الفصل الثالث

(١) حِيلَةُ «آرْيِلَ»

ذَهَبَ «آرْيِلُ» لِيُحْضِرَ «فِرْدِنَنْدَ» كَما أَمَرَهُ «بُرُسْبِيرُو». وَكانَ «آرْيِلُ» — كَما قُلْنا — ذَكِيًّا لَبِقًا (حَسَنَ التَّصَرُّفِ)؛ فَسَلَكَ طَرِيقَةً عَجِيبَةً جِدًّا لا تَخْطُرُ عَلَى بالٍ. فَقَدْ ذَهَبَ إِلَى «فِرْدِنَنْدَ»، وَأَخْفَى نَفْسَهُ عَنْ عَيْنَيْهِ، وَظَلَّ يُرَدِّدُ أُغْنِيَّةً جَدِيدَةً يَنْعَى بِها أَبا «فِرْدِنَنْدَ» وَيُعْلِنُ وَفاتَهُ، لِيُيْئِسَهُ مِنْ لِقاءِ أَبِيهِ.

وَكانَ «فِرْدِنَنْدُ» — حِينَئِذٍ — محَزْوُنًا عَلَى أَبِيهِ، لا يَعْرِفُ: هَلْ كُتِبَتْ لَهُ السَّلامَةُ، أَمْ كانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ؟ وَلَمْ يَسْمَعْ أُغْنِيَّةَ «آرْيِلَ» حَتَّى أَرْهَفَ أُذُنَيْهِ، وَتَسَمَّعَ بِانْتِباهٍ وَأَنْصَتَ كُلَّ الْإِنْصاتِ.

وَكانَ «آرْيِلُ» يُغَنِّي وَهُوَ سائِرٌ فِي طَرِيقِهِ إِلَى «بُرُسْبِيرُو». وَكانَ «فِرْدِنَنْدُ» يَسِيرُ فِي طَرِيقِهِ — عَلَى غَيْرِ قَصْدٍ— مُتَتَبِّعًا الصَّوْتَ السَّاحِرَ الَّذِي يَنْعَى لَهُ أَباهُ، وَيُخْبِرُهُ بِمَوْتِهِ، فِي شِعْرٍ مُؤَثِّرٍ مُحْزِنٍ.

(٢) نَشِيدُ «آرْيِلَ»

وَقَدْ عَجِبَ «فِرْدِنَنْدُ» مِمَّا سَمِعَ، وَظَلَّ يَتَتَبَّعُ — فِي انْتِباهٍ شَدِيدٍ — صَوْتَ الْجِنِّيِّ، وَهُوَ يُغَنِّيهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَظْهَرَ لَهُ. وَقَدْ بَدَأَ «آرْيِلُ» أُغْنِيَّتَهُ بِقَوْلِهِ:

أَبُوكَ يا «فِرْدِنَنْدُ»
قَدْ ماتَ، وَهْوَ غَرِيقُ
طَواهُ بَحْرٌ خِضَمٌّ
نائِي الشُّطُوطِ عَمِيقُ
وَالْبَحْرُ — مُنْذُ قَدِيمٍ —
إِلَى الْهَلاكِ طَرِيقُ

فَجَزِعَ «فِرْدِنَنْدُ» عَلَى أَبِيهِ وَعَجِبَ مِنْ غِناءِ الْهاتِفِ (الَّذِي يُسْمَعُ صَوْتُهُ وَلا يُرَى شَخْصُهُ)، وَسارَ يَتْبَعُ الصَّوْتَ، فَسَمِعَهُ يَقُولُ:

أَبُوكَ يا «فِرْدِنَنْدُ»
قَدْ ماتَ، وَهْوَ غَرِيقُ
وَنامَ نَوْمًا عَمِيقًا
فَما تَراهُ يُفِيقُ
عِظامُهُ مَرْجانٌ،
وَكُلُّ عَيْنٍ عَقِيقُ

فاشْتَدَّ جَزَعُ «فِرْدِنَنْدَ»، وَامْتَلَأَتْ نَفْسُهُ حُزْنًا وَأَلَمًا عَلَى مَصِيرِ أَبِيهِ، وَيَئِسَ مِنْ لِقائِهِ الْيَأْسَ كُلَّهُ.

