الفصل السادس والأربعون

تصرف يوحي بشعور كريم، وإن لم يخلُ من فكاهة يعمد إليه المحاميان ددسن وفج.

***

قبل انتهاء شهر يوليو بأسبوع أو قرابته، شوهدت مركبة أجرة ذات حصان واحد، ليس لها رقم، وهي مسرعة في شارع «جزول»، وقد انحشر في جوفها ثلاثة أشخاص غير السائق الذي كان يجلس فوق مقعده الجانبي الصغير، وقد علقت على «مشمع» المركبة لفاعتان لسيدتين قصيرتين يبدو عليهما النزوع إلى المشاكسة، والميل إلى الشجار، وبينهما انحشر في موضع ضيق رجل ضخم مستكين، كلما تجرأ فأبدى شيئًا من الملاحظات، عاجلته إحدى هاتين السيدتين الشكستين فأسكتته، وانتهى الأمر على هذا النحو إلى تضارب التوجيهات التي جعلت السيدتان الشرستان والسيد الهادئ يصدرونها إلى السائق، وكانت أوامرهما وأوامره ترمي إلى شيء واحد وهو الوقوف بالمركبة عند باب بيت مسز باردل، وراح الرجل المستكين يعارض السيدتين الشكستين ويتحداهما، ويصر على أن الباب أخضر اللون، لا أصفر الطلاء.

وقال السيد الضخم: «قف بالباب الأخضر أيها السائق.»

وصاحت إحدى السيدتين الشكستين: «أيها المخلوق الفاسد، سق بنا إلى البيت الذي بابه أصفر أيها الحوذي.»

ولكن السائق وهو يحاول فجأة شد اللجام للوقوف بالباب الأخضر، كان قد جذب الحصان جذبة قوية جعلته يقفز قفزة كادت تلقي به إلى الخلف في المركبة ذاتها، ولكنه تركه حتى هبط الأرض بساقيه الأماميتين، ووقف عن المسير، والتفت إليهم قائلًا: «والآن أمام أي الأبواب أقف، ابحثوا في هذه المسألة فيما بينكم، فإن كل ما أطلبه هو أين تريدون مني أن أقف؟»

وهنا تجدد النزاع واشتدت وطأته، وكانت ذبابة قد حامت حول منخر الحصان فضايقته وجعلته يتحفز ويتواثب، فعمد السائق إلى قضاء فترة فراغه، في عمل إنساني رحيم، وهو ضرب الحصان بالسوط فوق هامته عملًا بمبدأ «مقاومة الاضطراب بمثله».

وقالت إحدى السيدتين الشكستين أخيرًا: «الأغلبية هي التي قرارها ينفذ، البيت الذي يبدو بابه أصفر أيها السائق.»

ولكن بعد أن اندفعت المركبة بشكل رائع إلى الباب الأصفر، «محدثة» كما قالت إحدى السيدتين الشكستين بلهجة المنتصرة، ضوضاء أكثر مما لو كان الإنسان قد جاء في مركبة خاصة يمتلكها هو، وبعد أن ترجل السائق لمعاونة السيدتين على النزول، أطل رأس الأستاذ توماس باردل الصغير من نافذة بيت ذي باب أحمر على قيد بضعة بيوت من البيت الذي وقف السائق ببابه.

وصاحت السيدة الشكسة التي مر ذكرها وهي ترمق السيد الضخم بنظرة ذابلة: «شيء مثير للغضب.»

وقال السيد: «ليس الذنب ذنبي يا عزيزتي.»

وأجابته السيدة بحدة: «لا تكلمني أيها المخلوق، حذار، قف بالباب الأحمر أيها السائق، أوه! لو كانت في الدنيا امرأة منكوبة برجل يعتز ويلهو بفضح زوجته في كل مناسبة ممكنة أمام الغرباء فأنا تلك المرأة!»

وقالت السيدة القصيرة الأخرى، ولم تكن سوى مسز كلبنز التي مر من قبل ذكرها: «أولى بك أن تخجل من نفسك يا رادل.»

