الفصل الأول
أفلاطون والتراث اليوناني في كراهية المرأة
تبدو أفكار أفلاطون عن المرأة، في البداية، لغزًا لا يقبل الحل، وقد يتساءل المرء:
كيف يُمكن لفيلسوفٍ متسق التفكير بصفةٍ عامة، أن يُؤكِّد من ناحيةٍ أنَّ جنس الأنثى خُلق
من أنفس الرجال الشرِّيرة، من أنفس غير العقلاء، ثمَّ يقترح من ناحيةٍ أخرى تربيةً متساوية،
ودورًا اجتماعيًّا واحدًا للجنسَين؟ كيف يُمكن للفكرة التي تقول إنَّ المرأة بطبيعتها
شرِّيرة وأكثر شرًّا من الرجل، أن تتَّفق مع الفكرة الثورية التي تقول إنَّ المرأة يُمكن
أن ترتفع إلى مستوى الحُكَّام الفلاسفة في الدولة المثالية …؟ قبل أن نُحاول الإجابة
عن هذه الأسئلة، من المهم أن ننظر في التراث اليوناني المُتعلِّق بالمرأة، من حيث
التربية، والوضع أو المكانة، وأن ندرُسَ النساء الأثينيات في ذلك العصر.
هناك نغمة كراهية للمرأة قوية وواضحة منذ بداية الأدب اليوناني عند الشاعر «هزيود»
في
كتابَيْه «الأعمال والأيام»، و«أنساب الآلهة»؛ فقد عاش الرجال على الأرض — طبقًا لرواية
هزيود — فترةً طويلة أحرارًا بغير مرضٍ ولا تعبٍ ولا جهد، ثمَّ ظهرت باندورا
Pandora١ للمرة الأولى التي جلبَت معها الشرور والشقاء للعالم، «ومنها ظهر جنسٌ خبيث
وقبائل من النساء، ومصدرٌ عظيم للأذى، وعاشت جنبًا إلى جنب مع الرجال الفانين.»
٢ وهكذا كان أول انحطاط للجنس البشري مُرتبطًا بظهور المرأة أو العقاب الأزلي
للرجل. رغم أنَّها كانت — لسوء الطالع — ضروريةً للإنجاب، ومُفيدةً لأعمال المنزل. حتَّى
إنَّ هزيود ينصح الفلاح أن يحصل أولًا على المنزل، ثمَّ على المرأة، ثمَّ على الثور الذي
يحرث الأرض.»
٣ لكنه يُحذِّر قُرَّاءه من الثقة في المرأة بأي وجهٍ من الوجوه.
وفي استطاعتنا أن نستخرج من أعمال هوميروس صورة مُماثلة؛ وإن كانت أقل عنفًا في
عدائها للمرأة. يقول فينلي
M. Finley عن عالم الأوديسة: «ليس من شك في أنَّ هوميروس يكشف
تمامًا، ما ظلَّ صوابًا في العالم القديم كله، وهو النظر إلى المرأة على أنَّها بحكم
الطبيعة أدنى، وهي من ثمَّ محكومة في وظيفتها بإنجاب الأبناء، والقيام بالواجبات
المنزلية، أمَّا العلاقات الاجتماعية ذات المغزى، فينبغي أن تُترك للرجال وحدهم …»
٤
صحيحٌ أنَّ التراث اليوناني يُصوِّر وجود إلهاتٍ من الإناث لهن قوة ومركز وكرامة،
إلَّا
أنَّه ينبغي علينا أن نتذكَّر أنَّ كلمة «إلهة» لا تدل بالضرورة على جميع الخصائص التي
تلحق عادة بالأنثى البشرية. «فأعظم الإلهات — لا سيما الإلهة أثينا — كانت تُمتدح لما
لها من صفات الرجولة.»
٥ ونادرًا ما تُصوَّر النساء الفانيات في «الإلياذة» إلَّا على أنَّهن
يُسبِّبن الغيرة ويُشعِلن الحرب، أو على أنَّهن جزءٌ من الغنائم مثل الحيوانات والعبيد.
وتلعب النساء في الأوديسة دورًا بارزًا، مع الاستثناء الغريب ﻟ «آرتي
Arte» ملكة
«الفياقيين …
Phaeacians» النبيلة التي رفع لها «أوليس» … الضيف الغريب استرحامه،
فإنَّهن يهبطن عادة إلى المرتبة الثانية.
٦ وعلى الرغم من أنَّ بنلوبي
Penelope٧ كانت تُوصف بأنَّها حكيمة، وصاحبة عقلٍ ممتاز، فإنَّها كانت تقوم بالغزل
والنسج؛ فتلك هي وظيفتُها الطبيعية. وكثيرًا ما كان ابنها تليماك
Telemachus ينهرُها
ويأمرُها أن تعود إلى الأعمال المنزلية التي تُناسبها كما لو كانت عبدًا؛ فالنساء
الأرستقراطيات — وحتى الإلهات — كنَّ ينخرطن في الأعمال المنزلية مثل: غسيل الملابس،
وإعداد الفِراش للضيوف، وإعداد الطعام. ولا يتوقَّفن عن غزل الصوف.
