مدخل

لقد أدَّت الحركة الحالية المؤيدة للمساواة بين الجنسَين إلى قَدْرٍ ملحوظٍ من اتساع المعرفة في مجالاتٍ لم تكن مطروقةً من قبلُ؛ فتركيز الانتباه حديثًا على النساء في ميادين: التاريخ، والدراسات القانونية، والأنثروبولوجيا، وعلم الاجتماع، والنقد الأدبي، أدَّى إلى عدد من الأعمال الإبداعية المهمة، حتَّى إنَّنا لا نُبالِغ إذا قلنا: إنَّ هذه المجالات لن يُنظَر إليها بعد ذلك على نحوِ ما كانت من قبلُ، لكن أحدًا حتَّى الآن لم يفحَص بعدُ، في شيءٍ من الاتساق، مُعالجةَ موضوعِ النساء في الأعمال الكلاسيكية في الفلسفة السياسية، تلك الأعمال التي كشف فيها المُفكِّرون العظام عبْر التاريخ أفكارهم عن الحياة السياسية والاجتماعية للجنس البشري للتقليل مِمَّا ترتَّب على ذلك من هوَّة في معرفتنا.

ومن المهم أن نُدرك منذ البداية أنَّ تحليل أفكار النظريات السياسية التي ظهرَت في الماضي ونقدها، ليس بحثًا أكاديميًّا مُلغزًا، وإنَّما هو وسيلةٌ مهمة للكشف عنه، وكذلك فهم المزاعم الكامنة وراء أنماط التفكير المُتأصِّلة بعمق، التي استمرت تؤثِّر في حياة الناس بطرقٍ رئيسية. ولقد أصبحت النساء — خلال القرن الحالي رسميًّا — مواطناتٍ بالفعل في كل بلدٍ من بلدان العالم الأوروبي، وفي كثيرٍ من بقية أنحاء العالم أيضًا؛ فبعد أن كنَّ مستبعداتٍ تمامًا، ومعزولاتٍ — في مجالٍ خاصٍّ هو مجال الأسرة — أصبحن عضواتٍ لهن حقوقٌ في عالم السياسة. غير أنَّ النساء يعترفن، على نحوٍ متزايد، بأنَّ المكاسب السياسية والرسمية المحدودة التي حصلَت عليها الحركة النسائية المبكِّرة لم تضمن على الإطلاق بلوغَهن المساواةَ الحقيقيةَ في الجوانب الاقتصادية والاجتماعية من حياتهن؛ فعلى الرغم من أنَّ النساء الآن مواطنات، فإنَّ الشيء الذي لا يُمكن إنكاره أنَّهن بقين مواطناتٍ من الدرجة الثانية. إذا قيسَت من منظور الخصائص التي يُقيَّم على أساسها المواطنون — تقليديًّا — كالتعليم، والاستقلال الاقتصادي، أو الوضع الوظيفي فلا يزلن خلف الرجال. وبالمثل إذا قيست هذه المكاسب من منظور المشاركة السياسية — لا سيما في المستويات العليا، والسلطة السياسية — فإنَّهنَّ لم يقتربن في أي مكانٍ من المساواة مع الرجال. وفضلًا عن ذلك فقد كانت النساء في العقود السابقة يُطالبن بهذه المساواة الجوهرية، وبوضع حدٍّ لإبعادهن وعزلهن في مجال المواطنة من الدرجة الثانية؛ فقد ادعين أنَّ لهنَّ الحقَّ في أن يكنَّ عضواتٍ في المجتمع ومواطناتٍ في الدولة، على نفس مستوى الرجال. ولقد تمَّ — من حيث المبدأ على الأقل — الاعترافُ بهذه الدعاوى.

