الفصل الخمسون

كيف بادر المستر بكوك إلى تأدية مهمته، وكيف عززه من البداية مساعد لم يكن في الحسبان مطلقًا؟

***

وأعدت الخيل في الموعد المضروب، وهو الساعة التاسعة إلا ربعًا من صباح اليوم التالي، واتخذ كل من المستر بكوك وسام ولر مقعده من المركبة، فجلس أولهما في جوفها، والآخر في خارجها، وأمر السائق بالذهاب أولًا إلى مسكن المستر بب سوير، لاصطحاب المستر بنجمين ألن.

ولم تكن دهشة المستر بكوك قليلة حين وقفت المركبة بالباب ذي المصباح الأحمر المنقوش عليه بأحرف واضحة «سوير-نوكمورف سابقًا» فشهد، وهو يطل برأسه من النافذة، ذلك الغلام ذا الحلة السوداء منهمكًا في إيصاد الباب، على غير المألوف في تلك الساعة من الصباح، فلم يلبث أن استخلص من هذا المشهد أمرًا من اثنين، فإما أن صديقًا مريضًا من أصدقاء المستر بب سوير قضى نحبه، وإما أن المستر بب سوير نفسه قد أفلس.

وقال المستر بكوك للغلام: «ما الذي جرى؟»

وأجاب الغلام وقد مط فمه حتى امتد بعرض وجهه: «لا شيء يا سيدي.»

وانثنى المستر بب سوير يقول وقد ظهر فجأة لدى الباب يحمل حقيبة صغيرة من الجلد قذرة بالية بإحدى يديه، ويضع فوق ذراعه معطفًا خشنًا وملفعة: «لا بأس! إنني ذاهب يا صاح!»

وصاح المستر بكوك: «أنت!»

وأجاب بب سوير: «نعم، وسنجعل منها تجريدة منظمة، وأنت يا سام! ترقب وانتظر! وبعد أن استرعى أنظار المستر ولر على هذا النحو المختصر، دفع بالحقيبة الجلد في العربة وتولى سام في الحال تحريكها حتى استقرت تحته، وهو ينظر إلى ما يجري بإعجاب شديد. وحاول المستر بب سوير بعد ذلك الدخول بمساعدة الغلام في معطفه الخشن، وحشر نفسه فيه حشرًا؛ لأنه كان ضيقًا عليه نوعًا ما، ثم تقدم إلى نافذة المركبة، وأدخل رأسه من خلالها، وانثنى يرسل ضحكات صاخبة.»

وقال وهو يسمح دموعه بأحد كميه: «يا لها من بداية! أليس كذلك؟»

وقال المستر بكوك بشيء من الارتباك: «يا سيدي العزيز، لم تكن لدي أية فكرة عن مرافقتك لنا.»

وأجاب بب وهو يمسك المستر بكوك من عروة ردائه: «نعم، وهذا هو الشيء الطريف فيها، هذه هي النكتة!»

وقال المستر بكوك: «آه! النكتة؟»

ومضى بب سوير يقول: «نعم، بطبيعة الحال، هذا هو لب الموضوع، وصميمه كما ترى؛ لأترك العمل يعنى بنفسه ما دام قد صمم على ألا يعنى بي.» وبهذا الشرح لسر إغلاق المحل، راح المستر بب سوير يشير إليه، ويعاود نوبة الضحك المصطخب.

وقال المستر بكوك بلهجة جد شديدة: «يا عجبًا! ما أحسبك بلا شك من الجنون بحيث تترك مرضاك بلا أحد يعنى بهم.»

وأجاب بب: «ولم لا؟ ما دمت سأوفر بهذه الوسيلة، فليس من بينهم أحد يدفع أبدًا.» وفضلًا عن هذا — وهنا غض من صوته حتى جعله مخافتة بسر — «لن يضاروا بهذا الغياب في شيء؛ لأن الأدوية كادت تنفذ، ولست قادرًا على زيادة حسابي في الحالة الراهنة، وكنت سأضطر إلى إعطائهم «كلوميل»١ على طول الخط، وكان من المؤكد أنه سوف لا يناسب فريقًا منهم، المسألة إذن سليمة من كل وجه.»

وكانت هذه فلسفة، وقوة منطق في ذلك الرد، لم يكن المستر بكوك يتوقعهما، فسكت لحظة ثم أردف يقول بلهجة أقل جدًّا من قبل: «ولكن هذه المركبة يا صديقي العزيز لا تتسع إلا لاثنين، وأنا مرتبط مع المستر ألن.»

وأجاب بب: «لا تحمل همي مطلقًا، فقد رتبت كل شيء، فسأقاسم سام المقعد بيننا، انظر إن هذا الإعلان الصغير سيلصق على باب المحل وقد كتب فيه: سوير-نوكمورف سابقًا! الاستعلامات تطلب من مسز كربس الساكنة على الناصية. وهذه السيدة هي أم غلامي، وقد أوصيتها أن تقول إذا سئلت عني: إن المستر سوير متأسف كل الأسف، فقد اضطر في الصباح الباكر إلى الذهاب للاشتراك في استشارة مع أكبر الجراحين في البلاد؛ لأنهم لم يستطيعوا الاستغناء عنه، وأصروا على دعوته مهما كلفتهم؛ لأن الحالة تستوجب إجراء جراحة ضخمة.» ومضى بب يختم شرحه قائلًا: «والحقيقة إذن أن غيبتي ستنفعني أكثر مما تضرني، وإذا وصلت إلى الصحف، كانت سببًا في ثرائي وعلو شأني، ها هو ذا بن! هيا اقفز إلى المركبة!»

