مدخل
لقد أدَّت الحركة الحالية المؤيدة للمساواة بين الجنسَين إلى قَدْرٍ ملحوظٍ من اتساع المعرفة في مجالاتٍ لم تكن مطروقةً من قبلُ؛ فتركيز الانتباه حديثًا على النساء في ميادين: التاريخ، والدراسات القانونية، والأنثروبولوجيا، وعلم الاجتماع، والنقد الأدبي، أدَّى إلى عدد من الأعمال الإبداعية المهمة، حتَّى إنَّنا لا نُبالِغ إذا قلنا: إنَّ هذه المجالات لن يُنظَر إليها بعد ذلك على نحوِ ما كانت من قبلُ، لكن أحدًا حتَّى الآن لم يفحَص بعدُ، في شيءٍ من الاتساق، مُعالجةَ موضوعِ النساء في الأعمال الكلاسيكية في الفلسفة السياسية، تلك الأعمال التي كشف فيها المُفكِّرون العظام عبْر التاريخ أفكارهم عن الحياة السياسية والاجتماعية للجنس البشري للتقليل مِمَّا ترتَّب على ذلك من هوَّة في معرفتنا.
ومن المهم أن نُدرك منذ البداية أنَّ تحليل أفكار النظريات السياسية التي ظهرَت في الماضي ونقدها، ليس بحثًا أكاديميًّا مُلغزًا، وإنَّما هو وسيلةٌ مهمة للكشف عنه، وكذلك فهم المزاعم الكامنة وراء أنماط التفكير المُتأصِّلة بعمق، التي استمرت تؤثِّر في حياة الناس بطرقٍ رئيسية. ولقد أصبحت النساء — خلال القرن الحالي رسميًّا — مواطناتٍ بالفعل في كل بلدٍ من بلدان العالم الأوروبي، وفي كثيرٍ من بقية أنحاء العالم أيضًا؛ فبعد أن كنَّ مستبعداتٍ تمامًا، ومعزولاتٍ — في مجالٍ خاصٍّ هو مجال الأسرة — أصبحن عضواتٍ لهن حقوقٌ في عالم السياسة. غير أنَّ النساء يعترفن، على نحوٍ متزايد، بأنَّ المكاسب السياسية والرسمية المحدودة التي حصلَت عليها الحركة النسائية المبكِّرة لم تضمن على الإطلاق بلوغَهن المساواةَ الحقيقيةَ في الجوانب الاقتصادية والاجتماعية من حياتهن؛ فعلى الرغم من أنَّ النساء الآن مواطنات، فإنَّ الشيء الذي لا يُمكن إنكاره أنَّهن بقين مواطناتٍ من الدرجة الثانية. إذا قيسَت من منظور الخصائص التي يُقيَّم على أساسها المواطنون — تقليديًّا — كالتعليم، والاستقلال الاقتصادي، أو الوضع الوظيفي فلا يزلن خلف الرجال. وبالمثل إذا قيست هذه المكاسب من منظور المشاركة السياسية — لا سيما في المستويات العليا، والسلطة السياسية — فإنَّهنَّ لم يقتربن في أي مكانٍ من المساواة مع الرجال. وفضلًا عن ذلك فقد كانت النساء في العقود السابقة يُطالبن بهذه المساواة الجوهرية، وبوضع حدٍّ لإبعادهن وعزلهن في مجال المواطنة من الدرجة الثانية؛ فقد ادعين أنَّ لهنَّ الحقَّ في أن يكنَّ عضواتٍ في المجتمع ومواطناتٍ في الدولة، على نفس مستوى الرجال. ولقد تمَّ — من حيث المبدأ على الأقل — الاعترافُ بهذه الدعاوى.
والقول بأنَّ النساء قد اكتسبن حقوق المواطنة الرسمية، لكن لم يتحقَّق لهن من أيَّة زاوية أخرى المساواة مع الرجال، دفعني أن أتَّجه نحو الأعمال العظيمة في الفلسفة السياسية، وفي ذهني سؤالان أساسيان:
- أمَّا السؤال الأول: فقد تساءلتُ عمَّا إذا كان التراث الموجود في الفلسفة السياسية يؤكِّد دخول النساء في موضوعها؟ وإن لم يكن، فلماذا؟ لأنَّه إذا كانت الأعمال التي شكَّلَت أساسَ تراثنا السياسي والفلسفي مناسبةً في عالم قد تمَّ فيه تحدي وضع اللامساواة للنساء جذريًّا، فلا بُدَّ لنا من أن نعترفَ بأنَّ المزاعمَ والنتائجَ ترتبط داخليًّا بفكرة أنَّ الجنسَين هما أساسًا — ولا بُدَّ أن يكونا — غير متساويَين.