والقول بأنَّ النساء قد اكتسبن حقوق المواطنة الرسمية، لكن لم يتحقَّق لهن من أيَّة زاوية أخرى المساواة مع الرجال، دفعني أن أتَّجه نحو الأعمال العظيمة في الفلسفة السياسية، وفي ذهني سؤالان أساسيان:

  • أمَّا السؤال الأول: فقد تساءلتُ عمَّا إذا كان التراث الموجود في الفلسفة السياسية يؤكِّد دخول النساء في موضوعها؟ وإن لم يكن، فلماذا؟ لأنَّه إذا كانت الأعمال التي شكَّلَت أساسَ تراثنا السياسي والفلسفي مناسبةً في عالم قد تمَّ فيه تحدي وضع اللامساواة للنساء جذريًّا، فلا بُدَّ لنا من أن نعترفَ بأنَّ المزاعمَ والنتائجَ ترتبط داخليًّا بفكرة أنَّ الجنسَين هما أساسًا — ولا بُدَّ أن يكونا — غير متساويَين.
  • والسؤال الثاني: ومن الواضح أنَّه يرتبط بالسؤال الأول؛ فقد حاولتُ أن أكتشف ما إذا كانت حُجَج الفلاسفة عن طبيعة النساء ووضعهن الصحيح في النظام الاجتماعي والسياسي، يمكن أن تُساعدنا — في سياق النظريات السياسية الكاملة للفلاسفة — على فهم السبب في أنَّ حصولَ النساء على حقوقهن السياسية والرسمية لم يُؤدِّ إلى مساواةٍ حقيقية وجوهرية بين الجنسَين … ولستُ أهدفُ من ذلك القيام بأي ربطٍ سببي بين حُجَج وأفكار الفلاسفة العظام من ناحية، والأفكار والممارسات الحديثة من ناحيةٍ أخرى، لكنَّني أذهب إلى أنَّ أنماط التفكير من النساء التي تسير في موازاةٍ تامةٍ مع بعض أنماط تفكير الفلاسفة التي ناقشناها هنا لا تزال منتشرةً في كتابات المُفكِّرين المعاصرين، وفي أيديولوجيات الممثِّلين السياسيين، والمؤسَّسات السياسية المعاصرة، ولقد برهنَّا على صحة هذه الدعوى في الجزء الخامس، عندما اتجهنا إلى تحليل بعض الآراء المعاصرة الحاسمة عن النساء مثل آراء علماء الاجتماع من ذوي النفوذ، والمحاكم العليا في الولايات المتحدة، واكتشفتُ تشابهاتٍ مذهلةً بينها وبين أفكار النظريات السياسية التي قمتُ بتحليلها في الفصول السابقة. وعن طريق الدراسة النقدية للحُجَج التي تصوَّرَتْها عن النساء مجموعةٌ من أرفع العقول في تاريخ الفكر الغربي، فإنِّي لآملُ أن أضيفَ شيئًا لفهمنا للحُجَج الحديثة التي توازيها في الطرق والأساليب المهمة، والتي تُشكِّل محاولةً مستمرةً لتبرير معاملة النساء بطُرقٍ ليس فيها مساواة.
ولا بُدَّ لنا من الاعتراف في الحال، أنَّ التراث العظيم للفلسفة السياسية يعتمد بصفةٍ عامة على كتابات الرجال، وللرجال، وعن الرجال. في حين أنَّ استخدام ألفاظٍ عامة جدًّا مثل «الإنسان» و«الجنس البشري» والضمير الضمني «هو» قد يُؤدِّي بالمرء إلى أن يعتقد أنَّ الفلاسفة كانوا يقصدون الإشارة إلى الجنس البشري ككل، وليس ثمَّة حاجةٌ إلى أن نبحث في مؤلفاتهم لنتحقَّق من أنَّ مثل هذا الزعم لا أساس له من الصحة؛ فنحن نجد «روسو» مثلًا يُخْبِر القارئ في كتابه «مقال عن أصول وأسس التفاوت بين الناس»: «إنَّني أتحدَّث عن الرجال أساسًا.» ومن ثم يُصبح من الواضح تمامًا أنَّ موضوع بحثه هو التفاوت بين الرجال على وجه الخصوص، وأنَّ التفاوت بين الجنسَين مُفترَض عَرَضًا.١ لقد أشار المؤيدون للمساواة في الماضي والحاضر — وهم على وعي تمامًا بمثل هذه الممارسات — إلى خطورة الغموض والالتباس في الاستخدام اللغوي في الثقافة الأبوية البطرياركية.٢ لأنَّها مكَّنت الفلاسفة من إعلان مبادئ كما لو أنَّ تطبيقها سيكون عامًّا، ثمَّ يسيرون نحو استبعاد النساء من الميدان.