وبهذه الكلمات السريعة راح المستر بب سوير يدفع السائق جانبًا، ويعاون صديقه على الدخول، ويغلق الباب، ويرفع السلم، ويلصق الإعلان بباب الحانوت، ثم يغلقه ويضع المفتاح في جيبه، ويثب فوق المقعد، ويصدر الأمر بالمسير، وكل ذلك في سرعة بالغة غير مألوفة، فلم يتسع الوقت أمام المستر بكوك لأن يفكر هل ينبغي للمستر بب سوير الذهاب معهما أو لا؛ لأن المركبة انطلقت، وقد أصبح المستر بب سوير فعلًا شريكًا في الرحلة، بل جزءًا منها لا يتجزأ.

ولبث بب الماجن واضعًا منظاره الأخضر الذي يلازمه في المهنة، على عينيه، حريصًا على الهدوء والجد والوقار، لا ينطق إلا بنكات «شفوية» لإضحاك المستر صمويل ولر وحده وتسليته. عندما انطلقت المركبة تخترق شوارع برستل ودروبها، ولكن ما كادت تجاوز بهم المدينة إلا الخلاء حتى خلع عنه منظاره، ووقاره كذلك، وانثنى يؤدي أنواعًا منوعة من الدعابات والأمازيح العملية، يرمي بها إلى اجتذاب أنظار السابلة، ويجعل المركبة ومن حوت باعث عجب بالغ، ومدعاة دهشة غير عادية، وكان من بين هذه الحركات التي جعل يؤديها، أو قل أقلها ظهورًا؛ تقليده صوت «بوق» شديد الدوي، مستطيل النفير واصطناع راية خفاقة من منديل حريري أحمر ربطه بعصا. وجعلها ترفرف في الفضاء بين حين وآخر، مشفوعة منه بحركات وإشارات تنم عن الجرأة المتناهية والتحدي التام.

وقال المستر بكوك، وقد وقف عن الكلام في وسط حديث هادئ رزين مع «بن آلن» جعل يشير فيه إلى عديد سجايا المستر ونكل ومواهب شقيقته: «يا للعجب، ما الذي يجعل كل الذين نمر بهم يحملقون فينا أبصارهم على هذه الصورة؟»

وأجاب بن آلن بشيء من الاعتزاز والفخار: «حسن منظرنا؛ لأنهم لم يألفوا رؤية هذا المظهر الرائع في كل يوم.»

وقال المستر بكوك: «جائز، قد يكون الأمر كذلك.»

وأكبر الظن أن المستر بكوك كان سيمضي في محاولة إقناع نفسه بأن الأمر حقًّا كذلك، لو لم تحن منه في تلك اللحظة نظرة من النافذة، فيتبين له منها أن نظرات المارة إنما تنم عن شيء أبعد ما يكون عن الدهشة الهادئة، وأن هناك إشارات برقية كثيرة تتبادل بينهم وبين أشخاص خارج المركبة، وخطر له عندئذ أن تلك الإشارات قد تكون إلى حد ما ذات صلة بشكل المستر بب سوير المضحك.

وقال المستر بكوك: «أرجو ألا يكون صاحبنا الممراح سمعنا في عبثه ونزقه فوق المقعد الخلفي.»

فأجاب بن آلن: «كلا، يا عزيزي كلا، إن بب أهدأ إنسان على وجه الأرض، إلا حين تستثار حماسته.»

وهنا طرق سمعهما صوت بوق مستطيل أو شبيهه، تلته هتافات وصيحات، بدت كأنها منبعثة من حلق أهدأ إنسان على وجه الأرض ومن رئتيه، أو بصريح القول، من المستر بب سوير نفسه.

وتبادل المستر بكوك والمستر بن ألن نظرات بليغة الدلالة، وخلع أولهما قبعته وأطل من النافذة حتى كاد يخرج منها إلى خاصرته، وتمكن أخيرًا من إلقاء نظرة على صديقه العابث الماجن.

وكان المستر بب سوير جالسًا، لا فوق المقعد الخلفي، بل فوق سطح المركبة، منفرج الساقين على آخر انفراجهما، واضعًا قبعة المستر صمويل ولر على جانب من رأسه، وحاملًا بإحدى يديه قطعة ضخمة من الشطائر وفي الأخرى زجاجة متوسطة الحجم، وهو مقبل على الطعام والشراب بشهوة شديدة، وكان يُدخل أحيانًا على هذا المنظر شيئًا من التنويع لنفي الملالة بإطلاق زمجرة بين الفينة والفينة، أو تبادل مداعبات لطيفة مع أي غريب مار من الطريق، وكان العلم القرمزي مربوطًا بإحكام بقضيب المقعد الخلفي، بينما راح المستر صمويل ولر وهو متجمل بقبعة بب سوير، جالس في الوسط، «يفحص»٢ شطيرة مثلها، بإقبال ونشاط، وتدل سحنته على رضا تام عن هذه الحركات والتصرفات.

وكان هذا كافيًا لإثارة غضب رجل يحرص على آداب اللياقة والكرامة كالمستر بكوك، ولكن ذلك لم يكن وحده العامل المثير للاستياء، فقد مرت بهم في تلك اللحظة مركبة ملأى بالمسافرين في الداخل والخارج، وكانت دهشتهم لهذا المشهد جلية واضحة، كما كانت تهاني أسرة أيرلندية ظلت محاذية المركبة وهتافات أصحابها المستمرة، صاخبة مدوية، ولا سيما عميدها، فقد بدا كأنما اعتقد أن هذه الحركات جزء من موكب سياسي في فرح أو اغتباط بنصر مبين.

وصاح المستر بكوك وهو في هياج شديد: «يا مستر سوير، يا مستر سوير.»

