الفصل الثاني عشر

خاتمة

تستهدف هذه الدراسة الإجابة عن سؤالَين طرحناهما في البداية … يتناول أولهما ما إذا كان بإمكان الفلسفة السياسية في شكلها المُتعارف عليه حاليًّا أن تشمل المرأة ضمن موضوعاتها على قدم المساواة مع الرجل. والسؤال الثاني يدور حول ما يُمكن أن نتعلَّمه بشأن تحليل كيفية تناول المرأة في الفلسفة السياسية بشأن اقتراع النساء، السياسية والرسمية، التي لم تؤدِّ إلى المساواة الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية الحقيقية بين الجنسَين. وفي هذا الفصل الأخير سوف يتم استخدام نتائج هذه الدراسة لصياغة إجابتَين عن هذَين السؤالَين على التوالي.
المكان الوحيد في الفلسفة السياسية الذي تمَّ فيه ضم المرأة فعلًا على قدم المساواة مع الرجل كان في طبقة الحُرَّاس عند أفلاطون في «الجمهورية»؛ ففي «الجمهورية» يُؤدِّي إلغاء الجانب الشخصي من الحياة، وتنظيم النسل … وجعل رعاية الأطفال وجميع الوظائف المحلية أمورًا اجتماعية مشتركة، يُؤدِّي ذلك كله، في طبقة الحراس من الرجال والنساء إلى تعليمٍ واحد وعملٍ واحد. ويتم تصوُّر الفروق الطبيعية بين الرجل والمرأة في أضيق الحدود. كما يتم الحد من المهام التقليدية للمرأة، لتقتصر فقط على المجهودات الفسيولوجية الخاصة بالحمل والرضاعة. وهكذا يُصبح نساء طبقة الحُرَّاس في منزلةٍ مُساويةٍ لخصائص الرجال في الوقت الذي يكون فيه الحديث عن «الحقوق» الفردية في سياق محاورة الجمهورية حديثًا لا معنى له.

يوجد في جميع أعمال الفلاسفة الذين ناقشناهم — وكذلك في محاورة «القوانين» لأفلاطون — منطقةٌ متميزةٌ للحياة الأسرية الخاصة، بمنأًى عن مجال الحياة العامة، مِمَّا يؤدي إلى المبالغة في تقدير الفروق البيولوجية بين الرجل والمرأة، إلى إدراك أنَّ النساء يُناسبن أساسًا وظائف «أنثوية» خاصة في محيط المنزل؛ وبالتالي يُبرِّر احتكار الرجال للعالم الخارجي بأَسْره. دعنا الآن نرى ماذا يحدث عندما نتخيَّل انضمام المرأة كشريكٍ مُناظرٍ للرجل في جميع النظريات التي قمنا بدراستها. هل مثل هذا الافتراض سوف يُغيِّر النظريات تغييرًا ذا مغزًى؟ هل يثق فيهم بغَض النظر عن الشكل، أم يكشف تناقضاتٍ لا تكون ظاهرةً ما دمنا زعمنا أنَّ النساء مستبعداتٌ عن المقدمات والنتائج النظرية الرئيسية؟ وبعد تطبيق هذا الافتراض على كلٍّ من الفلاسفة السياسيين، كلٌّ بدوره، هل سيتم وضع هذه الدلالات الهامة بشأن التعديل الضروري لأيَّة نظريةٍ سياسية، وذلك من حيث معاملة المرأة ككيانٍ مساوٍ للرجل؟

إنَّ المشكلات العملية في المجتمعات التي وصفها «أفلاطون في محاورة القوانين» وأرسطو في كتاب «السياسة» — التي سببها تحوُّل النساء إلى مواطناتٍ مشاركات في الحياة العامة مشاركةً تامةً مثل الرجال، والتي ستُخفِّف منها إلى حدٍّ ما مؤسسة الرق. غير أنَّ هذا «الحل» يُمكن أن يكون حلًّا جزئيًّا فحسب؛ لأنَّه لا أفلاطون ولا أرسطو يكون سعيدًا بالاحتكاك الطويل في المستقبل بين الأطفال الأحرار والعبيد؛ ولهذا فمن المشكوك فيه جدًّا أن نتوقَّع أن تسير إدارة المنزل مع أفضل مصالح الأسرة لو تُرِكت تمامًا في أيدي العبيد دون إشرافٍ من ربة الأسرة. ولا أحد يُنكر أنَّ سلامة المنزل الخاص بكل مواطن في هذه المجتمعات الذي تكون فيه الحياة المدنية بالغة الأهمية، تعتمد إلى حدٍّ كبير على واقعة أنَّ النساء في حالة أرسطو مستبعداتٌ تمامًا من مجال الحياة العامة، وفي «محاورة القوانين» لأفلاطون يلعبن دورًا ثانويًّا جدًّا.
وعلى الرغم من ذلك تُوجد مشكلاتٌ أخرى أشد عمقًا ينطوي عليها افتراض المساواة التامة للنساء في الدولة المثالية الثانية لأفلاطون، والسياسة التي يفضِّلها أرسطو. لأنَّهما معًا يُدركان الأسرة بوصفها جانبًا من المِلكية الخاصة تُشكِّل فيه الزوجة نفسها مُكوِّنًا رئيسيًّا؛ فالمواطنون الذكور في هذَين المجتمعَين يملكون زوجاتهم، ومن الواضح أنَّ ذلك لا يُمكن أن يحدث إذا ما كان الرجال والنساء متساوين. وكما سبق أن أوضحنا في الفصل الثالث، فإنَّ أفلاطون لم يستطع أن يتصوَّر درجة المشاركة في الحياة المدنية التي يُمكن أن يقوم بها الحُرَّاس النساء في «الجمهورية»، على نحو ما يحدث للزوجات الخصوصيات في «محاورة القوانين»، على الرغم من واقعة أنَّ اقتناعاته عن إمكانات النساء قد أصبحَت أقوى في السن الذي كتب فيه «القوانين». وفي المجتمع الفاضل الثاني لا بُدَّ من فرض طبيعة المرأة عليها وذلك حتَّى يتلاءم مع دورها كزوجة. أمَّا في كتاب «السياسة» لأرسطو، فإنَّ حياة الأسرة تُعرَّف صراحةً خارج نطاق السياسة التي تشمل الأب فقط. ومن الواضح أنَّه ينبغي إدخال تغيراتٍ قوية في هذه المفاهيم عن الأسرة، حتَّى يُسمح للمرأة أن تكون عضوًا على قدم المساواة مع الرجل سواء في الحياة الأسرية أو كمواطنة. لا بُدَّ للأسرة أن تظهر كمؤسسةٍ يدعمها الأعضاء الراشدون كنظراء تمامًا بدلًا من النظر إليها على أنَّها موضوعٌ للمِلكية، أو كشرطٍ ضروري لتزويدنا بالورثة أو للوفاء بالاحتياجات اليومية. ويُعدُّ ذلك انسلاخًا جوهريًّا من الأفكار اليونانية المعاصرة التي لم يعُد يصلح لها لا كتاب السياسة لأرسطو المبني على العُرف، ولا حتَّى كتاب القوانين لأفلاطون.

وفضلًا عن ذلك ففي كتاب «السياسة» لأرسطو لا تزال تُطرح مشكلات أكثر جدية عندما افترض المعاملة المتساوية بين الرجل والمرأة. ويعتمد التصوُّر الغائي الذي تقوم عليه فلسفة أرسطو السياسية كلها — على افتراض أنَّ كل الأعضاء الآخرين من السُّكَّان — العبيد والحرفيين وكذلك النساء — قد وُجِدُوا فقط لكي ينجزوا المهام التي تخص كلًّا منهم تجاه الأقلية الأخرى من الرجال الأحرار الذين يُشاركون مشاركةً تامةً في الحياة العامة. وقد تمَّ تعريف «طبيعة» كل مجموعةٍ من الناس وفقًا لأدائها الأمثل لوظيفتها المُتعارف عليها على النحو المُرضي، فإذا ما مُنِحَت المرأة مكانةً مُساويةً للرجل داخل طبقة المواطنين، فسوف يتقوَّض بالكامل أساس النظرية الوظيفية عند أرسطو، ولو أنَّه أنكر الطبيعة الدونية للنساء، والحُجَّة التي على أساسها يقمن بأداء الوظائف في الحياة المعاصرة في أثينا، كما أنَّ حُجَّته المتوازنة عن الطبيعة الدونية للعبيد سوف تُعرَّض للخطر؛ فما إن يحدث أنَّه لم يعُد ثمَّة اتفاق حول الطبيعة الدونية للنساء وضعفهن العقلي، ولا أنَّها قد وُجِدَت فقط بهدف المحافظة على استقرار الأسرة وأمانها وإنجاب الورثة الشرعيين وتربيتهم — فكيف يُمكن عندئذٍ الإبقاء بشكلٍ مستمر على طبقة العبيد وحدها بهدف القيام بوظيفتهم في تقديم الخدمات، أو قُل الشيء نفسه عن طبقة الحرفيين بسبب الأعمال التي تصادف أن يقوموا بها، فهم لا يصلون بالتالي للحياة السياسية؟ إنَّ توحيد أرسطو للوضع الهيراركي القائم مع ما هو طبيعي وضروري وحسن، لا يُمكن أن يصمد أمام تحرُّر النساء واشتراكهن في الحياة السياسية؛ فنظام أرسطو السياسي يقوم بشدة على أساس التباين الاجتماعي، فإذا ما تمَّ التغاضي عن أيٍّ من مفاهيم عدم المساواة، فإنَّ هذا النظام كله سوف يتعرَّض للخطر. ويُصبح واضحًا مدى ضعفِ أساسِ هذه البنية عندما يتضح أنَّ المعالجة الوظيفية للنساء لا مشروعية لها.

وعلى العكس، كان من المُمكن أن يُحقِّق إدخال روسو للنساء كمواطناتٍ أكْفاء، في جمهوريته الديمقراطية المثالية، الأثر المطلوب لإزالة التناقضات التي تُواجه نظريته على نحو ما عليه، فسوف تحل التباين بين مبدأ المساواة وأساس التراضي في أفكاره عن الحكومة، واللامساواة القصوى في الأسرة التي يُشكِّل فيها الأب الشخصية المحورية، والتي يقوم بدعمها بشكلٍ طبيعي، ولا يُمكن الاستغناء عنه. ولن تكون تصريحات روسو المثيرة للدهشة بعد ذلك عن المساواة والحرية متعارضة مع كل ما يقوله عن العلاقات بين الجنسَين، وهناك أيضًا مشكلةٌ أخرى سوف يحلُّها انضمامُ الأسرة إلى الحياة العامة، ألا وهي خطر الصراع بين الولاءات الذي ناقشناه في الفصل الثامن فيما سبق، فإذا لم تعُد المرأة تُوجه بشكلٍ خاص وشخصي تمامًا، فمن المحتمل ألا تكون أقلَّ من الرجل في خطورتها على تلك الولاءات الأوسع التي كان روسو يُقدِّرها تقديرًا عاليًا.

غير أنَّ المشكلات التي تظهر نتيجة تحوُّل النساء إلى نظراء أنداد هي مشكلاتٌ ضخمة في حالة روسو، بل أضخم من المشكلات في حالة «القوانين» لأفلاطون، و«السياسة» لأرسطو، وبمعنًى عملي هي أشد قسوة؛ ذلك لأنَّ الجمهورية المثالية عند روسو تتطلَّب مشاركةً مدنية — كما هي الحال عند أرسطو — ومع ذلك فإنَّ المجال الخاص بحياة الأسرة مسألةٌ حاسمة بالنسبة له — لا فقط على أسسٍ اقتصادية، على نحوِ ما كان الأمر عند اليونان، وإنَّما كجانبٍ بالغ الأهمية للحياة النشطة. ولقد اعترف «روسو» نفسه بأنَّ الحرية السياسية مطلوبة جدًّا، وأنَّه سيكون من المستحيل الإنجاز بدون قيام مؤسَّسة العبيد بإمدادنا بالاحتياجات اليومية. ولمَّا كان روسو لم يستطع أن يتصوَّر هذا الوضع بشكلٍ شرعي، فقد ظلَّت هذه المشكلة مُعلَّقة بغير حل، وعلى الرغم من ذلك فقد اعتبر استبعاد المرأة من الحياة المدنية مسألةً طبيعية وكذلك انحصارها في مجالٍ خاص، بناءً على التعريف الوظيفي للنساء. وذلك مبعثه افتراض أنَّ الأسرة التي يُشكِّل فيها الأب الشخصية المحورية شيءٌ طبيعي.