حتَّى عندما استخدم الفلاسفة كلماتٍ تُشير في لغتهم الخاصة بشيءٍ من الغموض إلى «الموجود البشري»، فإنَّهم لم يشعُروا مطلقًا بأي عائقٍ يمنعهم من استبعاد النساء من النتائج التي توصَّلوا إليها؛ فقد ناقش أرسطو — مثلًا في شيءٍ من التفصيل — المقصود بالخير الأقصى بالنسبة للموجود البشري … Anthropos ثمَّ استمر بعد ذلك ليُحدِّد خصائص النساء جميعًا، بأنَّها ليست محرومة عن طريق العُرف فحسب، وإنَّما هي أساسًا بحسب تكوينها لا تتناسب مع هذا الخير الأقصى، ويستخدم كانط — من ناحيةٍ أخرى — أكثر الألفاظ عموميةً وشمولًا عن الذات البشرية في نظريته الأخلاقية والسياسية، بل إنَّه يقول أحيانًا إنَّه لا يحصر مناقشته على الموجودات البشرية، وإنَّما ينطبق حديثه على «الموجودات العاقلة بأَسْرها». وبعد ذلك يمضي لتبرير استخدام معيارٍ مزدوج عن الأخلاق الجنسية إلى الحد الذي يرى معه أنَّه لا بُدَّ من الصفح عن المرأة إنْ هي أقدمَت على قتل طفلها غير الشرعي؛ لأنَّ «من واجبها» أن تتمسَّك «بشرفها الجنسي» مهما كان الثمن، وهو أيضًا ينتهي إلى أنَّ الخاصية الوحيدة التي تجعل أيَّ شخصٍ على الدوام غير مُؤهَّل للمواطنة في الدولة — وبالتالي غير مُؤهَّل للالتزام بالقوانين التي تمَّت الموافقة عليها — هي أن يكون قد وُلِدَ أنثى.٣ وبالتالي فحتَّى كلمات «شخصي» و«إنساني» و«موجود عاقل» من الواضح أنَّها لا تشمل النساء بالضرورة.
ولقد كانت هذه الظاهرة مُمكِنة بسبب غموض اللغة والتباسها؛ وهو أمرٌ لا يقتصر على الفلسفة السياسية، والبيانات العظيمة في ثقافتنا السياسية أيضًا، مثل: «إعلان الاستقلال»، و«إعلان الدستور» التي تمَّت صياغتُها في ألفاظٍ عامة، على نحوِ ما يُوضِّح الفصل الذي خصَّصْناه عن النساء والقانون [الفصل الحادي عشر] فهذه الألفاظ كثيرًا ما تُؤَوَّل بطريقةٍ تستبعد النساء. وهكذا نجد أنَّه عندما أعلن الآباء المؤسِّسون٤ أنَّ «من الحقائق الواضحة أنَّ الناس جميعًا وُلِدُوا متساوين».٥ لم يقصدوا فقط إمكان استبعاد العبيد من هذا المجال، لكنَّهم كانوا أيضًا سعداء (كما قال جون آدمز لزوجته: لأنَّهم لم يُهمِلوا السيدات)، فاقترحوا أن تكون النساء مُتساوياتٍ أيضًا؛ فهذا أمرٌ واقع وهو ما ينبغي أن يكون.٦ وبالمثل فعلى الرغم من أنَّ صياغة الدستور قد استخدمَت لفظ «الأشخاص» إلَّا أنَّه لم تكن هناك أيَّة فكرةٍ واضحةٍ في أذهان واضعي هذا الدستور تجعل من الممكن تأويل كلمة «الأشخاص» بحيث تشمل النساء كما تشمل الرجال معًا.٧

