مقدمة المترجم
-
أولًا: إنَّ المرأة لا تُولد امرأة، بل تُصبح امرأة، أو تصير امرأة، وهي حقيقةٌ كشفت عنها
الفلسفة الوجودية المعاصرة بالنسبة للإنسان بصفةٍ عامة — كما كشفَت عنها «سيمون دي بوفوار»
بالنسبة للمرأة بصفةٍ خاصةٍ في كتابها «الجنس الثاني»! وإذا تساءلنا: ماذا يعني ذلك؟
كانت
الإجابة أنَّه يعني الكشفَ عن الأثر الهائل للأوضاع الاجتماعية على المرأة؛ فهي التي
تُشكِّلها في الإطار الذي نُريده لها: «البنت لا تجلس على هذا النحو، ولا تتحدَّث بهذا
الشكل، ولا تضحك ولا تتفوَّه بألفاظٍ أو تقوم بحركاتٍ كهذه … إلخ!» ومن هنا فإنَّ المعطيات
البيولوجية — رغم أهميتها — ليست هي العامل الحاسم في تشكيل المرأة، وإنَّما التربية أو التنشئة الاجتماعية هي التي تقوم بهذا الدور …
وهناك نتيجةٌ مهمةٌ مترتِّبة على هذه القضية الأولى، وتتشكَّل هي نفسها القضية الثانية:
-
ثانيًا: يترتَّب على ذلك قضية بالغة الأهمية، ألا وهي
أنَّه ليس هناك ما يُسمَّى بطبيعة المرأة؛ فهذه الطبيعة
يُشكِّلها المجتمع مثلها مثل القوانين، والشرائع، والقيم الأخلاقية؛ مِمَّا يذكِّرنا
بالنزاع
القديم بين السوفسطائيين من ناحية، وسقراط وأفلاطون وأرسطو من ناحيةٍ أخرى حول «الطبيعة
والعُرف»، الذي حسمَتْه الفلسفة الوجودية المُعاصرة عندما نفت نفيًا تامًّا أن تكونَ
هناك
طبيعة مُحدَّدة أو «ماهية» سابقة على وجود الإنسان، وذهبَت إلى أنَّه هو الذي يصنع ماهيَّته
«فأنا أكون ما أنا» …! فأنا لستُ محصورًا في الطبيعة المحدودة للكائنات الأخرى، وإنَّما
أنا كائنٌ حر — وهذه إضافةٌ وجودية — أصنع «طبيعتي الخاصة» إن صحَّ التعبير، والمهم هو
إلغاء
«الطبيعة» المُحدَّدة سلفًا …!
ويؤدي ذلك إلى قضيةٍ ثالثةٍ مهمة، هي:
- ثالثًا: سطوة العادات والتقاليد التي قد تكون في بعض الحالات أشدَّ تأثيرًا من الدين، بل قد تُؤثِّر هي نفسها في الدين فيعترف بها وتُصبح جزءًا منه …!
- رابعًا: القضية الأخيرة وهي قضيةٌ متفرعة من العادات والتقاليد، وهي مجموعة من المشاعر والعواطف والانفعالات التي لا تعتمد على «العقل» والمنطق، والتي تجسَّدَت في مبدأ ظالم هو المبدأ الذي يُنظِّم العلاقات الاجتماعية القائمة بين الجنسَين. وتجعل من الصعب الكشف عن أنَّه مبدأٌ فاسد من جذره؛ لأنَّه يقوم على أساس تبعية أحد الجنسَين (النساء) للجنس الآخر (الرجال)، وهو مبدأ ينبغي أن يحل محلَّه مبدأ المساواة الكاملة التي لا تسمح بوجود ميزة لجانب على حساب جانبٍ آخر!
والواقع أنَّ قضية تحرير المرأة أصبحَت تُشْبِه — من حيث المشاعر والعواطف — قضية تحرير الزنوج في الولايات المتحدة الأمريكية، التي وَجَدَ المدافعون عنها صعوبةً بالغة في إقناع الناس ﺑ «العقل» على تغيير مشاعرهم المُتأصِّلة في أعماق نفوسهم! بل هناك أسبابٌ كثيرة تجعل المشاعر المتصلة بقضية المرأة أبعدَ غورًا، وأعمقَ جذورًا من كل المشاعر التي تتجمَّع حول الأنظمة والعادات والتقاليد وتحميها!