وأجاب ذلك السيد وهو يطل من جانب المركبة بكل ما في العالم من هدوء: «نعم!»

وقال المستر بكوك: «هل جننت يا سيدي؟»

وأجاب بب: «كلا، ليس لدي ذرة من الجنون، ولكني فرح مسرور.»

وصاح المستر بكوك بعجب: «فرح مسرور! يا سيدي أنزل هذا المنديل الأحمر المعيب من فضلك، إنني مصر يا سيدي، أنزله قلت لك.»

وقبل أن يتدخل سام، أسرع المستر بب سوير فأنزل بكل رشاقة ذلك العلم فوضعه في جيبه وأومأ بأدب إلى المستر بكوك، ومسح فم الزجاجة ثم رفعها إلى شفتيه، ليقول بغير حاجة إلى الكلام إنه خصص هذه الرشفة من الشراب ليتمنى له غاية السعادة والرفاهية، ثم أعاد السداد بكل عناية إلى فم الزجاجة وأطل برفق على المستر بكوك وأخذ قضمة من الشطيرة وهو يبتسم.

وقال المستر بكوك، ولم يكن غضبه العارض مانعًا له من التأثر بهدوء بب وامتلاكه سكينة نفسه: «أرجوك أن تكف عن هذا العبث.»

وقال بب وهو يعود إلى تبادل القبعتين مع المستر ولر: «لا، لا، لم أكن أقصد أن أفعل ذلك، ولكني شعرت بابتهاج شديد من هذه المركبة فلم أتمالك إرادتي.»

وقال المستر بكوك: «فكر في منظرنا هذا، واحرص ولو قليلًا على المظاهر.»

وأجاب بب: «آه، بلا شك، هذا أمر لا يليق فعلًا، انتهى يا سيدي.»

واطمأن المستر بكوك لهذا التوكيد، فأدخل رأسه ورفع زجاج النافذة، وما كاد يستأنف الحديث الذي قطعه عليه المستر بب سوير، حتى أجفل قليلًا من ظهور شيء صغير أسود اللون مستطيل الشكل خارج زجاج المركبة، جعل يدق عليه دقات متوالية، كأنما هو في لهفة على الدخول.

وصاح المستر بكوك: «ما هذا؟»

وقال المستر بن ألن وهو ينظر إلى ذلك الشيء من خلال منظاره باهتمام: «إنه يبدو كزجاجة وأحسبها لبب.»

وكان هذا الظن صادقًا، فقد عمد بب إلى الزجاجة فربطها في طرف العصا وراح يدق زجاج النافذة بها مبديًا بهذه الحركة رغبته في إشراك صديقيه الجالسين في جوف المركبة في الشرب منها، رعاية للرفقة، وحرصًا على الانسجام العام.

وقال المستر بكوك وهو ينظر إلى الزجاجة: «ما العمل؟ إن هذه الفعلة أكثر عبثًا ونزقًا من الأخرى.»

وأجاب المستر بن ألن: «أظن أن أحسن شيء هو أن نأخذها، انتقامًا منه وتشفيًا فيه، أليس كذلك؟»

وقال المستر بكوك: «هو كذلك، هل أجذبها؟»

وأجاب بب: «أعتقد أن هذا هو أنسب إجراء يمكن أن نتخذه.»

وكان هذا الرأي متفقًا ورأي المستر بكوك تمامًا، فأنزل زجاج النافذة برفق، ونزع الزجاجة من العصا، وسحبت هذه إلى أعلى، وسمع صوت المستر بب سوير وهو يرسل ضحكة مجلجلة من أعماق قلبه.

وقال المستر بكوك وهو يلتفت إلى رفيقه والزجاجة في يده: «ما أشد مجون هذا الكلب!»

وأجاب المستر ألن: «هو كذلك فعلًا.»

وقال المستر بكوك: «ولا يستطيع الإنسان أن يغضب منه.»

وأجاب بنجمن ألن: «هذا مستحيل.»

وكان المستر بكوك خلال تبادل العواطف على هذا النحو قد نزع السداد وهو شارد الخاطر وفتح الزجاجة.

وسأل بن ألن بغير اكتراث: «ما نوع الشراب الذي تحويه؟»

وأجاب المستر بكوك بغير اكتراث مماثل: «لا أدري، إنه شراب تشتم منه على ما أظن رائحة بنتش باللبن.»

قال بن: «أحقًّا؟»

وأجاب المستر بكوك دون أن يجزم برأي ثابت تحفظًا وحرصًا مخافة أن يكون مخطئًا: «أظن أنه كذلك، ولكن لا تنس أنني لا أستطيع أن أقول جازمًا قبل أن أذوقه.»

وقال بن: «يحسن أن تفعل، فلا بأس من أن نعرف نحن أيضًا ما هو.»

وأجاب المستر بكوك: «هل تظن ذلك؟ فليكن، وما دمت تريد أن تعرف، فلا مانع عندي طبعًا.»

وبادر المستر بكوك وهو الذي يرغب على الدوام في التضحية بشعوره تحقيقًا لرغبة صاحبه، كشيمته أبدًا وديدنه، إلى أخذ رشفة طيبة منه ليتذوق ما في الزجاجة.

وقال بن ألن وهو يعاجله في شيء من القلق ونفاد الصبر: «ما هو؟»

وأجاب المستر بكوك وهو يلعق شفتيه: «غريب، لا أكاد أعرف من رشفة واحدة»، وهنا تمهل لحظة ثم عاد بعد رشفة أخرى يقول: «أي نعم إنه بنتش فعلًا.»

وتبادلا النظرات، وابتسم المستر بن ألن، ولكن المستر بكوك لم يبتسم، وقال هذا بشيء من القسوة: «إذا نحن لم ندع فيها قطرة واحدة، فإنه يستحق منا هذا الجزاء.»