وَإِنَّهُ لَغارِقٌ فِي أَحْزانِهِ وَآلامِهِ، إِذْ سَمِعَ صَوْتَ الْجِنِّيِّ وَهُوَ يُغَنِّيِهِ:

أَبُوكَ يا «فِرْدِنَنْدُ»
قَدْ ماتَ، وَهْوَ غَرِيقُ
هَوَى إِلَى الْقاعِ لَمَّا
طَواهُ بَحْرٌ سَحِيقُ
فاحَزْنَ، فَأَنْتَ عَلَيْهِ
— بِكُلِّ حُزْنٍ — خَلِيقُ

فاسْتَسْلَمَ «فِرْدِنَنْدُ» لِأَحْزانِهِ، وَبَكَى أَباهُ الْعَزِيزَ بَعْدَ أَنْ سَمِعَ الْهاتِفَ يُخْبِرُهُ — فِي لَهِجَةِ الْجازِمِ (الْمُتَحَقِّقِ الْمُؤْمِنِ) الْمُسْتَيْقِنِ — أَنَّ أَباهُ قَدْ ماتَ وَطَواهُ الْبَحْرُ، وَأَصْبَحَتْ عِظامُهُ مَرْجانًا وَعَيْناهُ عَقِيَقَتَيْنِ، وَلَمْ يَعُدْ لَهُ أَمَلٌ فِي لُقْياهُ بَعْدَ هذا الْيَوْمِ الْمَشْئُومِ!

(٣) أَمامَ الْكَهْفِ

وَما زالَ «فِرْدِنَنْدُ» سائِرًا — وَقَدْ تَمَلَّكَهُ سِحْرُ الْإِنْشادِ الرَّائِعِ — حَتَّى وَصَلَ إِلَى كَهْفِ «بُرُسْبِيرُو»، فَرَآهُ واقِفًا عَلَى رَأْسِ صَخْرَةٍ مُرْتَفِعَةٍ، وَإِلَى جانِبِهِ «مِيرَنْدا». فَعَجِبَ «فِرْدِنَنْدُ» مِمَّا رَأَى. فَأَمَّا «مِيرَنْدا» فَلَمْ تَرَ هذا الْإِنْسِيَّ حَتَّى اسْتَوْلَتْ عَلَيْها الدَّهْشَةُ وَالْحَيْرَةُ، فالْتَفَتَتْ إِلَى أَبِيها تَسْأَلُهُ مُتَعَجِّبَةً: «تُرَى مَنْ هذا الْقادِمُ يا أَبِي؟ لَعَلَّهُ جِنِّيٌّ أَوْ مَلَكٌ (رُوحٌ سَماوِيٌّ) هَبَطَ مِنَ السَّماءِ! فَلَسْتُ أَذْكُرُ أَنَّنِي رَأَيْتُهُ، أَوْ رَأَيْتُ مَنْ يُشْبِهُهُ قَبْلَ الْيَوْمِ!»

وَكانَ لَها الْعُذْرُ فِي هذا السُّؤالِ؛ فَقَدْ عَلِمْتَ — أَيُّها الْقارِئُ الصَّغِيرُ — أَنَّ عَيْنَيْ «مِيرَنْدا» لَمْ تَقَعا مِنْ قَبْلُ عَلَى إِنْسِيٍّ سِوَى أَبِيها. فَلَمَّا رَأَتْ «فِرْدِنَنْدَ» عَجِبَتْ مِنْ رُؤْيَتِهِ، وَحَسِبَتْهُ جِنِّيًّا أَوْ مَلَكًا، فَسَأَلَتْ أَباها عَنْهُ فَقالَ لَها: «لَيْسَ هذا الْقادِمُ مِنَ الْجِنِّ وَلا مِنَ الْمَلائِكَةِ كَما تَحْسَبِينَ — يا عَزِيزَتِي — بَلْ هُوَ إِنْسِيٌّ مِثْلُنا. وَقَدْ كانَ بَيْنَ رَكْبِ تِلْكَ السَّفِينَةِ الَّتِي رَأَيْتِها مُشْرِفَةً (مُقْبِلَةً) عَلَى الْغَرَقِ. وَهُوَ يَسِيرُ فِي الْجَزِيرَةِ باحِثًا عَنْ أَبِيهِ وَرُفَقائِهِ؛ لَعَلَّهُ يَظْفَرُ بِلِقائِهِمْ».