وكما يقول فينلي: «كان يُحرَّم عليها حق الحياة النبيلة، والاحتفال بالشجاعة،
والاشتراك في ألعاب المنافسات، وقيادة الأنشطة من أي نوع، هكذا كانت النساء بغَض النظر
عن الطبقة التي ينتمين إليها.»
٨ كنَّ يعشن في ركنٍ منعزل بعيدًا عن الرجال لا يُشاركن إلَّا نادرًا في
الاحتفالات والأعياد، وهن يُرسَلْن، أو يُبَعْن، كعرائس للرجال الذين اختارهم لهن
آباؤهن.
وتَصِف أشعار «هوميروس» عالمًا تنطبق فيه مقاييس الامتياز على أشخاصٍ يعتمدون على
أوضاعهم ووظائفهم المحترمة في المجتمع. والنظرة الفاحصة لهذا التصوُّر الأخلاقي جوهرية
لفهم الكتابات الكلاسيكية على الأقل حتَّى أرسطو؛ فكلمات المديح الرفيعة مثل جيِّد
Agathos وممتاز أو فاضل
Arete لم تكن في الأصل تُقال إلَّا على أولئك الذين يقومون
بأدوار الرجل الهوميري الأرستقراطي.
٩ وهذه الكلمات تعني أنَّ الفرد الذي تُقال عنه يملك في آنٍ معًا المهارات
الداخلية والمصادر المالية الخارجية الضرورية التي تجعله قادرًا على إنجاز هذا
الدور.
يقول «أ. و. أدكنز
A. W. Adkins»: «لكي يكون المرء فاضلًا لا بُدَّ أن يكون شجاعًا، ذا
مهارة، ناجحًا في الحرب والسلم على السواء. ولا بُدَّ أن تكون لديه الثروة ووقت الفراغ
(في السلم) في آنٍ معًا بوصفها الشروط الضرورية لتطوير هذه المهارات، كما أنَّها في
الوقت ذاته المكافأة الطبيعية لهذه الوظائف الناجحة.»
١٠ ومعظم أفراد المجتمع، لا سيما النساء، غير مؤهَّلين لمثل هذا الامتياز
الأرستقراطي الذكوري. وهكذا نجد أنَّ فضيلة المرأة هي تصوُّر مختلف اختلافًا كيفيًّا؛
ذلك لأنَّ الفضائل المطلوبة للنساء لتمكينهن من أداء وظائفهن على أحسن وجه هي فضائلُ
مختلفة أتمَّ الاختلاف تتعلَّق بالجمال، واعتدال القوام، والمهارة في الغزل والنسج، وأعمال
المنزل، وقبل ذلك كله الإخلاص في الحياة الزوجية. والمُبرِّر الواضح لمعيار الامتياز
هذا عند النساء هو — كما يُشير أدكنز — أنَّ الرجل هو الذي يُحدِّد المقاييس ويضع
المعايير، في هذه الحضارة الأبوية بالمعنى الدقيق، ومن هنا كان العنصر المهم هو أداء
النساء لوظائفهن من حيث علاقة هذه الوظائف بالرجال. ولمَّا كانت النساء محصوراتٍ في
أعمال المنزل فلم يكن ثمَّة حاجة أن يُطلبَ منهن أن يكون لهن فضائلُ الإقدام والمنافسة
المطلوبة للمحاربين من الرجال.
١١
وعلى حين أنَّ سلوك أبطال هوميروس يكشف عن أنَّ الواحدية الجنسية [ممارسة الجنس مع
امرأة واحدة] لم تكن مفروضةً على الرجال، فإنَّ أسوأ جريمة يُمكن أن ترتكبها امرأة هي
خيانة زوجها. ومن هنا كانت هيلين
Helen١٢ — وربما أسوأ منها كلوتومنسترا
١٣ — خائناتٍ وبغايا، وهن الوغداتُ الحقيقيات في شعر هوميروس. وكثيرًا ما كانت
تُؤخذ الأخيرة كضدٍّ مختلف عن بنلوبي الفاضلة. والمرأة عُرضة للغواية بسبب ضعفها وطبيعتها
الشرِّيرة. وحتَّى بنلوبي الفاضلة كانت تخشى على نفسها أن تتحوَّل عن طريق «السحر
والفتنة» مثل هيلين؛ فعلى الرغم من إخلاصها الطويل، فإنَّ الارتياب في أن تقع في
النهاية في الخيانة أو أن تنسى زوجها كان يتغلغل في قصيدة هوميروس «الأوديسة».