إنَّنا نعرف أنَّ «الطبيعة البشرية» كما اكتشفها، ووصفها، فلاسفة مثل: أرسطو، وتوما الأكويني، وماكيافلِّي، ولوك، وروسو، وهيجل — وكثيرون آخرون — تميل إلى الإشارة إلى الطبيعة البشرية الذكورية فقط؛ وبالتالي فجميع الحقوق والحاجات التي اعتُبرت بشرية، لم تُدرك على أنَّه يُمكن تطبيقها على النصف الأنثوي من الجنس البشري؛ ومن ثَم فقد كان هناك — ولا يزال — داخل تراث الفلسفة السياسية والثقافة السياسية، ميلٌ مُتغلغل في هذا التراث لجعل العبارات العامة المزعومة كما لو كانت تعني أنَّ الجنس البشري لا ينقسم إلى جنسَين؛ ولذلك فهي إمَّا أن تتجاهل جنس الأنثى تمامًا، أو أن تسير في المناقشة من منظورٍ لا يتسق بتاتًا مع التأكيدات التي قيلت عن «الإنسان» و«الإنسانية».

وعلى الرغم من هذا التجاهل العام للنساء، فإنَّ هناك مجموعةً مهمة وممتعة من فلاسفة السياسة كان لديهم قدْرٌ كبير من الحديث عنهن، وتشمل الأجزاء الأربعة الأولى من هذا الكتاب تحليلًا لحُجَج أفلاطون، وأرسطو، وروسو، ومِل، حول موضوع النساء؛ طبيعتهن، تنشئتهن الاجتماعية، وتعليمهن، ودورهن المناسب، ووضعهن في المجتمع. ومِمَّا لا طائل تحته — إن لم يكن من المستحيل — أن نُعالج هذا الموضوعَ من فراغ؛ ومن ثم فإنَّ ما فعلتُه هو تحليل أفكار هؤلاء الفلاسفة عن النساء في سياق نظرياتهم السياسية والاجتماعية بأَسْرها، مع إشارةٍ خاصة لتصوُّر كل فيلسوفٍ عن دور الأسرة. ولقد فحصتُ خلال الدراسة الأفكار المختلفة عن النساء والحُجَج التي تدعم هذه الأفكار فيما يتعلَّق بمنطقها الداخلي واتساقها مع حُجَج ونتائج كل فيلسوفٍ عن الرجال، وعن السياسة، وعن المجتمع ككل، ومن الواضح أنَّه في اختياري لأربعة من الفلاسفة، فإنَّني لم أزعم قط أنَّني غطَّيتُ مُعالجة النساء داخل تراث الفلسفة السياسية بأَسْره؛ فبغض النظر عن خلاف الاشتراكيين الذين يحتاجون إلى تفسيرٍ خاص، فإنَّني اخترتُ هؤلاء الأربعة الذين كانوا من بين المُنظِّرين السياسيين أعظم مَن قدَّم إسهامًا أشد إقناعًا وفكرًا أكثر أهمية وإثارة في هذا الموضوع.

