الفصل العاشر

النساء والمذهب الوظيفي في الماضي والحاضر

«ألفرد نورث وايتهد» قال ذات مرة: «السمة العامة الأكثر أمنًا للتراث الفلسفي الأوروبي هي أنَّه عبارة عن سلسلة من الهوامش على فكر أفلاطون.»١ ولقد سبق أن رأينا أنَّه إذا كان المقصود دراسة الفيلسوف للمرأة، فمن الواضح أنَّ عبارة وايتهد لا يُمكن الدفاع عنها؛ فتراث الفكر الأرسطي — رغم أنَّه تمَّ دحضه في جوانبَ كثيرة — فقد واصل في العصور الحديثة نشر المناقشات حول موضوع المرأة، وطبيعتها، ومركزها المناسب، وحقوقها في المجتمع، وأسلوب التفكير السائد عن النساء هو أسلوبٌ وظيفي يقوم على افتراض ضرورة وجود الأسرة النووية التي يرأسها ذكَر، وعن دور المرأة داخل هذه الأسرة، والآن بعد مراجعة مسار الحُجَّة حتَّى الآن، فسوف نرى كيف أنَّ أسلوب إدراك النساء الذي كان سائدًا عبْر تاريخ الأفكار، واصلت على الوجود في كتابات المُفكِّرين المؤثرين في عصرنا الحاضر.
لقد خرج سقراط وأفلاطون عن معايير القيم المتعددة المنتشرة بين اليونان، ومالا إلى النظر إلى النساء من منظورٍ مختلف عن سابقيهم.٢ وفضلًا عن ذلك فإنَّ أفلاطون قام في محاورة «الجمهورية» بإلغاء الأسرة ناظرًا إلى موضوع النساء وطبيعتهن نظرةً راديكاليةً جديدة؛ طالما أنَّ المرأة لم تعُد بعدُ «زوجة خاصة» — أو تُعرَّف بوظيفة الأمومة أو تدير المنزل، فقد اضطُر، رغم موقفه الذي ينتقص فيه بصفةٍ عامة من قدْر جنس الأنثى، لينظر في قدراتهن كمواطنين أفراد — وكأشخاص ليس لهم وظائفُ مُحدَّدة سلفًا في الحياة. إذ يتضمَّن الكتاب الخامس من «الجمهورية» مناقشةً جديرة بالملاحظة عن الفروق بين الجنسَين مناسبة سياسيًّا واجتماعيًّا، أكثر مِمَّا ظهر بعد ذلك في ألفَين من السنين. وبناءً على النتائج التي وصل إليها فإنَّ أفلاطون يستغني عن الهيراركية المعتادة بين الجنسَين في مجتمع تصل فيه الهيراركية إلى أعلى درجاتها، فيصل إلى المساواة الشاملة في التعليم ويجعل للحُرَّاس من الإناث دورًا.

وعندما فكَّر أفلاطون في إمكانيات النساء، انتهى إلى أنَّ المجتمعات التي حصرتهن جميعًا — بلا تفرقة — في أعمالٍ منزلية أضاعت على نفسها مصادرَ بشريةً إلى أقصى حد — فإنَّه يجد نفسه في موقفٍ صعب عندما يُعيد الأسرة من جديدٍ في محاورة «القوانين» مع أشكالٍ أخرى من المِلكية الخاصة؛ على حين أنَّ الحجة النظرية للقدرات المتساوية، ومن ثمَّ التربية المتساوية، والوظائف المتساوية للجنسَين، قد سارت هنا أبعد من «الجمهورية». عندما يصل الأمر إلى تطبيق المفاهيم، نجد أفلاطون يتراجع؛ من الواضح أنَّ السبب هو أنَّ الزوجة الخاصة لن يُسمح لها بنفس الحياة العامة التي كانت للحُرَّاس من النساء، أو النساء الفلاسفة في الدولة المثالية.

وبالتالي نُظِرَ إلى النساء على أساس وظائفهن ووضعهن المنزلي المعتاد، وكُنَّ غائباتٍ تمامًا عن نشاط المواطنة. وفضلًا عن ذلك على الرغم من أنَّه ذهب في «الجمهورية» إلى أنَّ طبيعة الرجال وطبيعة النساء شيءٌ واحد بصرف النظر عن الأدوار النسبية التي يقوم بها كلٌّ منهما في عملية الإنجاب: ويذهب أفلاطون في «القوانين» إلى أنَّ المرأة لا بُدَّ أن تكون ساكنةً هادئة وفية في حين لا بُدَّ أن يكون زوجها نبيلًا وشجاعًا، وهكذا نجد أنَّ طبيعة المرأة لا تقل عن دورها، يرتبط بحضور الأسرة أو غيابها.

ومن الواضح أنَّ معالجة أفلاطون للنساء في محاورة «الجمهورية» ليست متوازية في تاريخ الفكر الغربي. والفارق الجوهري بين مناقشته للنساء في القوانين، فضلًا عن ذلك — والمعالجة الفلسفية المتأخرة لهن؛ هي أنَّ أفلاطون كان على وعيٍ بما يفعله، بجنس الأنثى، في حين أنَّ الفلاسفة التالين لا يُبدون أيَّة إشارة على وعيهم هذا؛ ولمَّا كان أفلاطون يذهب، صراحة، إلى أنَّ الصفات النظرية للنساء لا يُمكن أن تُعرف، طالما أنَّ التربية والتنشئة الاجتماعية للجنسَين كانت مختلفة للغاية، و«الطبيعة» التي نسبها للنساء في القوانين، هي طبيعةٌ عرفية مكتسَبة بشكلٍ ظاهر، بدلًا من أن تكون طبيعةً وصفية، إنَّها الطريقة التي لا بُدَّ أن تكون المرأة بها اجتماعية حتَّى ينجزن وظيفتهن المكتسبة داخل البنية البطرياركية التقليدية التي يفترضها مجتمعه.

