عند أول مدارجه، واستولى التأثر على نفسه شيئًا فشيئًا حتى بلغ درجة الغليان، وكان من شدة ألمه واضطراب مشاعره أن أسرع إلى دخول الغرفة التي هدوه إليها، قبل أن يتبين أو يتذكر شيئًا عن الموضع الذي جاء إليه، ولا عن الغرض من مجيئه.

ولكن مشهد الغرفة لم يلبث أن رده في الحال إلى نفسه، وما كاد يلقي نظرة على صورة رجل مكب على النار الخابية وهو ساهم مفكر، حتى سقطت قبعته من فوق رأسه. من شدة الدهشة، ووقف في مكانه جامدًا لا يستطيع حراكًا، من فرط الذهول.

أي والله، لقد رأى حياله رجلًا في أسمال ممزقة، بلا رداء عليه، وقد استحال قميصه القطني أصفر اللون، خلقًا، وتدلى شعره على وجهه، وغيرت الآلام من ملامحه، وطحنه الجوع بحداد أنيابه، وكان ذلك الرجل هو المستر ألفريد جنجل، وقد اعتمد رأسه بكفه، واستقرت عيناه على النار، ودلت هيئته عامة على بؤس شديد وانكسار مبين!

وبجانبه وقف رجل من أهل الريف الأقوياء الجسوم، مستندًا في قلق واضطراب إلى الجدار، ينفض بسوط بالٍ من سياط الصيد، فرد حذاء طويل تزدان به قدمه اليمنى، بينما كانت قدمه اليسرى في خف قديم، فقد كان «يلبس» متمهلًا على مراحل، لقد جاءت به إلى ذلك الموضع حلبات الخيل، وسباق الكلاب، وفرط الشراب، مجتمعات.

وكان لقدمه العزلاء من الحذاء مهماز صدئ جعل بين لحظة وأخرى يدفعه في الفضاء، ويوجه إلى الحذاء ذاته، في الوقت عينه، ضربة رشيقة، ويتمتم ببعض الأصوات التي اعتاد بها الراكب العريف بالخيل أن يحفز جواده، ويشجعه على العدو والخبب … لقد كان في تلك اللحظات «راكبًا»، ولكن في الخيال! مطلقًا مركبة خفيفة تعدو وتنهب الأرض نهبًا! يا للمسكين! ما نحسبه ركب في سباق يومًا صهوة أشد حصان سرعة، وهو في حلة الفارس العلاء الصهوات، بنصف تلك السرعة التي قطع بها الطريق إلى سجن فليت!

وكان في الجانب المقابل من الغرفة شيخ يجلس فوق صندوق خشبي صغير مطأطئ الرأس، لا تغادر عيناه النظر إلى الأرض، وعلى وجهه تلوح سمات يأس شديد، وقنوط بالغ لا تشع عليه خطفة من أمل، وقد حامت من حوله صبية صغيرة هي حفيدته، تحاول بعشرات الحيل المألوفة من الصغار والأطفال، أن تجتذب إليها نظره، والشيخ لا يرى ولا يسمع، ولا يحرك ساكنًا، فقد عاد ذلك الجرس الذي كان كالموسيقى في سمعه، والعينان اللتان كانتا كشعاع باهر الضياء في ناظريه، لا تتملك حواسه، ولا توقد مشاعره، وكانت أوصاله راعشة من المرض، وبات الفالج يقدح في خاطره.

وكانت الغرفة تحوي رجلين آخرين أو ثلاثة رجال تألفت منهم عقدة صغيرة وهم يتحادثون في ضوضاء وصخب، وكانت هناك أيضًا امرأة نحيلة ذابلة المحيا، هي زوجة أحد السجناء، تسقي برفق شديد جذعًا ذابلًا من نبات جاف مصوح، يبدو عليه أنه لن يورق في يوم من الأيام، كأنه رمز بليغ للمهمة التي جاءت لتؤديها في ذلك المكان.