أمَّا المشكلة بالنسبة لماركس والماركسيين وغيرهم من الاشتراكيين، فهي أنَّنا إذا ما أخذناهم معًا لوجدنا أنَّ لديهم أشياء كثيرة قالوها، وأنَّ مثل هذا الاستبصار إذا ما قُدِّم في موضوع النساء في المجتمع، فإنَّه يحتاج إلى دراسةٍ قائمة بذاتها. ولقد كان اليوتوبي شارل فورييه،٨ أول مَن استخدم وضع النساء في المجتمع كمقياسٍ نقيس به تقدُّم هذا المجتمع، وكان كذلك أول مَنْ نظر إلى تقدُّم النساء نحو الحرية على أنَّه سببٌ أساسي للتقدُّم الاجتماعي العام: «أمَّا الأحداث الأخرى فهي تتأثَّر بهذه التغيُّرات السياسية.» فهو يُؤكِّد أنَّه «ليس ثمَّة سبب يُؤدِّي إلى التقدُّم أو الانهيار الاجتماعي بسرعةٍ قَدْر ما يُؤدِّي تغيُّر وضع النساء … إنَّ اتساع نطاق المزايا التي تحصُل عليها النساء هو السبب الأساسي في كل تقدُّمٍ اجتماعي.»٩ ولم يتجاهل الاشتراكيون، وأنصار المساواة بين الجنسين — أمثال فلورا ترستان، وماركس، وجون ستيوارت مِل — مبادرة فورييه؛ فقد طوَّر ماركس علاقة المساواة مع النساء، والتقدُّم الاجتماعي العام في مخطوطات عام ١٨٤٤م؛ يقول:
«علاقة الرجل بالمرأة هي أكثر العلاقات «طبيعية» بين موجودٍ بشري وموجودٍ بشري آخر؛ ومن ثمَّ فهي تُشير إلى أي حدٍّ أصبح سلوك الرجل الطبيعي سلوكًا إنسانيًّا، وإلى أي حدٍّ أصبحَت ماهيته الإنسانية، ماهية طبيعية بالنسبة له. وكيف أنَّ طبيعته البشرية، قد أصبحَت طبيعية بالنسبة له … ومن هذه العلاقة يُمكن تقييم مستوى تطوُّر الإنسان ككل …»١٠
وعلى الرغم من أنَّ ماركس نفسه لم يُطوِّر هذه الفكرة كموضوعٍ رئيسي في أعماله فإنَّ إنجلز، وببل Bebel١١ والمنظِّرين التقدميِّين في مدرسة فرانكفورت قد طوَّروا على نحوٍ أبعد، الانتقادات الاجتماعية لوضع المرأة في المجتمع والأسرة التقليدية.
وتحتاج الكتابات الاشتراكية عن النساء إلى دراسةٍ قائمةٍ بذاتها، بسبب سمتَين تختصُّ بهما الأنماط الاشتراكية في التفكير وإن لم تكن فريدةً فيهما. السمة الأولى: أنَّ المُنظرين الاشتراكيين كانوا أقلَّ ميلًا من مُعظم المُنظِّرين السياسيين الآخرين إلى النظر إلى الأسرة على أنَّها مؤسَّسة بشرية ضرورية، كما أنَّهم كانوا على وعيٍ تام بالعلاقة بين الأشكال المختلفة لمؤسسة الأسرة، والأشكال المختلفة للبنية الاقتصادية لا سيما علاقات المِلكية الخاصة. وهذا يعني أنَّ معظم الاشتراكيين — لا جميعهم — كتبوا عن دور المرأة داخل الأسرة، أكثر مِمَّا تقبَّلوها كما هي.
السمة الثانية: من المُلاحظ أنَّ الفكر الاشتراكي تُعوِزه النزعة إلى جعل «الطبيعة» و«الطبيعي» مثالية، ولديه ميلٌ إلى إحلال هذه المعايير الخاصة بالامتياز الاجتماعي محل ما هو «إنساني» و«ثقافي» بوجهٍ خاص. وإلى حدٍّ كبير بسبب أهمية هذَين النمطَين من التفكير في موضوع النساء كانت مساهمة الاشتراكيين في هذا الموضوع ذات أهميةٍ ملحوظةٍ تمامًا. أمَّا دراسة هذه المساهمة فهي مهمةٌ آمل أن أقوم بها؛ بحيث يمكن أن نعُد كتابنا الحالي بمثابة الأساس الجوهري لها.