ما فعلَه أفلاطون بالنساء عن وعي، وطبيعتهن في محاورة «القوانين»، فعله، بلا وعي، فلاسفةٌ سياسيون كثيرون، وهم الذين اهتموا منذ أفلاطون بهذا الموضوع إلى الحد الذي سار فيه أفلاطون قُدمًا في المناقشة العقلية للنساء وقدراتهن. وإن كان أرسطو قد أعادها إلى الوراء من جديد، ولم يكن تاريخ الفكر السياسي عن النساء — لسوء الطالع — حتَّى العصر الحاضر سوى مجموعة من الحواشي بالتراث الأرسطي. وفي مقابل أفلاطون الفلاسفة الذين نظروا إلى الأسرة على أنَّها فوق المناقشة — جزء أساسي وطبيعي من النظام البشري — قد مالوا إلى النظر إلى النساء من منظور وظائف الجنس والإنجاب. ولا يُنظر إلى اهتمامات النساء على أنَّها منفصلة، وإنَّما على أنَّها تندرج داخل اهتمامات الأسرة. كما نُظر إلى هدف النساء على أنَّه الإنجاب وتربية الأطفال، كما عُرِّفت طبيعتُهن من منظور أفضل الخصائص لإنجاز هذه الوظائف.

إنَّ معالجة النساء في حالة أرسطو نفسه، كانت تتسق مع بنية الفلسفة السياسية بأَسْرها. بسبب غائيته الأساسية ومعالجته الوظيفية للعالم ككل، فقد أهمل الغالبية العظمى من الشعب — الذكور والإناث معًا — لوضع الوسيلة، التي هدفها تمكينُ قِلَّة من الناس من متابعة غاياتهم البشرية الحقة.

غير أنَّه في حالة «روسو» فإنَّ المعالجة الوظيفية العُرفية للنساء تقف شاذةً خارجةً من القياس في سياق الفلسفة التي تقوم على المُثل العليا للحرية والمساواة البشرية. ولقد تجاهل روسو أفكاره الخاصة عن الحالة الأصلية للطبيعة. وتقدَّم زاعمًا أنَّ الأسرة البطرياركية طبيعية وضرورية؛ ومن ثمَّ فلا بُدَّ أن تُعرَّف طبيعة المرأة تبعًا لاحتياجاتها. ولمَّا كان قد تغاضى تمامًا عن أثر البيئة في التطوُّر البشري وهو ما طبَّقه على الرجال، فقد ذهب إلى أنَّ المرأة بطبيعتها سلبية، خاضعة ومحتشمة؛ ولا بد أن تُربى بتلك الطريقة التي تدعم خصائصها الطبيعية؛ فبذلك وحده تكون سعيدة في عالم وُجِدَت فيه لإسعاد الرجل. ولقد عارض بقوة النتيجة التي انتهى إليها أرسطو والتي تقول إنَّ بعض الناس خُلقوا بالطبيعة عبيدًا بهدف خدمة البعض الآخر. ومع ذلك فقد فشل «روسو» في إدراك إمكان تطبيق اعتراضاته على حُجَجه هو نفسه ضد جنس الأنثى. وعلى الرغم من انشغاله المسبق بالفرد الذكَر، وحقوقه وحريته، فإنَّ روسو يُواصل تطبيق حُجَج أرسطو عن طبيعة النساء وأغراضهن. وهكذا أصبح دور المرأة في الأسرة البرجوازية عقليًّا، وهو أن تُنجب وتُربي ورثةً لا شك فيهم ليرثوا مِلْكية الأسرة، كما ينبغي عليها أن تمنح زوجها السلوى السارة في مواجهة الواقع الصعب الذي يجده في العالم الخارجي، وأن تُطيع زوجها بلا مناقشة، وأن تعتمد عليه اعتمادًا تامًّا، وأن تقيم سمعتها كإنسانةٍ عفيفةٍ على أنَّها أثمنُ ما تمتلك — وذلك كله هو ما تُمليه الطبيعة. وعلى حين أنَّ تشخيصه النهائي للرجل أنَّه يُمكن أن يُربى ليكون إمَّا فردًا أو مواطنًا لكن ليس الاثنَين معًا، أمَّا النتيجة المأساوية للمرأة فهي أنَّها لا تكون هذا ولا ذاك.

ولقد حاول جون ستيوارت مِل أن تتكامل النساء كأشخاصٍ لها حقها الخاص في فلسفته السياسية الليبرالية. ولقد أدرك عبث الدعوى القائلة بأنَّ الخصائص المُعاصرة لجنس المرأة التي تُرى أنَّها كانت على الدوام تابعةً لجنس الرجل هي التي تُشكِّل طبيعة الأنثى. لا أحد يُمكن أن يزعم أنَّه يعرف طبيعة المرأة إلى أن تتحرَّر المرأة وتُطوِّر هذه الطبيعة. وبسبب اقتناع مِل بأهمية السعادة البشرية للفرد فقد أصبحَت الحرية والعدالة هما الأساس في معالجته لقضية تحرير النساء. غير أنَّه إلى الحد الذي كانت رؤيتُه للمرأة المُتحرِّرة قاصرة عن المساواة التامة في الفرص وفي القوة، فكانت بذلك شاهدًا على القضية التي تقول إنَّ موقف الفلاسفة من الأسرة، قبل أي شيءٍ آخر، هو الذي يُحدِّد نتائجهم حول حقوق النساء ودورهن الاجتماعي.

