ملحق للفصل الثاني
الشروح المدرسية التي قدَّمها الباحثون عن أول ما كتب أفلاطون من «أمواج المفارقات»،
تُناهض بشدة فكرة أن تتبوَّأ المرأة مكانةً مُساويةً لمكانة الرجل حتَّى في أكثر المجتمعات
«يوتوبية». ولقد كتبَت مؤخرًا «كريستين بيرس» موضوعًا في غاية الإثارة عن هذا الجانب
من
دراسة أفلاطون، فتوصَّلَت إلى أنَّ الانجرافات البعيدة التي سبق إليها «الباحثون
الخُلَّص»، و«الرجال المُفكِّرون»، عند تقديم تفسيراتٍ مثيرة للجدل لفقراتٍ واضحة ومباشرة
في الكتاب الخامس من «الجمهورية» — هي مثالٌ صارخ للنزعة إلى «إعلاء العادات والمعتقدات
الخاصة بشخصٍ ما فوق الفلسفة الماضية …»١
وهي تتناول في بحثها، بشكلٍ وافٍ، الاعتراضات على مقترحات أفلاطون الراديكالية عن
المرأة، التي ساقها علماء الجيل السابقون؛ أ. تيلور، دارنست باركر — كما أنَّها تكثيف
عن افتقاد الأساس في اتهام «ليون شتراوس» أنَّ محاولة مساواة المرأة هي ببساطة أحد
الأمثلة التي يُوضِّح فيها أفلاطون بمهارة — طريق «التجريد من الجسد» ومن الحب الشهواني
Eros — أنَّ المدينة العادلة هي ضد الطبيعة؛ وبالتالي يستحيل وجودها. أمَّا الجانب
الوحيد الهام الذي تُغطِّيه الدراسة فهو معالجة «ألان بلون» لتناول أفلاطون
للمرأة.
لقد عُرِفَت ترجمة «بلوم» للجمهورية بسرعة على أنَّها من أكثر الترجمات دقة؛ ولهذا
السبب يُصبح من الأمور الجوهرية أن يتم انتقاد الأخطاء والأمور الغريبة الموجودة في
تعليقه على قسمَي ٤٤٩أ – و٤٧٣ج؛ حيث يذكُر «بلوم» أنَّه في الوقت الذي كان فيه اقتراح
سقراط عند هذه النقطة قاسيًا فإنَّه لم يكن غريبًا؛ فإنَّ أول موجتَين من الكتاب الخامس
هي «تصوُّرات منافية للعقل». «والتي لم توجد قط في واقع أو أفكار الرجال الجادين.»٢ وكما يذكُر «بلوم» فإنَّ الكتاب الخامس بازدرائه للعُرف والطبيعة، وفي جرحه
لكافة المدركات لكبرياء وخجل الذكور، والأسرة، وفن إدارة الحكم، والمدنية يُنافي العقل؛
ولهذا «فقد كان سقراط يتوقَّع أن يُعامَلَ باستخفاف.»٣ ويزعم «بلوم» أنَّ الغرض من ذلك تقديم دليل لأرستوفان على أنَّ سقراط
يستطيع أن يكتب كوميديا أخفَّ منه ظلًّا.٤
وفضلًا عن ذلك فعلى حين أنَّ سقراط يُؤكِّد بنفسه أنَّ موجته الثالثة من المفارقات
«هي الأكبر والأشد صعوبة» — فإنَّ بلوم يذكُر «أنَّ فكرة الملوك الفلاسفة ليست في ذاتها
مفارقة بالنسبة لنا»، و«أنَّ الرجال العصريين» قد يجدون أنَّ هذه الموجة الثالثة «أقل
عرضة للاستنكار» سواء بالنسبة لإلغاء الأسرة أو فكرة منح المرأة دورًا مُساويًا.٥ وفي توسيع لحُجَّة شتراوس شرع يُبيِّن أنَّ نسيان سقراط للجسد عند مناقشة
معالجة الحُرَّاس من النساء» — هو مُؤشِّرٌ أكيد للقارئ للاستحالة الجوهرية للمدينة
الفاضلة.