دعنا نُحاول أن نتصوَّر المساواة بين الجنسَين في جمهورية روسو:

  • أولًا: لا بُدَّ أن تتغيَّر بنية الأسرة تغيُّرًا جذريًّا حتَّى تتسق مع حقوق المساواة والمسئوليات الخاصة بكل عضو من أعضائها الناضجين. وينبع تصوُّر روسو كله للعلاقات بين الرجل والمرأة، الذي يُمكن أن ينقلب رأسًا على عقب — ينبع من خوفه البالغ من فكرة التبعية، فيما عدا على الشخص الذي يُمكن للمرء التحكُّم فيه … وفضلًا عن ذلك فسوف يتعيَّن على الزوج والزوجة أن يُصبحا قادرَين على الوثوق بعضهما ببعض وهو الأمر الذي يبدو أنَّ روسو لم يستطع أن يتخيَّله. ومرةً أخرى لم يعُد من الممكن الإشارة إلى المرأة، والنموذج الكامل للحياة وفقًا لاحتياجات الرجل فقط، كما هو غير ممكن بالنسبة للرجل أيضًا. وتأخذنا هذه المتطلَّبات أبعد كثيرًا من «إميل» و«صوفي»، ومن نساء «جنيف» العفيفات اللائي صوَّرهن روسو بطريقةٍ مثالية.
  • ثانيًا: إذا كان من شأن المرأة أن تتساوى مع الرجل في الجانب السياسي، فإنَّه يتعيَّن عليها هي أيضًا قضاء مدة من الوقت ليست بقليلة في الاجتماعات السياسية وعدة أنشطةٍ عامةٍ أخرى. وفي نفس الوقت الذي يقول فيه روسو إنَّ التعليم الرسمي للمواطنين يجب أن يُصبح عامًّا، يكون من الواضح أنَّه يعتبر التربية المبكرة للأطفال نشاطًا خاصًّا، ويرى الأسرة كملجأ للرجال من المتطلبات المُرهِقة للعالم الخارجي؛ فإذا ما كان يجب على الراشدين من الرجال والنساء أن ينشغلوا بالنشاطات الاجتماعية كواجباتٍ وطنية لفترةٍ طويلة، فمن الذي سيدعم هذا القطاع الخاص من الحياة — وأعني به الأسرة — والذي يرى روسو أنَّه بالغ الأهمية؟ ومن الواضح أنَّه سيكون من الواجب القيام بالعديد من التغيُّرات الكبيرة في مجال خصوصية الكيان الأسري، حتَّى نسمح للنساء بالمشاركة مشاركةً تامةً في حقوقهن كمواطنات.

فسوف يبدو، بالتالي، على الأقل في مجتمعٍ يقوم على مبدأ المساواة، أنَّ المرء لا يستطيع أن يُحقِّق كُلًّا من الحياة المدنية، بكثافةٍ شديدة، وكذلك الخصوصية التامة في الحياة الأسرية دون التقسيم الثنائي لمجالات العمل بين الجنسَين ويجب — في المجتمع الذي نظَّمه «روسو» التضحية بشيءٍ ما، في سبيل أن تُصبح المرأة مساوية للرجل — أمَّا مدى المشاركة المدنية المطلوبة منها كمواطنة أو تجنُّب الطبقة الموجودة لخدمة الآخرين، أو الخصوصية التامة للحياة الأسرية والملكية.

أمَّا بالنسبة ﻟ «جون ستيوارت مِل» فإنَّ إشراك المرأة لم يعُد مسألةً افتراضية فحسب؛ ذلك لأنَّه قام بجهد وعزم لتحرير المرأة داخل حق المواطنة. وعلى الرغم من حُجَّته التي كانت راديكالية في عصره — القائلة بأنَّه يجب إتاحة الفرص السياسية، والتعليمية، والوظيفية للمرأة على الرغم من ذلك — افترض أنَّ مقتضيات الحياة الأسرية ستحدُّ من استغلال كل امرأة لهذه الفرص بالكامل، إلَّا إذا كانت غير متزوجة وهذه المجموعة من النساء ستظل أقلية. والتغلُّب على هذه القيود وإحداث مساواةٍ دائمة تستفيد منها المرأة المتزوجة وغير المتزوجة، سوف يتطلَّب تبديلًا جذريًّا في مفهوم «مِل» عن الأسرة، وعلاقتها مع العالم الخارجي. أمَّا بالنسبة لآرائه عن العمل المنزلي، والعناية بالأطفال والمهام الواجبة في الأسرة المستقلة القائمة بذاتها، وأنَّها بالضرورة عمل المرأة ولا تتقاضى عنه أجرًا فإنَّ جميع هذه الآراء سوف يتعيَّن التخلي عنها إذا ما أرادت المرأة أن تُحقِّق شيئًا في سبيل المساواة الحقيقية مع زوجها.

وبما أنَّه وافق على فكرة التمثيل النيابي كبديلٍ عملي عن الديمقراطية المباشرة، فإنَّ طبيعة المشاركة السياسية في دولة «مِل» الليبرالية لا تستهلك الكثير من الوقت؛ وبالتالي حتى تخلق مشاكل عندما نفترض المساواة للمرأة مع الرجل، رغم أنَّها بالتأكيد تخلق بعضًا منها؛ فنحن مثلًا نجد أنَّ «مِل» نظر إلى هيئة المحلفين على أنَّها جانبٌ من النشاط التربوي الهام للمواطنة. ومع ذلك فلا يُمكن أن نتصوَّر أنَّه يُمكن أن يُخالف قرار المحكمة العليا في الولايات المتحدة الأمريكية عام ١٩٦١م، الذي ينص على أنَّ المرأة هي «محور البيت والحياة الأسرية»؛ ومن ثمَّ لا ينبغي أن تكون عُرضة للخدمة الإلزامية في هيئة المحلفين. وقُل مثل ذلك في التربية السياسية التي اقترحها «مِل» نتيجة لتطبيق الديمقراطية في ساحة العمل، والمشاركة المباشرة في الحكومة المحلية التي لن تكون مُتاحة كثيرًا للسيدات المتزوجات.١ ويقول مِل، على نحوٍ مباشر، إنَّه يجب على المرأة الانتهاء مِمَّا وصفه بمسئولياتها المنزلية، وذلك قبل قيامها بالأنشطة والواجبات الخارجية، وعلى الرغم من ذلك فإنَّ المسألة الأكثر أهميةً هي أنَّه في الوقت الذي كتب فيه «مِل» هذه الكتابات، كانت الأسرة والحياة الاقتصادية قد أصبحتا منفصلتَين تمامًا بعضهما عن بعض، وذلك بتطوُّر اقتصاد السوق الرأسمالي؛ فقد أصبح السبيل الوحيد أمام المرأة (بخلاف الوراثة الشرعية) التي تستطيع أن تُحقِّق به مساواةً اقتصاديةً مع الرجل هي أن تكون لديها الحرية، والقابلية للتكيُّف، وكذلك التدريب الكافي لتتمكَّن من الوقوف على قدم المساواة مع الرجل من حيث ترويج العمل الخاص بهما. ولا تُوجد، بالقطع، أي وسيلة تستطيع المرأة المتزوجة عن طريقها، مهما كانت إمكانياتها وقدراتها، أن تُنافس الرجل في المجال الوظيفي في حالة ما استجابت للالتزامات التي فرضها عليها «مِل».

وليس ثمة شك في أنَّ مِل — لا سيما في العصر الذي كتب فيه مؤلفاته — كان نصيرًا شجاعًا للمرأة، وبعيد النظر في تفكيره؛ فقد رفض الاشتراك في عديدٍ من مزاعم النظرية السياسية السابقة بشأن استبعاد النساء من مجال السياسة، والطبيعة التمثيلية للزوج في الأسرة؛ حيث يكون عمادها الوحيد لجميع الأغراض السياسية والقانونية. غير أنَّه — مع «مِل» أيضًا مجال التفرقة الدقيقة بين ما هو خاص والمجال العام، وبين الأسرة والحياة الاقتصادية. وكذلك افتراض أنَّ الرعاية اليومية للأسرة هي وظيفة المرأة، الواجبة عليها، فقد كان من شأن ذلك كله أن يتقوَّض تمامًا إذا ما اشتركَت المرأة في نظرية «مِل» التي تجعلها مُساويةً للرجل تمامًا.

وتتأثَّر بهذه الضرورة التي أضفناها كلٌّ من النظريات السياسية الأربعة التي قمنا باختبار الاشتراك المفترض للنساء على قدم المساواة بالرجال — وذلك على الرغم من تفاوت درجات هذا التأثُّر؛ ففي الدولة المثالية الثانية عند أفلاطون، والدولة التي فضَّلها «أرسطو»، وفي دولة «روسو» الديمقراطية المنسوجة بدقَّة — وكذلك، إلى حدٍّ كبير، دولة «مِل» الحرة — في كل ما سبق يعتمد مجال الحياة العامة في العديد من الحالات الهامة المقدمة بشكلٍ منطقي على وجود القطاع الخاص في الأسرة، الذي تتعرَّف متطلباته دور المرأة وأسلوب المعيشة وتعزلها عن المشاركة، وكذلك المكانة المتساوية مع الرجل في عالم الحياة العامة والاقتصادية. ومن الواضح أنَّه يجب تغيير بنية الأسرة، وتوزيع المهام والمسئوليات بداخلها إلى حدٍّ كبير، وذلك في أيَّة نظرية تتضمَّن فكرة أنَّ المرأة موجودٌ بشري مساوٍ للرجل ومُشارك بالتساوي في المجالات العامة.

هناك عديدٌ من الجوانب ذات المغزى لا بُدَّ أن تتغيَّر فيها النظريات السياسية بصفةٍ عامة، إذا ما أرادت المرأة أن تتكيَّف كعضوٍ في المجتمع السياسي مساوٍ للرجل، ولقد قام المُنظِّرون السياسيون كفِئة (على الرغم من أن «مِل» كان استثناءً جزئيًّا مثيرًا) — بوضع عددٍ من المزاعم الخاصة بالأسرة وعلاقتها بالمجتمع الذي لا يعترف بالنساء كأفرادٍ، متساويات مع الرجال:

  • أولًا: جعلوا من الأسرة — على عكس ما يبدو أحيانًا — الوحدة الأساسية لنظرياتهم، بدلًا من الفرد البشري الراشد. وكانت النتيجة المثيرة للاهتمام والواضحة في الوقت ذاته — هي أنَّ العلاقات الأسرية الداخلية بغَض النظر عن مدى القوة والسيطرة التي مثلها — تتميَّز بأنَّها خارج المجال السياسي.
  • ثانيًا: أدركوا أنَّ العلاقات الإنسانية داخل الأسرة تختلف اختلافًا كيفيًّا شاملًا عن العلاقات بين «الممثلين» في المجال السياسي — بمعنى الأشخاص البالغين المتحكِّمين في شئون الأسرة. هذه الافتراضات — السائدة عن الموضوع الرئيسي للنظرية السياسية، وعن العلاقات الأسرية الداخلية والخارجية، من الضروري إدراك كيفية تغيُّرها لتتلاءم مع المساواة بين الرجل والمرأة.
ومن الواضح أنَّ أفلاطون في محاورة «القوانين، وكذلك أرسطو، وروسو، اعتبروا الرجل عماد كل أسرة بوصفه الممثل السياسي الأوحد لها. ذلك أيضًا، وعلى نحوٍ متناقض ظاهريًّا بصورة أكبر — على النظريات السياسية عند كلٍّ من: هوبز، ولوك، وكانط، وهيجل، وجيمس مِل — وذلك بسبب واقعة أنَّ المذهب الليبرالي يقوم، افتراضًا، على أساس المذهب الفردي. وكما أدرك «بريان باري» مؤخرًا، فإنَّ «ماهية الليبرالية» هي صورة المجتمع على أنَّه مُكوَّن من وحداتٍ مستقلة وتلقائية تتعاون فيما بينها فقط عندما تكون شروط التعاون تجعلها تُعزِّز غايات كلٍّ من هذه الأحزاب.٢

والواقع أنَّه على الرغم من ذلك، فمن الواضح أنَّ الأسرة تقوم في خلفية الخطاب الفردي، وليس الفرد الراشد في حد ذاته، وذلك لدى الفلاسفة الليبراليين وغير الليبراليين. وعلى الرغم من مُقدِّمات المذهب الفردي المفترضة، للتراث الليبرالي، فإنَّ جون ستيوارت مِل كان الأول من بين أعضائها الذي أكَّد أنَّ مصالح المرأة ليست مدعومةً بشكلٍ تلقائي من جانب الرجل المسيطر على الأسرة التي تنتمي إليها؛ وبالتالي يتعيَّن على المرأة كفردٍ مستقلٍّ بذاته، أن يكون لها حقوقٌ سياسية وشرعية مستقلة. هذه المقترحات التي بدت وكأنَّها مُتطرِّفة على نحوٍ خطيرٍ من خلال الآراء السائدة في أواخر القرن التاسع عشر، وبدايات القرن العشرين، ظهرت كأنَّها بيانٌ واضح للغاية للقيود التي فرضها المبدأ الفردي النزعة الخاص بالنظرية الليبرالية السابقة.