ومن ناحيةٍ أخرى لقد رفض جون ستيوارت مِل — يقينًا — العديد من التفاوتات والفروق — وعدم المساواة القانونية والعرفية للأسرة البطرياركية؛ فهو لم يزعم — كما فعل كثيرون — أنَّ أفضل اهتمامات لكل أعضاء الأسرة، تندرج ضمن اهتمامات رأس الأسرة الذكَر، وهكذا انتهى إلى أنَّ النساء لا بُدَّ أن يكون لهن حقوقٌ سياسية ومدنية متساوية، ونفس التعليم ونفس الفرص لكسب قوت معيشتهم مثل الرجال. ومن ناحيةٍ أخرى فإنَّ مِل لم يتناول قط أو يعترض على أنَّ المحافظة على الأدوار التقليدية بين الجنسَين داخل الأسرة، بل يذهب صراحة إلى أنَّها مناسبة ومطلوبة. وعلى الرغم من اعترافه الصريح بالحد الذي يعوق فيه الانشغالات المنزلية النساء عن التقدُّم في مجالات الحياة الأخرى، فإنَّه لم يُلقِ بالًا إلى إمكان مشاركة الجنسَين في الأعمال المنزلية وتربية الأطفال. والزعم بأنَّ النساء المتزوجات لا ينبغي أن يكسبن قوتهن أو يسعَين إلى وظيفة إلَّا بمقدار ما تسمح به الالتزامات المنزلية، يعني أنَّ تأييد مِل لقضية المرأة مُقيَّد. والواقع أنَّه تسامح مع مواصلة وجود الفروق الملحوظة في استعمال السلطة، وفي إتاحة الفرص أمام الرجال والنساء المتزوجين. وهكذا نجد أنَّه على الرغم من أنَّه يذهب إلى أنَّه لا بُدَّ أن يُسمح للنساء بحق المواطنة، فليست ثمَّة طريقة على الإطلاق لواقع الحياة كما تصوَّرها يسمح لهن أن يَكُنَّ مواطنات، في حين أنَّ مِل — استثناءً من بين الفلاسفة السياسيين — حاول أن يُعالج النساء كأفراد ويعتبر سعادتهن وحريتهن مهمة بقدْر أهمية سعادة وحرية الرجال، فإنَّ إحجامه عن مناقشة البنية التقليدية للأسرة والأدوار الأساسية فيها منعه من النجاح الكامل في تحقيق هدفه.

إنَّ أهمية التحليل السابق تصل إلى ذروتها من واقعة أنَّ أسلوب التفكير الوظيفي عن النساء، وحقوقهن، وحاجاتهن، ووضعهن في المجتمع، لم تمُت على الإطلاق. ولقد تمَّ إحياء المذهب الوظيفي ككل في العقود الأخيرة، لا سيما في ميدانَي علم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي. وهناك مثلان على ذلك؛ أعمال «إريك أريكسون» في التحليل النفسي، و«تالكوت بارسونز» في علم الاجتماع — وهما مثلان يكفيان للبرهنة على خط البرهان السائد في قضية المرأة والأسرة، يُوازي خط البرهان عند روسو وأرسطو، ومن المهم أن نفهم كيف أنَّ هذا الأسلوب في التفكير — إذا ما طُبِّق على النساء والأسرة — فإنَّه يحتفظ بهذا الالتماس.

لقد طرح «فرويد» هذا السؤال المثير: ما الذي تريده المرأة؟٣ على عدد من علماء النفس من ذوي المكانة، وكذلك من علماء التحليل النفسي، ولم يتردَّدوا في تقديم الإجابة التي تدعم الفكرة القديمة، والتي تقول إنَّ المرأة ومطالبها واحتياجاتها تُحدِّدها خصائصها الجنسية والتناسلية،٤ فبروتو بتلهيم مثلًا — وهو يتحدَّث عن موضوع النساء في المهن العلمية — يُؤكِّد:
«علينا أن نبدأ من إدراك النساء — إذا أردن أن يَكُنَّ عالمات أو مهندسات ممتازات، فهن بحاجة أولًا وقبل كل شيء أن يَكُنَّ صاحبات ورفيقات، بطريقة أنثوية للرجال، وأن يَكُنَّ أمهات.»٥
ولقد شعر بعض الباحثين من الذكور أنَّهم ليسوا مضطرين أبدًا لإخفاء حقيقة أنَّهم يُعرِّفون النساء — وظيفيًّا — من حيث علاقتهن بحاجات المجتمع؛ فعالم التحليل النفسي جوزيف راينولد يقول مثلًا: «المرأة هي التربية والرعاية … ويقول لنا علم التشريح إنَّ حياة المرأة … عندما تنمو بلا قلقٍ من وظائفها البيولوجية وبلا تخريبٍ لأنوثتها؛ ومن ثمَّ عندما تدخل مجال الأنوثة بالشعور بالغيرية، فإنَّنا عندئذٍ سوف نبلغ الحياة الطيبة في عالم نأمن أن نعيش فيه.»٦

ومن الواضح أنَّ النساء عندما يتأقلمن اجتماعيًّا بنجاح مع الإيمان بأنَّ تشريحهن هو مصيرهن، فإنَّنا في هذه الحالة (مَنْ؟) سوف نعيش حياة طيبة.