وأجاب بن ألن: «هذا هو عين ما خطر لي.»

وقال المستر بكوك: «أحقًّا؟ إذن هأنذا أشرب في صحته»، وأقبل هذا السيد البديع على الزجاجة فجذب منها جذبة طيبة، وناولها لبن ألن، فلم يتردد هذا في احتذاء حذوه، وهنا أصبحت الابتسامات متبادلة وأخذ البنتش الممزوج باللبن يجترع شيئًا فشيئًا حتى الثمالة.

وقال المستر بكوك وهو يصفي آخر قطرة: «إن نكاته ودعاباته في الحقيقة مسلية جدًّا، وهي على كل حال لطيفة للغاية.»

وأجاب المستر بن ألن: «إنك محق.» وشرع يدلل على أن المستر بب سوير من أظرف الناس في العالم وأبرعهم دعابة بتشنيف سمع المستر بكوك ببيان مسهب معزز بالأمثلة، يقص فيه كيف شرب حتى وردته الحمى من فرط السكر فحلق شعر رأسه وكاد يمضي في سرد ماضيه اللطيف الحافل بالمجانة، لولا أن وقفت بهم المركبة بباب فندق «بل» في باركلي هيث لتغيير الخيل.

وقال بب وهو يطل عليهما من النافذة: «أريد أن أقول: هل سنتغدى هنا؟»

وقال المستر بكوك: «نتغدى! كيف هذا ونحن لم نقطع سوى تسعة عشر ميلًا وأمامنا سبعة وثمانون ونصف أخرى.»

وقال المستر بب سوير: «وهذا سبب يقتضي تناول شيء يعيننا على احتمال التعب.»

وأجاب المستر بكوك وهو ينظر إلى ساعته: «آه، مستحيل أن نتغدى في منتصف الساعة الثانية عشرة صباحًا.»

وقال بب: «ليكن شيئًا نصطبر به، فهو الشيء المطلوب تمامًا. يا هذا! طعام خفيف لثلاثة أشخاص في الحال، واحجز الخيل ربع ساعة، قل لهم أن يضعوا كل ما لديهم من اللحوم الباردة، على المائدة، وزجاجة من الجعة، ودعنا نذق أحسن ما عندكم من نبيذ الماديرا.» وبعد أن أصدر المستر بب سوير هذه الأوامر بكل عظمة وضجة ونشاط أسرع إلى داخل الفندق ليشرف على التدابير، ولم تنقض بضع دقائق حتى عاد وأعلن أن كل شيء على غاية ما يرام.

وكان الطعام في الواقع أقوى مبرر لذلك الثناء المستطاب الذي أبداه بب فأقبلوا عليه يؤدون له حقه من الإنصاف، ولم يقتصر ذلك على بب سوير بل شمل المستر بن ألن والمستر بكوك على السواء، وراحوا جميعًا يأتون بسرعة على زجاجة الجعة والنبيذ، ثم عادوا بعد أن أسرجت الخيل إلى مقاعدهم، وقد ملأوا الزجاجة القديمة بخير بديل من البنتش باللبن الذي كان فيها، على قصر الوقت الذي أعدت فيه، وأطلق بب سوير «البوق»، ورفع العلم الأحمر، دون أن يجد من المستر بكوك في هذه المرة أقل اعتراض.

وأمام فندق «هب بول» في «توكسبوري» وقفت المركبة بهم ونزلوا لتناول الغداء. فجيء إليهم بمزيد من الجعة المعبأة في الزجاج وقدر أوفر من «الماديرا» إلى جانب شيء من البورت، وهنا ملئت الزجاجة السوداء للمرة الرابعة، ولبث المستر بكوك والمستر بن ألن في سبات عميق من أثر تلك الأشربة مجتمعة، مسافة ثلاثين ميلًا، بينما راح بب والمستر ولر فوق المقعد الخلفي يغنيان.

وكان الظلام قد غمر الأفق حين غالب المستر بكوك النوم، وتمكن من الإطلال من النافذة، فإذا الأكواخ القائمة على جانب الطريق، والسواد الذي يغمر كل شيء تستطاع رؤيته على عتمة الغسق وفحمة الأفق، والدروب المليئة بالرماد والفحم الرجيع وتراب الطوب، ووهج الأفران من مكان بعيد، وذوائب الدخان الكثيفة، المنبعثة من شواهق المداخن، الحاجبة كل ما حولها من الأشياء، ووميض الأنوار النائية، والمركبات الموسوقة وهي تسير وئيدة، رازحة تحت أحمالها الثقال من أسياخ الحديد وهي تهتز وتتلاقى فتحدث صليلًا ظاهرًا، وأعبائها المكدسة من السلع والبضائع الضخمة، كل هذه تنم عن سرعة المقترب من المصانع الكبرى التي تملأ جنبات مدينة برمنجهام المشهورة.

وفيما كانت المركبة تجلجل بهم خلال الدروب الضيقة المؤدية إلى قلب تلك المدينة العاجة الشديدة الضوضاء، بدت مشاهد العمل وأصواته ومناظره أشد وطأة على الحواس، وأكثر طغيانًا على المشاعر، وتراءت الشوارع مزدحمة بالصناع والعمال، وترددت أصدية الكد والكدح في كل مكان، وسطعت الأضواء من النوافذ الطوال في الطباق العالية، وراحت أصوات الآلات والعجلات تهز الجدران هزًّا، وبدت النيران، التي كان لهيبها الممتقع الباهت يلوح للعين من أميال بعيدة، متوهجة مضطرمة في مصانع المدينة ومعاملها المترامية المدى، وكانت أصوات المطارق والأبخرة المتصاعدة، وجلجلة الآلات الثقال والمحركات الضخمة هي الموسيقى المنبعثة من كل ناحية ذاهبة أنغامها المصطخبة في أجواز الفضاء.

