الفصل الثالث
طبيعة الأنثى والبنية الاجتماعية
لقد ركَّزنا حتَّى الآن على موضوع العلاقة بين معالجة أفلاطون للمرأة في مدينته
الفاضلة «الأولى والثانية» وعلى بعض الخصائص المهمة الأخرى في هذَين المجتمعَين، ولا
سيما
نظام المِلكية الخاصة بالأسرة. وسوف نتجه الآن إلى تحليل: كيف ناقش أفلاطون موضوع
المرأة. وهل طبَّق على قضية المرأة نفس الحُجَج والمعايير المنطقية التي طبَّقها عندما
ناقش طبيعة الرجل؟! وهل سمح لنتائجه حول طبيعة النساء أن تُخرج كل ما تتضمَّنه؟ وأخيرًا
ما دلالة الإجابة عن هذه الأسئلة على الأدوار المختلفة التي حدَّدها للمرأة في محاورتَي
«الجمهورية» و«القوانين»؟
مفهوم الطبيعة Nature عند أفلاطون بالغ الأهمية؛ فهو ليس مسألةً بسيطة على الإطلاق، وهو
يستخدم بكثرة في المحاورات لفظ Physis مع أشكالٍ كثيرة من الأفعال والصفات المشتقة من
هذا الجذر، والواقع أنَّ فهم هذا المصطلح ومعناه المُعقَّد هو أمرٌ حاسم بالنسبة للتقييم
الصحيح لفكر أفلاطون حول الأهمية النسبية للخصائص الفطرية والعوامل البيئية في تكوين
القدرات البشرية والشخصية الإنسانية.
يقول أفلاطون في محاورة «فايدروس» إنَّ تحديد طبيعة أي شيء ليس أمرًا بسيطًا. وهو
يُشدِّد على أنَّنا لا نستطيع: «أن نُفكِّر في طبيعة أي شيء» دون أن نتدبَّر بإمعان كيف
تعمل هذه الطبيعة، وكيف تُؤثِّر في الأشياء الأخرى، وكيف تُؤثِّر هذه الأشياء بدورها
في
هذه الطبيعة. وإذا واصلنا السير في البحث دون أن نفعلَ ذلك، فلا بُدَّ أن يكون ذلك —
فيما يقول — أشبه بتقدُّم الأعمى.
١ وهذا يعني أنَّه من غير المحتمل أن تُشير المظاهر السطحية، بدقة، إلى
الطبيعة الحقيقية للأشياء، بل لا بُدَّ لنا أن ننظر عن قربٍ إلى البيئة التي يتفاعل فيها
الشيء مع غيره قبل أن نزعم أنَّنا نعرف أي شيءٍ عن طبيعتها. غير أنَّنا سوف نرى أنَّ
أفلاطون نفسه عندما يتحدَّث عن طبيعة النساء لا يتبع باستمرارٍ نصيحتَه هذه.
كان السؤال حول ما إذا كانت الخصائص الفطرية، والعوامل البيئية هي التي لها الأهمية
الأولى في نشأة الطبيعة البشرية — سؤال شغل تفكير اليونانيين الكلاسيكيين والتراث الذي
تشكَّل في سياقه تفكير أفلاطون — كان فيما يبدو يدعو إلى التشديد العظيم على الجانب
الفطري مقابل آثار التربية، في تفسير كيف يُصبح الأشخاص على ما هم عليه. ومن الواضح
مثلًا أنَّ الأهمية الكبرى للشاعر المؤثِّر ثيوجنس
Theognis كانت في وصف الجانب الفطري
الثابت، أمَّا الأثر الضعيف للتربية في خلق إنجازٍ عقلي وشخصيةٍ طيبة
٢ غير أنَّ معظم الشُرَّاح فيما يبدو قد اعترفوا بذلك في الوقت الذي عارضَ فيه
أفلاطون بقوة هذا التأكيد السائد؛ فمحاورة «الجمهورية» — وكذلك «القوانين» — بقَدْر ما
هما يدوران حول السياسة فإنَّهما يدوران حول التربية بأوسع معنًى ممكن للكلمة.