تلك هي الصور والشكول التي تراءت للمستر بكوك، وهو يدير العين فيما حوله من الذهول، وإذا هو ينتبه منه على صوت إنسان يدخل الغرفة في عجلة، فالتفت ناحية الباب، والتقت عيناه بالقادم الجديد، وإذا هو يتبين فيه، من خلال أسماله وأقذاره، وجه المستر جب تروتر!

وصاح هذا بصوت عالٍ: «المستر بكوك!»

وقال جنجل وهو ينهض من مقعده: «آه؟ المستر — هذا صحيح، مكان غريب، شيء عجيب، أستحقه، جدًّا.»

ودس المستر جنجل يديه في المكان الذي اعتاد أن يكون جيبًا لسراويله، وأرخى ذقنه حتى تدلى على صدره وهبط في مقعده.

وتأثر المستر بكوك لهذا المشهد الأليم، فقد كان الرجلان في حال بشعة من البؤس، وكانت النظرة الحادة التي رمق بها جنجل بغير اختياره قطعة صغيرة من متن ضأن نيئ جاء جب بها معه، أبلغ تعبير عن مبلغ سوء حالهما من كل شرح أو بيان. ونظر المستر بكوك إلى جنجل برفق فقال: «أحب أن أتحدث إليك على انفراد، هلا خطوت إلى الخارج لحظة؟»

وقال جنجل وهو ينهض مسرعًا: «بلا شك، لا أستطيع أن أبتعد كثيرًا — لا خطر من التريض والمشي كثيرًا هنا — متنزه بديع، مثير للخيال، ولكنه غير فسيح الرحاب، مفتوح وللتفتيش العام — الأسرة دائمًا في المدينة. والقائم على شئون البيت حريص أشد الحرص جدًّا.»

وقال المستر بكوك، وهما يخرجان إلى السلم ويغلقان الباب وراءهما: «لقد نسيت سترتك.»

وأجاب جنجل: «آه! سباوت، قريب عزيز … العم توم … ما حيلتي؟ لا بد من الأكل، كما تعرف، حكم الطبيعة … وكل شيء من هذا القبيل.»

وقال المستر بكوك: «ماذا تعني؟»

وأجاب جنجل: «ذهبت يا سيدي العزيز السترة الأخيرة … ما حيلتي؟ عشت بثمن الحذاء أسبوعين كاملين … مظلة حريرية ذات مقبض من العاج … أسبوع … الواقع … بالشرف … سل جب — إنه يعرف.»

وصاح المستر بكوك في دهشة؛ لأنه لم يسمع بشيء كهذا إلا في حوادث غرق السفن، أو قرأ عنها في كتاب «مذكرات شرطي»، «أتقول: عشت ثلاثة أسابيع على حذاء ومظلة حريرية ذات مقبض من العاج؟»

وقال جنجل وهو يومئ برأسه: «فعلًا، مكان الرهون، عندي الإيصال هنا، مبالغ ضئيلة تافهة … كلهم نصابون.»

وقال المستر بكوك وقد اطمأن كثيرًا لهذا التفسير: «آه! لقد فهمت مرادك، تقصد أن تقول: إنك رهنت ثيابك.»

وأجاب جنجل: «كل شيء وثياب جب كذلك، كل الأقمصة ذهبت … لا بأس توفير للغسيل … لن يلبث أن ينفد كل شيء لدينا … فلا يبقى أمامنا غير الرقاد والجوع والموت، ثم التحقيق في أسباب الوفاة … الدفن في حفرة صغيرة، سجين فقير، ضرورات عامة، اكتموا الأمر، اكتموا الحقيقة عن السادة المحلفين، والتجار في السجون، لا تدعوا أحدًا يعرف شيئًا، وفاة طبيعية، المحقق يأمر بالدفن، جنازة بسيطة، يستأهل، انتهت الرواية، أسدلوا الستار.»