وقال المستر رادل: «ما الذي فعلته؟»

وقالت مسز رادل: «لا تتكلم معي أيها البهيم حتى لا تستفزني إلى نسيان جنسي فأضربك.»

وكان السائق خلال هذا الحوار قد أخذ بشكل مخجل كل الإخجال يقود الحصان من لجامه إلى الباب الأحمر، وكان المعلم باردل الصغير قد جاء ففتحه، وكان وصول المركبة إلى بيت صديقه على هذه الصورة غاضًّا من الكرامة، خاليًا من الأبهة التي كانت مسز رادل ترجوها، فلا اندفاع من الحصان نحو الباب، ولا حماسة ولا هياج ولا وثوب بمقدميه، ولا قفز من جانب السائق للمعاونة على النزول، ولا طرق عنيف بالباب، ولا فتح «للمشمع» بقوة في اللحظة الأخيرة، مخافة أن يهب الهواء على السيدتين، ولا تقديم الملفعتين إليهما بأدب ظاهر كأنه سائق خاص. لقد خلا الأمر من كل طرافة وجاه ومظهر، فكان قدومهما في مركبة أسوأ من مجيئهما مشيًا على الأقدام.

وقالت مسز كلبنز: «كيف حال أمك العزيزة المسكينة يا تمي؟»

وأجاب باردل الصغير: «بخير، وهي جالسة في الغرفة الأمامية لابسة، ومستعدة، وأنا مستعد أيضًا»، وهنا وضع يديه في جيبيه، وقفز فوق الدرجة الأولى من سلم الباب.

وقالت مسز كلبنز وهي تنظم حرملتها: «وهل سيذهب أحد آخر يا تمي؟»

وأجاب تمي: «مسز ساندرز ذاهبة أيضًا، وأنا أيضًا ذاهب.»

وقالت مسز كلبنز: «يا للطفل الملعون، إنه لا يفكر إلا في نفسه، اسمع يا تمي، قل لي، يا عزيزي.»

وأجاب المعلم باردل: «نعم.»

وقالت مسز كلبنز بلهجة الإيحاء: «من الذي سيذهب أيضًا يا حبيبي؟»

وأجاب باردل الصغير وهو يفتح عينيه على سعتهما وهو يلقي هذا النبأ: «أوه، مسز روجرز أيضًا ستذهب.»

وصاحت مسز كلبنز: «ماذا؟ السيدة التي استأجرت الشقة؟»

وراح الصبي يدس يديه في جيبيه أكثر من قبل ويومئ خمسًا وثلاثين إيماءة بالضبط؛ ليؤكد أنها السيدة الساكنة عندهم، دون أحد سواها.

وصاحت مسز كلبنز: «بالله! إننا سنكون بهذا الشكل حفلًا حافلًا.»

وأجاب باردل الصغير: «لو عرفت ماذا في الصوان لقلت هكذا.»

وقالت مسز كلبنز مداعبة مغرية: «ماذا فيه، أنا عارفة يا تمي أنك ستقول لي.»

وأجاب الصبي وهو يهز رأسه ويعود إلى سلم الباب: «كلا، لا أقول لك.»

وغمغمت مسز كلبنز: «ذلك ولد خبيث وصبي مستفز للشعور، هيا يا تمي، قل لخالتك العزيزة (كلبي).»

وأجاب المعلم باردل: «أمي أوصتني ألا أقول، إنني سآخذ قليلًا منه.» وسره هذا الأمل، فأقبل على القفز والطفر بقوة متزايدة.

وجرى هذا الاختبار للصبي في اللحظات التي كان فيها المستر رادل، ومسز رادل، والسائق، منهمكين في مشادة على الأجر، انتهت لمصلحة الأخير، وجاءت مسز رادل متهادية.

فبادرتها مسز كلبنز قائلة: «ما الذي جرى يا ميري آن؟»

وأجابت مسز رادل: «جرى ما جعلني أرعش من الغيظ والانفعال، إن رادل ليس رجلًا كالرجال، إنه يطرح كل شيء على كاهلي أنا.»