١٤ وهكذا نجد أنَّ موضوع الشر الأنثوي، وخيانة الأنثى، موجود عند هوميروس
بقَدْر ما هو موجود عند هزيود. ويُقال لنا إنَّ كلوتومنسترا «لم تُلطِّخ نفسها فقط، بل
جنسها كله، وكل امرأةٍ شريفةٍ إلى أبد الدهر …»
لم ينصلح حال المرأة من العصر الهوميري إلى العصر الكلاسيكي، ويصدُق ذلك بصفةٍ خاصةٍ
على
أثينا في العصر الكلاسيكي؛
١٥ فالوظيفة الطبيعية للمرأة كمربية لأطفالها، ومُدبِّرة لمنزلها، سجَّلَتها
الآدابُ الكلاسيكية اليونانية تسجيلًا جيدًا، فيعرض علينا أكسانوفون
Xenophon١٦ في كتابه عن الاقتصاد أو تدبير المنزل صورة لزوجةٍ نموذجية لأحد مُلَّاك
الأرض الأثينيين: «تخضع لرقابة صارمة حتَّى ترى وتسمع أقل قَدْرٍ ممكن، ولا تسأل إلَّا
أقل
أسئلةٍ ممكنة.» فوالداها يُقدِّمانها إلى زوج وهي في سن الخامسة عشرة يقوم بتدريبها
حتَّى تستطيع النهوض بأعباء المنزل.
١٧ أمَّا قسمة العمل التقليدية بين عملٍ للرجل وآخر للأنثى، فإنَّها تُقدَّم
لها على أنَّها قَدَرٌ فرضَته الآلهة، وهو مغروسٌ بعمق في الصفات الطبيعية للجنسَين.
ويؤكد
«فكتور إهرنبرج»
Victor Ehrenberg في دراسته للمجتمع اليوناني أنَّ هذا هو الوصف النمطي
للحياة المألوفة التي كانت تعيشها المرأة «فالزواج يخضع لمشيئة أهلها، ولاعتبارات
اقتصادية ولا تتعلَّم الفتيات إلَّا تدبير شئون المنزل.» حتَّى بالنسبة لأفيجينيا
Iphigenia١٨ تُقدَّم [في الأدب اليوناني] على أنَّها عاجزةٌ عن الكتابة، ويُلاحظ إهرنبرج
مُلاحظةً مهمة، هي أنَّ الشخصيات النسائية البارزة القليلة في كوميديا «أرستوفان»
١٩ لا يلقين أي شك على هذا الانطباع العام، بل هنَّ بالأحرى لا يكتسبن
تألُّقهن الصارخ، إلَّا إذا نُظر إليهن تمامًا بناءً على خلفية الحياة اليومية للنساء.»
٢٠ وعزل النساء المحترمات في حياتهن ضرورةٌ صارمة. وهنَّ بصفةٍ عامةٍ يعشن في
ركنٍ منعزل من الدار (هو ركن الحريم) يفصلُه عن الجزء الخاص بالرجال بابٌ مُغلَق؛ إذ
لا
يُنظر إلى الزوجات أو الفتيات على أنَّهن يصلحن للمشاركة في المناقشات الجادة، علمًا
بأنَّ إنكار خبرتهن العقلية يستمرُّ حتَّى في سن النضج؛ فهنَّ يُعامَلن معاملة القاصر؛
إذ
يُحرَّم عليهن ما يُحرَّم على الفتيان تحت سن الثامنة عشرة. ولا يُسمح للمرأة في ظل
القانون الأتيكي
Attic Law [أي القانون الأثيني] أن ترفع دعوى أمام القضاء إلَّا عن
طريق الكفيل القانوني. كما يُمنع النساء من الاقتراب من الأماكن التي يُناقش فيها
الرجال والفتيان مسائلَ عقلية أو شئونًا مدنية؛ الملاعب، والأسواق، ودور القضاء،
والموائد. وكما يقول جون أدنجتون سيموندز، ملخِّصًا الموقف: «إنَّ جميع العناصر العليا
في
النشاط الروحي والذهني، والظروف التي يُمكن أن نتصوَّر فيها الانفعالات السمحة الكريمة
… أصبحَت مميزاتٍ خاصةً بالرجال وحدهم … كما أصبح إطراء العواطف مقتصرًا على جنس الذكر.»
٢١
ولم تكن أنشطة النساء في أثينا وحركتهن محدودةً بقسوة فحسب، كما هي الحال في عصر
هوميروس، وإنَّما امتدَّ هذا الكبت، وبنفس القوة، إلى شخصياتهن أيضًا. وهناك أثرٌ من
شاهد
في المسرح اليوناني على تطبيقِ ذلك «المثل القديم» الذي اقتبسه أرسطو من مسرحية «أياس
Ajax» لسوفكليس «الصمت المتواضع هو تاج المرأة».