وبالطبع لا أحد من هؤلاء يبعُد كثيرًا عن الأفكار التي عبَّر عنها روسو عن المرأة، غير أنَّ النمط الحديث لهذا الأسلوب في التفكير موجود عند «إريك إريكسون» (Erik Erikson) — لقد حاول إريكسون في محاولة لإحياء المفهوم السلبي لفرويد القائل بأنَّ تطوُّر شخصية الأنثى مستمد إلى حدٍّ كبير من شعور الفتاة الصغيرة بالحسد نحو القضيب — أقول: حاول إريكسون بدلًا من ذلك أن يذهب إلى أنَّ التطوُّر يتم حول امتلاك «مكان داخلي» له قوة هائلة هو: الرحم.٧ فقدرة المرأة على حمل الطفل وتغذيته ليست إذن مجرد جانبٍ من طبيعتها؛ فهويتها كلها، وحياتها التي تحياها يدوران حول ذلك «المكان الداخلي» الخاص بها، ورغبتها في امتلائه.
ويُخبرنا إريكسون أنَّ «الفراغ هو الصورة الأنثوية للعذاب … التجربة القياسية لكل امرأة».٨ وأنَّه أيًّا ما كان المجال الذي تقتحمه المرأة فلا بُدَّ لها أن تتخذ معها خاصيتها الأنثوية الخاصة — التي عرَّفها بأنها «المكان الداخلي»؛ ففي مجال السياسة — مثلًا — فيما يقول إريكسون: «لن يتحقَّق تأثير النساء تمامًا، ما لم تعكس بلا أعذار وقائع «المكان الداخلي» و«إمكانات وحاجات النفس الأنثوية»؛٩ وبالتالي فإنَّ النساء سوف يُنجزن نوعًا من الأدوار في الحياة يختلف عن دور الرجال. وكلَّما فعلن ذلك، فإنَّهن لن ينسَين أبدًا «التخطيط الأساسي» الفريد لأجسامهن. ما دامت المرأة ليست أبدًا مجرد امرأة، فهي لا تستطيع أن ترى أهدافها بعيدة المدى إلَّا في تلك الأساليب من النشاط التي تشمل وتتكامل مع «استعداداتها الطبيعية» فيما يقول إريكسون.١٠
وهكذا يزعم إريكسون — بطريقة إيجابية لا تقل عن طريقة روسو — أنَّه يعرف النساء على حقيقتهن وماذا يشبهن على نحوٍ طبيعي، غير أنَّ الاستدلال الذي يستخدمه في هذا الموضوع ليس حاسمًا ولا مقنعًا أكثر من استدلال روسو؛ فبرهانه على أنَّ النساء على وعيٍ أساسي ﺑ «المكان الداخلي» عندهن نتيجة لتجارب كان الأولاد والبنات في سنٍّ مبكرة يطلبون تركيب مشاهد من عدد من اللعب المعطاة.١١ ويستخدم إريكسون اختلاف المناظر التي يُكوِّنها الجنسان على أنَّ شخصياتهم تأثرت تأثُّرًا كبيرًا باختلافات الأعضاء الجنسية وأعضاء التناسل بينهما. مِمَّا يُذكِّرنا بإهمال روسو عند اكتشافه لتلك الاختلافات الطبيعية بين الجنسَين وتأثير البيئة في الطفل في سن السادسة. ويرفض إريكسون التفسير «الاجتماعي» الخالص بطريقةٍ قطعيةٍ لا تقبل النقد على أساس أنَّ مثل هذا التفسير لا يستطيع أن يُفسِّر جميع الاختلافات التي نشاهدها. كما يرفض النظر إلى المؤثِّرات في المشاهد التي يبنيها الأولاد والبنات، على أنَّها ذات مغزًى، تلك المؤثِّرات في تجارب اللعب عند كلَيهما في ثقافة تُقدَّم فيها كثرة من اللعب والأنشطة التي تُعتبر مرتبطة بدقة بالجنس، أو توحيدها بالسلوك المشروط اجتماعيًّا وتطلعات الآباء والبالغين الآخرين بجنسهم هم.
ويذهب إريكسون في هذا البحث — فيما بعدُ — إلى أنَّ الضرورة البيولوجية للحياة البشرية هي التي تجعل من تربية الطفل «الوظيفة الفريدة للمرأة»؛ ومن ثمَّ فالبيولوجيا هي التي تُفسِّر الكثير من الاختلافات التي نلاحظها في الفتاة الصغيرة. لا فقط رد الفعل على الأشياء بحنان ورقة أكثر بكثيرٍ من الولد، بل إنَّها تعلَّمت أيضًا أن ترضى بسهولة داخل دائرةٍ محدودةٍ من الأنشطة. وهي تُبدي مقاومةً واندفاعًا أقل من ذلك النوع الذي يقود الأولاد والرجال فيما بعدُ إلى الانحراف.١٢ وفي غياب أي اعتبار للتنشئة الاجتماعية بين الجنسَين أو التوقعات التي ينتظرها منهما المجتمع، فكيف يفترض أن نُؤمن بأنَّ مثل هذه الاختلافات هي نتيجة للبيولوجيا؟ إنَّ نتائج روسو المماثلة لم تتأسَّس على شواهدَ أشد سوءًا من هذا الدليل.
على الرغم من أنَّ «إريكسون» يُبرهن بسهولة على درجةٍ غير عادية من التفكير المشوش، فإنَّ هذا التفكير هو الذي يعوق باستمرار المناقشة العقلية للفروق بين الجنسَين، تمامًا مثلما أنَّ معالجة «روسو» لهذا الموضوع اختلطَت فيها العبارات الوصفية مع العبارات المكتسبة وغُزِلا في ضفيرةٍ واحدة. يُخبرنا إريكسون، مثلًا، في عبارةٍ حاسمةٍ بالنسبة لحُجَّته: «إنَّ المرأة عليها التزاماتٌ بيولوجية وسيكولوجية وأخلاقية تجاه رعاية الطفولة البشرية.»١٣ ومن الصعب على المرء أن يعرف معنى «الالتزامات البيولوجية»؛ فالالتزام بغير شك هو شيء يأخذ المرء المقصود على عاتقه القيام به. أمَّا القول بأنَّ لدى المرأة القدرة على حمل الأطفال فهو مسألةٌ لا شك فيها، لكن أن تقول إنَّ ذلك التزام بيولوجي — دع عنك الرعاية التامة للطفل — فهو قولٌ لا معنى له. أمَّا بالنسبة لالتزامات المرأة السيكولوجية والأخلاقية لتربية الأطفال فهما معًا — على الأقل إلى حدٍّ كبير — يرتبطان بالثقافة. والأولى، بدرجة غير معروفة، نتيجة لظروف دور الجنس، فصهرهما إريكسون معًا كواقعةٍ بيولوجيةٍ عامة مع العوامل المكتسَبة ثقافيًّا هي طريقةٌ عنيفة ليستمد نتيجته غير المضمونة القائلة بأنَّ تربية الطفل هي بالضرورة مهمة «تستغرق سنواتٍ من الساعات التي تُخصِّصها المرأة للعمل.»١٤
وأهمية كتاب إريكسون في الدفاع عن الوضع القائم، في أنَّه يُضفي تصديقًا من علوم القرن العشرين على أسطورةٍ قديمة. وهذه الأسطورة القديمة تزعم أنَّ تمايز الأدوار بين الجنسَين الموجود وتطلُّع الأولاد والبنات إلى أدوارٍ مختلفة تمامًا في المستقبل لا يرجع إلى مؤثِّرات البيئة أو تصديقاتٍ اجتماعية، وإنَّما هي تعود إلى فروقٍ جنسيةٍ فزيائية؛ ومن ثمَّ فإنَّ انحصار الغالبية العظمى من النساء في المنزل أو أوضاعٍ قانونية دنيا، في مجال الوظائف، ليس على الإطلاق مسألةً شاذةً في العالم الحديث. أو مسألة تجد المرأة الطبيعية من ذات نفسها سببًا لتحديها. وهذا مِمَّا يُؤكِّده لنا إريكسون؛ لأنَّ البيولوجيا النسائية ذاتها تُؤكِّد أنَّ المرأة — في مقابل الرجل الذي غزا الفضاء ونَشَر الكثير من الأفكار— قد وجدَت هويتها في الرعاية التي تقوم بها بجسدها وفي الحاجة إليها، ويبدو أنَّها سلَّمت بأنَّ المكان الخارجي في العالم ينتمي إلى الرجال.١٥