ولم يكن هذا القول إنصافًا لحق المستر رادل السيئ الحظ، فإن السيدة الكريمة هي التي أزاحته جانبًا من بداية النزاع، وهي التي أمرته بلهجة قاطعة أن يمسك عليه لسانه، على أنه لم تسنح له فرصة للدفاع عن نفسه إزاء هذا الاتهام؛ لأن مسز رادل أبدت من الأعراض والأمارات الأكيدة ما يوحي بأنها موشكة على الإغماء، وكانت مسز رادل، ومسز ساندرز، والساكنة الجديدة، وخادمتها قد لاحظن ذلك من النافذة، فاندفعن مهرولات إلى الخارج، وحملنها إلى البيت، وهن يتكلمن جميعًا في وقت واحد ويفهن بعبارات رثاء ومواساة مختلفة، كأنها من أشقى الأحياء على الأرض، وما أن بلغن بها غرفة الجلوس حتى أرقدنها فوق متكأ، وجرت السيدة التي نزلت من الطابق الأول إلى الطابق الأول وعادت بشيء من «النوشادر»، فأمسكت برقبة مسز رادل، واستعانت بكل حنان النساء ورحمتهن، فقربت النوشادر من أنفها، حتى بادرت السيدة بعد عدة مقاومات واندفاعات إلى المصارحة بأنها قطعًا أحسن حالًا.

وقالت مسز روجرز: «وا حر قلباه لها! إنني أعرف شعورها حق المعرفة.»

وتبعتها مسز ساندرز قائلة: «واهًا لها، وأنا كذلك عارفة شعورها.» وتوجعت السيدات كلهن معًا، وقلن: إنهن يعرفن ما هنالك، ويرثين لها من أعماق قلوبهن، حتى خادم الساكنة الجديدة، وهي صبية في الثالثة عشرة، ولا يتجاوز طولها ثلاثة أقدام، غمغمت مشفقة راثية.»

وقالت مسز باردل: «ولكن ما الذي جرى؟»

وتبعتها مسز روجرز فقالت: «آه، ما الذي أفقدك السيطرة على شعورك يا سيدتي؟»

وأجابت مسز رادل بلهجة لوم وتقريع: «لقد أزهقني كثيرًا وهيج شعوري.» وعندئذ ألقت السيدات على المستر رادل نظرات غاضبة.

وقال الرجل السيئ الحظ وهو يتقدم خطوات إلى الأمام: «الواقع أننا حين نزلنا عند الباب، قام نزاع بيننا وبين سائق المركبة ذات الحصان الواحد …»، وهنا أطلقت زوجته صيحة عالية، عند ذكر نوع المركبة التي جاؤوا فيها، فلم يستطع الرجل أن يجعل شرحه للحادث مسموعًا.

وقالت مسز كلبنز: «خير لك أن تتركنا نعيدها إلى سكينتها يا رادل، إنها لن تفيق وتهدأ ما دمت هنا.»

ووافقت السيدات جميعًا على هذا الرأي، فدفعن الرجل خارج الغرفة، وطلبن إليه أن يشم الهواء في الفناء الخلفي، ففعل، ولم يمض ربع ساعة، حتى أعلنته مسز باردل وهي عابسة مقطبة أنه قد آن له أن يعود، وإنما يجب أن يكون حريصًا في سلوكه إزاء زوجته، وقالت: إنها تعرف أنه لم يقصد أن يكون قاسيًا ولكن «ميري» ليست قوية موفورة الصحة والأعصاب، وإذا هو لم يحتط، فقد يفقدها، وهو لا يدري، ثم يندم بعد ذلك ولات حين ندامة. وسمع المستر رادل ذلك كله في استكانة بالغة، ولم يلبث أن عاد إلى الغرفة، كالحمل الوديع.