وكان السائق يمرق بالمركبة من خلال الشوارع المفتوحة، وقبالة الحوانيت الجميلة الساطعة الأضواء، القائمة بين أرباض المدينة وبين فندق «أولد رويال»، قبل أن يبدأ المستر بكوك يفكر في المهمة الدقيقة الشاقة التي حملته إلى ذلك المكان.

ولم يكن مجيء المستر بب سوير من تلقاء نفسه مخففًا من مشقة المهمة ودقتها في شيء، والحق يقال: إن المستر بكوك أحس أن صحبته لهما في هذه الرحلة، على ما فيها من لطف ومسرة لم تكن شرفًا يسره التماسه، بل الواقع أنه كان مرتضيًا أن يدفع بسرور قدرًا كبيرًا من المال في سبيل إبعاد المستر بب سوير بغير إبطاء إلى أي مكان لا تقل المسافة بينه وبين هذه المدينة عن خمسين ميلًا.

ولم يكن قد سبق للمستر بكوك الاتصال شخصيًّا بالمستر ونكل الكبير، وإن كان قد راسله مرة أو مرتين بالبريد، وكانت ردوده هو مرضية على أسئلته بشأن أخلاق ابنه وسلوكه، فلا عجب إذا هو شعر باضطراب؛ لأن لقاءه لأول مرة مصطحبًا بب سوير وبن ألن، وهما سكرانان إلى حد ما لم يكن أصلح ولا أرجح وسيلة يصح أن يتوسل بها لكي يظفر بتقديره واستمالته إليه.

وقال المستر بكوك وهو يحاول إعادة الطمأنينة إلى خاطره: «ولكن من المحتم أن أبذل أقصى جهدي، ولا بد لي من لقائه الليلة؛ لأني وعدته بذلك، وإني لبار بموعدي، فإذا أصرا على مصاحبتي، فلأجعلن الحديث موجزًا ما استطعت، ولأقنعن بالأمل في تحاميهما تعريض نفسيهما للفضيحة والمعاب لمصلحتهما هما نفسهما.»

وفيما كان يناجي النفس بهذه الأفكار وأمثالها، وقفت المركبة بباب فندق «أولد رويال»، وبعد أن استيقظ بن ألن قليلًا من نوم مذهل عميق وتولى المستر صمويل ولر سحبه من طوقه، نزل المستر بكوك من المركبة، وتقدم غلام في الفندق بهم إلى حجرات مريحة، وبادر المستر بكوك إلى سؤال الغلام عن مقر المستر ونكل.

وأجاب الغلام قائلًا: «قريب منا يا سيدي، لا يبعد أكثر من خمسمائة ياردة. إن المستر ونكل «ناظر الرصيف» يا سيدي، رصيف القناة يا سيدي، وداره لا تبعد، نعم يا سيدي لا تبعد، أكثر من خمسمائة ياردة يا سيدي»، وهنا أطفأ الغلام شمعة وتظاهر بإضاءتها مرة أخرى؛ لكي يهيئ للمستر بكوك الفرصة لتوجيه أية أسئلة أخرى إذا شاء.

وقال الغلام وهو يشعل الشمعة حين يئس من صمت المستر بكوك: «هل تأمرون بشيء الآن يا سيدي؟ قهوة أو شاي يا سيدي، غداء يا سيدي؟»

– «لا شيء الآن.»

– «جميل جدًّا يا سيدي، هل تحب أن تأمر بإعداد عشاء يا سيدي؟»

– «لا شيء في هذه اللحظة.»

– «جميل جدًّا يا سيدي.»

ومشى الغلام برفق إلى الباب، ولكنه وقف ثم استدار وقال بلطف بالغ: «هل أرسل الوصيفة المكلفة بحجرات النوم أيها السادة؟»

وأجاب المستر بكوك: «افعل إذا أحببت.»

وقال الغلام: «بل إذا أحببت أنت يا سيدي.»

وقال بب سوير: «وأحضر قليلًا من ماء الصودا.»

وقال الغلام: «ماء الصودا يا سيدي؟ سمعًا وطاعةً يا سيدي»، وما لبث الخادم أن توارى منصرفًا، كأنه قد أزيح عنه عبء ثقيل كان يشغله، حين تلقى أخيرًا أمرًا بإحضار شيء ما، وإذا قلنا: توارى فلا عجب؛ لأن المعروف عن غلمان الفنادق أنهم لا يمشون، ولا يجرون بل إن لهم مقدرة خاصة، لم يؤتها أحد من الناس، وهي الاختفاء عن العين، والتسلل قبل أن يشعر بهم مخلوق.

وظهر شيء من أعراض النشاط والإفاقة من النوم على المستر بن ألن عقب تناول الصودا وقبل إلحاح صاحبيه عليه في وجوب غسل وجهه ويديه، وقيام سام بتنفيض ثوبه، وبعد أن فرغ المستر بكوك وبب سوير أيضًا من إصلاح ما أفسدته الرحلة من هندامهما، انطلق الثلاثة ذراعًا لذراع إلى دار المستر ونكل، وقد مضى بب سوير يعبق الجو بدخان التبغ وهو ذاهب في سبيله.