٢٢ وفي الخطاب الجنائزي يكشف بركليز بوضوحٍ عن التفاوت بين المعايير المعاصرة
للامتياز التي تُطبَّق على الرجال وعلى النساء؛ ففي هذا الخطاب الذي يتضمَّن إطراءً
للرجل الأثيني — وهو نموذجٌ كلاسيكي شهير يتحدَّث عنه اليونانيون — ينصح بركليز النساء
الأرامل أن يتحلَّين بذلك «الامتياز الأنثوي» [وهو الصمت] الذي يتفق مع «خلقهن الطبيعي»،
وسوف يُنسب أعظم مجد «لتلك المرأة التي تتكلَّم أقل ما يُمكن وسط الرجال سواء قالت
قولًا حسنًا أو سيِّئًا …»
٢٣
ومِمَّا يدعو للسخرية أنَّ دعاوى الاحترام لا تشترط في نساء الطبقة الراقية في أثينا
مِمَّن يرغبن في الزواج تحصيل أي قدْرٍ من المعلومات عن مجتمعهن أو ثقافته، أكثر من
الموجود عند البغايا والعاهرات اللائي يتحوَّل إليهن الرجل في حرية. والتفرقة الصارمة
بين هذَين النوعَين من النساء وهي تفرقةٌ ظلَّت قائمة حتَّى العصور الحديثة، كما استمر
موقف اليونان الأساسي تجاه النساء، تُوضِّحها العبارة الآتية المقتبَسة من مرافعة
ديموستين في قضية «ضد نيِّرا
Against Naera»: «إنَّ مَن يعيش مع امرأة ويتخذها زوجة،
فإنَّه يُريد أن يكون له منها ذرية، وأن تُصبح ذريته أعضاء في العشيرة أو القبيلة أو
أيَّة وحدةٍ إدارية في أثينا، وأن يخطب البنات للأزواج كما يفعل مع بناته. أمَّا
الخليلات فنحن نحتفظ بهن من أجل اللذة والمتعة، والمحظيات من أجل الرعاية اليومية
بأشخاصنا. لكنَّا نتخذ الزوجات لينسلن لنا أطفالًا شرعيين، وللعناية بالمنزل عنايةً فيها
إخلاص وأمانة.»
٢٤ وهكذا نجد أنَّ قيمة النساء المُرشَّحات ليكنَّ زوجاتٍ من المُعاصرات لأفلاطون
تنبع من العفة، والصمت، والقناعة والاقتصاد، لكنَّها لا تنبع من شخصية المرأة بأي معنًى
إيجابي. ولقد أشار كريون
Creon إلى مدى تموضُع ذلك عندما سُئل: أهو ينوي أن يقتل عروس
ابنه، فقال: «حسنًا! إنَّ هناك حقولًا أخرى أمامه يُمكن له أن يحرثها!»
٢٥ فهناك إذن شواهدُ على أنَّ النساء من أبناء الطبقة الراقية في أثينا قد
انحصرَت أعمالهن في وظيفةٍ واحدة؛ إذ ليس لهنَّ أدنى اهتمام بتلك المجالات من الحياة
التي
تُعتبر مهمةً في نظر الرجال، بل هنَّ يفقدن حتَّى ذلك العبير السري الذي اكتسبه جنسهن
—
فيما بعدُ — في ظل المسيحية، على نحوِ ما كانت موضوعات الحب في التراث الرومانسي، وإنَّما
يُقيَّمن فحسب على أنَّهن ينجبن ورثةً شرعيين.
وقد يبدو غريبًا في مثل هذا الجو أن يُصبح تحرير النساء موضوعًا للنقاش، بل إنَّ
كبت
النساء — على نحو ما حدث في العصر الفكتوري في إنجلترا — قد وصل إلى الذروة في بداية
القرن الرابع قبل الميلاد، وأصبح وضع النساء موضوعًا حيًّا في أثينا، فتناوَله أرستوفان
في كوميديا بعنوان: «الإكليزيا زوست»
Ecclesiazusae (أي نساء الجمعية)،
٢٦ ومسرحية ليزيستراتا …
Lysistrata،
٢٧ فتلك شواهدُ جيدة على أنَّه أصبح موضوعًا جاريًا للأحاديث الساخرة والهجاء،
وفضلًا عن ذلك فيبدو أنَّه ليس ثمَّة شك في أنَّ سقراط التاريخي
٢٨ كان يطرح أفكارًا أبعد ما تكون عن التفكير النمطي لذلك العصر؛ فهو يقول
مثلًا في «مأدبة» أكسانوفون: «إنَّ طبيعة النساء ليست أدنى من طبيعة الرجال على
الإطلاق.» وإن كان ينتهي إلى نتيجةٍ تنطوي على مفارقة، عندما يقول: «كل ما ينقص المرأة
وتحتاج إليه هو القوة والحكم.»