أولًا: يشرع بلوم في تناول اقتراح سقراط أنَّ تدريب
كلٍّ من الجنسَين. وهما مجردان من الملابس، ويقول إنَّ ذلك يؤدي إلى الشهوانية؛ فالعُرْي
العام مباحٌ فقط حيث ينعدم احتمال أن يُؤدِّي ذلك إلى الرغبة الجنسية، ويستعين بمثالٍ
يبدو ساذجًا في السياق اليوناني، وهو أنَّه من الممكن تواجد الرجال معًا في حالة عُري
«لأنَّه من السهولة — نسبيًّا — تجريد علاقاتهم معًا من الصفات الجنسية!»٦ ومع ذلك فإنَّ بلوم يعكس موقفه — فيما يبدو — ويذكر أنَّ عُري الرجال
والنساء معًا هو هراء لأنَّ «الخجل هو مُكوِّن للعلاقات الشهوانية بين الرجال والنساء
…»٧ والذي يُعدُّ بدوره أساسيًّا للحفاظ على المدنية. ومن الواضح أنَّ مصدر
الخوف هنا ينبع من أنَّ العُري سيقود إلى اللامبالاة الجنسية. وبغَض النظر عن واقعة
أنَّ ذلك أمرٌ يرفضه سقراط وجلوكون — فإنَّ الوجود المستمر للقبائل العديدة التي تتعرى
بصورةٍ عادية، سوف يبدو طافيًا لتبديد مخاوف بلوم، كما أنَّ الدليل الواضح للشهوانية
الشديدة بين الرجال اليونانيين تزيد من قيمة ذلك.
فيما يتعلَّق بالمفهوم الأول المعارض وهو أنَّ العُري سيُؤدِّي حتمًا إلى جنسٍ خارج
حدود السيطرة، فإنَّ سقراط يُقرُّ أنَّ «الاتصال الجنسي الشاذ» سوف يُمثِّل غواية،
لكنَّه يذكر أنَّ حُكَّام المدينة سوف يتمكَّنون من إنشاء التنظيمات الضرورية للعلاقات
الجنسية.٨ وكذلك لا تبدو محاولة بلوم لتوضيح استحالة وجود مساواة للمرأة بدون أساس
فحسب — وإنما هي أيضًا جريئة إلى حدٍّ ما من حيث إنَّ سقراط ومستمعيه يتفقون على ذلك
في
نص أفلاطون. وحتى في حالة المفارقة الثالثة — والتي هي أكثرها مفارقة — فإنَّ سقراط
يُصرُّ على أنَّه «لا يتحدَّث عن مستحيلات».٩
وعلى نحوِ ما برهنَت «كريستين بيرس»، فإنَّ بلوم يأخذ بعد ذلك في تأكيد أفلاطون أنَّ
الرجال كطبقةٍ اجتماعيةٍ هم أكثر قدرة من النساء كطبقةٍ اجتماعيةٍ أخرى، وهي تُفسِّر
معنى
ذلك بقولها «إنَّ أفضل النساء دائمًا يكنَّ أدنى عند مقارنتهن بأفضل الرجال» — وهو ما
يبدو واضحًا أنَّه غير صحيح.١٠ وتنتهي من ذلك إلى أنَّ: «من المستبعد — إلى حدٍّ كبير — وضع المرأة في
الاعتبار لعضوية طبقةٍ اجتماعيةٍ أعلى». على أساس القدرات الخاصة، وكان عليه أن يعثر
على
تفسير لواقعة أنَّ سقراط لا يشمل المرأة في هذه الطبقات. ويستنتج بلوم أنَّ السبب
الرئيسي الذي يدعو سقراط أن يكذب بشأنه (عادة يُخبرنا أفلاطون أنَّه يكذب، فلِمَ لم