- والسؤال الثاني: ومن الواضح أنَّه يرتبط بالسؤال الأول؛ فقد حاولتُ أن أكتشف ما إذا كانت حُجَج الفلاسفة عن طبيعة النساء ووضعهن الصحيح في النظام الاجتماعي والسياسي، يمكن أن تُساعدنا — في سياق النظريات السياسية الكاملة للفلاسفة — على فهم السبب في أنَّ حصولَ النساء على حقوقهن السياسية والرسمية لم يُؤدِّ إلى مساواةٍ حقيقية وجوهرية بين الجنسَين … ولستُ أهدفُ من ذلك القيام بأي ربطٍ سببي بين حُجَج وأفكار الفلاسفة العظام من ناحية، والأفكار والممارسات الحديثة من ناحيةٍ أخرى، لكنَّني أذهب إلى أنَّ أنماط التفكير من النساء التي تسير في موازاةٍ تامةٍ مع بعض أنماط تفكير الفلاسفة التي ناقشناها هنا لا تزال منتشرةً في كتابات المُفكِّرين المعاصرين، وفي أيديولوجيات الممثِّلين السياسيين، والمؤسَّسات السياسية المعاصرة، ولقد برهنَّا على صحة هذه الدعوى في الجزء الخامس، عندما اتجهنا إلى تحليل بعض الآراء المعاصرة الحاسمة عن النساء مثل آراء علماء الاجتماع من ذوي النفوذ، والمحاكم العليا في الولايات المتحدة، واكتشفتُ تشابهاتٍ مذهلةً بينها وبين أفكار النظريات السياسية التي قمتُ بتحليلها في الفصول السابقة. وعن طريق الدراسة النقدية للحُجَج التي تصوَّرَتْها عن النساء مجموعةٌ من أرفع العقول في تاريخ الفكر الغربي، فإنِّي لآملُ أن أضيفَ شيئًا لفهمنا للحُجَج الحديثة التي توازيها في الطرق والأساليب المهمة، والتي تُشكِّل محاولةً مستمرةً لتبرير معاملة النساء بطُرقٍ ليس فيها مساواة.
إنَّنا نعرف أنَّ «الطبيعة البشرية» كما اكتشفها، ووصفها، فلاسفة مثل: أرسطو، وتوما الأكويني، وماكيافلِّي، ولوك، وروسو، وهيجل — وكثيرون آخرون — تميل إلى الإشارة إلى الطبيعة البشرية الذكورية فقط؛ وبالتالي فجميع الحقوق والحاجات التي اعتُبرت بشرية، لم تُدرك على أنَّه يُمكن تطبيقها على النصف الأنثوي من الجنس البشري؛ ومن ثَم فقد كان هناك — ولا يزال — داخل تراث الفلسفة السياسية والثقافة السياسية، ميلٌ مُتغلغل في هذا التراث لجعل العبارات العامة المزعومة كما لو كانت تعني أنَّ الجنس البشري لا ينقسم إلى جنسَين؛ ولذلك فهي إمَّا أن تتجاهل جنس الأنثى تمامًا، أو أن تسير في المناقشة من منظورٍ لا يتسق بتاتًا مع التأكيدات التي قيلت عن «الإنسان» و«الإنسانية».
وعلى الرغم من هذا التجاهل العام للنساء، فإنَّ هناك مجموعةً مهمة وممتعة من فلاسفة السياسة كان لديهم قدْرٌ كبير من الحديث عنهن، وتشمل الأجزاء الأربعة الأولى من هذا الكتاب تحليلًا لحُجَج أفلاطون، وأرسطو، وروسو، ومِل، حول موضوع النساء؛ طبيعتهن، تنشئتهن الاجتماعية، وتعليمهن، ودورهن المناسب، ووضعهن في المجتمع. ومِمَّا لا طائل تحته — إن لم يكن من المستحيل — أن نُعالج هذا الموضوعَ من فراغ؛ ومن ثم فإنَّ ما فعلتُه هو تحليل أفكار هؤلاء الفلاسفة عن النساء في سياق نظرياتهم السياسية والاجتماعية بأَسْرها، مع إشارةٍ خاصة لتصوُّر كل فيلسوفٍ عن دور الأسرة. ولقد فحصتُ خلال الدراسة الأفكار المختلفة عن النساء والحُجَج التي تدعم هذه الأفكار فيما يتعلَّق بمنطقها الداخلي واتساقها مع حُجَج ونتائج كل فيلسوفٍ عن الرجال، وعن السياسة، وعن المجتمع ككل، ومن الواضح أنَّه في اختياري لأربعة من الفلاسفة، فإنَّني لم أزعم قط أنَّني غطَّيتُ مُعالجة النساء داخل تراث الفلسفة السياسية بأَسْره؛ فبغض النظر عن خلاف الاشتراكيين الذين يحتاجون إلى تفسيرٍ خاص، فإنَّني اخترتُ هؤلاء الأربعة الذين كانوا من بين المُنظِّرين السياسيين أعظم مَن قدَّم إسهامًا أشد إقناعًا وفكرًا أكثر أهمية وإثارة في هذا الموضوع.