وقالت مسز باردل: «يا للعجب! لقد نسينا واجب التعريف، مسز روجرز يا سيدتي، المستر رادل، مسز كلبنز، مسز رادل.»

وقالت مسز ساندرز: «وهي أخت مسز كلبنز.»

وقالت مسز روجرز بلطف وأدب: «آه، هذا صحيح!» لأنها كانت الساكنة، وخادمتها الوصيفة، فلا عجب إذا هي بدت بحكم مركزها لطيفة ظريفة أكثر منها ولية حميمة وكررت قولها: «هذا حق!» وابتسمت مسز رادل ابتسامة حلوة، وانحنى المستر رادل، وقالت مسز كلبنز: إنها على يقين من أنها سعيدة كل السعادة أن أتيحت لها فرصة للتعرف بسيدةٍ كمسز روجرز كانت من قبل مثنية عليها أطيب الثناء، وهي تحية قابلتها تلك السيدة بتواضع جميل.

وقالت مسز باردل: «إنني واثقة يا مستر رادل من أنك ستشعر بتكريم وشرف كبير؛ لأنك أنت وتمي السيدان الوحيدان اللذان سيتوليان حراسة عدة سيدات طول الطريق إلى «حديقة الأندلس» في هامستيد. ألا تعتقدين ذلك يا مسز روجرز؟»

وأجابت مسز روجرز: «آه، بالتأكيد يا سيدتي.» وتبعتها السيدات جميعًا قائلات: «آه! بالتأكيد.»

وقال المستر رادل وهو يفرك يديه ويبدي ميلًا خفيفًا إلى التهلل قليلًا: «بلا شك يا سيدتي، بل في الحق لقد كنت أقول ونحن قادمون في المركبة ذات الحصان …»

وما كاد الرجل يعود إلى ذكر هذه الكلمة التي أثارت في نفس مسز رادل ذكريات أليمة، حتى عادت تضع منديلها على عينيها، وترسل صرخة مكتومة. فلم يسع مسز باردل إلا أن تعبس في وجه المستر رادل، إشارة إليه بأنه يحسن ألا يقول شيئًا بعد ذلك، وطلبت إلى خادم مسز روجرز بلهجة العظمة أن «تحضر المطلوب.»

وكانت هذه هي الإشارة المتفق عليها لإظهار «الكنوز المخبوءة» في الخزانة. وكانت تلك الكنوز تشمل صحافًا مختلفة من البرتقال والبسكويت، وزجاجة من النبيذ المعتق تساوي شلنًا وتسعة بنسات، وأخرى من شراب الكرز المشهور الوارد من الهند الشرقية، تساوي أربعة عشر بنسًا، وكانت هذه جميعًا قد أحضرت تكريمًا للساكنة الجديدة، وقوبلت من الجميع باغتباط لا حد له. وبعد أن استولى الارتباك الشديد على مسز كلبنز حين حاول الصبي تمي أن يحكي كيف سألته واستجوبته عما كان في الخزانة، ولكن هذه المحاولة لم تلبث أن قضي عليها في المهد؛ لأنه شرب نصف كأس من النبيذ المعتق، تسرب بعضها إلى القصبة الرئوية، فتعرضت بذلك حياته للخطر بضع ثوان. وانطلق الجمع للبحث عن مركبة تقلهم إلى هامستيد، وما لبثوا أن وجدوها فوصلوا بعد ساعتين سالمين إلى حديقة الأندلس وهي حديقة شاي، وكاد أول عمل أتاه المستر رادل المنحوس يفضي إلى إغماء زوجته الطيبة، فقد طلب شايًا لسبعة، على حين أنه كان من السهل كما قالت السيدات جميعًا أن يشرب تمي من فنجان أية سيدة، أو من كل فنجان، إذا كان هذا هو كل ما في الأمر، كلما كان الخادم غير ملتفت إليهم، وهذا من شأنه أن يوفر طلبًا، ويبقى الشاي شهيًّا، لا فرق بين سبعة فناجين أو غير سبعة.