وعلى الرغم من ذلك، فإذا كان من شأن البالغين في كل أسرة أن يُنظر إليهم على أنَّهم متساوون، ولهم حياتهم المستقلة، بخلاف الحياة التي يُشاركون فيها بما أنَّهم أعضاء في أسرةٍ واحدة، فلن يكون من الممكن تحقيق الافتراض بأنَّ جميع اهتماماتهم مشتركة، وأنَّه يُمكن أن يُمثِّلها بشكلٍ جيد واحدٌ منهم فحسب بناءً على جنسه. ولا يستطيع أحدٌ أن يُنكر أنَّ معظم الأسر لديها اهتماماتٌ ومصالحُ مشتركة فيما بينها أكثر من المجموعات العشوائية من الأفراد، وذلك بسبب واقعة أنَّهم يعيشون معًا، وبسبب قوة العواطف التي تربط بينهم. ومِمَّا يجب إدراكه أنَّ هناك مجالات يُمكن أن تهتم بها أسرٌ تختلف فيما بينها أتمَّ الاختلاف بل حتَّى يُصارع بعضها بعضًا. غير أنَّ ذلك يصعب أن يدركه المُنظِّرون الذين يجعلون الأسرة، لا الفرد، الوحدة الأساسية في مناقشاتهم، وهناك جوانبُ كثيرة إمَّا أن تختلف فيها مصالح أعضاء الأسرة وتتباعد أو تتصادم. ولقد أصبح ذلك واضحًا أكثر عندما بدأَت القسمة الثنائية القديمة لأدوار الجنسَين تنهار في السنوات الأخيرة. وعندما يكون لدى كلٍّ من الزوج والزوجة حياةٌ مستقلة، لا سيما في مجال العمل، فمن الواضح أنَّه ستكون هناك خلافاتٌ حول رغباتهما بشأن أمورٍ أساسية مثل المكان الذي يتعيَّن عليهما السكن فيه على سبيل المثال إلَّا أنَّه — وحتَّى عهدٍ قريب — كان يفترض في كلٍّ من القانون والنظرية السياسية أنَّ مثل هذه الأمور يجب أن يقوم رأسُ الأسرة بتحديدها مُتمثِّلًا في الرجل، وهو الافتراض الذي سيتعيَّن التخلي عنه إذا كان بشأن الرجل والمرأة أن يكونا على قدم المساواة.

غير أنَّ ذلك لا يعني أنَّه ينبغي معاملة الناس وفقًا للنظريات السياسية أو القانون، طوال الوقت كأشخاصٍ منعزلين بعضهم مع بعض، أو أنَّهم ليسوا أعضاء في أسرة أو مجموعاتٍ أخرى طويلة المدى، وأنَّهم يختارون العيش فيها بعضهم مع بعض، وأن يشتركوا في المسئوليات؛ ومع الوقت يتحوَّل المجتمع ليُصبح مفكَّكًا بشكلٍ واضح، وذلك دون الرفض التام للمجموعات التي يعيش فيها الناس حياة حميمة، ويعتمدون فيها بعضهم على بعض اقتصاديًّا وعاطفيًّا، وفي غير ذلك من المجالات. لكن في بعض الحالات فإنَّ معاملة شخص على أنَّه عضوٌ متساوٍ مع غيره في مجموعةٍ مترابطة بعضها مع بعض بشكلٍ خاص، كالأسرة مثلًا، لا تكون هي نفسها معادلة للزعم بأنَّ أوضاع ووظائف الأشخاص المختلفة في تلك المجموعة، والتعرُّف على حقوقه، وتحديد فرصه المُثْلى في الحياة وفقًا لهذه المزاعم.

وحتَّى في حالة التشريع وسن القوانين — مفترضين أنَّ الأسرة وحدة — التي تنحاز ضد الرجال، فإنَّ النتيجة بصفةٍ عامة إعادة دعم وضع المرأة غير المستقل داخل هذه الوحدة، والحد من خيارات أعضاء الأسرة حول كيفية تنظيم حياتهم.٣ ولم يكن إقرار المُنظِّرين السياسيين والقضاة بوجود الأسرة في حد ذاته، بل زعمهم بشأن تركيبها المبني على شخصية الأب الذي قام بتأكيد وجودها كبناء يحد من فرص الناس في حياة حرة ومبدعة ومرضية بدلًا من دعمها.
وعند هذه النقطة يجب ملاحظة أنَّ حقيقة الأسرة هي العلاقة الاجتماعية الدائمة الوحيدة التي تمَّ الاعتراف بها بين الناس، هي حقيقةٌ منحازة في حد ذاتها، وليس ضد المرأة فحسب، وتُعدُّ الأسرة «الطبيعية»، التي تكون الزوجة فيها مستقلة — أفضل في العديد من الجوانب اجتماعيًّا واقتصاديًّا على حساب الأشخاص الذين لا يشكلون جزءًا من هذه الأسرة.٤ وتتكوَّن هذه الأسر من أشخاص من جنسٍ واحد أو من كلا الجنسَين، وسواء كان هناك أطفال أم لم يكن. ويجب أن يتم وضع النظريات السياسية والقوانين على أساس الإقرار بوجود العلاقات المتعلقة باعتماد الأشخاص بعضهم على بعض، والترتيبات المعيشية التي يختارها الناس لأنفسهم، والتي ستتضمَّن أسرهم بالطبع. وبخلاف ذلك. يجب أن يتم وضع تلك النظريات والقوانين بحيث لا يكون هناك مجالٌ لأي افتراضات بشأن الوظائف الشخصية المتنوعة أو الالتزامات أو الأدوار المعتمدة على نوع صاحبها. أو المهام الشخصية في تلك الأسر. وإذا ما تمَّ إحداث هذه التغيُّرات فقط، عندئذٍ سيكون من شأن أشكال التحيز الحالية أن تزول، والموجَّهة ضد النساء جميعًا، وكذلك الرجال الذين يختارون الحياة في معيشة في مجموعاتٍ أقل تقليدًا من الكيان الأسري.

أمَّا الأسلوب الثاني من التفكير في الأسرة فهو الذي ينبغي إعادة تقييمه وفقًا للمساواة بين الرجل والمرأة، وهو يغلب انتشاره عند المفكِّرين الليبراليين، وإن كان موجودًا أيضًا عند «روسو»، وكما لاحظنا من قبلُ فإنَّ التراث الليبرالي السائد يفترض أنَّ سلوك الممثلين السياسيين سوف يقوم على المصلحة الشخصية؛ فالرجال من أصحاب الحقوق الطبيعية المعيَّنة، أو على الأقل مِمَّن لديهم مشاعرُ معيَّنة، بحاجة إلى إشباع، يُشكِّل بعضهم مع بعض جماعاتٍ سياسية للدفاع عن أنفسهم ضد أي اعتداء أو مضايقات. وكذلك لكي يُنافس الواحد منهم الآخر في بيئة تسويقية يكونون فيها آمنين تحت عباءة القانون. ومن ناحيةٍ أخرى يتم إدراك العلاقات داخل الأسر على نحوٍ مختلف تمامًا؛ فالمُنظِّرون الذين اكتسبوا درجةً عالية من الأنانية لتحديد العلاقات بين الأفراد في مجال السوق، اكتسبوا هم أنفسهم أسلوبًا غيريًّا تمامًا لإدارة العلاقات بين أفراد الأسرة بعضهم بعضًا.

ويُمكن أن نرى أوضح مثالٍ على هذا التناقض في فلسفة هيجل الذي اعتبر الأسرة والمجتمع المدني شيئَين مختلفَين أتمَّ الاختلاف، تنبع منهما الدولة بشكلٍ جدلي كتركيب من غيرية الأولى وشمولية الثانية، وعلى الرغم من ذلك فإنَّنا عندما نقوم بقراءة الفِقرات التي تحدَّث فيها عن الأسرة في كتابه «أصول فلسفة الحق» نجد أنَّ وحدة الأسرة تقوم على أساس مبدأ الرفض التام للسماح للمرأة بأن يكون لها أي وجودٍ مستقل. ويُؤكِّد أحد ملحقات الجزء الخاص بالأسرة أنَّ الرجال كالحيوانات والنساء كالنباتات.٥ وبما أنَّه لم ينظر إلى المرأة على أنَّ لها أي حياة أو رغبات على الإطلاق، فلم يكن من الصعب بالنسبة له اعتبار الأسرة مكانًا بلا أي نزاعات أو خلافات بين الرغبات، وحيث تسود أسمى معاني الحب والغيرية. وتأتي الوحدة والمحبة السائدة في أسرة هيجل تقوم على أساس إنكار الشخصية للزوجة والأم.٦

وقل مثل ذلك عند «روسو»؛ فعلى الرغم من نهاية «إميل وصوفي» التي تتصارع فيها مصالح الأب وإرادته مع سلامة واستقرار الأسرة. مِمَّا يُؤدِّي إلى تدميرها — على الرغم من ذلك — حافظ «روسو» على أن تقوم الأسرة على أُسسٍ مغايرة تمامًا لتلك التي يقوم عليها العالم الخارجي. وباعتماده على الغيرية في العلاقات الأسرية الداخلية. أصرَّ هو أيضًا على اعتبار الأبوة الممثل الوحيد والأنسب لرغبات واهتمامات الأسرة؛ حيث اعتبر أي شكل آخر من أشكال التمثيل تنازلًا عن الحرية.

وحالما يدرك المرء وجود المرأة ككيانٍ مستقل له حقوق لذاتها — فإنَّ هذا الاعتقاد يصبح بشأن وحدة اهتمامات ورغبات الأسرة، عُرضة للشك والتقويض (كما لو كان أسطورة). كما كان حاله دائمًا. كما أنَّ التعارض الواضح، الذي أشار إليه العديد من الفلاسفة، بين جو المحبة والغيرية في الأسرة من ناحية والعالم القاسي والتنافس في الخارج — يُصبح من الصعب تمييزه. وربما يُؤدِّي مثل هذا الإدراك إلى إعادة دراسة جانبَي القسمة الثنائية المبالغ فيه — لافتراض الذرات في العالم الخارجي مثل الدرجة غير الواقعية من الغيرية التي يفترض أن تتصف بها العلاقات الأسرية. وإذا كان الوضع كما يبدو، فسوف يكون من شأن الحب والغيرية المفترضَين في الأسرة المبنية على عدم المساواة بين الرجل والمرأة، بشكلٍ متطرف، سيكون من شأنهما تلطيف التأثير الشديد لمحيط من الأشخاص المعيَّنين بذاتهم فحسب، وربما كانت معاملة المرأة على أنَّها مستقلة بذاتها ورغباتها بغرض الكشف عن المضامين الكاملة للنظرية التي تفترض أنَّ الاهتمام بالذات هو قاعدةٌ سلوكية في الحياة الاقتصادية والسياسية.

ومن المفترض الآن أن يكون واضحًا أنَّه ليس من السهل بأي شكلٍ من الأشكال، دمج النصف الأنثوي من الجنس البشري بكامله في أساس نظريةٍ سياسيةٍ مبنية، تقريبًا بلا استثناء، على الاعتقاد الراسخ بأنَّه يجب أن يتم تعريف المرأة فقط وفقًا لدورها في الأسرة، وهو ما حدث بالفعل، وكذلك على أنَّ العلاقات الأسرية الداخلية تأتي خارج منظور العلاقات السياسية. ولقد كانت المرأة تُعامل على أنَّها شخصيةٌ ثانوية، لا سبيل لمعاملتها على أنَّها شخصيةٌ أساسية، ولا إشراكها في نطاق دراما الحياة السياسية دون أن تتحدَّى المزاعم الأساسية القديمة عن الأسرة ودورها المعتاد فيها كزوجة وأم، وعلاقة ذلك كله بالمجتمع الأكبر أعني المجتمع السياسي.