٣
إحدى المشكلات التي ينطوي اكتشافنا للنقطة التي يقف عندها أفلاطون بخصوص الوزن النسبي
للخصائص الفطرية وعوامل البيئة هي أنَّه لا يستخدم باستمرارٍ لفظ
Physis ومشتقاته لتعني
ما هو فطري. وهذا الاستخدام ليس — على الإطلاق — خاصًّا بأفلاطون وحده؛ فالكلمة
اليونانية تُشير إلى كل من «التكوين، والبِنية، والماهية» في الشيء، وكذلك إلى تطوُّره،
أو كما يمكن أن تقول، إلى الطريقة التي ينمو بها؛ فللكلمة معنًى استاتيكي وديناميكي في
آنٍ معًا.
٤ ولمَّا كنَّا نميلُ إلى التعبير عن المشكلة بحيث تكون «الطبيعة» ضد
«التربية» — وهما حدَّان يطردُ الواحد منهما الآخر — كانت استخدامات أفلاطون لكلمة
«الطبيعة» استخداماتٍ مضلِّلة. وأحيانًا يكون من الواضح تمامًا أنَّ لفظ «طبيعة» و«طبيعي»
لا يدل على الفطرية، كما هي الحال مثلًا عندما يقول إنَّه في «القابلية الطبيعية تكون
العضوات في الغالب متوازيات، لكنَّنا نحن أنفسنا نستخدمها في العادة بطريقة خاطئة.
فنجعلها مختلفات.»
٥ غير أنَّه يتضح في بعض الفِقرات الأخرى أو ما يُسمِّيه أفلاطون بالطبيعة
يتضمَّن عناصر ليست فطريةً على الإطلاق، ولكنَّها تطوَّرت بالتمرين والعادة؛ ففي محاورة
«القوانين» — مثلًا — بينما لا يجعل الفروسية وركوب الخيل أمرًا إجباريًّا على البنات
فإنَّه يقول: «أمَّا بالنسبة للنساء فلا ينبغي إرغامهن على المشاركة في هذه المباريات
بقوانين. لكن إذا كان تدريبُهن المبكِّر قد أدَّى إلى نمو هذه العادات، فأصبحن متساوياتٍ
جسديًّا مع الرجال بحيث تسمح طبيعتُهن بذلك فيجب أن يُسمح لهن بذلك دون لوم.»
٦ ومن ناحيةٍ أخرى فإنَّنا نجد فِقرةً ذاتَ دلالةٍ في محاورة الجمهورية يقول فيها
سقراط: «المدينة التي تبدأ بدايةً سليمة، تنمو كالدائرة فالتربية والتدريب إذا ما أُحسن
توجيههما أنتجا طبائعَ خيِّرة وطبائعَ سليمة، وهذه بدورها إذا ما تلقَّت مثل هذه التربية،
فإنَّها تنمو على نحوٍ أفضلَ من التي كانت قبلها …»
٧ فإذا كانت طبيعةُ شخصٍ ما كما هو واضحٌ في هذه الفِقرات يُمكن «إنتاجها» على
الأقل في جانبٍ منها — بواسطة بيئته — أو بيئتها — فلن نستطيع أن نزعم بعد ذلك أنَّ كل
شيءٍ قاله أفلاطون عن الطبيعة أو الطبيعي بالنسبة للفرد يعني الإشارة إلى كيفياتٍ فطرية.
وهكذا فإنَّه، مثلًا، عندما يقيم قسمتَه الحادة للعمل على مقدِّمة تقول:
«إنَّ كُلًّا منَّا بالطبع لا يشبه أيَّ شخصٍ آخر، بل هو بالأحرى يختلف عنه بطبيعته.»
٨ فلا شيء في هذا السياق — الواقع لا شيء عند أفلاطون سوى الزعم بأنَّ طبيعة
شخصٍ ما هي فطريةٌ تمامًا — لا شيء في هذا السياق يجعلنا نفترض أنَّه اعتبر الفرق بين
الطبيب والنجار فطريًّا تمامًا أو حتَّى يُسيطر عليه الجانب الفطري، ومن الواضح أنَّه
من المغالاة في التأويل أن تُترجم كلمة
Physis بكلمة الطبيعة …
Nature … أي منذ
الميلاد كما فعل شوري
Shorey بالنسبة ﻟ «محاورة الجمهورية»، ٤٨٥-أ.