من التحليل الذي قمتُ به لحُجَج ونتائج: أفلاطون، وأرسطو، وروسو، ومِل فيما يتعلَّق بالنساء ودورهن السياسي والاجتماعي المناسب، ينبثق موضوعان مترابطان:

  • الأول: أنَّ العامل الأكثر أهمية وتأثيرًا في تصوُّر الفلاسفة وحُجَجهم عن النساء هو نظرة كل فيلسوفٍ للأسرة؛ فالفلاسفة الذين نظروا إلى الأسرة على أنَّها مؤسسةٌ طبيعية وضرورية حدَّدوا النساء بوظائفهن الجنسية، والإنجاب، وتربية الأطفال ورعايتهم داخل الأسرة. ولقد أدَّى ذلك إلى فرضِ مجموعةٍ من القواعد الأخلاقية، تصوُّرًا لحقوق النساء يختلف بطريقةٍ متميزةٍ عن الحقوق المفروضة للرجال. وإذن فالزعم بضرورة الأسرة قد أدَّى بالمُنظِّرين إلى النظر إلى الفروق البيولوجية بين الجنسَين على أنَّها تستلزم جميع الفروق الأخرى الخاصة بالعُرف والعادات والمؤسَّسات، وفروق الدور الذي يقوم به الجنس داخل الأسرة لا سيما في شكلها الأبوي-البطرياركي.
  • والموضوع الثاني: هو نتيجة للموضوع الأول؛ فقد نُظر إلى الدور الذي انحصرَت فيه المرأة على أنَّه دورٌ أملَته عليها طبيعتها ذاتها. وهكذا نجد أنَّه حيثما يُناقش الفلاسفة موضوعَ النساء صراحة فإنَّهم — في الأعم الأغلب — لا يمدُّون إليهن تصوُّراتهم المختلفة عن «طبيعة البشرية»؛ فهم لم يُخصِّصوا للنساء دورًا متميزًا فحسب، وإنَّما عرَّفوهن بطريقةٍ منفصلة، وكثيرًا ما تكون مُعارضةً للرجال؛ فهم يبحثون في طبيعة النساء — لا على نحو ما يبحثون في طبيعة الرجال — أي محاولين أن يفصلوا الطبيعة عن نتائج التطبُّع (أو التربية)، وأن يكتشفوا العوامل الفطرية الكامنة الموجودة خلف الغشاء الذي أنتجَته التنشئة الاجتماعية والعوامل البيئية الأخرى؛ بل إنَّ طبيعة النساء تُرى بدلًا من ذلك، كشيءٍ أملَته البنية الاجتماعية والاقتصادية التي يُفضِّلها الفلاسفة، وتُعرَّف على أنَّها تُناسب أفضل وظائفها التي يُحدِّدها لها ذلك المجتمع.

أمَّا الفلاسفة الذين يتساءلون، وهم يضعون قواعد نظرياتهم السياسية: «ماذا يُشبه الرجال؟» ما القوة الكامنة في الرجل؟ فإنَّهم يتجهون — في الأعم الأغلب — إلى جنس الأنثى ويتساءلون: «من أجل ماذا تكون النساء؟» فهناك إذن رابطةٌ لا يُمكن إنكارها بين «الطبيعة الأنثوية» المُحدَّدة والبنية الاجتماعية، والموقف الوظيفي تجاه المرأة ينتشر في تاريخ الفكر السياسي.

والنتائج المستخلَصة هنا هي:

  • أولًا: لا يمكن إضافة النساء ببساطة إلى موضوع النظرية السياسية الموجودة؛ لأنَّ أعمال التُراث الفلسفي تقوم إلى حدٍّ كبير جدًّا على الزعم بالتفاوت وعدم المساواة بين الجنسَين. وفي حالة المنظِّرين الذين تكون للمساواة بالنسبة لهم — بشكلٍ أو بآخر — قيمةٌ كبيرة، فإنَّ مُعالجة لا مساواة النساء تتجه إلى أن تتوارى خلف الحديث عن رأس الأُسرة الذكر أكثر من الفرد الناضج أو الراشد، باعتباره الوحدة الأولية في التحليل السياسي. والواقع أنَّ مُعالجة المساواة التامة للنساء، تنطوي على ما هو أكثر كثيرًا من حق التصويت؛ إذ إنَّها تحتاج إلى إعادة التفكير في معظم المزاعم الأساسية في الفلسفة السياسية، كما أنَّها تحتاج إلى دراسة الأسرة واعتماد المرأة تقليديًّا عليها ودورها التابع لها.
  • ثانيًا: لمَّا كنا قد فحصنا بعض النظريات النافذة عن النساء في القرن العشرين، وحلَّلنا التمييز القانوني ضد النساء، فقد أصبح واضحًا أنَّ هذه المشاعر لا بُدَّ أن تكون موضعَ اهتمامٍ عام، وليس بالنسبة للمؤرخين أو دارسي النظرية السياسية وحدهم؛ فالمعالجة الوظيفية للنساء من وجهة النظر المألوفة عن طبيعة النساء، ونمط الحياة المناسب الذي يقوم على دورها ووظائفها في بنية الأسرة الأبوية لا يزال حيًّا ومُؤثِّرًا في يومنا الراهن، والشخصيات العملاقة في علم الاجتماع الحديث، وعلم النفس المعاصر، تعرض حُجَجًا عن النساء تُوازي حُجَج «أرسطو»، و«روسو». وفضلًا عن ذلك، فإذا نحن فحصنا الآراء التي هبطَت إلينا من المحاكم العليا في البلاد في القضايا التي تتضمَّن التفرقة بين الجنسَين، فإنَّنا نجد هنا أيضًا أنَّ القضاة يستخدمون استدلالاتٍ وظيفيةً ذات طابعٍ أرسطيٍّ مُذهل لكي يبرِّروا معالجتهم النساء كطبقةٍ مستقلة أو منفصلة. وهكذا نتأكَّد من أنَّ الفهم العميق لهذا النمط من الحُجَج يُمكن أن يُساعدنا في رؤية السبب الذي جعل النساء — رغم حصولهن على الحقوق السياسية — لا يزلن مواطناتٍ من الدرجة الثانية.

وتحتاج الفصول التي تلت ذلك إلى كلمة تفسيرٍ إضافية؛ فمن الواضح أنَّ هناك أنواعًا كثيرة من اللامساواة في العالم الواقعي وفي النظرية السياسية معًا، ونحن هنا لم نُعالج سوى نوعٍ واحد منها هو اللامساواة في معالجة النساء. والمواقف التي اتخذَتها النظريات السياسية كما سيتضح حول الأنواع الأخرى من نظريات المساواة واللامساواة لا تُوازي بالضرورة ولا حتَّى تتَّفق مع آرائها حول معالجة المساواة واللامساواة بين الجنسَين؛ فأولئك الذين ذهبوا إلى ضرورة وجود مساواةٍ تامة وفعلية بين الجنسَين تُصبح أحيانًا عدم مساواة من زوايا أخرى. كما أنَّ بعض الفلاسفة — من ناحيةٍ أخرى — الذين قدَّموا حُجَجًا قوية بالنسبة للمساواة بين الرجال، عارضوا بنفس القوة المساواة بالنسبة للنساء. ولم أقم بمناقشة ذلك باستثناء موقف الفيلسوف من المساواة العامة أو اللامساواة العامة ما يؤثِّر في حُجَجه بالنسبة للفروق بين الجنسَين، أو لتوضيح عرض هذه الحُجَج. وليس ذلك بسبب أنَّني أنظر إلى الأنواع الأخرى من اللامساواة على أنَّها غير مهمة، بل بالأحرى بسبب أنَّ المعالجة غير العادلة للنساء، قد ظلَّت مهملة طويلًا للأسف بين مدارس الفكر السياسي. والأنواع الأخرى من اللامساواة: اللامساواة في الطبقة بصفةٍ خاصة، وأيضًا اللامساواة القائمة على الجنس، والدين، والطبقة، والأصل العرقي، لم نتجاهلها بصفةٍ مستمرة.