وقبل أن نُغادر موضوع تكيُّفات النظرية السياسية، التي ستكون ضرورية لكي يتم تحقيق المساواة بين الرجل والمرأة — قبل ذلك يجب أن نُوضِّح مفهومًا كان من شأن النظريات الديمقراطية دعمه وتقويته بتلك الوسيلة بشكلٍ أكبر من تماسكه في حد ذاته — وبالنسبة لأي مُنظِّر يصبو إلى مساواةٍ سياسيةٍ حقيقية، يُعدُّ تحوُّل الأسرة إلى مجموعةٍ متساوية بشكلٍ أكبر أمرًا موضع ترحيب؛ وذلك لأسباب لها أثرها على سلامة المجتمع السياسي ككل، فإذا كان من شأن أي أسرة أن تتخلَّص نهائيًّا من فكرة شخصيتها المحورية، وأن تُصبح مؤسسةً محكومة بشكلٍ ديمقراطي، ويكون الأمر الوحيد المُفضَّل بالنسبة للسلطة هو المُتعلِّق مؤقتًا بالسن، عندئذٍ فقط سوف يُؤثِّر ذلك كله على القدرة الكامنة في الأسرة كعاملٍ اجتماعي نشط بالنسبة للمجتمع السياسي الأكبر. ولقد كان يُعدُّ مبدأ اعتبار شخصية الأب محور الأسرة في القرن السابع عشر، هو أقرب عاملٍ مشترك. قام المُنظِّرون السياسيون بتوضيحه بين بنية السلطة والطاعة الأسرية والحكومة.٧ وما هو واضح أنَّ هؤلاء الباحثين يرَون أنَّ الطبيعة الهيراركية (التصاعدية) للأسرة يجعلها عاملًا اجتماعيًّا نموذجيًّا لهيراركية العالَم بين الملِك ورعاياه. وعلى الرغم من ذلك كله يبدو للمُنظِّرين السياسيين الديمقراطيين من أصحاب التساوي، أنَّ بنية الأسرة التي تقوم على المساواة والديمقراطية سوف تخدم مهمة إعداد المواطنين في المستقبل لحياة تسودها المساواة والمشاركة السياسية.
وتُعدُّ القضية الآن مقبولة بشكلٍ عام تلك التي كتب عنها عالم الاجتماع «ت. ب. بوتومور» قائلًا: «إنَّ المؤسسات المُتعدِّدة الموجودة في القطاعات المتنوعة للمجتمع لا تتواجد فقط بعضها مع بعض في آنٍ واحد، بل تترابط بعضها مع بعض بعلاقاتٍ منسجمة أو متناقضة وتُؤثِّر بدورها بعضها في بعض بشكلٍ تبادلي.٨ وهذا يعني بالطبع أنَّنا لا نستطيع أن نتجاهل العلاقة الواضحة بين بنية المجتمع السياسي الكبير وبنية الأسرة التي هي جزء منه. ولقد طوَّر «هاري أكشتين» هذه الفكرة على نحوٍ أشد وضوحًا، وهو الذي ذهب إلى أنَّ استقرار أي نظامٍ سياسي يعتمد على «الانسجام» بين بِنى السلطة الحاكمة وبنًى أخرى في المجتمع بما في ذلك تلك الموجودة في مواقع العمل، ومجموعات الضغط، وعلى نحوٍ أكثر أهمية بالنسبة للأسرة في سياقنا الحالي.٩ وينتهي أكشتين إلى نتيجة تقول: «بما أنَّه من الصعب فرض الديمقراطية على بعض هذه القطاعات بما في ذلك الأسرة — دون أن تكون هناك نتائج (عبارة عن خلل وظيفي حاد)، فإنَّ الحاجة إلى الانسجام تتطلَّب ألا تكون الحكومات المستقرة «ديمقراطية خالصة أعني متطرفة» ولكن من الأفضل أن تتضمَّن «عنصرًا صحيًّا من إخضاع الفرد للسلطة».»١٠ والأمر الغريب في هذه النتيجة التي وصل إليها «أكشتين» لا سيما إدراكه «للتساوي الواضح» بين الجنسَين في دراسته عن النرويج.١١ (والتي تُمثِّل نظرية الانسجام جزءًا ملحقًا بها) — أنَّه لم يُفرِّق بوضوحٍ بين الجوانب التي تجعل الأسرة ديمقراطية، أعني العلاقة بين أعضائها البالغين، وكذلك الأبناء حتَّى بلوغهم سن الرشد، والجوانب التي تجعل القرارات الديمقراطية لا معقولة Absurd مثل: هل ينبغي على الطفل في سن الثلاث سنوات أن يذهب إلى الحضانة أم لا؟ وبالطبع لا أحد يستطيع أن يختلف في الرأي مع العبارة التي يقول فيها أكشتين، «إنَّه لا يُمكن رعاية أي طفل على نحوٍ ديمقراطي.»١٢ غير أنَّ ذلك لا يعني — من جوانب كثيرة — أنَّ الأسر لا يُمكن أن تختلف اختلافًا كبيرًا فيما يتعلَّق ببنية السلطة فيها؛ فلا شكَّ أنَّ درجة المساواة الموجودة بين الوالدَين، ومدى احترام الأطفال أنفسهم بوصفهم موجوداتٍ بشرية، والمشورة في اتخاذ القرارات الأسرية كلما كبروا، سوف يُعطي لهم انطباعًا قويًّا سوف يحملونه معهم كجزء من شخصيتهم، إلى مجالاتٍ أخرى من الحياة. بما في ذلك علاقتهم مع المواطنين الآخرين ومع الحكومة.
وعلى العكس تمامًا من «الانسجام» يُمكن رؤية مفارقة الأسرة الأبوية بوضوح في مجتمع على درجةٍ عالية من الديمقراطية في كتابات «روسو»؛ ففي بداية كتاب «إميل» يُؤكِّد روسو أنَّ الأسرة هي الوحدة الاجتماعية الأساسية للمحافظة على المجتمع، التي تتكيَّف مع متطلباته ومفتاحه الأمومة الجيِّدة لإحياء الوعي الجمهوري، وأنَّ الشعور الطبيعي بالحب «للوطن الصغير» هو أهم أساسٍ للحب الذي يدين به المواطنون لدولتهم، كما يقول روسو كذلك، وبوضوح تام، بالمشاركة في قضية عامة، شبيهة جدًّا بنظرية «الانسجام» التي عرضناها فيما سبق. وفي خطاب إلى «دالمبير» يُبرِّر فيه وجود نوادٍ مدنية يُؤكِّد: «أنَّه لا توجد دولة ذات بناءٍ جيِّد لا توجد فيها ممارسات ترتبط بشكل الحكومة، وتساعد بالتالي على المحافظة عليها.»١٣ غير أنَّه من الواضح أنَّ الأسرة عند روسو يحكمها الأب الذي تعتمد عليه في رفاهيتها اعتمادًا تامًّا، ومثل هذه الأسرة ليست بيئةً مناسبةً لتنمية المشاعر الديمقراطية أو الوعي بالمساواة في نفوس مَنْ سيكونون مواطني المستقبل. الأسرة هي المكان الوحيد في الدولة المثالية عند روسو الذي لا تُطبَّق فيه فكرة الإرادة العامة على الإطلاق؛ وبالتالي من المستحيل أن ترى كيف سيكون من المُمكن أن ينشأ المواطنون الصغار، ولديهم أدنى فكرة عن المساواة بين كرامتهم وكرامة الموجودات البشرية المحيطة بهم، إذا ما نشئوا في جوٍّ تغيب عنه تمامًا فكرة المساواة بين الكبار حيث يُمارس عضوٌ راشدٌ واحد دورًا مهيمنًا على عضوٍ آخر؛ وتُعدُّ أسرة روسو التي يُسيطر عليها الأب سيطرةً كاملة كارثة، وذلك باعتبارها عاملًا اجتماعيًّا لجمهورية الديمقراطية.

انتهينا بالفعل إلى أنَّ المساواة بين النساء والرجال لا يُمكن التوصُّل إليها في أيَّة نظريةٍ سياسيةٍ بدون إعادة بناء الأسرة إعادةً جذرية. وفي استطاعتنا الآن أن نرى بالمقابل أنَّ مثل هذا التحوُّل للأسرة لا يُمكن أن يحدث سواء في النظرية أو الحياة الواقعية دون أن يكون له قَدْر ليس بالقليل من الآثار والنتائج على النظام السياسي المتعلق بالأسرة، فإذا كان هدفنا هو المجتمع الديمقراطي، بحق، أو نظرية ديمقراطية شاملة، فإنَّه يتعيَّن علينا الاعتراف بأنَّ أي شيء غير الأسرة الديمقراطية التي تقوم على المساواة التامة، والاعتماد المتبادل داخليًّا بين أعضائها من الجنسَين، أي شيء خلاف هذه الأسرة سوف يكون عائقًا قويًّا للغاية في سبيل تحقيق هذا الهدف.

أمَّا الآن فسوف نعود إلى السؤال الثاني الذي طرحناه في المقدمة وهو: لماذا لم يُؤدِّ التحرُّر السياسي الرسمي للنساء إلى المساواة بين الجنسَين، وما هو الضوء الذي يُمكن أن تُلقيه دراستنا الخاصة بمعاملة المرأة في النظرية السياسية على هذا السؤال؟ وبالطبع سوف نهتم هنا أكثر بوضع المرأة في العالم الواقعي الحقيقي، عالم مجتمعنا المعاصر.

النساء اللائي كافحن ليكون لهن حقُّ التصويت في بدايات القرن العشرين كُنَّ على وعيٍ تام بأنَّ تحقيق ذلك لن يكون سوى بداية صراع على نطاقٍ أوسع، وذلك لتحقيق المساواة. وفي عام ١٩٢٣م قام حزب المرأة القومي بتفسير سبب اقتراحه بتعديل المساواة في الحقوق، وقد كان السبب هو التغلُّب على القيود المفروضة على تعديل وضع حق المرأة في الاقتراع:

«وفي أثناء عملنا على تعديل حق الاقتراع القومي … بدأنا نؤمن بقوة أنَّنا نتمكَّن من تحقيق المساواة التامة للمرأة في هذا القرن بتلك الوسيلة. ولكنَّا كُنَّا فقط نتخذ خطوةً هامةً للغاية في سبيل تحقيق هذه المساواة أو هكذا بدت لنا …»١٤
وقد أظهر استمرار التفرقة بين الجنسَين في المجال التشريعي فقط أنَّ هؤلاء السيدات كُنَّ على حق تمامًا في اعتقادهن أنَّ حق الاقتراع ليس سوى الخطوة الأولى؛ إلَّا أنَّ محاولاتهن في اتجاه تعديل حقوق المساواة — كانت فاشلة، ويُوافق معظم أنصار المرأة في يومنا الراهن على أنَّ تحرُّر النساء سياسيًّا لم يجلب معه سوى أقلِّ القليل من النتائج، وذلك بالنسبة لوضعها الاقتصادي والاجتماعي وتجربتها الفعلية في الحياة. وعلى الرغم من الافتراض السائد بأنَّ المرأة تملكُ من القدرات ما يُؤهِّلها للمساواة مع الرجل ببساطة عن طريق إتاحة الفرص المتساوية أمامها، لكن على الرغم من ذلك فإنَّ وضع المرأة في دولتنا من حيث المركز والتعليم والدخل يتضاءل بالتدريج، بشكلٍ مستمر على مدى العقود القليلة الماضية.١٥
ويجب أن تُوضع هذه النتيجة في الاعتبار، وذلك في ضوء حقيقة أنَّ عددًا متزايدًا من النساء سواء كُنَّ متزوجاتٍ أم غير متزوجاتٍ قد دخل بالفعل في مجال القوى العاملة. وعلى حين أنَّه في عام ١٩٤٠م شكَّلت النساء ٢٦٪ من القوى العاملة التي يُدفع لها أجور، فإنَّه في عام ١٩٧٧م وصلَت هذه النسبة إلى ٤٨٪ حيث شكَّلت أكثر من ٤٠ بالمائة من إجمالي عدد القوى العاملة التي تعمل دوامًا كاملًا.١٦ وفضلًا عن ذلك فإنَّ معظم النساء يعملن بسبب ضرورة اقتصادية. وفي عام ١٩٧٥م كانت ٤٢٪ من النساء في القوى العاملة غير متزوجات وأرامل، مطلقات أو منفصلات، بالإضافة إلى ١٤٪ لهن أزواج يكسبن أقل من سبعة آلاف دولار في السنة.١٧ وقد أكَّدت هذه الحقائق عن مشاركة المرأة في القوى العاملة مفهومًا خاطئًا بشأن عمل المرأة على أنَّه مضيعةٌ للوقت أو لتأمين «مصاريفها الشخصية».
غير أنَّ وضع المرأة ضعُف كثيرًا على الرغم من جهود الحكومة لتحسينه من خلال قانون المساواة في الرواتب لعام ١٩٦٣م — والمادة السابقة من قانون الحقوق المدنية عام ١٩٥٤م. وكما عبَّرت المحكمة الأمريكية العليا في رأيها عام ١٩٧٤م قائلة «سواء كان ذلك نتيجة لتفرقة علانية أو لعملية التكيُّف الاجتماعي للحضارة التي يسودها الرجل، فإنَّ سوق العمل لا يُرحِّب بالمرأة الباحثة عن أي فرصة عمل إلَّا بالنسبة لذات الدخل المنخفض …»١٨ وفي الوقت الذي حاولوا فيه جذب الانتباه إلى قلَّة نتائج قانون المساواة في الرواتب والمادة السابعة المشجِّعة، صرَّح القضاة «أنَّ عدة ممارساتٍ عدائية للغاية تقاوم مثل هذه الضغوط»، كما استشهدوا بمعلومات ليُبيِّنوا أنَّ المرأة العاملة لدوام كامل في عام ١٩٧٢م، كان لديها متوسط دخل ٧٥٫٩ فقط بالمائة من متوسط دخل الرجل؛ أي ست نقاط أقل مِمَّا حققته المرأة عام ١٩٥٥م. وفي عام ١٩٧٠م في الوقت الذي كان فيه ٧٠٪ من الرجال العاملين يكسبون ما يفوق ٧ آلاف دولار أمريكي كانت نسبة ٢٦٫١٪ فقط من النساء العاملات يُحقِّقن نفس الدخل أو أعلى منه.١٩ وفضلًا عن ذلك ففي الوقت الذي تُعدُّ فيه أسباب هذا التباين في الرواتب بلا شك نتيجة للاختلافات في التدريب أو التعليم — فإنَّ الكثير منها ليس كذلك بالطبع. وفي عام ١٩٧٢م كان متوسط الدخل السنوي للمرأة التي درسَت في الجامعة أربع سنواتٍ يفوق دخل الرجل الذي لم يتم عامًا واحدًا من تعليمه الثانوي ﺑ «مائة دولار أمريكي» بالضبط، وعلى الرغم من قانون المساواة في الرواتب، فإنَّه من المعتاد أن تتقاضى المرأة راتبًا أقل بكثير من الرجل على الرغم من قيامها بمهامَّ متماثلة أو شبه متماثلة؛ فمثلًا في عام ١٩٧٠م كان متوسط دخل المرأة العاملة في مجال المبيعات أقلَّ من نصف متوسط دخل نظيرها الرجل، كما كانت المرأة ذات المهارة والتدريب العملي والخبرة، تتقاضى ما يعادل ٦٧٫٥٪ من دخل الرجل الذي يُشاركها نفس المنصب والمهارات.٢٠
وبالطبع فإنَّ التفاوت في مكافأة التعويض — المعتمدة في حد ذاتها على التباين في التعليم والتدريب — من الممكن أن يُنسب بطريقةٍ غير مباشرة إلى التفرقة بين الجنسَين على نحو ما هو واضح في سياسة القبول في مؤسسات التدريب والتعليم، والمفاهيم عن الذات والآمال التي يكتسبها الأولاد والبنات أثناء عملية التنشئة الاجتماعية. وعلى الرغم من تغيُّر توقعات وآمال المرأة، ولا سيما في الطبقة المتوسطة، فإنَّها ما زالت بعيدةً عن الغاية التي يكون الرجالُ على استعدادٍ لتحقيقها. ونرى بوضوح أنَّ عدم مساواة المرأة مع الرجل المستمر، وليس فقط بالنسبة للعاملات، أنَّه يدعم وظائفَ هامة في الاقتصاد الرأسمالي الذي نعيش فيه الآن. وخارج نطاق القوى العاملة المُتعارف عليها، تقوم المرأة بالمهام التي تتعلَّق بشكلٍ طبيعي بها كامرأة مثل: رعاية الأطفال، والأعمال المنزلية، والتي لا يتم تقديرها من الناحية الاقتصادية على الإطلاق. وكما وضع عددٌ من مؤيدي المرأة، فقد أدَّت الأفكار التقليدية بشأن الأسرة، والمهام الشخصية المعتمدة على جنس صاحبها، بها إلى تسهيل التفرقة الواضحة بين القطاعَين العام والخاص.٢١ ومن ناحية، يوجد ذلك العمل المنتج المعروف، والذي يُؤدِّيه الرجل والمرأة في أماكن العمل خارج المنزل، ويتلقَّون عليه أجرًا؛ إلَّا أنَّه ما زال مرتبطًا بجنس العامل، ومن ناحيةٍ أخرى، ما زال يُوجد ذلك العمل المُنتج الذي تقوم به المرأة في المنزل والذي لا يُعْتَرف به نوعًا ما، ولا تتقاضى عنه أجرًا، كالأعمال المتعلقة بالولادة والتربية وصحة وسلامة القوى العاملة. ولا يُمكن أن ننكر أنَّ ما تُعطيه الزوجة والأم هو في حد ذاته عمل، وذو أهميةٍ كبرى، وعلى الرغم من ذلك، ليس من المعتاد النظر إليه على اعتبار أنَّه عمل: «فالأمهات العاملات» هُنَّ الأمهات اللائي يعملن خارج بيوتهن فقط — وخاصة في هذه السن من الإدراك العام. وكثيرًا ما يُنظر إلى كلٍّ من ولادة الطفل وتربيته على أنَّها رفاهية، وانغماس في الحياة الخاصة؛ وليست عمليةً اجتماعيةً شديدة الأهمية.
أمَّا بالنسبة لمشاركة المرأة المتزايدة في مجال العمل خارج المنزل، فقد كانت عاملًا هامًّا في تشكيل القوى العاملة المعاصرة.٢٢ وتقوم المرأة بتأدية قدرٍ متزايد من العمل في مقابل القليل للغاية من الأجر، مقارنةً بما يقوم به الرجل، ويتلقَّى عليه أجرًا معقولًا. ويُبرر ذلك تبريرًا ملائمًا، ولكنَّه خيالي بعض الشيء بأنَّ المرأة جزء من الكيان الأسري، يقوم الرجل بدعمها بشكلٍ كافٍ. وبالإضافة إلى تدفُّق المرأة السريع بقطاع المبيعات، والخدمات المتزايدة، فإنَّ نسبة المرأة في المهام التي كان يُنظر إليها باعتبارها خاصةً بالرجل تتزايد بوضوحٍ بدلًا من تناقصها، وبقليلٍ من التدريب المُتخصِّص، والتكيُّف الاجتماعي، مِمَّا يجعلها تنظر إلى مشاركتها في القوى العاملة كمجالٍ أقل أهمية في حياتها، تقوم المرأة بوظائف لقاء أجرٍ زهيد في مجال عدة صناعاتٍ مهمة، وكان أغلبهم من الرجال، وذلك قبل أن يتم تجزئة هذه الوظائف، وإدخال التقنيات العالية عليها. وبالنسبة لأي رأسمالي، فإنَّ المميزات الواضحة لهذا هي أنَّ تكلفة العمالة كبيرة (ستحتاج إلى زيادة متوسط أجر المرأة العاملة لدوام كامل بنسبة ٧٥٪ وذلك لكي يتماثل مع أجر الرجل). كما أنَّ قدرته على السيطرة على القوة العاملة لديه تكون أكبر. وبما أنَّ المرأة التي تُؤدِّي العمل الآن تُعدُّ أقل تدريبًا وتوحُّدًا في نقابةٍ من الرجل الذي كان يُؤدِّي نفس العمل ويُصبح ضبطها، وكذلك طردها من العمل أو استبدالها، أسهل بكثير. وفضلًا عن ذلك تُعدُّ المشاركة الواسعة النطاق للمرأة في القوى العاملة عاملًا مهمًّا للغاية، يُحافظ على معدلٍ عالٍ من البطالة، ويزيد بدوره من سيطرة أصحاب العاملين لديهم.

ارتباط المعلومات السابقة كلها عن عدم مساواة المرأة بالرجل المعاصر — بمعاملة المرأة وفقًا للنظرية السياسية هي — كما كانت في الماضي — استمرار لاضطهاد المرأة يدعمه — أيدولوجيًّا — بقاء أساليب التفكير الوظيفي. ولمَّا كانت المرأة تُعرَّف، وظيفيًّا، من حيث علاقتها بالرجال؛ ومن ثمَّ تُحرم من التعليم والحقوق، وفرص المشاركة في المجال السياسي، فإنَّها اليوم — رغم أنَّها مُواطنٌ حر — فإنَّه يعوقها بشدة واقعة أنَّه لا تنشئتها الاجتماعية ولا تدريبها، ولا التوقُّعات المنتظرة منها، ولا الفرص أو المكافآت الممنوحة لها في حياتها الناضجة — ذلك كله لا يُساعدها على تحقيق مساواةٍ اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية مع الرجل، ومع استخدام الأسرة النووية التقليدية التي لا يُمكن الاستغناء عنها على أنَّها حلقة الوصل التي تتسع بواسطتها الفروق البيولوجية بين الجنسَين إلى مجموعةٍ كاملةٍ من الصفات والوظائف المفروضة على المرأة، التي تُشكِّل دورها المتعارف عليه. ولا تزال المحاكم، كما سبق أن رأينا، تستخدم تعريف النساء من زاوية دورهن بوصفهن الزوجة والأم، وكذلك المجتمع بصفةٍ عامة، لتبرير ألوانٍ كثيرة من التفرقة ضدهن لا سيما في مجالَي التعليم والتوظف.

وعلى الرغم من أنَّه من الواضح أنَّ الظلم الذي تُعاني منه المرأة في مجال العمل، لا يمكن أن يُرفع إلَّا إذا تمَّ التخلُّص مِمَّا تواجهه المرأة في مجال التعليم، فما زالت تجربة تعليم النساء يُقيِّدها ذلك الإيمان بأنَّ المرأة خُلِقَت للمنزل وهو نفس الاعتقاد الذي ظلَّ يُلاحقها في مجال العمل أيضًا. وكما ذهب أحد علماء الاجتماع مؤخرًا فإنَّ التمييز على أساس الجنس هو حقيقةٌ واقعة بلا شك في مجال العمل يدفعُه في هذا الصدد ذلك التوجُّس الاقتصادي المرتبط بحلقة الزواج، والحمل، والأمومة، وما يستتبع ذلك من الغياب الجسدي والنفسي للمرأة. وإن لم يكن هناك من الأدلة ما يدعم هذا الطرح.٢٣ على أنَّ ما يزيد من وطأة استغلال المرأة في ميدان العمل هو ذلك التصنيف المتدني لهن في الأجر، وعدم جدارتهن بالمزيد، وتبعًا لذلك، خروجًا (من نطاق الأسرة) إلى المجتمع الكبير، فإنَّه يُنْظَر إلى المرأة على أنَّها خُلِقَت، في المقام الأول للقيام بوظائفَ تربوية متميزة، ويُنْظَر إلى المرأة ذات العقل الراجح على أنَّها استثناء من القاعدة …»٢٤

وهذا الأسلوب في التفكير تعكسه كتابات «تالكون بارسونز» و«إريك أريكسون» وقد سبق أن قمنا بتحليله؛ فذلك التقييد لدور المرأة بحيث لا تخرج عن إطار قدرتها الإنجابية من شأنه أن يُبْقِيَها في وضعٍ تفتقد إلى المساواة في مجال العمل، وهذا بدوره يَثْنيهن عن التطلُّع إلى الفرص — أو إذا كان لها حقُّ الاختيار عن التطلُّع إلى العمل على الإطلاق. ويُعزِّز من الترويج لفكرة أنَّها لا قِبل لها بالقيام بالأعمال الوجيهة، وتلك التي تتطلَّب تحديًا من نوعٍ خاص. والقول بأنَّ مكان المرأة هو المنزل هو — إلى حدٍّ بعيد — نبوءة تتحقَّق ذاتيًّا.