ومن المؤكَّد أنَّ أفلاطون لم يكن يجهل الخصائص الفطرية أو الموروثة، كما أنَّه لم
ينكر أهميتها؛ فهو عندما يُناقش الفشل الأخلاقي اللاإرادي يقول: «كلٌّ منَّا حين يكون
سيِّئًا فإنَّه يُصبح كذلك لسببَين هما معًا خارج سيطرتنا، أعني استعدادًا سيِّئًا
للجسد، وتربيةً سيئة …»
٩ ومن ناحيةٍ أخرى فإنَّنا نراه في محاورة فايدروس يتحدَّث عن تجاور الكيفيات
الفطرية مع التربية وذلك أمرٌ واضح. كما أنَّ سقراط يكتشف كيف يُصبح المرء خطيبًا
مُفوَّهًا، يقول: «إنْ كان لك بالطبيعة استعدادٌ للخطابة، فلا شك أنَّك ستكون خطيبًا
ممتازًا، وتلك هي الحال في جميع الأمور الأخرى، سوف تُصبح خطيبًا شهيرًا لو أنَّك حصَّلتَ
أيضًا علمًا ومرانًا، لكن إذا افتقرتَ إلى واحدٍ من الشرطَين السابقَين فستكون بالتالي
خطيبًا ناقصَ التكوين.»
١٠ ومن ثمَّ فإنَّ الاستعداد الفطري مهم، لكنَّه لا يكفي وحده لإنتاج الشخص
الكفُؤ في أيَّة مهنة أو فن؛ فالبذرة الفطرية ينبغي أن تُربَّى حتَّى تنمو وتزدهر.
وأخيرًا يُقال لنا في محاورة «القوانين» إنَّه بسبب عدم كفاية «المولد، والرعاية، والتدريب»
١١ يعجز المواطنون عن الاحتفاظ بالمِلكية المشتركة.
لكن الموضوع حتَّى الآن تافهٌ جدًّا؛ فهناك مُفكِّرون أنكروا تمامًا أهمية العوامل
الفطرية والعوامل البيئية؛ فالشيء الهام هو تقييمُ أين يكمُن التشديد الأكبر، وهناك شواهدُ
واضحةٌ في المحاورات على أنَّ أفلاطون كان ينسبُ الوزنَ الأكبر من التأثير للبيئة
والتربية. ولا يُمكِن أن نُنْكِر أنَّه وضع تشديدًا قويًّا على أهمية تجربة الطفولة
المُبكِّرة إذ يسأل سقراط: «ألا تعلم أنَّنا نبدأ بتربية الأطفال … وأنَّ البداية هي
أهم جانبٍ في كل شيء، ولا سيما إذا تعلَّق الأمر بكائنٍ صغيرٍ رقيق؛ إذ إنَّ ذلك هو العهد
الذي تتكوَّن فيه الشخصية، وينطبع ما تودُّ إحداثه فيه من التأثيرات …؟»
١٢
وهذا هو السبب في أنَّه لا بُدَّ من أن تكون هناك عنايةٌ فائقة بالقصص التي تُروى
للحُرَّاس الشباب، وفي «القوانين» — لجميع المواطنين الصغار، وكذلك الألعاب التي
يلعبونها؛ لأنَّ هذه الأمور هي التي تُشكِّل نفوسَهُم؛ فما ينطبع في ذهن الطفل الصغير
من
آراءٍ ومعتقداتٍ في هذه السن يكون مُؤثِّرًا ويصعُب أن يتغيَّر.
١٣ ما دامت «نقطة البداية في تربية الإنسان تُحدِّد المجرى الذي سوف تسير فيه
أيضًا، فلا يُسمح للشباب من الحُرَّاس فعلُ شيءٍ ما حتَّى أثناء اللعب لا يتناسب مع وضعهم
ووظيفتهم المقبلة. وبالمثال فإنَّ الحرفيين عليهم أن يُركِّزوا في تعليم أطفالهم حِرفَهم
منذ الصغر.»
١٤ ثمَّ يُحذِّرنا سقراط بعد ذلك من النتائج القوية على الشخصية التي يتم
فيها تركيزٌ مُفرِط على الجانب البدني في التربية في حين تكون التربية في الجوانب الجمالية
غير ما فيه أو العكس. واللاتوازن الأول سوف يُبالغ في تطوير الجانب الحيوي في طبيعة
الفرد إلى حد التوحُّش، في حين أنَّ اللاتوازن الثاني سوف يُبالغ في الجانب الآخر
الأليف، جانب الاستعداد الطبيعي، حتَّى إنَّنا نصل بالشخصية إلى حد الإفراط في النعومة.