هذا الكتاب بمعنًى ما يمكن مقارنته بمسرحيته «مات روزنكرانس وجلدرنشترن»؛ ففي هذه المسرحية التي بُنيت أساسًا على مسرحية «هاملت»، يُشدِّد «توم ستوبارد»١٢ على هذا الزوج المراوغ أصلًا ويجعلهما، بدلًا من البطل التقليدي، في بؤرةٍ أساسية من المسرحية، وبناءً على ذلك فإنَّ المسرحية، وجميع شخصياتها وعلاقاتهم بعضهم ببعض تُرى من منظورٍ جديد تمامًا. وبالمثل فعندما تتحوَّل النساء اللائي كنَّ شخصياتٍ ضعيفة باستمرار، في النظريات السياسية والاجتماعية في العالم الأبوي إلى شخصياتٍ رئيسية، فإنَّ المسرحية، بل الشكل كله، الذي تُمثَّل فيه، يبدو مختلفًا أتمَّ الاختلاف.
١  The First and Second Discourse, p. 101.
٢  تُعدُّ ماري وليستون كرافت من أوائل المُؤيدين للمساواة الذين أشاروا إلى هذا الشذوذ في المعالجة، وذلك في كتابها «دفاع عن حقوق المرأة» وهو عملٌ رائد في تصحيح اللغة والتوجه نحو الليبرالية ممثلة في عصرها في «توماس بين» وإعلان الثورة الفرنسية لحقوق الإنسان. راجع في مناقشتَين حديثتَين للتفرقة بين الجنسَين الملازمة للغة:
Elizabeth Lane Beardsley: Referential Genderization and Sheila Rowbotham: Woman’s Consciousness, Man’s World, pp. 34–38.
٣  Kant’s Political Writings, trans. H. B. Nisbet, ed. Hans Reiss. Cambridge, 1970, pp. 43–47, 78, 158-159.
٤  تقصد المُؤلِّفة بالآباء المؤسسين مجموعة المُفكِّرين الذين صاغوا لأول مرة وثيقة إعلان الاستقلال في ٤ يوليو عام ١٧٧٦م، في الولايات المتحدة من أمثال «جيفرسون» و«لنكولن» و«جون آدمز» وغيرهم، وكان لهم دورٌ كبيرٌ في تأسيس الولايات المتحدة واستقلالها. (المترجم)
٥  هذه هي العبارة الأولى في وثيقة إعلان الاستقلال:
«إنَّنا نؤمن بأنَّ هذه الحقائق واضحة بذاتها. وهي أنَّ الناس قد خُلِقُوا سواسية، وأنَّ خالقهم قد حباهم بحقوقٍ معينة هي جزء من طبيعتهم …» وهي نفسها المبادئ التي سوف يتأسَّس عليها دستور الولايات المتحدة بعد ذلك بأحدَ عشرَ عامًا. (المترجم)
٦  مقتبس من مراسلات جون آدمز، انظر كتاب:
Alice Rossi: The Feminist Papers, NY, 1973, pp. 9–11.
٧  انظر مثلًا، فيما بعدُ، بداية الفصل الحادي عشر، لمعرفة رأي جيفرسون في هذا الموضوع.
٨  شارل فورييه Charles Fourier (١٧٧٢–١٨٣٧م) فيلسوف وعالم اقتصاد فرنسي يُعتبر رائدًا من أبرز رواد الاشتراكية في فرنسا. (المترجم)
٩  The Utopian Vision of Charles Fourier, pp. 195-196.
١٠  Karl Marx: Early Writings, p. 154.
١١  أوجست ببل A. Bebel (١٨٤٠–١٩١٣م) زعيم اشتراكي ديمقراطي ألماني، انضم إلى الحركة العمالية الألمانية عام ١٨٦١م، ثمَّ اعتنق الاشتراكية. وكان أحد قادة الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني من ١٩١٢-١٩١٣م. (المترجم)
١٢  توم ستوبارد Tom Stoppard كاتب مسرحي إنجليزي وُلِدَ عام ١٩٢٧م في تشكسلوفاكيا — معظم مسرحياته كوميدية وكثيرًا ما تُعالج مشكلاتٍ ميتافيزيقية وأخلاقية — أشهر مسرحياته هي التي تُشير إليها المؤلِّفة، وقد أصدرها عام ١٩٦٦م. (المترجم)

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