يفعل هذه المرة؟) — هو أنَّ المرأة مطلوبة في المراتب العليا لإنجاب المزيد منهم؛ ومن
هنا يكون اختلافهن الجوهري، وليس تشابههن مع الرجال — أيًّا ما ذكر النص أنَّه العكس
—
هو ما يُضفي المشروعية على اشتمال طبقة الحُرَّاس على النساء. والآن — وكما تُذكِّرنا
بيرس — فإنَّ هذا سيكون أخطر ما يتطرَّق إليه أفلاطون؛ ذلك لأنَّه لا ينبغي تقييد دور
الحُرَّاس من النساء، بالتناسل فقط، لكن ينبغي أن يُشاركن في جميع أوجه الحكم والدفاع
عن المدينة. وكما تمَّ إعلامنا بصراحة، ينبغي أن يصلن إلى مراتب الفلاسفة. ومع ذلك فقد
أكَّد أفلاطون على المخاطر الجسيمة (لإقحام أي شخصٍ غير مُؤهَّل من قِبل الطبيعة في طبقة
الحُرَّاس؛ ذلك لأنَّ هذا الإقحام — كما يذكُر — قد يُؤدِّي إلى تدمير المدينة).١١ ولهذا فمن غير المحتمل أنَّه قد يتحمَّل السماح للمرأة بالدخول في أعلى
طبقة، إذا كان اعتقاده هو أنَّه تُعوِزهن القدرات الضرورية لذلك.
من الواضح أنَّ «ألان بلوم» مثالٌ عصري على سلسلة من المثقفين الذين وجدوا أنَّ البراهين التي ساقها أفلاطون في معرض مناقشته لموضوع النساء — براهين يصعب تصديقها واحتمالها. ومع ذلك حاول «ألان بلوم» وشتراوس — على عكس غيرهما من النُقَّاد تبرئة أفلاطون من السخف الواضح بمحاولة إقناعنا بأنَّ أفلاطون في الحقيقة لم يكن يقصد ما يعتقد الناس أنَّه كان يقصده.
و«ألان بلوم» يُحمد له أنَّه الباحث الوحيد الذي كان صريحًا بما فيه الكفاية لأن
يعترف بأنَّ قيام سقراط بجرح «أعز مشاعر الكرامة الرجولية» قد أدى إلى إثارة رد فعله.
ومن سُخريات القدر أنَّ سقراط قد تنبأ بردود الأفعال التي على هذا النحو. وقد وضع في
اعتباره أنَّ مقترحاته سوف تبدو غير معقولة في كثيرٍ من جوانبها في نظر أشخاصٍ أفراد
مثل
بلوم، الذين اعتادوا وضعًا تكون فيه الأشياء مختلفة أتمَّ الاختلاف. «وعلى الرغم من ذلك
فإنَّه يأمل أن يصمد منطق حُجته، وأن يُدرك الرجال العقلاء، أنَّه ليس ثمة شيءٌ غير
معقول، وإنَّما شرِّير، وأنَّ المساواة بين الجنسَين ليست هي الشيء غير الطبيعي، وذلك
لأنَّ الحال التي عليها والأمور الآن هي التي ضد الطبيعة على ما يبدو.»١٢ الكتاب الخامس ليس كوميديًّا، وإن كان تعليق ألان بلوم — فيما يبدو —
أنَّه كوميدي — ومَنْ يضحك أخيرًا هو سقراط.
١
المساواة، الجمهورية، الكتاب الخامس، ١٠.
٢
مقال تأويلي، ص٣٨٠.
٣
مقال تأويلي، ص٣٨٠.