وعلى ضوء ذلك كله، فليس غريبًا أن يُطالب قطاعٌ عريض من أنصار المرأة المعاصرين بإلغاء الأسرة على اعتبار أنَّها مؤسسةٌ طالما أسهمَت في قهر النساء؛ فإنَّ «أوكلي» — على سبيل المثال — تُهاجم الأسرة نفسها، كما أنَّها لا تتورَّع عن مهاجمة تحليل باسوت لها؛٢٥ حيث تقول «إنَّ إلغاء دور ربة المنزل، وذلك الافتراض التلقائي بأنَّ دور المرأة هو تربية الأطفال — هي خطواتٌ ضرورية في اتجاه تحقيق المساواة التي تنشُدها النساء. وإنْ كانت هذه الخطوات هي في حد ذاتها ليست كافية؛ ذلك أنَّه ينبغي إلغاء مؤسسة الزواج أيضًا، لأنَّها مُعوِّق أساسي في سبيل المساواة بين الجنسَين في مجال العمل.» على أنَّني أتفق أنَّه — وفي الظروف الحالية — فإنَّنا إذا ما نظرنا إلى أوضاع العمل والزواج نجد أنَّ الزواج فعلًا هو «مُعوِّق أساسي». ويُؤكِّد ذلك على سبيل المثال أنَّ نسبة النساء العاملات في إنجلترا من بين مَنْ لم يتزوَّجن تفوق نسبة الرجال الذين يحترفون العمل بثلاث بل بأربع مرات. على أنَّ هذا ليس معناه أنَّه بالنظر إلى التغيُّرات الجذرية التي طرأَت على هياكل وظروف العمل، فإنَّه يستحيل تواجد هيكلٍ أسري مُعدَّل مُتوافق مع المساواة بين الجنسَين في المجال المهني.
وتخطو «شولاميث فايرستون» خطوةً كبيرةً أبعد في هذا الاتجاه بتطلُّعها إلى ذلك اليوم الذي لا يتم فيه القضاء على مؤسسة الزواج فحسب، بل وتتحرَّر فيه النساء تمامًا من الحمل والإنجاب٢٦ فكما أشرنا، فيما سبق، فإنَّ «فايرستون» لديها الحق في القول بأنَّ الأسرة: «قد ساهمَت في تأصيل الفئوية الجنسية من منطقٍ بيولوجي» وأنَّ «هيكل الأسرة هو مصدر للقهر النفسي، والاقتصادي، والسياسي للمرأة.»٢٧ غير أنَّ ذلك لا يعني — من ناحيةٍ أخرى — أن نعترف أنَّ أي تركيبٍ أسري هو بالضرورة غير متوافق مع المساواة بين الجنسَين. وفضلًا عن ذلك فإنَّ «فايرستون» ترتكب الخطأ نفسه الذي وقع فيه مُعظم مُناهضي حقوق المرأة وهو اعتبار دور المرأة في المنزل، والمُتعلِّق بالضرورة بالإنجاب من الناحية البيولوجية، وتُؤكِّد على ذلك بقولها: «إنَّ الطبيعة هي التي أوجدت اللامساواة الجوهرية؛ إذ يتعيَّن على نصف البشر أن يقوموا بولادة وتربية أبنائهم جميعًا.»٢٨ وتنتهي «فايرستون» إلى أنَّ الطريقة الوحيدة لتحرير المرأة هي أن يحلَّ الإنجاب الصناعي محل الإنجاب الطبيعي خلافًا لما يقوله أعداء تحرير المرأة من أنَّ دور المرأة المُتعلِّق بجنسها لا يُمكن الاستغناء عنه.
على أنَّنا ينبغي أن نعترف أولًا: أنَّه في غياب همزة الوصل الخاصة بتقسيم الأدوار بين الجنسَين في الأسرة، لن يكون هناك سبب لكي يجعل ولادة المرأة لطفل يلزمها بتربيته بمفردها. وثانيًا: فإنَّ فايرستون مقتنعة بأنَّ الوسائل الصناعية للإنجاب تُعدُّ أساسًا ضروريًّا لمساواة المرأة مع الرجل، بناءً على رؤيتها لوظيفة المرأة الإنجابية عبارة عن وظيفة «بربرية»، و«خرقاء وغير فعَّالة»، و«استبدادية» و«ظالمة تمامًا».٢٩ وبالطبع على الرغم من أنَّه يُمكن أن تُوصف عملية الإنجاب بأنَّها ظالمة وبربرية بالنسبة للمرأة في مجتمعٍ شديد التحيُّز للتفرقة بين الجنسَين يتحكَّم فيه الرجل، فإنَّه ليس ثمَّة ما يُبرِّر مثل هذه الأحكام القاسية عن تجربتَي الحمل والولادة في ذاتهما. والواقع أنَّ كون المرأة هي عامل الإنجاب الأساسي في المجتمع في حد ذاتها ليس هو السبب الذي أدَّى إلى ظلمها، وإنَّما كان السبب حدوث الإنجاب في نطاق كيان يحكمه الرجل تمامًا، وقد اعتُبر كيانًا خاصًّا أكثر منه كيانًا اجتماعيًّا؛ حيث بدا وكأنَّه يُملي على المرأة حياتها بالكامل، وعلى أنَّه يعرف طبيعتها ذاتها.
وقد حذَّر عددٌ كبير من أنصار المرأة من الرغبات السطحية والموجَّهة اتجاهًا خاطئًا نحو إلغاء الأسرة؛ فهم لا يعتقدون أنَّ الهجمات السلبية الشديدة على بنية الأسرة ستقوم بحل أي شيء، وذلك على الرغم من نظرتهم إلى البنية الحالية للأسرة على أنَّها مؤسَّسة تظلم المرأة من حيث قيامها بخدمة وظائف هامة للرأسمالية، وأيديولوجية الأسرة بوصفها دعمًا قديم العهد لعدم مساواة النساء مع الرجال.٣٠

ومن الواضح أنَّ صراع أنصار المرأة ضد «ما تُمليه الطبيعة» يتجسَّد في أعمال جوليت ميتشل، في إدراكها لأنَّ الخط الذي تسير فيه هذه الحُجَّة هو فكرة كيان الأسرة. وتُفسِّر ميتشل ذلك بقولها:

«إنَّه على الرغم من أنَّ الأسرة — مثل المرأة — تبدو شيئًا طبيعيًّا، فإنَّها في الحقيقة نتاجٌ ثقافي. وليس ثمَّة شيءٌ ضروري عن شكل الأسرة ودورها، أكثر، مِمَّا يوجد عن شخصية المرأة أو دورها … إنَّ هدف الأيديولوجيا هو تقديم هذه الأنواع الاجتماعية على أنَّها جوانبُ من الطبيعة ذاتها … ومن الممكن جعل الحالة الطبيعية الواضحة أكثر جاذبية من ميل البشر الشديد نحو الثقافة.»٣١
لقد كان هدف «ميتشل» هو تحقيق المساواة للمرأة كنتيجة لانتصار الثقافة على الطبيعة؛ وفي بحثٍ رائع أولًا ثُم في تطويره ككتابٍ بعد ذلك، ذهبَت إلى أنَّ جذور مشكلة دور المرأة هي أنَّ وظائفها داخل الأسرة يُنظر إليها على أنَّها مترابطة ذاتيًّا.٣٢ ولم تستطع المرأة التحرُّر من القيود الوظيفية النمطية في الماضي إلَّا عند إدراك أنَّ الإنجاب، والجنسية، والتنشئة الاجتماعية للأطفال — رغم اندماجها في الدور التقليدي للأنثى — يمكن في الواقع فصل بعضها عن بعض.

وكما رأينا في نطاق هذه الدراسة فإنَّ طبيعة المرأة المزعومة، قد استُخدمَت على مر التاريخ، وحتَّى يومنا الراهن لتبرير بقاء المرأة في مكانةٍ غير متساوية مع الرجل؛ سياسيًّا، واجتماعيًّا، واقتصاديًّا. ومن الواضح من خلال الحُجَج المعقَّدة من أرسطو، وحتَّى الباحثين النابغين، وقضاة المحكمة العليا في القرن العشرين، أنَّ طبيعة المرأة قد تمَّ وصفها وصفًا تفصيليًّا وفقًا للمهام التي قامت بها في عالمٍ كان للرجل فيه اليد الطولى، وخاصةً في نطاق الأسرة التي يتحكَّم فيها الرجل، والتي أصبحَت مُحدَّدة بما يتلاءم مع ما تُمليه الطبيعة. وذلك بسبب الأدوار المبنية على الجنس في إطارها، الاختلافات البدنية، القليلة ولكنَّها ذات مغزًى، بين الرجل والمرأة كالقدرة على الحمل والرضاعة، والقوة العضلية الأدنى؛ كل هذه الأمور تمَّ النظر إليها على أنَّه يترتَّب عليها نطاقٌ واسع من الاختلافات الطبيعية بين الجنسَين؛ اختلافات أخلاقية، وعقلية، وعاطفية، ولمَّا كانت النظم السياسية، والقوانين، والمؤسسات، وعمليات التنشئة الاجتماعية، قد قامت بفرض مثل هذه الأفكار — فقد أدَّى ذلك إلى إعاقة المرأة كإنسان وشل حركتها. وعجزَت شخصياتٌ من كلا الجنسَين عن تطوير شخصياتها وإمكاناتها بحرية.

إنَّ مَنْ يُدرك اليوم الصفات المتفق عليها في النساء، ومَنْ أدرك خصائص النساء في القرن الرابع قبل الميلاد، أو في أي وقتٍ آخر، على أنَّها «طبيعة المرأة»، هؤلاء جميعًا رفضوا الاعتراف بأنَّ شخصية المرأة كانت نتاجًا للمجتمع، أو أنَّها على أقل تقديرٍ قد شكَّلتها المجتمعات التي عاشت فيها، والتي كان الرجل هو المُتحكِّم الأول فيها. وكما أدرك أفلاطون قديمًا وجون ستيوارت مِل حديثًا أنَّه لا أحد يعرف طبيعة المرأة، واختلافها عن الرجل، ولن يستطيع أحدٌ أن يعرف ذلك حتَّى يستطيع كلٌّ من الرجل والمرأة النمو والترقي، وذلك في غياب أي تفرقةٍ بين الجنسَين خلال عملية التنشئة الاجتماعية وعلى مدى حياتهما بأكملها. وحتَّى إذا لم نعلم ما هي طبيعة المرأة، فإنَّها تستحق التوقُّف للتساؤل عن التداعيات التي ستلي ذلك سواء نظريًّا أو عمليًّا. وبعبارةٍ أخرى ما هي «القيمة» التي تملكُها «الطبيعة» كمعيارٍ لقياس السلوكيات البشرية أو المؤسسات أو الممارسات …؟!

وكما أوضح عددٌ من أنصار حقوق المرأة. وكما بيَّن ماركس عند مناقشته للعلاقة بين الجنسَين، فإنَّ الحضارة المعاصرة بعيدة جدًّا عن الطبيعة، وكذلك فإنَّ عملية التاريخ البشري كانت إلى حدٍّ بعيد، قهرًا للطبيعة، وجعل الثقافة تحتل موقع الصدارة بالنسبة لها. وهكذا نجد أنَّ «الطبيعة البشرية»، عندما كانت تُفهم لتعني الخصائص الجوهرية للبشر — بصفة عامة — لم تكن شيئًا ثابتًا بمرور الوقت وسوف يُداوم على ثباته، وإنَّما هي شيء تمَّ تحقيقه كمحصلة لمرور الآلاف من السنين؛ الرجال والنساء، كأفرادٍ مستقلة، وكذلك في علاقاتهم بعضهم مع بعض، لديهم الطاقة الكامنة الكافية ليُصبحوا بشرًا أكثر تميُّزًا؛ وبالتالي اختلفوا عن الحيوانات الأخرى، وعن طريق تحرُّرهم إلى حدٍّ كبيرٍ من ضغوط الواجبات المفروضة عليهم، بطبيعة الحال، يستطيع البشر تحقيقَ قدراتهم البشرية تحقيقًا تامًّا.٣٣

وفضلًا عن ذلك لم يتم تطبيق متطلبات الطبيعة. في نطاق الإنجاب فقط ولكن كذلك في نطاق التكاثر. وبالطبع فإنَّ العديد من كتابات ماركس معنية بالعملية التاريخية لتحرير البشرية ذاتها من الضغوط الشاقة، التي كان من نتائجها وسائل المعيشة للبشر، وتحقيق ذلك «المجال من الحرية» في النهاية، الذي سيتمكَّن جميع البشر من خلاله من الإبداع والعيش حياة ليست حيوانية بل شديدة الآدمية واجتماعية للغاية لأول مرة. ومن الواضح أنَّ الطبيعة البشرية لا بُدَّ أن تتأثَّر، وبشكلٍ ملحوظ، سواء أكانوا يريدون قضاء ساعتَين أو اثنتَي عشرة ساعة يكدحون يوميًّا في سبيل توفير الطعام والكساء لأنفسهم، وكذلك بالظروف التي تحدث عملية التناسل في نطاقها، إلَّا أنَّ لهذه الصورة جانبًا آخر مهمًّا جدًّا بالنسبة للمرأة، ألا وهو تحرير البشرية بأكملها من الضغوط الدائمة الناتجة عن الحاجة إلى التناسل، وذلك بالنسبة للمرأة بشكلٍ خاص بسبب تكوينها البدني.