والمهمة التي يقوم بها علماء النفس تُكملها مهمة علماء الاجتماع، لا سيما أولئك الذين ينتمون إلى «مدرسة الوظيفة البنيوية». «تالكون بارسونز» وزملاؤه في كتاب «الأسرة، والتنشئة الاجتماعية وعملية التفاعل»، وفي عدد من المقالات التي أخذَت على عاتقها البرهنة على أنَّ الوظائف الأساسية التي تقوم بها الأسرة النووية من أجل المجتمع يفرقون بين تمايز العرف بين أدوار جنس الرجال وجنس النساء؛ فلو أنَّ إريكسون في معالجته للنساء، هو «روسو» هذا العصر، فإنَّ التحليل الوظيفي عند «تالكون بارسونز»، للأسرة ولدور المرأة داخلها يكشفه على أنَّه أرسطو العصر.

بارسونز — على خلاف إريكسون — لا يبدو أنَّه يؤمن بدور العرف بين الجنسَين الذي يتحدَّد بيولوجيًّا عن طريق تمايز الأدوار في الإنجاب؛ فقد أصبحت واقعتا الحمل والرضاعة، بالأحرى، الأساس لدورٍ مختلف أتمَّ الاختلاف وأسلوب حياة للنساء ينبغي تفسيره عن طريق عامل تأمُّل في الأسرة. يقول بارسونز «الواقع أنَّنا نذهب إلى أنَّه ربما كانت أهمية الأسرة ووظائفها للمجتمع تُشكِّل المجموعة الأقصر من الأسباب التي تجعل هناك تفرقة وتميُّزًا بين الأدوار الاجتماعية وأدوار الإنجاب بين الجنسَين.»١٦ وهكذا نجد أنَّ وظائف أساسية في الأسرة النووية الحديثة هي التي تُحدِّد بالضرورة «مكان المرأة».
لقد انتقد علماء الاجتماع المُحدَثون المُناصِرون لقضية المرأة كتاب «بارسونز».١٧

غير أنَّ هناك عدة مسائل تحتاج إلى مناقشة في هذا السياق:

أولًا: أنَّ بارسونز — مثل أرسطو في نظرته إلى المدينة وتدبير المنزل اليوناني — نظر إلى المجتمع الأمريكي في أربعينيات وخمسينيات هذا القرن وإلى الأسرة النووية التقليدية على أنَّها الأساس في نظريته؛ فقد سلَّم أنَّ الأعضاء الراشدين في الأسرة «الطبيعية» يعتمدون على رجل له وظيفة وامرأة إمَّا أن تبقى أو أن تتجه — إذا ما كانت تعمل — إلى أن تشغل وظيفة لا تُنافس بها مكانة زوجها.١٨ وهو يُعرِّف وضع المرأة المتزوجة بأنَّه الوضع المستمد من مستوى وظيفة زوجها. أمَّا مسألة وضع المرأة بالمقارنة بوضع الرجل فمهما اعترف بالتفاوت وعدم المساواة ترجع إلى العلاقات غير المتناسقة بين الجنسَين مع البنية الوظيفية.»١٩
ولم يكن بارسونز غير واعٍ أنَّ هناك مشكلات، لا سيما بالنسبة للنساء، تنتج عن بنية دور الجنس في الأسرة النووية التي يعتبرها أمرًا مُسلَّمًا به. وهو يقول عن الانفصال الحديث الصارم بين «العمل» الخارجي في العالم عن عمل المنزل: «إنَّه يحرم المرأة من دورها كشريك في عملٍ مشترك»؛ فهي تترك مع وظائفَ نفعيةٍ في تدبير المنزل الذي يمكن اعتباره نوعًا من شبه الوظيفة.٢٠ وهو يُشير إلى أنَّه على الرغم من أنَّ القدرة الأمريكية العالية على تحمُّل المشاق، فإنَّ نساء الطبقة المتوسطة يتجهن نحو الخدمات المنزلية كلما سمحَت القدرات المالية، كي يعزلن أنفسهن عن إتمام الأعمال المنزلية، وليقمن بدور في النشاط الاجتماعي حتَّى يتجنَّبن «وصمة أنَّهن زوجات فحسب».٢١ كما يعترف كذلك بأنَّ المشكلات التي تنشأ من واقعة دور النساء في تربية الأطفال تنتهي في العادة بأن يكون أزواجهن على قمة وظائفهن. إنَّ الطبيعة التي تحصر حياة المرأة في المنزل والتخصيص الضيق لحياة الرجال في العمل ليس عملًا وحيدًا بتاتًا لكلا الجنسَين كما يقرُّ بذلك. على حين أنَّ الرجل يُمكن أن يعوض بما ينجزه وبمسئوليته عن هذه الوظيفة — فيما يعترف بارسونز — فإنَّ تمايز دور الجنس الصارم بالنسبة لمجتمعنا يُلحق بالمرأة أعظم الضرر. كتب يقول: «من الواضح تمامًا أنَّه في دور الأنثى الناضجة، هناك من العناء واللاأمان، ما يكفي تمامًا، لكي يجعلنا نتوقَّع انتشار مظاهر السلوك العصبي.»٢٢
ومن المدهش — بصفةٍ خاصةٍ بعد أن يُكوِّن لدينا مثلُ هذا الإدراك بعضَ نتائج بنية أدوار الجنسَين كما يُنظِّمها العُرف — أن يرفضَ بارسونز النظرَ في إمكانيات التغيير؛ فهو يُؤكِّد — بغير تعليق — أنَّ دور الجنسَين قد أصبح أكثر تحديدًا لا أقل تحديدًا (لقد كان يكتب، بالطبع قبل بداية الحركة النسائية السائدة). الحركة العاملة للنساء في نمط «رجولي» للسلوك، فيما يعتقد «لن يكون مُمكنًا إلَّا مع التغيُّرات العميقة في بنية الأسرة» وهو ينظر إلى «البنية التقليدية للأسرة» على أنَّها أكثر جوهريةً مِمَّا كانت من قبلُ من منظور وظائفها، الاجتماعية الحيوية.٢٣ ويتضمَّن ذلك أنَّ مثل هذا التغيُّر العميق مهما كانت عواقبه على الصحة العقلية لنصف السكان، ليس مسألة مطروحة للنقاش.

ومن تحليل يأخذ البنية الاجتماعية المعاصرة — على نحو ما هي قائمة ينزلق بسهولةٍ شديدة إلى دور التنبؤ، أو بالأحرى توصيف المستقبل، وهو يميل إلى البدء بأساس الأسرة الأمريكية في عصره — ثمَّ يدَّعي أنَّ النتائج التي وصل إليها ليست «مرتبطة بالثقافة» تُذكِّرنا، إلى أقصى حد، بموافقة أرسطو وتصديقه على الوضع القائم بالبرهنة على أنَّه النظام الطبيعي للأشياء. وبعد أن يُبرِّر سيطرة الذكَر داخل الأسرة، نتيجةً لموقف الزوج في عالم الوظائف، يستمر بارسونز ليُؤكِّد:

«حتَّى لو كان من الممكن أن يكون للمرأة المتوسطة نوعٌ معيَّن من الوظيفة — وهو يبدو ممكنًا — فليس من الممكن فيما يبدو أن ينقلب هذا التوازن النسبي، أو تنعكس الأدوار أو أن يُمحى تمامًا التمايز الكيفي في هذه الجوانب.»٢٤

ويقتبس بارسونز — تأكيدًا لهذه النظرة — التوزيع الحالي للنساء على قوى العمل، وواقعة أنَّهن يشغلن أدوارًا سائدة ومُعبِّرة تدعم أدوار الرجال، تُماثل دور الزوجة الأم في الأسرة. في حين أنَّه يدرك أنَّ هناك رابطةً بين الأدوار الداعمة والأدوار التابعة المُخصَّصة للنساء سواء في داخل الأسرة أو خارجها، ولم يكن بارسونز على الإطلاق يميل إلى القول بأنَّه ربما كان هناك أساسٌ عقلي ولو ضئيل لهذا الدور المُخصَّص لكلا الجنسَين، واقعة أنَّه حتَّى في ميدان العمل تقوم النساء بأدوار التربية والرعاية، التي يُفترض أنَّها تُعزِّز الاقتناع بأنَّ هذا هو دورهن المناسب داخل الأسرة.