(٤) حِوارُ «فِرْدِنَنْدَ» وَ«مِيرَنْدا»

وَما رَأَتْ «مِيرَنْدا» «فِرْدِنَنْدَ» وَسَمِعَتْ قِصَّتَهُ مِنْ أَبِيها، حَتَّى أَشْفَقَتْ وَحَزِنَتْ لَهُ، وَعَطَفَتْ عَلَيْهِ، وَفَرِحَتْ بِرُؤْيَةِ الْإِنْسِيِّ الظَّرِيفِ، فِي الْجَزِيرَةِ النَّائِيَةِ (الْبَعِيدَةِ) الْمُقْفِرَةِ (الْخالِيَةِ)، وَظَهَرَتْ عَلَى أَسارِيرِها (خُطُوطِ جَبِينِها) أَماراتُ الْفَرَحِ وَالسُّرُورِ. أَمَّا «فِرْدِنَنْدُ» فَلَمْ يَرَ «مِيرَنْدا» أَمامَهُ حَتَّى حَسِبَها — كَما حَسِبَتْهُ مِنْ قَبْلُ — مَلَكًا هَبَطَ مِنَ السَّماءِ، أَوْ جِنِّيَّةً حَسْناءَ، تَسْكُنُ الْجَزِيرَةَ الْمُنْعَزِلَةَ. فَتَقَدَّمَ إِلَيْها مُتَأَدِّبًا، وَسَأَلَها، فِي حَياءٍ وَخَجَلٍ: «هَلْ تَسْمَحُ ليِ مَوْلاتِي أَنْ تُخْبِرَنِي: أَهِيَ مِنَ الْمَلائِكَةِ أَمْ مِنَ الْجِنِّ؟»

فَأَجابَتْهُ «مِيرَنْدا» مُتَلَطِّفَةً باسِمَةً: «كَلَّا يا سَيِّدِي، ما أَنا بِمَلَكٍ وَلا جِنِّيَّةٍ، بَلْ أَنا إِنْسِيَّةٌ مِثْلُكَ».

فاشْتَدَّتْ دَهْشَةُ «فِرْدِنَنْدَ» وَفَرِحَ بِرُؤْيَةِ «مِيرَنْدا» وَامْتَلَأَتْ نَفْسُهُ رَجاءً وَأَمَلًا.

(٥) بَيْنَ «فِرْدِنَنْدَ» و«بُرُسْبِيرُو»

وَما رَأَى «بُرُسْبِيرُو» «فِرْدِنَنْدَ» وَ«مِيرَنْدا» مُتَآلِفَيْنِ، حَتَّى مَلَأَ السُّرُورُ قَلْبَهُ، وَأَدْرَكَ أَنَّ خُطَّتَهُ الَّتِي أَحْكَمَ تَدْبِيرَها قَدْ نَجَحَتْ نَجاحًا باهِرًا. فَقَدْ رَأَى أَنَّهُما مُتَحابَّانِ، وَإِنْ لَمْ يَتَعارَفا قَبْلَ هذِهِ اللَّحْظَةِ. وَلَكِنَّهُ لَمْ يَشَأْ أَنْ يَتَسَرَّعَ فِي أَمْرِهِ، وَأَرادَ أَنْ يُحْكِمَ خُطَّتَهُ، وَأَنْ يُؤْيِسَ «فِرْدِنَنْدَ» مِنْ زَواجِهِ بِابْنَتِهِ «مِيرَنْدا»؛ لِيَخْتَبِرَ — بِذَلِكَ — أَخْلاقَهُ؛ ثُمَّ يَمْلَأَ نَفْسَهُ أَمَلًا — بَعْدَ يَأْسٍ — فَيَكُونَ لِهذا النَّجاحَ أَحْسَنُ الْأَثَرِ فِي نَفْسِ «فِرْدِنَنْدَ»، وَثَمَّةَ (هُنا) نَظَرَ إِلَيْهِ «بُرُسْبِيرُو» وَقالَ لَهُ، وَهُوَ يَتَظاهَرُ بِالْقَسْوَةِ عَلَيْهِ: «ماذا أَتَى بِكَ إِلَى هذِهِ الْجَزِيرَةِ؟ لَعَلَّكَ أَتَيْتَ لتِغَتْصَبِها مِنِّي».