ولم يكن ثمة حيلة فقد أقبل الغلام «بصينية» الشاي وسبعة فناجين وأطباق وخبز وزبد يكفي عدد الشاربين! وأجمعت الأصوات على انتخاب مسز باردل لكرسي الرياسة، فتصدرت المائدة، وجلست مسز روجرز عن يمينها، ومسز رادل عن يسارها، وبدأت الحفلة في مرح شديد وتوفيق.

وقالت مسز روجرز وهي تتنهد: «حقًّا ما أجمل الريف! أكاد أتمنى لو عشت فيه أبدًا.»

وأجابت مسز رادل بعجلة فقد شعرت بأنه لا يحسن مطلقًا فيما يتصل بمسألة السكن تشجيع أفكار من هذا القبيل: «لا أظنك تطيقين المقام فيه يا سيدتي ولا أحسبه يروقك.»

وقالت مسز كلبنز الصغيرة: «أوه! إني لأعتقد أنك من كثرة النشاط، وإقبال الناس على مجالسك، والتماسهم شهي أحاديثك، بحيث لا تقنعين بالحياة في الريف يا سيدتي.»

وأجابت الساكنة التي في الطابق الأول: «أظنني كذلك، أظنني كذلك.»

وانبرى المستر رادل يقول، وهو يحاول استعادة شيء من المرح، ويتلفت حوله: «إن الريف جميل طيب المقام؛ للذين يعيشون وحدهم ولا يجدون أحدًا يعنى بهم أو يتولى رعاية شئونهم، والذين أوذوا في إحساسهم، ونزلت المكاره بساحتهم، إن الريف كما يقولون ملائم للنفوس الجريحة، والقلوب القريحة.»

وكان أي كلام غير هذا أفضل كثيرًا من هذا القول الذي قاله ذلك الرجل المنحوس، فلا عجب إذا انفجرت العبرات من عيني مسز باردل على أثره، وطلبت أن تنقل في الحال من موضعها بعيدًا عن المائدة، ورأى الصبي أمه باكية، فبدأ هو كذلك يبكي بحزن شديد.

وصاحت مسز رادل، وهي تلتفت بشدة إلى الساكنة في الدور الأول: «هل يصدق أحد يا سيدتي أنه من الجائز أن تتزوج امرأة بمخلوق وحش كهذا يعبث بشعور امرأة هذا العبث، كل ساعة من ساعات اليوم يا سيدتي؟»

وقال المستر رادل محتجًّا: «لم أقصد شيئًا يا عزيزتي.»

وأجابت مسز رادل بسخرية واحتقار بالغين: «لم تقصد! ابعد عني، لا أطيق رؤيتك أيها الوحش!»

وتدخلت مسز كلبنز قائلة: «لا تهيجي نفسك يا ميري آن، وتنفعلي. يجب أن تراعي صحتك يا عزيزتي فإنك لا تراعينها مطلقًا، وأنت يا رادل قم من هنا، من فضلك، وإلا زدتها انفعالًا وهياجًا.»

وقالت مسز روجرز وقد عادت إلى «النوشادر» تعالج به إفاقتها: «يحسن أن تتناول شايك بمفردك يا سيدي.»

وكانت مسز ساندرز كعادتها في شغل شاغل بالخبز والزبد، وأيدت هذا الرأي أيضًا، فلم يسع المستر رادل إلا أن يتنحى في سكون.

وتلا ذلك رفع باردل الصغير ليهبط في أحضان أمه، وكان من حيث الحجم كبيرًا على الاحتضان، فلم يلبث في أثناء عملية رفعه أن صدمت رجله صينية الشاي، فأحدثت اضطرابًا بين الفناجين والصحاف. ولكن هذا الذي اعتدنا أن نصفه بنوبات الإغماء، ونعرف أنه سريع العدوى بين النساء، قلما يطول. فلا غرو إذا رأينا مسز باردل بعد أن قبلت الصبي ما شاء الله أن تقبله، وتنوح من أجله النواح الذي يرضيها، أن ثابت إلى نفسها، وأنزلته من أحضانها، وأبدت عجبها من هذا التصرف الأحمق الذي بدر منها، وانثنت تسكب قليلًا من الشاي ثانية.