وكان جنجل يلقي هذه الخلاصة الغريبة لخاتمته المنتظرة بتلك الذلاقة المألوفة منه، وهو يشفعها بمختلف الحركات والتقلصات التي يزيف بها الابتسامات على وجهه، ولم يجد المستر بكوك مشقة في إدراك ما بدا على ذلك الرجل من معاودة الاستخفاف بكل شيء، فراح بنظرة لا تخلو من العطف يتفرس في وجهه، وإذا هو يشهد عينيه نديتين بالعبرات.

وقال جنجل وهو يضغط يده ويشيح عنه بوجهه: «يا لك من كريم! وإني لكلب جاحد، من الصغار الاستسلام للبكاء، ولكن ما حيلتي؟ محموم، ضعيف، مريض، جائع، يستحق كل ما أصابه، ولكنه تعذب كثيرًا جدًّا.» ولم يعد في وسعه بعد ذلك التظاهر بالجَلد، ولعل الجهد الذي بذله رده أسوأ حالًا من قبل، فجلس فوق السلم، ودفن وجهه في راحتيه، وراح ينتحب نحيب الأطفال.

وقال المستر بكوك وهو في تأثر بالغ: «لا عليك، لا عليك، سنرى ماذا يمكن أن نفعله، إذا أنا عرفت الأمر كله، أين جب؟ أين هو؟»

وأجاب جب، وقد مثل عند السلم: «هنا يا سيدي.»

وقد وصفناه لك فيما سلف، وقلنا عندئذ: إن له عينين غائرتين في صحن وجهه، حين كان بخير، ونقول الآن: إنه بدا من السغب والحاجة والإملاق كأن هاتين العينين قد غارتا من سحنته فلم يعد لهما أثر.

وقال المستر بكوك وهو يحاول أن يبدو عابسًا متجهمًا، وإن تسقطت أربع دمعات كبار على صداره: «تعال هنا يا سيدي، خذ هذا يا سيدي.»

– «ماذا تراه يأخذ؟»

إن المعنى المتعارف بين الناس لهذا التعبير هو أن يأخذ «لكمة» أو لطمة على وجهه. وكان أولى بعد الذي جرى أن يكون «صفعة» شديدة منبعثة من قلب واجد ملهوف، فقد طالما خدع المستر بكوك وغرر به، وأسيء إليه، من هذا الطريد المعدم الذي أصبح في قبضة يده بجملته. أفنقول الحقيقة؟ إن ذلك الشيء الذي أخذه كان منبعثًا من جيب صداره، وكانت له رنة ووسوسة فضة وهو في كف جب، فلم يلبث أن أرسل وميضًا في عين الراهب، وجيشانًا في أعماق جوانحه، وتأثرًا في قلب صديقنا القديم الممتاز وهو منطلق في عجلة لا يلوي على شيء.

وكان سام قد عاد حين وصل المستر بكوك إلى غرفته، وطفق يتفحص التدابير والوسائل التي تم اتخاذها لتوفير راحته، وهو بادي الارتياح، متهلل تغتبط النفس برؤية مشهده على تلك الصورة. وكان المستر ولر من بداية الأمر معترضًا كل الاعتراض على وجود سيده في ذلك الموضع، ولكنه رأى عندئذ أن من واجبه الأكبر ألا يبدي سرورًا بالغًا بأي شيء فعل، أو قيل، أو اقترح، أو أشير به.

وقال المستر بكوك: «هيه يا سام؟»

وأجاب المستر ولر: «هيه يا سيدي.»

– «هل كل شيء مريح الآن يا سام؟»

وأجاب سام وهو يتلفت حوله منتقصًا لكل ما يرى، مستخفًّا بكل ما يشهد: «جميل جدًّا يا سيدي.»

– «وهل رأيت المستر طبمن وأصدقاءنا الآخرين؟»

– «نعم، رأيتهم يا سيدي، وهم قادمون غدًا، وأدهشني كثيرًا أن أسمع أنهم لن يأتوا اليوم.»

– «وهل أحضرت الأشياء التي طلبتها؟»

وعلى سبيل الجواب، أشار المستر ولر إلى عدة لفائف كان قد نسقها كل تنسيق ممكن، في ركن من الغرفة.