فَقالَتْ لَهُ «مِيرَنْدا» مُتَعَجِّبَةً: «لِماذا تَعْنُفُ بِهِ (تَقْسُو عَلَيْهِ) فِي كَلامِكَ، يا أَبَتِ؟ وَما بالُكَ تُغْلِظُ لَهُ الْقَوْلَ، وَتُعامِلُهُ كَما تُعامِلُ جارِمًا أَثِيمًا (مُرْتَكِبًا إِثْمًا)؟»

فَتَظاهَرَ «بُرُسْبِيرُو» بِالْغَضَبِ مِنْ كَلامِ ابْنَتِهِ، وَأَسْكَتَها، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى «فِرْدِنَنْدَ» وَقالَ لَهُ فِي لَهْجَةِ الْجادِّ الْمُعَبِّسِ (الْمُقَطِّبِ جَبِينَهُ): «ما أَجْدَرَك أَنْ تَكُونَ الْجَحِيمُ مَأْواكَ، وَالنَّارُ مَثْواكَ (مَسْكَنَكَ)، وَأَنْ تَلْقَى ما أَنْتَ أَهْلُهُ مِنْ عَذابٍ ونَكالٍ، حَتَّى يَنْحَنِيَ جِسْمُكَ وَيَتَقَوَّسَ، وَيَلْتَصِقَ رَأْسُكَ بِقَدَمَيْكَ، فَلْتَبْقَ فِي هذِهِ الْجَزِيرَةِ عَبْدًا سَجِينًا، وَلْيَكُنْ ماءُ الْبَحْرِ شَرابَكَ وَحَشائِشُ الْأَرْضِ غِذاءَكَ».

(٦) خُضُوعُ «فِرْدِنَنْدَ»

فَلَمْ يَسْتَطِعْ «فِرْدِنَنْدُ» الشُّجاعُ النَّبِيلُ أَنْ يَحْتَمِلَ الْإِهانَةَ مِنْ «بُرُسْبِيرُو»، وَامْتَلَأَتْ نَفْسُهُ غَضَبًا؛ فَأَسْرَعَ إِلَى سَيْفِهِ، فاسْتَلَّهُ مِنْ غِمْدِهِ (أَخْرَجَهُ مِنْ جِرابِهِ)، وَقَدْ عَزَمَ عَلَى قَتْلِ خَصْمِهِ الَّذِي أَهانَهُ وَحَقَّرَهُ. وَلَكِنَّهُ لَمْ يَهُمَّ بِذَلِكَ حَتَّى تَخاذَلَ وَضَعُفَ — أَمامَ نَظَراتِ «بُرُسْبِيرُو» السَّاحِرَةِ — وَتَفَكَّكَتْ أَوْصالُهُ، وَتَخاذَلَتْ أَعْضاؤُهُ؛ فَلَمْ يَعُدْ يَقْوَى بِذَلِكَ عَلَى مُناجَزَةِ خَصْمِهِ (مُحارَبَةِ عَدُوِّهِ) الْقَوِيِّ. فَتَشَفَّعَتْ «مِيرَنْدا» عِنْدَ أَبِيها أَلَّا يُؤْذِيَهُ، وَرَكَعْت أَمامَهُ تَسْأَلُهُ — فِي ضَراعَةِ الْمُتَوَسِّلِ، وَذِلَّةِ الْمُسْتَعْطِفِ — راجِيَةً أَنْ يَصْفَحَ عَنْ «فِرْدِنَنْدَ» وَأَنْ يَتَجاوَزَ عَنْ هَفْوَتِهِ (سَقْطَتِهِ).

فَقالَ لَها «بُرُسْبِيرُو» وَهُوَ يَتَظاهَرُ بِالْغَيْظِ وَالْحَنَقِ عَلَى «فِرْدِنَنْدَ»، وَيَتَصَنَّعُ الْإزْراءَ وَالِاسْتِخْفافَ بِهِ: «إِنَّ جَمِيعَ النَّاسِ — أَيَّتُها السَّاذَجَةُ الْبَلْهاءُ — خَوَنَةٌ غادِرُونَ، مِثْلُ «كَلِيبانَ»، وَما رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْهُمْ يَخْتَلِفُ عَنِ الْآخَرِ فِي الْخُبْثِ وَالْمَكْرِ وَالْخَدِيعَةِ وَالْغَدْرِ».