٢٩ وفي محاورات أفلاطون الأخرى — غير «الجمهورية» — هناك كذلك فقراتٌ
مُتعدِّدة يقترح فيها سقراط وجهةَ نظرٍ خنثوية أكثر عن الطبيعة البشرية — وبصفةٍ خاصةٍ
عن
الفضيلة البشرية أكثر مِمَّا كان موجودًا، عادة، في السياق الثقافي؛ فهو في محاورة
مينون
Meno مثلًا، وفي سياق البحث لاكتشاف طبيعة الفضيلة، يُصدر تأكيدًا حاسمًا بأنَّ
للفضيلة كيفًا واحدًا عند المرأة كما هو عند الرجل، ولا فرق بينهما، عندما حاول «مينون»
الإشارة إلى الواجبات التقليدية المختلفة وأسلوب الحياة المختلف بين الجنسَين. لكنَّهما
معًا — فيما يرى سقراط — يحتاجان إلى ضبط النفس والاعتدال، والعدالة، إن أرادا أن يكونا
جيِّدَين في عملهما سواء في إدارة المنزل أو إدارة المدينة، ومن ثَمَّ تكون الفضيلة صفةً
إنسانية لا تتحدَّد بطُرقٍ مختلفة تبعًا لجنس الفرد الذي تتحدَّث عنه.
٣٠
وفي محاورة «بروتاجوراس» يكشف سقراط عن رفضه للمعايير الشائعة للنساء بأن يمتدح
إسبرطة وكريت ليس فقط لتراثهما الفلسفي القديم، وإنَّما لأنَّهما يعرضان علينا نماذج
من
النساء — وأيضًا من الرجال — «يفخرون بثقافتهم العقلية …»
٣١
ومع ذلك فهناك في المحاورات أمثلةٌ أخرى عديدة — يذكُرها سقراط — تُعبِّر عن كراهية
لا
حدَّ لها للنساء. وما دام يستحيل فصل أفكار سقراط التاريخي عن أفكار أفلاطون، فإنَّ
النقطة المهمة التي ينبغي الإشارة إليها — سواء أكانت هذه الأفكار خلقها سقراط أصلًا
أم
لا — هي أنَّه كان هناك في بيئة أفلاطون الشاب آثارٌ من الفكر الراديكالي عن النساء،
تكسو تراثًا قويًّا من الكراهية لهن.
تصوير النساء المنتشر في محاورات أفلاطون هو استنكارٌ إلى أقصى حد، وهذا التصوير لجنس
الأنثى يعكس إلى حدٍّ كبير وببساطةٍ شديدة: إمَّا الانحطاط المُعاصر لوضع النساء، أو
أنَّ
أفلاطون ورفاقه «لا سيما نظريتهم عن الحب» كانت تُسيطر عليهم الجنسية المثلية. غير أنَّ
هناك كذلك فقرات في المحاورات تشمل أحكامًا أكثر من أن تكون ضد نساء المجتمع الأثيني،
بل تُشير إلى اعتقادٍ عام عند المُؤلِّف بأنَّ جنس الأنثى بفطرته أدنى من جنس الذكر
بالضرورة، وسوف ندرُس فقراتٍ من هذَين النوعَين على التوالي:
– واقعة عدم وجود امرأة تُشارك بشخصها وبأيَّة طريقة في محاورات أفلاطون؛ هذه
الواقعة تُشكِّل بذاتها دلالة على الاتجاهات المنتشرة في ذلك العصر، كما تدُل على خصائص
الحياة في أثينا. وليس من المعقول أن تُعطينا هذه الواقعة شيئًا من آراء أفلاطون الخاصة
عن مقدرة النساء في الحوار العقلي؛ فالقول بأنَّ نساء المنزل الذي أُقيمت فيه «المأدبة»
لسن حاضراتٍ في حفل العشاء، لكنَّهنَّ «هناك بالداخل» لا يقول شيئًا عن أفلاطون سوى
أنَّه اختار أن يُجريَ محاوراتِه بطريقةٍ واقعيةٍ تتفق مع سياق المجتمع المعاصر. والواقع
أنَّ النقطة المهمة في الحديث إنَّما جاءت على لسان امرأةٍ هي الكاهنة «ديوتيما
Diotima».
٣٢ وقُل مثل ذلك في خصائص المرأة عند أفلاطون التي يجعلها تقوم بغزل الصوف
ونسجه؛ فذلك وصفٌ دقيقٌ لدور امرأة في المجتمع الأثيني. وفضلًا عن ذلك فإنَّ لغته تحوي
الكثير من النقد والاستنكار لجنس الأنثى، كأن يصف سلوكًا بأنَّه «نسائي أو أنثوي» ليعني
السلوك الجبان، وينبغي علينا ألَّا نظن أنَّها استخداماتٌ خاصة بأفلاطون، وإنَّما هي
تعبيراتٌ دارجة.