هناك نقطتان أساسيتان في حُجة بارسونز حول أهمية تمايز الأدوار بين الجنسَين هما أنَّ الأسرة — كأي جماعةٍ صغيرة — لا بُدَّ أن يكون لها قائد مُعبِّر، وقائد مُنفِّذ، وأنَّه من المفروض أنَّ الأم تقوم بالدور الأول في حين أنَّ الأب يقوم بالدور الثاني. ولقد انتقدَت «آن أوكي» الزعم الأول انتقادًا جيِّدًا فأشارت إلى أنَّ جميع موضوعات التجربة التي اعتمد عليها بارسونز هي نتاج التنشئة الاجتماعية داخل الأسرة النووية من النوع الذي استهدف أن يستمدَّ نتائجه منه؛ ومن ثمَّ فإنَّ الجماعات الصغيرة التي تشكَّلت من المحتمل جدًّا أن تكون على غرار بنية أسرة العُرف، وأنَّ النهاية التي انتهى إليها بارسونز، التي تقول إنَّ الخصائص الملاحظة هي «خصائص تلك الجماعات الصغيرة في كل مكان» لا تقوم على أساس.٢٥
لكن دعنا نقبل للحظة هذه النتائج عن أدوار القيادة في الجماعة الصغيرة، ومن ثمَّ في الأسرة، فلماذا يُخصَّص للأم الدور التعبيري، وللأب القيادة الفعَّالة في الأسرة؟ ويذهب بارسونز إلى أنَّ الدور التعبيري للأم مستمد من واقعتَي الحمل والرضاعة. وعن طريق إهمال الواجبات، إنَّ الأب — ما دام لا يستطيع إنجاز هاتَين الوظيفتَين — فلا بُدَّ أن يخرج للعمل ويُصبح القائد الفعَّال.٢٦ لكن ما دام بارسونز يُنكر أي صلة بين المرحلة الجنينية والتنشئة الاجتماعية للطفل، وهو يكتب ذلك في عصرٍ بلغَت فيه زجاجة الرضاعة أوجها، وأنَّ وظيفة التغذية تثبط همتها مهنة الطب — فيبدو أنَّ الأساس يتضاءل جدًّا في تخصيصه أدوار حياةٍ طويلة على أساس الجنس. ويبدو أنَّ بارسونز كان، إلى حدٍّ ما، على وعيٍ بهذه المشكلة رغم أنَّه يكتب بصفةٍ عامة من منظور «علاقة الأم بالطفل» ويُسمِّي مربية الطفل بالأم، خلال مناقشته للمرحلة الحاسمة للاعتماد الخصي يقول إنَّ ما هو جوهري لتطوُّر «أنا الطفل» هو «التعلُّق» بموضوع واحد، أو فئة من «الموضوعات الاجتماعية»، التي تعتبر الأم النموذج الأصلي لها، ولقد كان حريصًا على أن يُشير إلى أنَّ «مندوب الرعاية» هو المفهوم الأساسي وأنَّه ليس ثمَّة حاجة إلى أن ينحصر في شخصٍ واحد مُعيَّن؛ فتلك هي الوظيفة الجوهرية٢٧ لكنَّه في كل مرة يعود إلى تسمية «مندوب الرعاية» بالأم، مُضلِّلًا القارئ حول الانطباع العام الذي تمَّت البرهنة على أنَّه بالضرورة دور الأنثى.
من الواضح أنَّ بارسونز يعتقد أنَّ التمايز الواضح بين أدوار الوالدَيْن خلال «مرحلة أوديب» بالغ الأهمية في التنشئة الاجتماعية للطفل، والسبب أنَّ الطفل في هذه المرحلة يتقمَّص شخصية الأب (أو الأم) حسب جنسه (أو جنسها). لا بُدَّ أن يتوجَّه بنجاح الدور المناسب لجنسه، وهذا جزءٌ حاسم من امتصاص الطفل «للنمط المؤسس في المجتمع»٢٨ لكي تُصبح الفتاة «شخصًا مطيعًا ومتكيِّفًا» ويُصبح الابن «منجزًا فنيًّا على نحو مقنع»٢٩ ولا بُدَّ من صبغهما بالصبغة الاجتماعية في الأسرة النووية التي يتم فيها هذا التمايز لأدوار الجنسين ويُلاحظ بوضوح، لكن من المُؤكَّد أنَّ هناك شيئًا أشبه بالدور في هذا الاستدلال؛ فجزءٌ كبير من ضرورة أدوار الجنس تعتمد على الحاجة إلى التنشئة الاجتماعية للأجيال القادمة، في أدوار الجنس حتَّى يستطيعا بدورهما أن يصبغا أطفالهما بالصبغة الاجتماعية لأدوار الجنس … وهكذا إلى ما لا نهاية، وبصفةٍ خاصة ما دام بارسونز كان على وعيٍ ببعض النتائج غير الصحية لأدوار الجنسَين التي يقول بها العرف، فإنَّ المرء ليعجب لماذا اهتم كل هذا الاهتمام للاحتفاظ بها؟

لقد كان بارسونز — بوصفه عالم اجتماع — مُؤهَّلًا تمامًا للقيام بالتحليل النظري للمؤسسات الثقافية التي تفرق بين الجنسَين، غير أنَّه ليس له ما يُبرِّر — أكثر من أرسطو — أن يعرض النظرية من مجموعةٍ جزئيةٍ تاريخيةٍ خاصةٍ من المؤسسات كحكم على السلوك البشري من منظور الأزل. والطبيعة الأكاديمية المُحايدة المزعومة لدراسته لم تظهر حقيقة نتائجه الرجعية عن ضرورة تحديد أدوارٍ صارمةٍ للجنسَين لكي نُحافظ على صحة المجتمع الوظيفي.

