تمهِيد

(١) قِصَّةُ عَجُوزٍ

كانَتْ مَمْلكَةُ «إنْجِلْترةَ» — حينَ وَقعَتْ حَوادِثُ هٰذِهِ القِصَّةِ — تَمُرُّ بأَحْداثٍ وخُطُوبٍ (مَصائِبَ)، لا عَهْدَ لَها بأَمْثالِها مِن قَبْلُ. وإلَيْكَ ما تَقُصُّهُ عَجوزٌ نَيَّفَتْ (زادَتْ) علَى خَمْسينَ وَمِائَةٍ مِن السِّنينَ. قالَتِ العَجوزُ: «لقَدْ عِشْتُ أكْثرَ مِن مِائَةٍ وخَمْسينَ عامًا. ورَأَيْتُ في طُفولَتي — مِن الكَوارِثِ والْمِحَنِ — ما لَمْ يَخْطُرْ لإنسانٍ علَى بالٍ. ولا زِلْتُ أذْكُر تلكَ العَواصِفَ ﭐلْهُوجَ حينَ ﭐكْتَسَحتِ الغاباتِ، ثمَّ أعْقبَها فَيَضانُ الأَنْهارِ؛ فأغْرَقَ مِن البلادِ ما أغْرَقَ، وأَهْلكَ مِن الْحَرْثِ (الزَّرْع) والنَّسْلِ (الأَوْلادِ) ما أهْلَكَ! لا أزالُ أذكُرُ — إلى اليَوْم — ذٰلكَ العهْدَ الَّذي شَهِدْتُه في طُفولَتي، وأَتمثَّلُ (أتَصَوَّرُ) حَوادِثَهُ البعيدَةَ، كأَنَّما وقَعتْ أَمْسِ. ولٰكِنَّ ما حدَثَ في هٰذا العامِ، قدْ مَحا — أوْ كادَ — كلَّ ما اسْتَعْظَمْتُهُ مِن الأَحْداثِ الْماضِيَةِ. ولَيْسَتْ تلكَ الْمَصائِبُ الَّتي حَلَّتْ ببلادِنا — في ذٰلكَ الزَّمَنِ البَعيدِ — إلَّا شَيْئًا يَسِيرًا تَفِهًا (لا قيمَةَ لهُ)، إذا قِيسَتْ بِما وقَعَ في هٰذا العامِ. فقَدْ تألَّبَتْ (تَجَمَّعَتْ) قُوَى الشَّرِّ، وﭐجْتَمعَتِ الكَوارِثُ، وتَتابَعتِ الأَحْداثُ، وتفَنَّنَتِ الأَبالِسَةُ والشَّياطينُ في إغْراءِ النَّاس بضُرُوبٍ (أصْنافٍ) مِنَ الظُّلْمِ والقَسْوَةِ والأَنانِيَّةِ (حُبِّ الذَّاتِ)، وَما إلى ذٰلكَ مِن ألْوانِ الشَّرِّ، وأفانينِ الشَّقاءِ (أنْواعِ الشِّدَّةِ والعُسْرِ). وفي شَمالِ «إنْجِلترةَ» طَغَتْ أَمْواهُ البُحَيْراتِ، وأغْرَقتْ مِنَ السُّكَّانِ والمَساكِنِ آلافًا. ثمّ جاء الشِّتاءُ؛ فَخَرجَتِ الذِّئابُ وأصْنافُ ﭐلْوُحوشِ الضَّارِيةِ مِنْ مَكامِنها، وﭐلْتَهَمَتِ الأَغْنامَ في رائِعَةِ النَّهارِ، دُونَ أنْ تُبالِيَ كائِنًا كانَ. وعاثَتِ الْخَنازيرُ الْبَرِّيَّةُ في أَزِقَّةِ القُرَى؛ فَملَأَتِ ﭐلْقُلوبَ ذُعْرًا (خَوْفًا)، وقَسَتْ قُلوبُ النَّاسِ، ونَمَتْ بَيْنَهُمْ بُذُورُ الشِّقاقِ والتَّفْرِقَةِ، وحَلَّ الْخِصامُ مَحلَّ ﭐلْوِئامِ (الْوِفاقِ). وسَرَى الْخُلْفُ بينَ الأَزْواجِ، ثمّ ﭐنْتقلَتْ عَدْواهُ إِلى ﭐلْأَطْفالِ؛ فأَصْبحتِ ﭐلْبِلادُ جَحيمًا لا يُطاقُ.»