وفي تلك اللحظة ارتفعت إلى أذانهم حركة مركبة مقتربة، فتطلعت السيدات بأبصارهن، فإذا هن يشهدن مركبة أجرة تقف بباب الحديقة.

وقالت مسز ساندرز: «أناس آخرون؟»

وقالت مسز رادل: «إن القادم رجل.»

وصاحت مسز باردل: «إذا كان القادم هو المستر جاكسن الشاب الذي يعمل في مكتب ددسن وفج، فإني أدرك من ذلك أن المستر بكوك لا يمكن أن يكون قد أدى التعويض، يا إلهي!»

وتلتها مسز كلبنز فقالت: «أو عرض الزواج.»

وصاحت مسز روجرز: «يا للعجب! ما باله يبدو بطيئًا هكذا لماذا لا يسرع؟»

ولم تكد تقول ذلك حتى تحول المستر جاكسن عن المركبة، وكان قبل ذلك يوجه بعض الملاحظات إلى رجل في ثياب قديمة، وطماق أسود خرج عندئذ من المركبة يحمل عصا من شجر الدردار، واتخذ سبيله إلى الموضع الذي كانت السيدات جالسات لديه، وأخذ يلف شعره حول حاشية قبعته ويتقدم نحوهن.

وابتدرته مسز باردل قائلة في لهفة: «هل حدث شيء؟ هل من شيء جديد يا مستر جاكسن؟»

وأجاب المستر جاكسن: «لا شيء مطلقًا يا سيدتي، كيف حالكن يا سيداتي؟ أستميحكن المعذرة عن التطفل عليكن، ولكن القانون يا سيداتي، القانون.» وابتسم المستر جاكسن بعد هذا الاعتذار وانحنى انحناءة شاملة للجميع، وعاد يلف شعره حول حاشية قبعته، وهمست مسز روجرز لمسز رادل قائلة: إنه في الواقع رجل رشيق.

ومضى جاكسن يقول: «لقد ذهبت إلى شارع جزول فعلمت أنكن هنا من الخادم، فاستقللت مركبة وجئت، إن جماعتنا يطلبونك في المدينة حالًا يا مسز باردل.»

وصاحت السيدة في دهشة من هذا النبأ الفجائي: «رباه!»

وقال جاكسن وهو يعض شفته: «نعم، إن المسألة مهمة جدًّا وعاجلة لا يمكن تأجيلها بأي حال من الأحوال، فقد قال لي ددسن ذلك صراحة، وكذلك قال فج لي؛ ولهذا أبقيت المركبة عمدًا لكي تعودي فيها.»

وصاحت مسز باردل: «ما أغرب هذا!»

ووافقت السيدات على أن الأمر حقًّا جد غريب، ولكنهن أجمعن على رأي واحد، وهو أنه لا بد من أن يكون على جانب كبير من الأهمية، وإلا لما فكر ددسن ولا فج في إيفاد هذا الرسول، وأنه ما دام الأمر كذلك عاجلًا، فلا مفر من ذهابها إليهما بلا أدنى تأخير.

وكان في طلب المحاميين قدومها، على عجل شديد كهذا، شيء من الكبرياء والزهو والرفعة، فلم تستأ مسز باردل منه، ولا سيما إذا كان من الجائز أن يرفع شأنها في عيني الساكنة في الطابق الأول، ولكنها ابتسمت قليلًا بسمة تأفف، وتظاهرت بغيظ شديد، وادعت التردد، وأخيرًا انتهت إلى القول: بأنها تظن أن من واجبها أن تذهب.

وقالت مسز باردل بلهجة الحض والترغيب: «ولكن ألا تتناول شيئًا من المرطبات بعد أن قطعت هذه المسافة يا مستر جاكسن؟»

وأجاب جاكسن: «في الواقع ليس ثمة متسع من الوقت، هذا إلى أن معي صديقًا»، والتفت صوب الرجل الذي يحمل العصا المصنوعة من خشب الدردار.