وَرَأَى «فِرْدِنَنْدُ» أَنَّهُ قَدْ عَجَزَ عَنْ مُقاوَمَةِ خَصْمِهِ، فَلَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنَ الْإِذْعانِ لَهُ وَالْخُضُوعِ لِسُلْطانِهِ، وَلَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ أَنَّ «بُرُسْبِيرُو» قَدْ أَخْضَعَهُ بِقُوَّةِ السِّحْرِ وَفُنُونِهِ.

(٧) «فِرْدِنَنْدُ» فِي الْأَسْرِ

وَقَدْ عَجِبَ «فِرْدِنَنْدُ» مِمَّا رَأَى وَقالَ فِي نَفْسِهِ: «ما أَغْرَبَ هذا الرَّجُلَ، وَما أَقْوَى سُلْطانَهُ عَلَيَّ! وَما أَدْرِي: بِأَيِّ قُوَّةٍ اسْتَطاعَ أَنْ يَسْتَوْلِيَ عَلَيَّ، وَيُقَيِّدَنِي — مِنْ غَيْرِ قَيْدٍ — وَيَجْعَلَنِي مُفَكَّكَ الْأَوْصالِ (مُنْحَلَّ الْأَعْضاءِ)، وَكَأَنَّنِي فِي حُلُمٍ مُضْنٍ (مُضْعِفٍ مُمْرِضٍ)، وَقَدْ أَصْبَحْتُ أَمامَهُ ضَعِيفًا، لا حَوْلَ لِي وَلا قُوَّةَ؟ شَدَّ ما أَذَلَّنِي هذا الرَّجُلُ، حَتَّى لَأُوثِرَ الْمَوْتَ عَلَى الْخُضُوعِ لِأَمْرِهِ، لَوْلا أَنَّنِي أَجِدُ مِنْ عَطْفِ هذِهِ الْفَتاةِ الطَّاهِرَةِ الرَّحِيمَةِ — الَّتِي أَراها إِلَى جانِبِهِ — ما يُعَزِّينِي وَيُصَبِّرُنِي وَيُسَرِّي عَنْ نَفْسِي (يَكْشِفُ عَنْها هُمُومَها)، وَيُهَوِّنُ عَلَيَّ كُلَّ ما أُحِسُّهُ مِنَ الْقَهْرِ وَالْغَيْظِ».

وَإِنَّهُ لَغارِقٌ فِي هذِهِ التَّأَمُّلاتِ إِذْ نَبَّهَهُ صَوْتُ «بُرُسْبِيرُو» مِنْ أَحْلامِهِ وَهُوَ يَقُولُ: «هَلُمَّ — أَيُّها الْأَمِيرُ الْفَتَى — فاحْتَطِبْ (اجْمَعْ مِنَ الْحَطَبِ) لَنا ما تَسْتَطِيعُ، ثُمَّ أَحْضِرْ إِلَى كَهْفِنا (بَيْتِنا فِي الْجَبَلِ) ما تَحْتَطِبُهُ مِنْ خَشَبٍ لِلْوَقُودِ. وَحَذارِ أَنْ تَتَرَدَّدَ فِي تَلْبِيَةِ ما آمُرُكَ بِهِ».

وَالْتَفَتَ «بُرُسْبِيرُو» إِلَى «مِيرَنْدا» قائِلًا: «حَذارِ أَنْ تَأْخُذَكِ فِي أَمْرِهِ شَفَقَةٌ أَوْ رَحْمَةٌ؛ فَهُوَ جَدِيرٌ بِكُلِّ شَقاءٍ».

ثُمَّ سارَ مَعَ «فِرْدِنَنْدَ» إِلَى حَيْثُ الْخَشَبُ وَالْوَقُودُ، وَأَرْشَدَهُ إِلَى مَكانِهِما لِيَحْتَطِبَ لَهُما كُلَّ يَوْمٍ.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