من التحليل الذي قمتُ به لحُجَج ونتائج: أفلاطون، وأرسطو، وروسو، ومِل فيما يتعلَّق بالنساء ودورهن السياسي والاجتماعي المناسب، ينبثق موضوعان مترابطان:
- الأول: أنَّ العامل الأكثر أهمية وتأثيرًا في تصوُّر الفلاسفة وحُجَجهم عن النساء هو نظرة كل فيلسوفٍ للأسرة؛ فالفلاسفة الذين نظروا إلى الأسرة على أنَّها مؤسسةٌ طبيعية وضرورية حدَّدوا النساء بوظائفهن الجنسية، والإنجاب، وتربية الأطفال ورعايتهم داخل الأسرة. ولقد أدَّى ذلك إلى فرضِ مجموعةٍ من القواعد الأخلاقية، تصوُّرًا لحقوق النساء يختلف بطريقةٍ متميزةٍ عن الحقوق المفروضة للرجال. وإذن فالزعم بضرورة الأسرة قد أدَّى بالمُنظِّرين إلى النظر إلى الفروق البيولوجية بين الجنسَين على أنَّها تستلزم جميع الفروق الأخرى الخاصة بالعُرف والعادات والمؤسَّسات، وفروق الدور الذي يقوم به الجنس داخل الأسرة لا سيما في شكلها الأبوي-البطرياركي.
- والموضوع الثاني: هو نتيجة للموضوع الأول؛ فقد نُظر إلى الدور الذي انحصرَت فيه المرأة على أنَّه دورٌ أملَته عليها طبيعتها ذاتها. وهكذا نجد أنَّه حيثما يُناقش الفلاسفة موضوعَ النساء صراحة فإنَّهم — في الأعم الأغلب — لا يمدُّون إليهن تصوُّراتهم المختلفة عن «طبيعة البشرية»؛ فهم لم يُخصِّصوا للنساء دورًا متميزًا فحسب، وإنَّما عرَّفوهن بطريقةٍ منفصلة، وكثيرًا ما تكون مُعارضةً للرجال؛ فهم يبحثون في طبيعة النساء — لا على نحو ما يبحثون في طبيعة الرجال — أي محاولين أن يفصلوا الطبيعة عن نتائج التطبُّع (أو التربية)، وأن يكتشفوا العوامل الفطرية الكامنة الموجودة خلف الغشاء الذي أنتجَته التنشئة الاجتماعية والعوامل البيئية الأخرى؛ بل إنَّ طبيعة النساء تُرى بدلًا من ذلك، كشيءٍ أملَته البنية الاجتماعية والاقتصادية التي يُفضِّلها الفلاسفة، وتُعرَّف على أنَّها تُناسب أفضل وظائفها التي يُحدِّدها لها ذلك المجتمع.
أمَّا الفلاسفة الذين يتساءلون، وهم يضعون قواعد نظرياتهم السياسية: «ماذا يُشبه الرجال؟» ما القوة الكامنة في الرجل؟ فإنَّهم يتجهون — في الأعم الأغلب — إلى جنس الأنثى ويتساءلون: «من أجل ماذا تكون النساء؟» فهناك إذن رابطةٌ لا يُمكن إنكارها بين «الطبيعة الأنثوية» المُحدَّدة والبنية الاجتماعية، والموقف الوظيفي تجاه المرأة ينتشر في تاريخ الفكر السياسي.
والنتائج المستخلَصة هنا هي:
- أولًا: لا يمكن إضافة النساء ببساطة إلى موضوع النظرية السياسية الموجودة؛ لأنَّ أعمال التُراث الفلسفي تقوم إلى حدٍّ كبير جدًّا على الزعم بالتفاوت وعدم المساواة بين الجنسَين. وفي حالة المنظِّرين الذين تكون للمساواة بالنسبة لهم — بشكلٍ أو بآخر — قيمةٌ كبيرة، فإنَّ مُعالجة لا مساواة النساء تتجه إلى أن تتوارى خلف الحديث عن رأس الأُسرة الذكر أكثر من الفرد الناضج أو الراشد، باعتباره الوحدة الأولية في التحليل السياسي. والواقع أنَّ مُعالجة المساواة التامة للنساء، تنطوي على ما هو أكثر كثيرًا من حق التصويت؛ إذ إنَّها تحتاج إلى إعادة التفكير في معظم المزاعم الأساسية في الفلسفة السياسية، كما أنَّها تحتاج إلى دراسة الأسرة واعتماد المرأة تقليديًّا عليها ودورها التابع لها.