وقالت مسز باردل: «أوه، ادع صديقك إلى هنا يا سيدي، أرجوك أن تدعوه إلى هنا.»

وأجاب جاكسن في شيء من الارتباك: «شكرًا! إني أفضل ألا أدعوه؛ لأنه لم يعتد كثيرًا مجلس السيدات، فهو يخجل في حضرتهن، ولو طلبت إلى الخادم أن يأتيه بشيء يسير، فإنه لا يتناوله سريعًا، بل سوف يتمكث في شربه، ألا تحسبينه فاعلًا؟ ما عليك إلا أن تجربيه!» وراحت أنامل المستر جاكسن تعبث حول أنفه حين بلغ هذا الحد من أقواله؛ لكي ينبه سامعيه إلى أنه إنما يقول ذلك تهكمًا.

وأرسل الغلام في الحال إلى السيد الخجول، وتناول السيد الخجول شيئًا، كما تناول المستر جاكسن شيئًا، وتعاطت السيدات كذلك أشياء، احترامًا لمقتضيات الضيافة، وقال المستر جاكسن عندئذ: إنه يخشى أن يكون الوقت قد حان للذهاب، وهنا دخلت مسز ساندرز ومسز كلبنز وتمي الذي تم الاتفاق على أن يرافق أمه، في جوف المركبة، تاركتين للمستر رادل حماية الآخرين.

وقال جاكسن حين همت مسز باردل بدخول المركبة، وهو يتطلع إلى الرجل حامل العصا المصنوعة من خشب الدردار، وكان قد اتخذ مجلسه فوق مقعدها وراح يدخن لفافة كبيرة: «إيزك.»

وأجاب هذا قائلًا: «نعم!»

قال: «هذه هي مسز باردل!»

وأجاب الرجل: «أوه، إني أعرف ذلك منذ وقت طويل.»

ودخلت مسز باردل المركبة، ودخل المستر جاكسن في أثرها، فانطلقت بهم، ولم تستطع مسز باردل أن تحاجز نفسها عن التفكير فيما قاله صديق المستر جاكسن، وقالت مناجية: «يا لأولئك المحامين من مخلوقات دهاة! يا عجبًا، إنهم ليهتدون إلى الناس أينما كانوا!»

وأنشأ جاكسن يقول حين تبين له أن مسز كلبنز ومسز ساندرز قد غلبهما النعاس: «إن مسألة أتعاب محامينا أمر محزن، أليس كذلك؟ أقصد الأتعاب التي يطلبانها منك.»

وأجابت مسز باردل: «إنه ليحزنني أنهما لا يستطيعان الحصول عليها، ولكن إذا كان المحامون يقبلون قضايا كهذه على سبيل المغامرة، فأحرى عليهم أن يتوقعوا الخسارة بين حين وآخر كما لا يخفى عليك.»

وقال جاكسن: «ولكني أعلم أنك أعطيتهما إقرارًا بمبلغ الأتعاب المطلوبة منك، عقب الحكم في القضية.»

قالت: «نعم، لمجرد الشكليات ليس إلا.»

وأجاب جاكسن بفتور: «بلا شك، مسألة شكليات، شكليات محضة.»

وانطلقت المركبة بهم، واستولى النعاس على مسز باردل، وأفاقت بعد فترة من الوقت، عندما وقفت المركبة بهم.

قالت: «يا للعجب! هل نحن في محكمة فريمن؟»

وأجاب جاكسن: «لسنا ذاهبين إلى هذا الحد، تفضلي بالنزول.»

وامتثلت مسز باردل، وإن لم تفق تمامًا من النعاس، وكان الموضع غريبًا عنها، جدار شاهق، وباب في وسطه، وقنديل زيت يضيء في الداخل.