٤
مقال تأويلي، ص٣٨٠. لبعض الاعتراضات المتأخرة المعقولة ضد التأويل الكوميدي
لبلوم للكتاب الخامس من الجمهورية، انظر ديل هول، «الجمهورية وحدود السياسة»،
النظرية السياسية، المجلد الخامس، رقم ٣، عام ١٩٧٧م، ص٢٩٥–٢٩٨. ولا شيء مِمَّا
قاله «بلوم» في رده على هول (ص٣١٥–٣٣٠ في نفس الموضوع) يُؤكِّد دعواه أنَّ
مقترحات أفلاطون في الكتاب الخامس من الجمهورية كانت ساخرة. والقول بأنَّ هول
قد فشل في أن يرى الدلائل الواضحة للرابطة بين الكتاب الخامس وبين مسرحية
أرستوفان «مساء الجمعية» — فإنَّ بلوم قد غابت عنه النقطة الهامة في حديث هول،
وهي ليست أنَّه لا توجد رابطة بين العملَين، بل إنَّ مقترحات أفلاطون يُمكن
قراءتها بترحيبٍ أكثر من مسرحية «أرستوفان» أكثر من السخرية المتوازية عن
المساواة بين الرجل والمرأة (بلوم، ٣٢٥؛ وهول ٢٩٥-٢٩٦).
٥
الجمهورية، ٤٧٢أ؛ مقال تأويلي، ص٣٩٠.
٦
مقال تأويلي، ص٣٨٢. وهناك شواهد كثيرة حتَّى داخل محاورات أفلاطون على أن ما
يقوم به الرجال والغلمان من تمريناتٍ رياضية وهم عُراة كمثير للشهوة الجنسية
المثلية، انظر فايدروس، ٢٥٥ب؛ ومحاورة المأدبة، ٢١٧أ؛ والقوانين، ٦٣٦ب. شراح آخرون
من العالم القديم من أمثال أرستوفان، وشيشرون، يتفقون مع هذا الانطباع. ويتفق
الدارسون المحدَثون للممارسات الجنسية عند اليونان أيضًا على ذلك. انظر مثلًا
«سيموندز»، ص٦١-٦٢، «العري الذي اعتاد اليونان السماح به في الألعاب الرياضية،
وفي بعض الطقوس الدينية، يسهم بغير شك في القوة الشهوانية للعاطفة الرجولية».
وفي «رده على هول» عدَّل بلوم عبارته فما يقصده هو أنَّ علاقات الجنسية
المثلية، وما يرتبط بها من جاذبية، يُمكن أن يحرِّمها المُشرِّع باتساق. وليس
كذلك الجنسية المغايرة، «مع النساء»، ص٣٢٤. غير أنَّ أفلاطون يذهب في مدينته إلى
أنَّه من الضروري ومن الممكن معًا أن ننظِّم الاثنَين بدقة، دون أن تخرج في
الحالتَين على القانون.
٧
مقال تأويلي، ص٣٨٢.
٨
الجمهورية، ٤٥٨إ.
٩
الجمهورية، ٤٩٩د.
١٠
مقال تأويلي، ص٣٨٣؛ «المساواة الجمهورية»، الكتاب الخامس، ٩.
١١
الجمهورية، ٤٣٤ب، ص١٠.
١٢
الجمهورية، ٤٥٦ب–ج، وكذلك يزعم بلوم في رده «على هول» كدليل على تأويله
للكتاب الخامس على أنَّه ضرب من الكوميديا، واقعة «أنَّ سقراط كان يتحدَّث
مرارًا عن الكوميديا والضحك بخصوص مقترحاته» (ص٣٢٤). والشيء الذي ما زال يفشل
في أخذه في الاعتبار هو الفقرة الحاسمة التي يُوضِّح فيها سقراط أنَّه على
الرغم من أنَّ الناس «السطحيين» قد يجدون مقترحاته مثارًا للسخرية، فإنَّه بما
له من معيارٍ في الجمال يحمل إرادةً طيبة لا يضحك (الجمهورية، ٤٥٢د).