٣٣
ولا شك أنَّ أفلاطون يُشارك رفاقه من الأثينيين احتقارهم للمرأة في عصره؛ فهو يضعها
مع الأطفال والحيوانات في مقولةٍ واحدة، ومع غير الناضجين والمرضى والضعاف،
٣٤ ولا تخلو محاورة الجمهورية من تمثيل النساء على هذا النحو؛ فقبل تقديم
الفكرة الثورية الخاصة بإدخال النساء ضمن طبقة الحراس، هناك تأكيدٌ على منع الحراس
الشبان من تقليد النساء؛
٣٥ فالمرأة كثيرة اللجاجة، والتباهي، غير متعاونة، معتنية بنفسها، مجدفة، سهلة
الانقياد، هشة أمام المرض، والحب، والعمل. فضلًا عن أنَّه يسهُل خداع النساء بالبهرجة
التي لا قيمة لها، وبالخرافات، كما أنَّهن عُرضة للإفراط في الحزن، تُعوِزهن معرفة ما
يصلح
لهن، أو ما هو خيرٌ بالنسبة لهن، وهنَّ أدنى في العقل وبصفةٍ عامة من الرجال، ولا يصلُحن
كنماذج للشباب أكثر من المجانين، والحرفيين، والعبيد.
٣٦ وفضلًا عن ذلك فإنَّنا نجد أفلاطون يسوق تبريرًا — في جزءٍ له مغزاه — لمنع
المعاشرة الجنسية المثلية؛ فإلى جانب أنَّ أحد الطرفَين تنعدم فيه الرجولة، فإنَّه
يستسلم لشهواته ويقوم بدور الأنثى البغيض.
٣٧
وعلى الرغم من أنَّ أفلاطون يستهجن ممارسة اللواط، فإنَّ فلسفة أفلاطون في «الحب»،
على نحوِ ما عرضَها في محاورتَي «فايدروس»، و«المأدبة» تعكس كلها الجنسية المثلية التي
كانت
منتشرةً بين الطبقات الراقية في أثينا. وكما يقول جريجوري فلاستوس
G. Vlastos: «إنَّ
الدراسة الجيدة لنظرية أفلاطون عن الحب، لا بُدَّ أن تضع في اعتبارها ثلاثة أمور على
الأقل: (أ) أنَّ صاحبها كان يُمارس الجنسية المثلية. (ب) أنَّه صوفي. (ﺟ) أنَّه أخلاقي
…»
٣٨ وإذا ما أخذنا الجنسية المثلية عند أفلاطون جنبًا إلى جنب مع اعتقاده
بأنَّ المعاشرة الجنسية من الاست «مضادة للطبيعة»، وهي انحطاطٌ لا لإنسانية الإنسان
فحسب، بل أيضًا لحيوانيته، لفسَّرنا كثيرًا من أصل الفكرة التي تقول إنَّ الجانب
الجسدي في الحب ينبغي قهره، وتجاوزه، حتَّى نستطيعَ الوصول إلى الموضوع الحقيقي للحب
وهو
فكرة الجمال نفسها. ويُمكن على هذا النحو أن نفهم النظرية الأفلاطونية في الحب — في
جانبٍ كبيرٍ منها — على أنَّها الحاجة إلى إعلاء الدوافع غير المرغوب فيها.
خلال المحاورتَين المخصصتَين للحب، كان حب النساء أمرًا مستنكرًا؛ إذ من المُلاحظ
أنَّ
أحدًا — بمن في ذلك سقراط — لم يُبْدِ أيَّ اعتراضٍ على تفسيرات الحب التي قدَّمها
«بوزيناس» أو «أرستوفان»، وهما معًا قد حمَلَا بعُنف على الجنسية المغايرة [أي العلاقة
الجنسية بالمرأة] فقد قسَّم «بوزيناس» الحب إلى نوعَين؛
٣٩ الحب المخصص لأفروديت السماوية — الأخت الكبرى:
٤٠ «التي ليس فيها شيء من خصائص الأنثى، بل خصائص الذكر تمامًا»،
٤١ وأفروديت الصغرى الأرضية التي تُشارك طبيعتها في الأنثى والذكر معًا، ولا
شك في خسة ودناءة الحب الذي يُنْسب إلى أفروديت العامية الأرضية؛ فهو حب يؤثِّر في الناس
تأثيرًا وقتيًّا عابرًا، ويعتمد على المصادفة وحدها. وهو الحب الذي يعمر قلوب السِّفْلة،
ومن علاماته أنَّه يتجه إلى النساء والغلمان؛ فهو حبٌّ حسيٌّ لا روحي يسعى لإشباع شهواته
البهيمية. أمَّا أفروديت السماوية فهي الكبرى التي يُنْسَب إليها النوعُ الممتاز من الحب
فلا أثر للأنثى فيها؛ لأنها جاءت من الذكر وحده [لها أب وليست لها أم!] وهي لذلك بريئة
من نزق الشباب وطيشه، وهي تلهم أتباعها بالاتجاه نحو الذكَر وحده، مفضِّلة الأقوى والأعقل.