وكتابنا الحالي يتألَّف من خمسة أجزاء تقع في اثنَي عشر فصلًا وتُعالِج أربعة من كبار الفلاسفة السياسيين؛ اثنين من القدماء هما «أفلاطون» و«أرسطو»، واثنَين من المحدَثين هما «مِل» و«روسو». بالإضافة إلى ثلاثة فصول «في الجزء الخامس» عن قضية المرأة والأسرة في المجتمع الأمريكي، ثمَّ ملحق عن أفلاطون.
وما يُقال عن أفلاطون يُقال عن أرسطو، فإذا كان أفلاطون قد لخَّص وضع المرأة اليونانية، فإنَّ أرسطو قنَّن هذا الوضع عندما بذل جهده ليضع نظريةً فلسفيةً عن المرأة يستمد دعامتها الأساسية من الميتافيزيقا، ثمَّ راح يُطبِّقها في ميدان البيولوجيا أولًا، والأخلاق والسياسة بعد ذلك ليُثبِتَ — فلسفيًّا — صحة الوضع المتدنِّي للمرأة الذي وضعَتْها فيه العادات والتقاليد اليونانية.
وإذا كانت الفضائل للرجل فهو أيضًا رأس الأسرة بما له من عقلٍ راجح يستطيع تدبير شئون المنزل والمدينة معًا، وهو أشبه برُبَّان السفينة الذي يستعين بأدواتٍ جامدة كالدفة، كما يستعين بالأحياء من البشر، أمَّا المرأة فهي لا تصلح لإدارة الدولة ولا إدارة الأسرة. ويكفي أن نقول باختصارٍ شديدٍ إنَّ الرجل عند أرسطو هو الصورة والمرأة هي الهيولى؛ ولهذا يقتصر دورها على إنجاب الأطفال ورعايتهم، والإشراف على الأعمال المنزلية، وأداء الواجبات نحو الزوج …!
أمَّا «روسو» فهو يُواصل نظرةَ التراثِ الغربي كله إلى النساء — رغم مخالفتها للمبادئ الرئيسية في الأخلاق ونظريته الاجتماعية — فالمرأة مزوَّدة بمواهب الجزئيات والأمور الثانوية؛ فهي ناقصةٌ وعاجزةٌ تمامًا عن التفكير المجرد. و«روسو» يجعل من المرأة موضوعًا جنسيًّا للرجل؛ ولهذا فهي لا بُدَّ أن تكون مُغريةً ومُثيرةً في آنٍ معًا، بعيدةً عن الخوف الجنسي، مع السيطرة على رغباتها اللامحدودة، ومن هنا جاءت دعوتُه للمرأة أن تكون جنسيةً ومحتشمة، أن تكون مرغوبةً وعفيفة معًا؛ أي أن تقوم بدور «دكتور جيكل ومستر هايد» على حد تعبير المُؤلِّفة! وعلى هذا الأساس يجعل روسو السيطرة المطلَقة للأزواج على زوجاتهم؛ بحيث تنحصر النساء داخل جدران المنزل عقب الزواج، مع الرغبة في فصل الجنسَين وانعزالهما حتَّى داخل المنزل. كما يقترح تربيةً أخلاقيةً للنساء — في كتابه «إميل» — هي الضد المباشر لما اقترحه من تربيةٍ أخلاقيةٍ للرجال.
وهكذا يتضح أنَّ ما كتبه «روسو» عن اللامساواة والتفاوت بين البشر، ودعوته إلى المساواة كان يقصدُ بها المساواة بين الرجال فقط.
وكلامه في بداية كتابه «العقد الاجتماعي» عن أنَّ الإنسان يُولد حُرًّا، مع أنَّه يراه مُكبَّلًا بالأغلال … إلخ، هذا الحديث كله ينصبُّ على الرجل دون المرأة التي وُلِدَت لتكون مُكبَّلة بأغلال الرجل وقيوده.
وبعدُ، فهذا هو الكتاب الذي يُعالِج موضوع «النساء في الفكر السياسي الغربي»، ترجمناه لعله يُلقي بعضَ الضوء على قضية المرأة في بلادنا. ونرجو أن نكونَ — بنقله إلى المكتبة العربية — قد أسهمنا ولو بقَدْرٍ متواضع في إثراء المكتبة الفلسفية السياسية من ناحية، وفي المشروع القومي للترجمة من ناحية أخرى.
والله نسأل أن يهدينا جميعًا سبيل الرشاد.