ولقد أدَّت الطفرات العلمية التي أطالت من الحياة بصفةٍ عامة إلى القضاء على الأوبئة نهائيًّا، وقلَّلَت إلى حدٍّ كبير وملحوظ من وفَيات الأطفال، بمعنى أنَّه لم تعُد هناك حاجة إلى أن تقضي المرأة سوى جزءٍ ضئيل من حياتها لإنجاب العدد الكافي من الأطفال للحفاظ على معدَّل التعداد السكاني. وفضلًا عن ذلك فقد وفَّرت التكنولوجيا طُرقًا يُمكن الاعتماد عليها أكثر لتحديد النسل، وأخرى أكثر أمانًا لوسائل الإجهاض التي يُمكن لكل امرأة اختيارها إذا ما كانت، أو عندما، تريد إنجاب الأطفال. وكما أثَّرت خصائص سُبل الإنتاج على تقدُّم البشر وطبائعهم، كذلك أثَّرت على وسائل التناسل. ولا يُمكننا أبدًا الادعاء بأنَّ طبيعة المرأة التي تعلم أنَّه في أيَّة لحظة، ولمدة ثلاثين عامًا، من الممكن أن تُصبح حاملًا، وأنَّه في سبيل تربية طفلَين، يجب أن تتجنَّب اثنَي عشر طفلًا، هي ذاتها طبيعة حال المرأة التي تستطيع التحكُّم في جسدها بشكلٍ كافٍ لقضاء عامَين مُخطَّط لهما مسبقًا من حياتها في عملية التناسل مع تحقيق النتيجة نفسها في النهاية. وهناك فكرة تتفق مع فكر مُورِس بخصوص الإنتاج تقول إنَّه من الممكن أن تُحقِّق المرأة حُرِّيَتها وأن تُطوِّر طبيعتها البشرية تطوُّرًا كاملًا. وذلك فقط عندما يُصبح إنجاب الطفل وتربيته نشاطًا تختاره بحرية، بحيث يكفُّ عن إملاء أسلوب حياةٍ كاملةٍ عليها.

ولكي تتحقَّق هذه الأوضاع الاجتماعية فإنَّنا نحتاج إلى أكثر من ثورة في التكنولوجيا، إنَّنا نحتاج إلى أن تتزامن معها أيضًا ثورة على الظروف، وطرق التفكير، وعلى الرغم من أنَّ ذلك قد بدأ بالفعل إلَّا أنَّه لم يكتمل بأي شكلٍ من الأشكال. وهذه الثورة الأخيرة ينبغي أن تُحقِّق غايتَين:

  • أولًا: يجب أن تُعتبر الأمومة شيئًا خاضعًا لحرية اختيار المرأة. وبالطبع، فإنَّ منع الحمل في حد ذاته لا يجعل تربية الأطفال أمرًا اختياريًّا. إذا كانت تنشئة المرأة اجتماعيًّا موجهة إلى حدٍّ كبير، نحو الأمومة، أو إذا لم يتم دعم المرأة أو تقديرها تقديرًا غامرًا، في أي مجالٍ من المجالات الأخرى في الحياة.
  • وثانيًا: يجب أن تنجح الثورة في التفرقة، — بوضوح — بين تلك الجوانب الخاصة بالإنجاب التي تخص المرأة بيولوجيًّا، مثل الحمل بالضرورة، والرضاعة إذا شاءت — عن تلك الجوانب الخاصة بتربية الأطفال لمدةٍ طويلة، التي لا يتحتَّم أن تكون وظيفة المرأة، إلَّا أنَّها قد تمَّ جعلها تبدو كذلك على حساب البناء الأسري المُتعارف عليه. وكما رأينا في حالة «فايرستون» فإنَّ بعضًا من أنصار المرأة، وأيضًا بعضًا من مناهضيها، وقعوا في فخ اعتبار تربية أطفال شيئًا لا ينفصل عن إنجابهم، وهو ما يعني، بالطبع، أنَّه إذا كان إنجاب الأطفال من مهمة المرأة، فإنَّ تربيتهم كذلك تكون من مهمتها.

والآن فلما كانت التكنولوجيا قد أعطت المرأة وسائل لتحديد النسل (من حيث المبدأ، على الرغم من عدم ممارستها بصفةٍ عامة)، فإنَّه يوجد احتمال أكبر لتحقيق الفصل بين المهمتَين. وواقعة أنَّه أصبح لدى العديد من النساء الآن الحرية التامة، وإنَّا لنأمل في المستقبل أن تكون لدى جميع النساء الحرية لاختيار أن يُنجبن أطفالًا، ومتى يقمن بذلك عندما يردن، مِمَّا يعني أنَّه ليس ثمَّة حاجة لأن تُعتبر حياة المرأة — عن طريق تصوُّرها هي أو تصوُّر المجتمع لها — تُمليها عليها مطالب الأمومة البدنية.

أمَّا بالنسبة لتنشئة الأطفال اجتماعيًّا — في الوقت الذي تكون فيه ذات أهمية بالغة — فلا يُوجد أي سببٍ يجعلها مهمة امرأةٍ واحدة؛ أي آلام الولادة. وفي هذه المساحة فإنَّه يتعيَّن تغيُّر التكوين الأسري الذي ساد على مر العصور تغيُّرًا جذريًّا. وذلك إذا ما أردنا للمرأة أن تتساوى مع الرجل. ورغم ذلك فما زال هناك العديد من الناس مِمَّن يؤمنون بأنَّ التقسيم المعتاد للأدوار بين الجنسَين، وخاصة فيما يتعلَّق بتربية الأطفال، ذو أهميةٍ شديدة لدعم استقرار الحضارة، وكذلك لا يُمكن الاستغناء عنه، وذلك للحفاظ على الوحدة الأسرية. وكما سبق أن رأيناه فإنَّ كُلًّا من «باسوت» و«أريسكوث» يُجسِّدان مثل هذا الأسلوب من التفكير.

وهناك كتابان حديثان شهيران ﻟ «جورج جلدر» هما: «الانتحار الجنسي» و«البداوة العارية».٣٤ مبنيَّان على الافتراضات ذاتها، بالإضافة إلى إيمان الكاتب أنَّ الرجل بما أنَّه أقل تحضُّرًا بشكلٍ ظاهر، فإنَّ ذلك يستدعي أن تقوم المرأة باستمرار ﺑ «تنشئته اجتماعيًّا» وحتَّى خلال حياتهما كبالغَين. وعندما اعترض «ريتشارد نيكسون» على مذكرة لرعاية الطفولة في عامَي ١٩٧١-١٩٧٢م، فقد كان ذلك على أساس أنَّها ستُؤدِّي إلى تدمير الأسرة الأمريكية.٣٥ ولقد تضمَّن تعريفه للأسرة الأمريكية — بوضوح — إجراءات رعاية الأطفال بشكلٍ كامل في نطاق الوحدة الأسرية.

من خلال تفاني المرأة في سبيل هذا الهدف في الوقت الذي يقوم فيه الأب بدعم الأسرة بالكامل. والواقع أنَّ حوالَي أكثر من نصف الأسر الأمريكية الموجودة الآن لا تتلاءم مع هذا التعريف الافتراضي، كما أنَّه من الممكن تخيُّل العمل على تحقيق تركيبةٍ أسرية لا يتم فيها افتراضيًّا أيٌّ من هذه الأمور.

ومن الواضح أنَّ مبدأ عدم المساواة القديم في الأسرة هو السبب وراء الحافز على تحطيم قداستها. وعلى الرغم من ذلك، فإنَّ عدم المساواة السائدة في الماضي، ينبغي ألَّا يعوق تحقيق بنية أسرة تُعنى بالمساواة بين الجنسَين في المستقبل.

وينبغي أن يكون هدفنا أن يأتي اليوم الذي يتقاسم فيه الجنسان رعاية الأطفال … وهذا أمرٌ لا غنى عنه، إذا كان للنساء أن ينعمن بالمساواة، وذلك لثلاثة أسباب:

  • أولًا: أنَّ الغالبية العظمى من النساء اللائي صرن أمهات، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يَكُنَّ أندادًا للرجال في القوة العاملة، أو في أي مجالٍ من مجالات النشاط خارج البيت، في الوقت الذي تكون فيه حياتهن العاملة، خاضعة على مدى عددٍ من السنين لتأثير تحمُّلهن للمسئولية الكاملة عن تربية الأطفال؛ فالنساء في الوقت الحالي يُعانين من الإعاقة في مجال العمل والنشاط العام، وليس مصدر هذه الإعاقة الوحيد أنَّ معظم النساء ما زلن يتحمَّلن بالفعل، قدْرًا أكبر من المعقول من المسئولية عن الأعمال المنزلية، ورعاية الأطفال، ولكن تنبع الإعاقة أيضًا من أنَّ النساء — حتَّى إذا لم يتحمَّلن تلك المسئولية — فإنَّ هذا ما يتوقَّعه العالم منهن بصفة عامة؛ أي أصحاب العمل، والمحاكم، والناخبون، وغير هؤلاء من الأشخاص والمؤسَّسات التي لديها القدرة على التحكُّم فيما تفعله النساء في العالم الخارجي، الذي يُمارس التمييز ضدهم بالقَدْر الذي وصفناه فيما سبق.
  • ثانيًا: عندما يُشارك الرجال بالتساوي في مهام مثل الأعمال المنزلية ورعاية الأطفال — عندئذٍ فقط سوف يُنظر إلى هذه الأعمال على أنَّها لا تقل أهمية وقيمة عن الأعمال «الذكورية» التي يراها المجتمع حاليًّا، أعمالًا منتجة ويُكافئ القائمين بها، بدفع المال لهم، وأحيانًا بمنحهم مكانةً مرموقة، حينئذٍ لن يكون هناك «عمل نسائي» من درجةٍ أدنى، ولن يلحق النساء وحدهن — في القوة العاملة وفي المنزل — بأعمالٍ ذات مستوًى أدنى مثل أعمال الرعاية المُعبِّرة عن النفس والمساندة، التي يحصلن في مقابلها على أجورٍ منخفضة.
  • ثالثًا: من الواضح أنَّ الأطفال يكتسبون الأدوار التقليدية للجنسَين بتمثُّلهم لسلوك الأبوة — كما يقول بارسونز — فالبنات والأولاد لا يمكن أن ينشئوا وقد تكوَّن لدى هؤلاء وأولئك أفكارٌ متفتحة عن أنفسهم، وعن أنواع الحياة التي يُريدها هؤلاء وأولئك في المستقبل — إلَّا إذا شاهدوا البالغين ولا سيما أقرب البالغين إليهم — الأبوَين — وهم يقومون بجميع أنواع الأدوار، ويُعبِّرون عن أنفسهم من خلالها. ولا يُمكن أن يتحقَّق أيٌّ من هذه الأهداف الثلاثة إلَّا إذا حدث تقاسُم للأعمال المنزلية، وحلَّت «الوالدية» محل الأمومة.