٤٢
أما أرستوفان فعنده أنَّ الرجال المحظوظين حقًّا ليسوا مِمَّن يبحثون عن نصفهم
الأنثوي الضائع، بل أولئك الذين يبحثون عن الرجال، وهم الذين تدفعهم دوافعهم الجنسية
إلى أعضاء من نفس جنسهم. هؤلاء الرجال لديهم «أعظم تكوينٍ رجولي» وهم الذين يُبدون رجولةً
حقيقية في الحياة العامة، الذين يُحبون الغلمان أكثر من حبهم للنساء، ويفضِّلون قضاء
حياتهم كلها مع الرجال، وهم يتزوَّجون وينسلون أطفالًا فقط استجابةً لعادات المجتمع.
٤٣
وينتشر مثل هذا التحيُّز — رغم أنَّه يُنْسب إلى امرأةٍ حكيمة؛ فعلى الرغم من أنَّ
هناك حبًّا للجنس الآخر والإنجاب، الذي يؤخذ رمزًا تدور حوله نظرية الحب — فإنَّ سقراط
يُشوِّه سمعة الاتصال الجنسي، وإنجاب ذرية من الجسد لصالح إنجابٍ أعلى هو «حمل وولادة
من
الروح». وهو يُقابل بين الحب الذي يختار المرأة موضوعًا له ويُؤدِّي إلى تكوين الأسرة،
وبين حب الذكور من خلال ولادة الأفكار، والشعر والقانون، ويُمكن أن تعلو على حب فردٍ
جزئي لنصل في النهاية إلى معرفة جمال الروح نفسها.
٤٤ ويذهب «جريجوري فلاستوس» إلى أنَّ استخدام صورة الجنس الآخر للإنجاب تدُل
على حدٍّ ما، على عداءٍ للجنسية المغايرة وللنساء، وهو عداءٌ كامن في النظرية. وينتهي
إلى
أنَّه في ذروة فلسفة الحب بأَسْرها؛ حيث تواجهنا فكرة الجمال وجهًا لوجه، فإنَّ «صورة
الجنسية المثلية تسقط». «وما بدا على أنَّه لواطٌ ينتهي إلى زواجٍ أعلى».
٤٥ وليس واضحًا بالضبط ما الذي يعنيه فلاستوس بذلك. وعلى أيَّة حال فلو أنَّه
كان يقصد — كما يبدو أنَّه يفعل — أنَّ هناك إدخالًا لأيَّة جنسيةٍ مغايرة في نظرية
النوع الأعلى من الحب، فإنَّ النتيجة التي انتهى إليها تكون بغيرِ أساسٍ يدعمها؛ فعلى
الرغم من استخدام أفلاطون لصورة «نموذج الجنسية المغايرة»، كما يقول فلاستوس، فمن الواضح
أنَّ النسخة الرمزية من الإنجاب — الإنجاب الروحي الذي هو الإنجاز الوحيد للحب في
الجنسية المثلية — هي الفكرة الجديرة بالمعالجة الفلسفية.
وكما يقول سقراط «مَنْ ذا الذي لا يُفضِّل مثل هذه الأبوة عن مجرد التناسل البشري
المعروف؟»
٤٦ وكما أنَّ أفلاطون استخدم صورةً تنطبق أصلًا على الجنسية المغايرة — فإنَّه
استخدم كذلك صورةَ حرفة الغزل خلال محاورة «السياسي». ومع ذلك فليس لدى القارئ من
الحالتَين ما يُبرِّر الانتقال إلى موضوعٍ حقيقيٍّ للنقاش عن خصائص الموضوع المجازي فيما
عدا تلك الخصائص التي تحوَّل إليها بالفعل.
فجانب الجنسية المغايرة من الصورة ليس من ثَمَّ سوى الانتقال المشروع إلى دائرة اهتمام
أفلاطون الحقيقية منه الانتقال إلى جانب العمل اليدوي الآخر. ومن الواضح تمامًا — على
الرغم مِمَّا يقوله فلاستوس — أنَّ رؤية أفلاطون الحب كطريقٍ مؤدٍّ إلى المتعة الفلسفية
يستبعد النساء تمامًا، غير أنَّنا إذا ما وضعنا في ذهننا بنية أثينا الاجتماعية ووضع
النساء فيها، فإنَّ رؤيته هذه لا تدهشنا. طالما أنَّ الرجل الأرستقراطي اليوناني في
ثقافةٍ عقليةٍ واعيةٍ بتحضُّرها كهذه، سيكون من المستحيل عليه بالفعل، أن تنمو أيَّة
علاقةٍ
حميمية بينه وبين المرأة، ما دامت النساء قد اضطُررن لأن يُصبحن على هذا النحو، فضلًا
عن
اعتقاد أفلاطون أنَّ الحب الوحيد بين الرجال يمكن هو وحده أن يكونَ من ذلك النوع الرفيع
الذي يمكن فهمُه تمامًا. وإذا كان السياق المُعاصر على هذا النحو فلا عجب أن نجد في
محاورتَي «فايدروس» و«المأدبة» برهنةً على تفضيل حب الجنسية المثلية على حب الجنسية
المغايرة وتأكيدًا على السموِّ الأخلاقي للأولى!