وكانت دار المستر ونكل على مسيرة ربع ميل من الفندق، في شارع كبير، وهي دار مشيدة بالطوب الأحمر ذات ثلاث مدارج بالقرميد، وعلى الباب لوح نحاسي تشع منه بأحرف كبار كلمتان، وهما «المستر ونكل»، ويبدو رخام السلم ناصع البياض، والطوب الأحمر قاني الحمرة ويلوح البيت نظيفًا آية في النظافة، وهنا وقف المستر بكوك، والمستر بنجمن ألن، والمستر بب سوير، على دقة العاشرة.

وجاءت خادم رشيقة على طرق الباب تفتحه فأجفلت حين أبصرت أولئك الثلاثة الغرباء.

وسألها المستر بكوك: «هل المستر ونكل هنا يا عزيزتي؟»

وأجابت الفتاة: «إنه اللحظة يهم بتناول العشاء يا سيدي.»

وقال المستر بكوك: «خذي من فضلك هذه البطاقة إليه، ونبئيه أنني آسف لإزعاجه في هذه الساعة المتأخرة، ولكني متلهف على لقائه الليلة ولم أصل إلى المدينة إلا منذ لحظة.»

ونظرت الفتاة إلى بب سوير مستحيية متهيبة؛ لأنه راح يبدي إعجابه بمفاتنها بعدة حركات وإشارات عجيبة، ويلقي نظرة على القبعات والمعاطف المعلقة في الردهة، ونادت خادمًا أخرى لتحرس الباب، ريثما تصعد هي إلى الطبقة العليا من البيت، ولم تلبث الحارسة أن أعفيت من الحراسة؛ لأن الفتاة عادت على الأثر، واستسمحت السادة لتركهم وقوفًا في الطريق، وتقدمتهم إلى غرفة خلفية مفروشة الأديم تبدو وسطًا بين غرفة مكتب وبين غرفة ثياب، كان أنفع ما فيها وأجمل رياشًا منضدة، ومغسلًا، ومرآة للحلاقة، ورفًّا للأحذية، ومقلعًا لها، وكرسيًّا عاليًا، وأربعة مقاعد، ومنضدة، وساعة جدار قديمة تملأ كل ثمانية أيام، وفوق رف المصطلى أبواب خزانة حديدية غائرة، وتزدان الجدران برفين للكتب، والتقويم، وعدة ملفات من أوراق علاها الغبار.

وقالت الخادم وهي تشعل مصباحًا وتبتسم ابتسامة جذابة للمستر بكوك: «آسفة أشد الأسف لترككم وقوفًا بالباب يا سيدي، ولكني لم أكن أعرفكم، وفي المدينة خلق كثير من الشرد الهيم لا يجيئون إلا ليروا ما في إمكانهم أن يضعوا أيديهم عليه حتى لقد …»

وعاجلها المستر بكوك قائلًا بلطف: «لا داعي مطلقًا لأي اعتذار يا عزيزتي.»

وقال بب سوير مداعبًا وهو يبسط ذراعيه ويطفر من جانب إلى آخر، كأنما يريد أن يمنع الفتاة من الخروج: «لا موجب لأقل اعتذار يا عزيزتي.»

ولكن هذا التلطف الشديد لم يلن مطلقًا من جد الفتاة؛ لأنها أبدت في الحال رأيها في المستر بب سوير، قائلة: إنه «مخلوق شنيع»، وحين أمعن في المغازلة وألح، راحت تطبع أناملها الحسان في وجهه خدشًا، وقفزت من الغرفة قفزًا، وانصرفت وهي تشبعه مقتًا واحتقارًا.

وما أن حُرم المستر بب سوير من محضر الفتاة، حتى انثنى يتلهى بفتح الدرج ورؤية ما فيه، والبحث في قماطر المائدة، والتظاهر بأنه يحاول فتح الخزانة، ويعبث بالتقويم فيجعل وجهه إلى الجدار، ويجرب أحذية المستر ونكل الكبير فينتعلها فوق حذائه، وغير ذلك من مختلف صنوف العبث بكل ما في الغرفة من الأثاث، فكان ذلك كله يبعث في نفس المستر بكوك أشد الاستنكار والألم، ويثير في نفس المستر بب سوير ما يعدلهما من المرح والسرور.

وأخيرًا فتح الباب، ودخل الحجرة رجل نحيل كبير السن في حلة بنية اللون، وله رأس ووجه يبدوان مماثلين لرأس ونكل الصغير ووجهه إلا أنه كان أصلع الهامة، وكان يحمل بطاقة المستر بكوك بإحدى يديه، وماثلة من الفضة بالأخرى.

وقال المستر ونكل الكبير وهو يضع الماثلة ويبسط يده: «المستر بكوك، كيف حالك يا سيدي؟ أرجو أن تكون موفور العافية. يسرني لقاؤك، تفضل بالجلوس يا مستر بكوك، وهذا السيد هو …»

وعاجله المستر بكوك قائلًا: «صديقي المستر سوير، وصديق ابنك.»

وأجاب المستر ونكل الكبير، وهو ينظر إلى بب سوير نظرة عابسة: «أرجو أن تكون أنت بخير يا سيدي.»
figure
سفر مستر بب.

وأجاب بب سوير: «سالم يا سيدي كركيزة الحلة المثلثة الأرجل.»

وقال المستر بكوك: «وهذا السيد الآخر كما سترى بنفسك حين تقرأ الكتاب الذي وكلت في حمله إليك ذو صلة وثيقة، أو أولى بي أن أقول: إنه صديق حميم لولدك ويدعى ألن.»