وهكذا نجد أنَّه في نفس العصور الحديثة كان هناك تصديقٌ قوي على أسطورة التفرقة بين الجنسَين من علماء لهم نفوذٌ مُؤثِّر في المجرى الرئيسي لعلومهم. إنَّ استدلال روسو عن طبيعة النساء يوجد هنا نماذجُ له وقد مثَّله إريك إريكسون، ومزاعم أرسطو عن الطبيعة المُقدَّسة التي لا تتغير لبنية الأسرة القائمة تُمثِّلها بوضوحٍ مدرسة بارسونز في علم الاجتماع التي عزَّزت المُبرِّر للمعالجة التي تفرق بين الجنسَين، واستمر ذلك حتَّى بداية الحركة النسائية في أواخر الستينيات التي بدأت في كسر الاحتكار، وفضلًا عن ذلك فإنَّ الرجال والنساء معًا، تغنَّوا أثناء تنشئتهم الاجتماعية على الغبار المتساقط من هذه الآراء؛ من خلال الكتب المدرسية، والإعلانات، وتنشئة الطفل، وقنوات أخرى لا حصر لها «الطبيعة» المكتسَبة المفروضة على النساء بسبب بيولوجيا التناسل عندهن وينضم إليها الزعم بأنَّ بنية الأسرة كما يُحدِّدها العرف، لا تفترضها في الواقع أيَّة آراء بديلة.

١  لقد عجزتُ عن أن أجد المصدر الأصلي لهذه العبارة، ولقد اقتبسها أ. لفجوي في كتابه «سلسلة الوجود الكبرى»، كيمبردج، عام ١٩٣٦م، ص٢٤، لكن دون أن يُحدِّد مصدرها، وحتَّى بالبحث في معجم بنجوين للمقتبسات الحديثة لم أجدها. وضاع السعي أدراج الرياح. ولمَّا كان الاقتباس منسوبًا إلى وايتهد فربما ذكره في إحدى المحاضرات.
٢  لا أعتقد أنَّ ذلك صحيح، ولقد ناقشتُه بالتفصيل في كتابي: «أفلاطون … والمرأة»، مكتبة مدبولي، عام ١٩٩٦م، فليرجع إليه مَنْ يشاء. (المترجم)
٣  إرنست جونز، «حياة سيجموند فرويد وأعماله»، نيويورك، ١٩٦١م، المجلد الثاني، ص٤٢١.
٤  انظر تومي فيشتين، «علم النفس — يشكل الأنثى» وأنا مدينة لفيشتين لتوجيهي إلى الأمثلة التي ذكرتها.
٥  «التعهُّد المطلوب من المرأة لكي تدخل مهنة علمية في الجمعية الأمريكية في الوقت الراهن» … المرأة والمهن العلمية. مأدبة حول النساء الأمريكيات في العلم والهندسة. أدارها ج. ماتفليد وس. فان إيكن، كيمبردج – ماستوشست، عام ١٩٦٥م، ص١٥.
٦  «الخوف من أن أكون امرأة»، نيويورك، عام ١٩٦٤م، ص٧١٤.
٧  «المكان الداخلي، والمكان الخارجي»، تأملات حول الأنوثة.
٨  «المكان الداخلي، والمكان الخارجي»، ص٥٩٦.
٩  «المكان الداخلي، والمكان الخارجي»، ص٦٠٤.
١٠  «المكان الداخلي، والمكان الخارجي»، ص٦٠٥.
١١  «المكان الداخلي، والمكان الخارجي»، ص٥٨٨–٥٩٣.
١٢  «المكان الداخلي، والمكان الخارجي»، ص٥٩٨-٥٩٩.
١٣  «المكان الداخلي، والمكان الخارجي»، ص٥٨٦.
١٤  «المكان الداخلي، والمكان الخارجي»، ص٥٩٨ (والتشديد من عندي).
١٥  «المكان الداخلي، والمكان الخارجي»، ص٥٩٣.
١٦  الأسرة والتنشئة الاجتماعية وعملية التفاعل، ص٢٢.
١٧  انظر مثلًا آن أوكلي، «عمل المرأة»، ص١٧٨، و١٨٥؛ وكتاب جوليت ميتشل، «وضع المرأة»، ص١١٦-١١٧.
١٨  الأسرة والتنشئة الاجتماعية، ص١٢–١٥؛ و«السن والجنس في البنية الاجتماعية في الولايات المتحدة الأمريكية»، ص٦٠٥، و٦٠٨-٦٠٩.
١٩  السن والجنس، ص٦٠٥.
٢٠  السن والجنس، ص٦٠٩.
٢١  الأسرة والتنشئة الاجتماعية، ص١٢٩.
٢٢  السن والجنس، ص٦١٢.
٢٣  السن والجنس، ص٦١٠.
٢٤  الأسرة والتنشئة الاجتماعية، ص١٥، وهامش ١٣.
٢٥  عمل المرأة، ص١٨١–١٨٥.
٢٦  الأسرة والتنشئة الاجتماعية، ص٢٣.
٢٧  الأسرة والتنشئة الاجتماعية، ص٤٣، و٦٣.
٢٨  الأسرة والتنشئة الاجتماعية، ص٣٥، و٨٠، و٩٤، و٩٨، و٣٨٧.
٢٩  الأسرة والتنشئة الاجتماعية، ص٥١، شكل ٤.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