- ثانيًا: لمَّا كنا قد فحصنا بعض النظريات النافذة عن النساء في القرن العشرين، وحلَّلنا التمييز القانوني ضد النساء، فقد أصبح واضحًا أنَّ هذه المشاعر لا بُدَّ أن تكون موضعَ اهتمامٍ عام، وليس بالنسبة للمؤرخين أو دارسي النظرية السياسية وحدهم؛ فالمعالجة الوظيفية للنساء من وجهة النظر المألوفة عن طبيعة النساء، ونمط الحياة المناسب الذي يقوم على دورها ووظائفها في بنية الأسرة الأبوية لا يزال حيًّا ومُؤثِّرًا في يومنا الراهن، والشخصيات العملاقة في علم الاجتماع الحديث، وعلم النفس المعاصر، تعرض حُجَجًا عن النساء تُوازي حُجَج «أرسطو»، و«روسو». وفضلًا عن ذلك، فإذا نحن فحصنا الآراء التي هبطَت إلينا من المحاكم العليا في البلاد في القضايا التي تتضمَّن التفرقة بين الجنسَين، فإنَّنا نجد هنا أيضًا أنَّ القضاة يستخدمون استدلالاتٍ وظيفيةً ذات طابعٍ أرسطيٍّ مُذهل لكي يبرِّروا معالجتهم النساء كطبقةٍ مستقلة أو منفصلة. وهكذا نتأكَّد من أنَّ الفهم العميق لهذا النمط من الحُجَج يُمكن أن يُساعدنا في رؤية السبب الذي جعل النساء — رغم حصولهن على الحقوق السياسية — لا يزلن مواطناتٍ من الدرجة الثانية.
وتحتاج الفصول التي تلت ذلك إلى كلمة تفسيرٍ إضافية؛ فمن الواضح أنَّ هناك أنواعًا كثيرة من اللامساواة في العالم الواقعي وفي النظرية السياسية معًا، ونحن هنا لم نُعالج سوى نوعٍ واحد منها هو اللامساواة في معالجة النساء. والمواقف التي اتخذَتها النظريات السياسية كما سيتضح حول الأنواع الأخرى من نظريات المساواة واللامساواة لا تُوازي بالضرورة ولا حتَّى تتَّفق مع آرائها حول معالجة المساواة واللامساواة بين الجنسَين؛ فأولئك الذين ذهبوا إلى ضرورة وجود مساواةٍ تامة وفعلية بين الجنسَين تُصبح أحيانًا عدم مساواة من زوايا أخرى. كما أنَّ بعض الفلاسفة — من ناحيةٍ أخرى — الذين قدَّموا حُجَجًا قوية بالنسبة للمساواة بين الرجال، عارضوا بنفس القوة المساواة بالنسبة للنساء. ولم أقم بمناقشة ذلك باستثناء موقف الفيلسوف من المساواة العامة أو اللامساواة العامة ما يؤثِّر في حُجَجه بالنسبة للفروق بين الجنسَين، أو لتوضيح عرض هذه الحُجَج. وليس ذلك بسبب أنَّني أنظر إلى الأنواع الأخرى من اللامساواة على أنَّها غير مهمة، بل بالأحرى بسبب أنَّ المعالجة غير العادلة للنساء، قد ظلَّت مهملة طويلًا للأسف بين مدارس الفكر السياسي. والأنواع الأخرى من اللامساواة: اللامساواة في الطبقة بصفةٍ خاصة، وأيضًا اللامساواة القائمة على الجنس، والدين، والطبقة، والأصل العرقي، لم نتجاهلها بصفةٍ مستمرة.
Elizabeth Lane Beardsley: Referential Genderization and Sheila Rowbotham: Woman’s Consciousness, Man’s World, pp. 34–38.
«إنَّنا نؤمن بأنَّ هذه الحقائق واضحة بذاتها. وهي أنَّ الناس قد خُلِقُوا سواسية، وأنَّ خالقهم قد حباهم بحقوقٍ معينة هي جزء من طبيعتهم …» وهي نفسها المبادئ التي سوف يتأسَّس عليها دستور الولايات المتحدة بعد ذلك بأحدَ عشرَ عامًا. (المترجم)