وسأل المستر ونكل وهو يشير بالبطاقة إلى بن ألن، وكان النوم قد استولى عليه فلم يعد يبدو منه غير ظهره وطوق ردائه: «أتعني ذلك السيد؟»

وهم المستر بكوك بالرد على هذا السؤال وذكر اسم المستر بنجمن ألن كاملًا والتوسع في سرد مزايا، لولا أن عمد المستر بب سوير الماجن إلى تنبيه صاحبه من نومه إلى حرج الموقف، بعرك الجزء اللحمي من ذراعه عركًا شديدًا جعله يقفز صارخًا، ولم يكد يدرك فجأة أنه في حضرة غريب، حتى تقدم وراح يهز يد المستر ونكل هزة مودة شديدة بكلتا يديه نحو خمس دقائق، وهو يغمغم بكلمات متقطعة غير مفهومة، للتعبير عن سروره العظيم برؤيته، والسؤال بكرم وحفاوة هل يحب أن يتناول شيئًا بعد رياضته الطويل أم يفضل الانتظار إلى أوان العشاء.» وما كاد ينتهي من هذه الغمغمة حتى جلس وانثنى يتلفت حوله محملقًا ذاهلًا كأن ليس لديه أية فكرة عن المكان الذي هو فيه، والحق أن ذلك كان هو الواقع.

وكان ذلك كله مثارًا لارتباك المستر بكوك الشديد، ولا سيما بعد أن فطن إلى الدهشة الواضحة المعالم على وجه المستر ونكل الكبير، من هذا السلوك الشاذ — ولا نقول العجيب — الذي بدا من رفيقيه، ولكي ينهي الموقف في الحال، أخرج كتابًا من جيبه، وقدمه إلى المستر ونكل وهو يقول: «إن هذا الكتاب يا سيدي مرسل إليك من ولدك، وسترى من فحواه أن سعادته ورغده مرتهنان بعطفك الأبوي ورعايتك وحنانك. فهلا تفضلت علي فقرأته بكل هدوء وسكينة، وبحثت فيه بعدئذ معي بالروح والشعور اللذين يستحق الكتاب البحث فيه بهما. وإنك لتحكم بنفسك في مدى خطورة قرارك بالنسبة إلى ابنك، وشدة لهفته على معرفته، بقدومي عليك، بلا سابق إعلان، في هذه الساعة المتأخرة»، وهنا راح ينظر إلى رفيقيه نظرة عابرة، ثم أضاف قائلًا: «وفي هذه الظروف غير الملائمة.»

وبهذه المقدمة وضع المستر بكوك في يدي المستر ونكل الكبير الذي استولت عليه الدهشة إلى أقصى حد، أربع صفحات مكتوبة على ظاهرها وباطنها، ومستفيضة بأرق ما يكون التكفير، والتماس الصفح، والاستعطاف، ثم عاد إلى مجلسه، وطفق يرقب بلهفة حركة وجه الرجل واختلاجاته، وهو في لهفة حائرة في الواقع، ولكن براحة ضمير وطمأنينة سريرة، شأن الرجل الذي يشعر بأنه لم يفعل شيئًا يقتضي شفاعة أو يحتاج إلى اعتذار.

وقلب الشيخ ناظر الرصيف، الكتاب بين يديه وتطلع إلى ظاهره، وباطنه، وجانبيه، وتناول صورة الغلام البدين المرسوم على «الخاتم» بفحص دقيق، ورفع بصره إلى وجه المستر بكوك، ثم جلس فوق الكرسي الطويل، وقرب المصباح منه، وفض الغلاف، ونشر الكتاب، ورفعه إلى النور، وتهيأ للقراءة.

وفي تلك اللحظة بالذات، انثنى المستر بب سوير — وكان مجونه قد هدأ بضع دقائق — يضع يديه فوق ركبتيه ويؤدي حركات بوجهه، على نحو ما يفعل الماجنون والمهاذير، وصادف أن حانت نظرة من المستر ونكل من فوق حافة الخطاب، إلى المستر بب سوير نفسه، فكف عن القراءة، وذهب به الظن — وله العذر — أن تلك الحركات إنما أريد بها السخرية منه والهزؤ به، فحدج بب بنظرة عابسة متجهمة جعلت وجه ذلك العابث الماجن يعود شيئًا فشيئًا إلى اتخاذ سمات المذلة والاضطراب.

وقال المستر ونكل بعد صمت رهيب: «هل تكلمت يا سيدي؟»

وأجاب بب، ولم يعد على وجهه لذلك العبث أثر، سوى اشتداد احمرار خديه: «كلا يا سيدي.»

وعاد المستر ونكل يقول: «هل أنت متأكد يا سيدي أنك لم تتكلم؟»

وأجاب بب: «أي نعم يا سيدي كل التأكد.»

وقال الشيخ في لهجة توكيد وغضب: «لقد ظننتك قد تكلمت. ألعلك نظرت إلي يا سيدي؟»

وأجاب بب بأدب متناهٍ: «كلا يا سيدي، إطلاقًا.»

وقال المستر ونكل: «يسرني أن أسمع ذلك يا سيدي.»

وعاد الشيخ بعد أن تجهم لبب الذي انزوى خجلان مستحييًا، تجهمًا مقترنًا بترفع شديد، عاد إلى الكتاب فأدناه من النور، وبدأ يقرأه باهتمام.

ولبث المستر بكوك يحدق فيه مليًّا بعينه، حين انتهى من قراءة آخر سطر في ذيل الصفحة الأولى، وبدأ يطالع السطر الأول من الصفحة الثانية، ومنها آخر سطر في هذه الصفحة إلى أول سطر في الصفحة الثالثة، ومن آخر سطر في الصفحة الثالثة إلى أول سطر في الرابعة، فلم يدرك على وجهه أي تغير يمكن أن ينم عن خافية شعوره عند علمه بنبأ زواج ابنه، وكان المستر بكوك يعرف أن هذا النبأ وارد في بضعة الأسطر الأولى من ذلك الكتاب.