(٢) مِهْرَجانُ ٱلْمَلِكِ

هٰذا بعْضُ ما قَصَّتهُ عَجوزُ ذٰلِكُم الزَّمانِ، ورَأَتهُ رُؤْيَةَ ٱلْعِيانِ. وقدْ تَوَخَّيتُ (تَعَمَّدْتُ) أنْ أُثْبِتَهُ لكُم — أيُّها ٱلْأَصْدِقاءُ الأَعِزَّاءُ — لتَعْرِفُوا متىَ وَقَعتْ حوادِثُ هٰذهِ القِصَّةِ؟ وفي أيِّ عهْدٍ — مِن عُهودِ ٱلِاضْطِرابِ — مُثِّلَتْ فُصُولُها المُحْزِنةُ؟

وكانَ بَدْءُ هٰذهِ الأَحْداثِ ٱلْمُفَزِّعةِ يَوْمَ ٱلْمِهْرَجانِ الّذِي أقامَهُ ٱلْمَلِكُ «لِير» في قَصرِهِ الكَبيرِ، مُنْذُ أَلْفَيْ عامٍ.

وقدِ ٱعْتَزَمَ ٱلْمَلِكُ أنْ يَقْسِمَ مُلكَهُ العظِيمَ بيْن بَناتِه الثَّلاثِ، ويَرْفَعَ عَن كاهِلهِ أَعْباءَ المُلْكِ (أثْقالَ الْحُكْمِ)، ويُرِيحَ شَيْخُوخَتَهُ، ويَقْضِيَ أيَّامهُ الأَخيرةَ في أمْنٍ وسَلامٍ، وادِعَ الْخَلَدِ (مُسْتريحَ القلْبِ)، ناعِمَ الْبالِ.

وكانَتِ الأَنوارُ ساطِعَةً في كلِّ مكانٍ مِنْ قَصْرِ ٱلْمَلِكِ، تَنْعَكِسُ أضْواؤُها ٱلْبَهِيجَةُ علَى أَعْمِدَةِ القَصرِ الذَّهَبِيَّةِ، وتصاويرِهِ الْمُبْدَعَةِ الفَنِّيَّةِ. وهِيَ تُمثِّلُ ٱنْتصارَ المَلكِ «لِير» على أَعْدائِه، في زَمنِ صِباهُ.

•••

وكان المُتأمِّلُ لا يَملِكُ نَفْسَهُ مِن الْحَسرَةِ والأَسَف، كُلَّما وَقعَتْ عَيْناهُ علَى هٰذا ٱلْفَتَى القَوِيِّ «لِيرَ»، الْجَريءِ الْباطِشِ (الآخِذ بعُنْفٍ)، الَّذِي تُمثِّلُهُ تِلكَ التّصاويرُ الْمُعْجِبَةُ، وقابَلَها بهٰذا الشَّيْخِ «لِير»، الْماثِلِ (الواقِف) في الْحَفْلِ، وقدْ جَلَّلَ الشَّيْبُ رأْسَهُ، وقَوَّسَتْ قَناتَهُ السِّنُونَ (حَنَتِ الأَعْوامُ ظَهرَهُ)؛ فٱنْتظمَتِ الرِّعْشةُ يَدَيْهِ النَّاحِلَتيْن، وأَصْبَحَ يَمْشِي إلى الفَناءِ (المَوْتِ)، بِخُطُواتٍ سَريعَةٍ.

وَقدِ ٱجْتمعَتْ في ذٰلِكَ الْمِهْرَجانِ حاشِيَةُ الْملكِ وقُوَّادُهُ وسَراةُ البِلادِ (رُؤَساؤُها)، وجَلَسَ إلى جانبِهِ وزيرُهُ المُخْلِصُ الأَمينُ: «كَنْتُ»، ونَدِيمُه (صاحِبُهُ) المُخْتارُ: «بُهْلُولٌ».

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