وقال المستر بكوك بعد تردد قليل: «حسن جدًّا يا سام، والآن اصغ إلى ما أريد أن أقوله لك.»

وأجاب المستر ولر: «بكل تأكيد، هات ما عندك يا سيدي.»

وقال المستر بكوك بلهجة جد بالغ: «لقد شعرت من بداية الأمر أن هذا المكان ليس بالموضع الذي يليق بأن يجلب إليه شاب في مقتبل العمر.»

وقال المستر ولر: «ولا شيخ أيضًا يا سيدي.»

وعاد المستر بكوك يقول: «أنت على صواب يا سام، ولكن الشيوخ قد يأتون إلى هنا، من جراء إهمالهم، أو قلة اكتراثهم، أو سلامة نيتهم، كما يحتمل أن يأتي إليه الفتيان بسبب أثرة الذين يخدمونهم وأنانيتهم، فمن الخير لهؤلاء الفتيان من كل وجه ألا يبقوا هنا، هل فهمت مرادي يا سام؟»

وأجاب المستر ولر: «كلا، يا سيدي لم أفهم.»

وعاد المستر بكوك يقول: «حاول يا سام.»

وأجاب سام بعد صمت قصير: «حسن يا سيدي، أظن أنني فاهم اتجاهك، وإذا كنت قد فهمت اتجاهك، فرأيي أنك أتيت إليه مسرعًا، وبقوة متناهية، كما قال سائق مركبة البريد للعاصفة الجليدية وهي ملاحقته.»

وقال المستر بكوك: «أرى أنك فهمت قصدي يا سام، وبغض النظر عن رغبتي في ألا أراك متسكعًا حول مكان كهذا عدة سنين قوادم، أشعر بأن إبقاء مدين معتقل في سجن فليت على خادمه سخف شديد وحماقة متناهية، أي سام! يجب أن تتركني إلى حين.»

وقال المستر ولر بلهجة تهكم: «آه! إلى حين — أكذا تقول يا سيدي؟»

وأجاب المستر بكوك: «نعم، طيلة مقامي هنا، وسأظل أؤدي إليك أجرك، وسوف يسعد أي صديق من أصدقائي الثلاثة، ولو لم يكن ذلك إلا احترامًا منهم لي، أن يلحقك بخدمته»، وعاد المستر بكوك يتخذ سيماء الابتهاج واسترسل يقول: «وإذا قيض لي يومًا ترك هذا المكان يا سام، فإني أعاهدك أن أستردك لنفسي في الحال.»

وقال المستر ولر بصوت رهيب، وجد شديد: «والآن، سأقول لك رأيي يا سيدي في هذا الأمر كله، إن هذا الكلام كله لا يجدي، فمن فضلك لا تُسمعني بعد هذا شيئًا آخر عنه.»

وقال المستر بكوك: «إني أجد فيما أقول ومعتزم تنفيذه يا سام.»

وأجاب المستر ولر بلهجة الإصرار: «هل أنت فعلًا يا سيدي؟ حسن جدًّا وأنا كذلك!»

وراح يضع قبعته فوق رأسه بكل دقة وغادر الغرفة غير معقب.

وصاح المستر بكوك في أثره مناديًا: «سام، سام، أقبل تمهل!»

ولكن أرض الممر الطويل لم تعد تردد مواقع قدميه.

لقد انطلق سام ولر غير متمهل، ولا متردد.

١  جاي فوكس تآمر على نسف البرلمان الإنجليزي في عهد الملك جيمس الأول. وتحتفل بعض البلاد الإنجليزية إلى يومنا هذا بإحراق فوكس إحراقًا رمزيًّا فيحشون دمية له بالقش ويشعلون النار فيها، ويطلقون الصواريخ وإلى غير ذلك.
٢  أي: كقولك أي شيء واضح مفهوم.
٣  أي: بحق الجحيم، وهذا نوع من أقسام العامة. وفي الأصل الإنجليزي «بحق ذلك الشيء الذي يبدأ بحرف H» أي Hell.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١