وقرأ الشيخ الكتاب إلى السطر الأخير، ثم طواه كما كان بكل ما يتصف به رجل الأعمال من حرص ودقة، وفي اللحظة التي كان المستر بكوك يتوقع فيها أن يشهد فورة شعور شديدة من الشيخ، انثنى هذا يغمس قلمًا في الدواة ويقول بكل هدوء كأنه يتحدث عن مسألة عادية محض: «ما عنوان نثنايل يا مستر بكوك؟»

وقال هذا: «فندق جورج والرخم في الوقت الحاضر.»

وأجاب الشيخ: «جورج والرخم، وأين ذاك؟»

– «جورج يارد شارع لومبارد.»

– «أفي المدينة هو؟»

– «نعم.»

ومضى الشيخ في رفق وسكون يكتب العنوان على ظهر الكتاب، ثم وضعه في الدرج وأغلقه، وقال وهو يهبط من الكرسي العالي ويدس مجموعة المفاتيح في جيبه: «أظن أن ليس ثمة شيء آخر يقتضي احتجازنا يا مستر بكوك؟»

وأجاب هذا السيد الودود العطوف في دهشة غاضبة: «لا شيء آخر يا سيدي العزيز. لا شيء آخر! إلا من رأي تبديه في هذا الحدث العظيم المتصل بحياة صديقنا الشاب؟ ألا من توكيد أحمله إليه، لاستمرار حبك له، ورعايتك لشأنه؟ ألا من شيء يقال له ليفرحه ويطمئنه، ويدخل السرور على فؤاد الفتاة المتلهفة التي تلتمس عنده الهناءة وتنشد العون؟ يا سيدي العزيز، فكر في الأمر وتدبر.»

وأجاب الشيخ: «سأفكر، ولكن ليس لدي الآن شيء أقوله. إنني رجل أعمال يا مستر بكوك، فليس من شأني مطلقًا التسرع في الالتزام بشيء في أي أمر من الأمور، ومما رأيته من هذا كله لا تروقني الظواهر، إن ألف جنيه ليست بالشيء الكثير يا مستر بكوك.»

وهنا تدخل بن ألن، وكان قد استيقظ في تلك اللحظة وعرف أنه قد أضاع الألف الجنيه التي كانت له بلا أقل جهد: «أنت على حق يا سيدي، أنت رجل ذكي فطن، يا بب إنه لرجل عليم خبير هذا!»

وقال المستر ونكل الكبير وهو ينظر بسخرية وازدراء إلى بن ألن، وكان هذا يهز رأسه هزًّا عنيفًا: «يسرني يا سيدي أنك تنصفني بهذا الإقرار.» وهنا التفت إلى المستر بكوك ومضى يقول: «والواقع يا مستر بكوك أنني حين أذنت لابني بالتجوال في المدائن لقضاء عام أو نحوه في التنقل بين الناس، ورؤية أخلاقهم، واختبار طبائعهم — وهو ما فعله بإشرافك — حتى لا يدخل معترك الحياة غلامًا ساذجًا ليس له من التجارب أكثر من تلميذ في مدرسة داخلية، ولا فطانة فيه لأخاديع الناس وأحابيلهم، لم أساومه في ذلك ولم أشارطه، وهو يعرف ذلك حق المعرفة، فإذا أنا تنكرت له من أجله، فلا حق له في الدهشة مني والعجب، وسيسمع مني رأيي يا مستر بكوك، طاب ليلك يا سيدي! يا مارجرت افتحي الباب.»

وكان بب سوير طيلة الوقت يكرز بكوعه المستر بن ألن ليقول قولًا كريمًا، فلم يكن منه عندئذ إلا أن اندفع بلا أدنى نذير، أو تمهيد، في بيان موجز، وإن كان بليغًا مليئًا بالحماسة والانفعال، فقال وهو ينظر إلى الشيخ بعينين قاتمتين فاترتين، ويهز ذراعه اليمنى بشدة، رافعًا خافضًا: «سيدي أحرى بك أن تخجل من نفسك.»

وأجاب المستر ونكل الكبير: «أنت بالطبع خير من يحكم في الموضوع؛ لأنك شقيق السيدة والآن حسبنا. وأرجو أن تكتفي بهذا يا مستر بكوك. طاب ليلكم أيها السادة.»

وتناول الشيخ الماثلة وفتح باب الغرفة وأشار بأدب إلى الدهليز.

وقال المستر بكوك وهو يزم شفتيه ويطبق أسنانه ليقمع غضبه؛ لأنه شعر بمدى الأثر البالغ الذي سوف يحسه صديقه الشاب: «ستندم على هذا الذي كان منك يا سيدي.»

وأجاب المستر ونكل الكبير بهدوء: «إن رأيي في الوقت الحاضر يختلف عن رأيك، مرة أخرى أيها السادة أتمنى لكم ليلة طيبة.»

ومشى المستر بكوك بخطى غضاب إلى الطريق، وكذلك فعل المستر بب سوير الذي بهت لقرار الشيخ وتصرفه، وتدحرجت قبعة المستر بن ألن فوق مدارج السلم على الأثر، وتبعها هو مباشرة، وانصرف الثلاثة صامتين بلا عشاء إلى مراقدهم، ومضى المستر بكوك قبل أن يهبط وادي الكرى يقول لنفسه: إنه لو كان يعرف من قبل أن المستر ونكل الكبير رجل أعمال من هذا النوع المفرط في الجمود لكان من المرجح كل الترجيح ألا يتولى هذه المهمة التي أوفد من أجلها إليه.

١  calomel نوع من الدواء، مركب من الزئبق وغاز الكلور.
٢  أي: يأكل.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١