٤٧
ولا يُمكن أن نكون معقولين إذا ذهبنا إلى القول بأنَّ احتقار النساء الذي تعرضُه
أو
تتضمَّنه الأمثلة السابقة كلها، ليس حكم إدانة على جنس الأنثى كله في الحاضر والماضي
والمستقبل، وإنَّما هو يستهدفُ فقط نساء أثينا في عصره. لكن هناك فقرات متنوعة في
المحاورات تُشير إلى إيمانٍ عام بدونية أي أنثى بشرية في أي عصر. والفقرات الصارخة من
هذا النوع هي الموجودة في محاورة «طيماوس»، وهي المُحاورة التي كُتِبَت بعد «الجمهورية»
مباشرة.
٤٨
فهو هنا يُحدِّثنا عن خلق الإنسان بطريقةٍ تُذكِّرنا بهزيود؛ فهو يقول: «الطبيعة
البشرية نوعان؛ الجنس الأعلى وسوف يُسمَّى من الآن فصاعدًا باسم «الرجل»؛ فلم يكن الخلق
الأصلي يتألَّف إلَّا من الرجال. أولئك الذين استطاعوا قَهْر شهواتهم أصبحوا فُضلاء على
الأرض، وسوف يُسمح لهم بالعودة إلى سعادة النجوم التي أتَوا منها. أمَّا بالنسبة لأولئك
الذين فَشِلوا على الأرض، والجبناء والأشرار، فسوف يُعاقبون بأن يُولدوا من جديد نساءً.
٤٩ وهكذا خُلقت المرأة بناء على أسطورة أفلاطون؛ فهي لم تُخلق من الرجل فحسب
كما جاء في سفر التكوين، بل خُلِقَت من الرجال الأشرار الفاشلين. وإذا لم يتم تحسُّنهم
بعد هذا العقاب فسوف يُولدون من جديد في صورة حيواناتٍ دنيا «حيوانات تُشبه طبيعته
الشريرة التي اكتسبَها». والطريقة الوحيدة لكي تستعيد النفسُ التي هبطَت على هذا النحو
صورتَها الأولى ووصفَها الأول هو أن تُبرهن على انتصار الجانب العقلي على الجانب اللاعقلي.
وهكذا نجد أمامنا تسلسُلًا من الخيرية والعقلانية التي تُوضع فيها المرأة في مكانٍ
وسط بين الرجال والحيوانات.
٥٠ كما نجد في محاورة القوانين أيضًا أنَّ لدى النساء استعدادًا للاتجاه نحو
الشر ضِعْف اتجاه الرجل؛ ومن ثمَّ يحتجن إلى نظامٍ خاص يُوضع لهن.
٥١ وفضلًا عن ذلك فإنَّنا نجد أنَّ أسطورة الخلق الموجودة في محاورة «طيماوس»
معروضةٌ أيضًا في محاورة «القوانين» في صورة اقتراح — بمقدار ما تكون هذه العملية ممكنة
— أكثر العقوبات ملاءمةً للرجل الذي يكشف عن جبنه، الذي يرمي درعه بعيدًا ويهرب، فإنَّ
أنسبَ عقابٍ له أن يتحوَّل إلى امرأة.
٥٢
ويتضح من هذه الفقرات غير المُحدَّدة بزمانٍ مُعيَّن أو مكانٍ مُحدَّد أنَّ أفلاطون
يؤمن بأنَّه لا بُدَّ من النظر إلى النساء — بغض النظر عن الظروف — على أنَّهنَّ أدنى
من الرجال من حيث العقل والفضيلة. ولقد فسَّر بعضُ الباحثين أمثالَ هذه الفقرات على
أنَّها «زلَّات» أو «هفوات» مثلما فعل كورنفورد
Cornford الذي يرى أنَّ أفلاطون «ينزلق
أحيانًا» إلى الحديث عن المرأة ﺑ «الطريقة الشعبية»، ويقول ليفنسون
Levinson: «إنَّ
المسألة لتبدو كما لو أنَّ أفلاطون ينسى للحظاتٍ معتقداته التقدُّمية …»
٥٣ غير أنَّ أفلاطون لم يكن من ذلك النوع من المُفكِّرين الذين يُمكن أن نقول
عنهم إنَّهم ينسَون معتقداتهم لا سيما في موضوعٍ خصَّص له قدْرًا كبيرًا من محاوراته.
وعلى
الرغم من ذلك فإنَّ هناك هوةً واضحة تفصل بين اتجاه أفلاطون العام واتجاهه نحو المرأة
ومعتقداته عنها، وهي هوَّة تعكس كثيرًا من التراث اليوناني في كراهية المرأة. والاقتراحات
الراديكالية حول مسألة الحراس من النساء التي عرضَها في الكتاب الخامس من الجمهورية.
إنَّنا إذا ما فحصنا هذه الاقتراحات في سياقها، ومن حيث أهدافها بالنسبة لأهدافها
العامة ولبنية المجتمع المثالي، فسوف يكون في استطاعتنا فهمها.