والرسالة الواضحة هي أنَّ البيئة والمران يُمكن أن تجعلَ بعضَ جوانبِ الإمكانات الأصلية
تذوي، على حساب بعض الجوانبِ الأخرى التي تُصبح مسيطرةً بطريقة غير صحية.
ويُقال لنا: إنَّ الحُرَّاس قد تمَّ اختيارهم في الأصل بسبب ذلك الجمع النادر بين
القدرات — الاستعداد للرقَّة نحو ذويهم، والقسوة تجاه الأعداء.
١٥ غير أنَّ التربية التفصيلية الشاملة التي يتلقَّونها تشهد أنَّ أفلاطون لم
يكن يعتقد أنَّه حتَّى الأفراد من أصحاب الخصائص المتميزة يُمكن أن نتوقَّع لها أن تنمو
في الطريق الصحيح دون عناية مُركَّزة وانتباهٍ حَذِرٍ تجاههم. وفضلًا عن ذلك فحينما يدرس
سقراط بعد ذلك المشكلة الكبرى، مشكلة المهام أو الوظائف ومتطلباتها التي تُفرض على الطبقة
الحاكمة، وهو يُؤكِّد أنَّهم سيجدون هذه المهام بسيطةً هينةً ما دام «الشيء العظيم أو
بالأحرى، الشيء المكتفي ما زال موجودًا». وهذا الشيء العظيم المكتفي، ليس كما يُريد
منَّا بعض شُرَّاح أفلاطون أن نعتقد كيفياتٍ فطرية لهذه النخبة المختارة، وإنَّما هو
بدلًا من ذلك، «التربية والتعليم»؛ إذ إنَّ التربية الصالحة إذا ما أنارت نفوسَ مواطنينا
أصبحوا عقلاء، وسوف يعترفون بعقلانية جميع التنظيمات الاجتماعية التي تُعرضُ عليهم.
١٦
وتُؤكِّد أسطورةُ الكهف الافتراضَ بأنَّ أفلاطون يُؤمن بأنَّ التربية هي العامل الأعلى
وزنًا في تحديد مستوى الإنجاز البشري؛ فالأسطورة كلها مطروحةٌ لكي تُبيِّن الهوة الواسعة
بين القدرات عند المُتعلِّم وغير المُتعلِّم؛ فهما ليسا نمطَين مختلفَين من الشخصية
متميزَين منذ لحظة الميلاد، بل بالأحرى «صورة لطبيعتنا أثناء تربيتها، أو عدم تربيتها.»
١٧
ونقارنهم بأناسٍ تعلَّموا أن يُدرِكوا؛ فإنَّ الناس كما هم في وضع غير متعلم يُشبَّهون
بمن اختبَئوا تحت الأرض، لا يصلُهم شيءٌ سوى ظلالٍ تُعطيهم انطباعاتٍ بالعالم الخارجي.
وفي محاورة «القوانين» يُشدِّد أفلاطون على سيطرة التربية التي تشمل كل شيءٍ ابتداءً
من حفلات الشراب إلى التشريع لكل أنواع المسائل، وتبدو أعظم مِمَّا كانت عليه من قبلُ.
أمَّا بالنسبة لإيمان أفلاطون بالقدرات البشرية الفطرية، فيبدو أنَّه أصبح أكثر
اضمحلالًا: ويُقال لنا إنَّ المواطنين في المدينة الفاضلة الثانية «ليسوا — في الجانب
الأغلب منهم — سوى دُمًى». وكما يقول جلين مورو: «لقد أخذ أفلاطون المُشرِّع في النهاية
كل فرصة لوضع برنامجه التربوي.»