وصاح الرجل ذو العصا وهو ينظر إلى جوف المركبة، ويهز مسز ساندرز لتفيق من النوم: «والآن أيتها السيدات، هيا.» وراحت مسز ساندرز توقظ صديقتها وتنزل من المركبة، بينما استندت مسز باردل إلى ذراع جاكسن، وتناولت تمي بيدها، ودخلت من الباب، والآخرون في أثرها.

وكانت الغرفة التي عرجوا عليها أعجب شكلًا من الباب ذاته، فقد رأوا خلقًا كثيرًا وقوفًا في أرجائها، وهم محملقو الأبصار من العجب!

ووقفت مسز باردل وأنشأت تسأل قائلة: «أي مكان هذا؟»

وأجاب جاكسن وهو يدفع بها في عجلة لتدخل من الباب، وينظر خلفه ليستوثق من أن النساء الأخريات يتبعنها: إنه ليس إلا مكتبًا من المكاتب الحكومية. كن يقظًا يا إيزك!»

وأجاب الرجل ذو العصا المصنوعة من شجر الدردار: «اطمئن فكل شيء على ما يرام.»

ودار الباب بشدة في أثرهم ومضوا يهبطون بضع مدارج.

وقال جاكسن وهو يتلفت حوله في سرور بالغ: «ها نحن أولاء قد وصلنا أخيرًا بسلام وأمان يا مسز باردل.»

وقالت مسز باردل بقلب خافق: «ماذا تعني؟»

وأجاب جاكسن، وهو ينتحي بها جانبًا: «أعني هذا، لا تخافي يا مسز باردل، فليس في العالم كله رجل أرق حاشية من ددسن يا سيدتي، ولا أكثر إنسانية من فج، ولكن كان من واجبهما، من الناحية العملية أن ينفذا عليك الحكم نظير أتعابهما، وقد عنيا عناية خاصة بمراعاة شعورك قدر إمكانهما، وأكبر ظني أنك مرتاحة إلى هذا الإجراء الذي تم اتخاذه إذا فكرت في الأمر مليًّا. هذا هو سجن فليت يا سيدتي، أتمنى لك ليلة طيبة يا مسز باردل، طاب ليلك يا تمي!»

وفيما كان جاكسن ينطلق مسرعًا مع الرجل ذي العصا المصنوعة من خشب الدردار إذ تقدم رجل آخر يحمل مفتاحًا في يده، وكان من قبل واقفًا يشاهد هذا المنظر، وتقدم إلى المرأة الذاهلة، فمشى بها إلى درج قصير آخر يفضي إلى باب، فلم تلبث مسز باردل أن أطلقت صراخًا شديدًا، وزأر تمي زئيرًا، وانزوت مسز كلبنز رعبًا، وانطلقت مسز ساندرز لا تلوي على شيء، فقد بدا المستر بكوك الذي لحقه الأذى واقفًا حيالهما، يتنسم الهواء كعادته كل ليلة، ووقف بجانبه صمويل ولر، وما كاد هذا يبصر مسز باردل حتى رفع قبعته باحترام ساخر، بينما تولى سيده معرضًا في غضب ظاهر.

وقال السجان لولر: «لا تضايق المرأة، إنها قدمت اللحظة فقط.»

وقال سام وهو يعيد بسرعة قبعته إلى رأسه: «أسجينة هي؟ ومن الشاكي؟ ومم الشكوى؟ تكلم يا صاح.»

وأجاب الرجل: «ددسن وفج، تنفيذ إقرار بالأتعاب.»

وصاح سام وهو يندفع في الممر: «يا جب، يا جب! اذهب مسرعًا إلى المستر بركر يا جب، إنني بحاجة إليه حالًا، فإني أرى خيرًا في هذا ونفعا، هذا فصل بديع، ولكن أين المعلم؟»

ولكنه لم يتلق جوابًا، فقد انطلق جب كمن به جنة، بمجرد تلقيه هذه المهمة، بينما انتابت مسز باردل إغماءة حقيقية صادقة في هذه المرة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١