ولكي يتحقَّق ذلك، لا بُدَّ أن تحدث تغيُّراتٌ كثيرة فيما يتعلَّق بالدمج بين الوظائف التي ما زالت حتَّى الآن تُعدُّ الوظائف الخاصة وغير المنتجة للحياة الأسرية، وبين العمل العام المنتج في إطار اقتصاد السوق؛ فمن ناحية، يُمكن أن يتم القيام بالقَدْر الأعظم من الأعمال المنزلية الخاصة — ولا سيما رعاية الأطفال (ذلك العمل الذي يستغرق الكثير من الوقت) — خارج البيت. أحد الحلول لتلك المشكلة هو توفير مراكز الرعاية النهارية الجيِّدة المدعومة التي يُمكن الوصول إليها، والتي يعمل بها أفرادٌ من الجنسَين، ولكن بالإضافة إلى ذلك لا بُدَّ أن يتم تخليص بنية العمل، والظروف التي يتم فيها خارج المنزل من عدم المرونة التي صارت تتصف بها، والتي قامت على الاعتقاد بأنَّ النساء مسئولات عن البيت والأسرة. ولا بُدَّ أن يُغيِّر أصحاب العمل والمؤسسات من مواقفهم إزاء الرجال والنساء، ولا بُدَّ أن يكفُّوا عن اعتبار النساء تابعات، وملحقات بأزواجهن، مستعدات دائمًا لأن يُنقلن من مكان إلى آخر، وكأنَّهن قطعُ أثاث. وأن يعطين وقتهن طواعية ومجانًا حتَّى يرتقي الرجال في مجال عملهم، وأن يقبلن أجرًا منخفضًا، وعدم الاطمئنان على دوام العمل الذي يحصلن عليه خارج المنزل. وذلك لأنَّه من المفترض أنَّ رجلًا يقوم بإعالتهن، وأن يكون لديهن الاستعداد لأن يقبلن طواعيةً تحمُّل مسئولية رعاية الأطفال تحمُّلًا كاملًا. ويجب أن يُقرَّ أصحاب العمل والمؤسسات، وكذلك القانون، بأنَّ الأب يتساوى مع الأم في قَدْر المسئولية الذي يتحمَّله في رعاية أطفالهما. وعندما تتحقَّق هذه المرونة الجديدة، وعندما يُعْتَرف بأنَّ يوم العمل المُكوَّن من ثماني ساعات ليس أكثر قداسةً من يوم العمل الذي كان يتكوَّن من عشر أو اثنتَي عشرة ساعة، عندئذٍ فقط سوف يُصبح من الممكن أن نخلق مجتمعًا يتقاسم فيه الرجال والنساء مباهج وأعباء المهام التي يجري تقسيمها بيد كلٍّ منهما تقسيمًا تعسفيًّا. إنَّ إمكانية أن تتحقَّق تغيُّراتٌ كتلك داخل إطار الرأسمالية هو سؤال يجب البحث فيه خارج مجال هذا الكتاب. ويكفي الآن أن نقول: نظرًا للمزايا التي من الواضح أنَّ الرأسمالية تحصل عليها عن التفرقة بين أدوار الجنسَين في الوقت الحالي — ولا سيما العمل المضني الرخيص أو المجاني الذي تُقدِّمه النساء — فإنَّ التغيُّرات المذكورة من المتوقع أن تلقى مقاومةً شرسةً من أصحاب القوة الاقتصادية وأصحاب المصلحة في إبقاء الوضع على حاله.

لقد وصلنا في تطوُّرنا التكنولوجي والاقتصادي إلى نقطة ينبغي أن تُمكِّننا من الاستغناء عن الأدوار الجنسية تمامًا باستثناء، حرية اختيار المرأة لممارسة قدرتها الإنجابية؛ فالنساء اليوم (من حيث المبدأ، وليس من حيث الممارسة الفعلية حتَّى الآن) في موقفٍ يُناظر من ناحيةٍ مهمةٍ موقفَ الحُرَّاس في «جمهورية» أفلاطون. كان من المُقرَّر أن يقوم حُكَّام تلك الدولة المثالية بتقييد عملية الإنجاب للحُرَّاس، غير أنَّ التكنولوجيا الحديثة منحَت النساء السيطرة، ولأول مرة على أجسامهن، وحرَّرتهن من الالتزام بأن يقضين حياتهن في فترة البلوغ، وهو: ينجبن الأطفال، لقد كان من الضروري — من وجهة نظر أفلاطون — إلغاء الأسرة حتَّى يتمكَّن من السيطرة على الإنجاب على هذا النحو، ولكن لم يعُد ذلك شرطًا للتمكُّن من التخطيط لعدد وتوقيتات حالات العمل. وإذن ففي العصر الحديث، كما هي الحال في جمهورية أفلاطون، لا يُوجد أساسٌ عقلاني لتعريف طبيعة النساء، ولتحديد حياتهن كاملة باللجوء إلى وظائفهن الجنسية والتناسلية.

وكما رأينا من قبل ما زالت تجري محاولاتٌ للتمسُّك بالممارسات القديمة التي كان يتم فيها تعريفُ النساء على أساس وظائفهن، ولكن مثل تلك المحاولات يُمكن دحضها بالتحليل العقلاني للوظائف التي تُؤدِّيها النساء، والوظائف المنفصلة التي تُؤدِّيها الأسرة، ثمَّ بالاعتراف بأنَّ جميع هذه الوظائف يُمكن أن يتولاها الرجال والنساء، بدلًا من أن يتم تقسيمها على أساسٍ من الجنس، إنَّ الاتجاه الذي يميل إلى أن يُعدَّ الرجال أشخاصًا كاملين ذوي قدراتٍ وحقوق، ولكنَّه ينزع إلى تعريف النساء بالرجوع إلى الوظائف التي يؤدينها بالنسبة إلى الرجال، هو اتجاه لا مُبرِّر له. ورغم أنَّه ينسجم مع المفهوم الهرمي للمجتمع الصالح كما هو الحال عند أرسطو، فإنَّه لا مكان له بالمرة في مجتمع يزعم أنَّه يقوم على مبدأ المساواة بين البشر.

وفي مجتمعٍ كهذا، يجب أن يُعامل النساء من جميع الجوانب؛ السياسية والاجتماعية والاقتصادية — على أنَّهن متساويات مع الرجال، ويجب تحريرهن من قبضة اعتقادات تدور حول أنواع العمل التي خُلِقن من أجلها، ويجب تمكينهن من الوصول إلى وضعٍ مساوٍ لوضع الرجال في القوة العاملة، وفي جميع جوانب الحياة الاقتصادية والسياسية. ولا يُمكن أن تصير النساء مواطناتٍ أو عاملاتٍ أو كائناتٍ بشرية مساويات للرجال — ناهيك عن إمكانية أن يصرن ملِكاتٍ فيلسوفات — إلَّا إذا مات المفهوم الوظيفي لجنس النساء.

١  انظر «كارول باتمان – المشاركة والنظرية الديمقراطية»، كيمبردج، ١٩٧٠م، ص٣١، و٣٥؛ ودينيس ف توميسون، «جون ستيوارت مِل والحكومة النيابية»، بريستون، عام ١٩٧٦م، ص٣٦–٤٣. بخصوص أفكار «مِل» عن التربية السياسية من خلال المشاركة المباشرة.
٢  «النظرية الليبرالية عن العدالة»، أكسفورد، عام ١٩٧٣م، ص١٦٦.
٣  انظر القضايا المشار إليها في هوامش الفصل الحادي عشر فيما سبق.
٤  يوجد مثالٌ واضح على ذلك في مراسيم التقسيم المحلي إلى مناطق كثيرًا ما تحدُّ عدد الأشخاص غير المرتبطين — وليس المرتبطين — الذين قد يعيشون في أيَّة وحدة منزلية. أمَّا بالنسبة لنقد الأحكام المبتسَرة عمومًا لمجتمعنا لصالح الزواج الواحدي. انظر جون ماك موري، «نقد الزواج الواحدي».
٥  «الفرق بين الرجال والنساء هو كالفرق بين الحيوانات والنباتات؛ فالرجال يناظرون الحيوانات، والنساء يناظرن النباتات لأنَّ تطوُّرهن أكثر هدوءًا، والمبدأ الذي يحكمه هو الوحدة الغامضة …» (ملحق للفقرة رقم ١٦٦ في ترجمتنا العربية ﻟ «أصول فلسفة الحق»، دار التنوير، بيروت، ٢٠٠٩م). (المترجم)
٦  هيجل، «أصول فلسفة الحق»، فِقرات ١٥٨–١٨١، ص١١٠–١٢٠. ويقول هيجل صراحة: «وتصبح الأسرة شخصًا واحدًا» (إضافة للفقرة ١٦٣، وانظر ترجمتنا العربية، دار التنوير، بيروت، ٢٠٠٩م. المترجم). ويقول: «الزواج ينتج من التنازل الحر لكلا الجنسَين عن شخصيته …» (فقرة ١٦٨، ص٤١٥ من ترجمتنا العربية، المترجم). لكن واقعة أنَّ الرجل هو الذي يُريد مِلكية الأسرة، وأنَّه هو المُمثل الوحيد لها في المجالات العامة، يُوحي أنَّ تنازله عن شخصيته مسألةٌ رمزية أكثر منها حقيقية. من حيث المقابلة بين الرجال والحيوانات والنباتات والنساء (انظر ملحق للفقرة ١٦٦، ص٦٢٠، من ترجمتنا العربية، المترجم).
٧  انظر دون شوسست، «النظام الأبوي (البطرياركي) في الفكر السياسي».
٨  «الصفوة والمجتمع»، إنجلترا، عام ١٩٦٤م، ص١٢١-١٢٢.
٩  «نظرية عن الديمقراطية المستقرة»، ملحق ﺑ «الانقسام والالتحام في الديمقراطية»، برنستوف، عام ١٩٦٦م، ص٢٣٢–٢٦٩. وأنا مدينة لبطرس ستيلالر، كلية فيسار، بتوضيح هذا المثل لي.
١٠  «الانقسام والالتحام»، ص٢٦٢-٢٦٣، و٢٦٥.
١١  «الانقسام والالتحام»، ص١٦٠-١٦١.
١٢  «الانقسام والالتحام»، ص٢٣٧.
١٣  خطاب إلى دالمبير، ص٩٨.
١٤  عبارة مابل فيرنون — السكرتير التنفيذي لحزب النساء القومي — هو ر. ج. رس ٧٥ أمام لجنة البرلمان التشريعية — الكونجرس الثامنة والستين، عام ١٩٢٥م، مقتبس في كتاب جنسبرج، «الجوانب الدستورية للتفرقة المبنية على أساس الجنس»، ص٩-١٠.
١٥  عبارة موجزة من الشهادة في هذا الموضوع انظر «دين نورسن»، «الوضع المتدهور للنساء».
١٦  «التوظف من منظور العاملات» — الولايات المتحدة قطاع العمل، إدارة معايير التوظف، مكتب النساء، عام ١٩٧٨م — «النساء العاملات في يومنا الراهن» — الولايات المتحدة، قطاع العمل، مكتب النساء، ١٩٧٦م، ص١.
١٧  «لماذا تعمل النساء»، الولايات المتحدة، قطاع العمل، مكتب النساء، ١٩٧٦م، ص١.
١٨  «كان ضد شنن»، ٤١٦، الولايات المتحدة، ١٩٧٤م، في ٣٥٣.
١٩  «هوة الدخل بين النساء والرجال»، الولايات المتحدة، قطاع العمل، مكتب النساء، عام ١٩٧٦م، ص١.
٢٠  «هوة الدخل»، ص٢-٣، و٨.
٢١  انظر مثلًا إيلي زارتسكي، «النظام الرأسمالي، الأسرة، والحياة الشخصية»، أجزاء ١ و٢؛ وجوليت ميتشل، «منزلة المرأة»؛ ومارجريت بنستون، «الاقتصاد السياسي لتحرُّر النساء»؛ وشارتي جوتل، «الماركسية، وقضية المرأة».
٢٢  تعتمد القراءة التالية تمامًا على الشهادة والتحليل المعروضَين في كتاب سميث ومولَّر، «أهمية أن تكون هامشيًّا».
٢٣  دين نودسن، «الوضع المتدهور للمرأة»، ص١٩٠.
٢٤  أليس س، روسي، «المساواة بين الجنسين»، ص١١١.
٢٥  عمل المرأة، ص٢٣٤، و٢٣٦.
٢٦  «جدل الجنس»، خاتمة، في أماكن متفرقة.
٢٧  «جدل الجنس»، ص٢١٢، و٢٢١.
٢٨  «جدل الجنس»، ص٢٠٥.
٢٩  «جدل الجنس»، ص١٩٨، و٢٠٦ و٢٢٥-٢٢٦، و٢٤١.
٣٠  مثلًا ميتشل، «منزلة المرأة»، ص١٤٩؛ وروبوتمان، «وعي المرأة، وعالم الرجل»، ص٥٩-٦٠؛ روسو، «منظور بيولوجي اجتماعي عن الوالدية».
٣١  «منزلة المرأة»، ص٩٩-١٠٠؛ وانظر أيضًا كريستين بيرس، «لغة القانون الطبيعي والنساء»؛ ففيه مناقشة ممتعة لاستخدام مفهوم «الطبيعة» لقهر النساء.
٣٢  «النساء: أطول ثورة. منزلة المرأة»، الفصلان الخامس والثامن، لا سيما ص١٠٧، و١٥٠.
٣٣  انظر المقدمة — فيما سبق — وأيضًا سيمون دي بوفوار، «الجنس الآخر»، الخاتمة، لا سيما ص٤٤٩؛ وبنيامين باربر، «تحرير النساء»، لا سيما الفصل الثالث.
٣٤  نيويورك، عام ١٩٧٣م؛ ونيويورك، عام ١٩٧٤م.
٣٥  اقتبسه دي كرو، في «العدالة بين الجنسين»، ص٦٠.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