١٨ فالرجل الأثيني — في محاورة القوانين — يُؤكِّد في الكتاب الأول «أنَّ
الرجل المُتعلِّم جيِّدًا سيكون مواطنًا صالحًا …» ويُقال إنَّ وظيفة مراقب التعليم هي
أعلى وأهم وظيفةٍ في الدولة، حتَّى إذا ما أُضيفَت البيئة إلى فترات الطفولة الأولى التي
أخذ بها في محاورة «الجمهورية»، والتي يتردَّد صداها في التطوُّر التالي، ويتم التشديد
على أنَّه لن يحدث أبدًا — حتَّى إذا ما حدث انهيارٌ قاسٍ للسُكَّان — أن يدخل الناس
الذين تمَّ تعليمهم تعليمًا سيِّئًا إلى المدينة؛ ففي محاورة القوانين — قبل كل شيء —
يكشفُ أفلاطون أنَّ البنية التشريعية والاجتماعية كلها لهذا المجتمع المقترَح مصمَّمة
على
أن يكون مثقفًا أو مُتعلِّمًا؛ لأنَّه على الرغم من أنَّ الإنسان يُعَدُّ مخلوقًا أليفًا،
فإنَّ أفلاطون يُحذِّرنا إذا ما كان التعليم قاصرًا أو سيِّئًا فإنَّه يتحوَّل إلى أشرسِ
المخلوقات على الأرض.»
١٩ كثيرًا ما يتخذ أنصار ترجيح العوامل الفطرية عند أفلاطون من أسطورة
المعادن دليلًا على أنَّها تُبرهن على أولوية العوامل الفطرية، بوصفها تُحدِّد الشخصية
والقدرات البشرية.
٢٠ غير أنَّ ما فات هؤلاء الباحثين، فيما يبدو، هو أنَّه يقول لنا بصراحة
إنَّ أسطورة المعادن
أكذوبة. مع التسليم أنَّها ليست
أكذوبةً عادية، والأكذوبة «الحقيقية» من النوع الذي يُبغِضه جميع الآلهة ويكرهُه كل الناس،
وهو «استقرار الجهل في نفس الشخص الذي كذبنا عليه.» وإنَّما هي بالأحرى مثال على
الأكذوبة «في الحديث» التي «ليست غير ناضجة تمامًا» وهي لا تستحق التوبيخ، ما دامت
يُمكن أن تكون نافعةً ومفيدةً للموجودات البشرية ﻛ «صورة من العلاج»
٢١ ولا يُسمح لغير الحُكَّام أن يقولوا مثل هذا النوع من الكذب لصالح المدينة
ككل. والاتجاه إلى معالجة هاتَين «الكذبتَين النبيلتَين» في نهاية الكتاب الثالث، كمجازٍ
فحسب، يُفيد في تبسيط الحقيقة وجعلها نابضةً بالحياة أكثر. أصبحت فيما يبدو بلا تبريرٍ
تمامًا، وفضلًا عن ذلك فإنَّ الكذب الأساسي الذي تنطوي عليه كلٌّ من الأساطير التي تُقال
للمواطنين عن أصلهم، هو أنَّ الاختلافات بين أعضاء الطبقات الاجتماعية المختلفة هي
اختلافاتٌ فطرية تمامًا. وحتَّى يتم عقلنة الهيراركية «الطبقات التصاعدية» والاحتفاظ
بها
والبالغة الأهمية لاستقرار المجتمع، ورخاء الدولة المثالية، فإنَّ أفلاطون يقترح أنَّه
لا بُدَّ لمواطنيه أن ينسَوا تربيتهم وتعليمهم — التي كانت مميزةً بشكلٍ واضح — ويعتبروها
مجرد أحلام؛ ويعتقدوا بدلًا من ذلك أنَّ الإله هو الذي شكَّلهم من موادَّ ذاتِ كيفياتٍ
متميزة ومختلفة — فجعل بعضهم من ذهب، وبعضهم من فضة، والآخرون من البرونز أو الحديد.
وهكذا فإنَّ الاختلافات الهائلة بين المواطنين التي جاءت نتيجةً لأمزجتهم الفطرية من
ناحية، والاختلافات الواسعة في التربية التي مرُّوا بها، تُنسب كلها إلى العامل الأول.
وهكذا تُستخدم الدعاية الفاسدة لكبت وقمع الحوافز غير المرغوبة من أجل التقدُّم. ونفس
هذه «الكذبة النبيلة» قيلت للنساء طوالَ التاريخ.
وإذا سلَّمنا بأنَّ جانب التربية عند أفلاطون هو العامل الغالب، فإنَّ الحُجَّة التي
استخدمها في الكتاب الخامس من «الجمهورية» للبرهنة على أنَّ الذكر والأنثى من الحُرَّاس
لهم طبيعةٌ واحدة — وبالتالي ينبغي أن تُحدَّد لهم نفس الوظائف والمهام — تبدو غريبةً
للغاية؛ فهو حتَّى هذه النقطة كان يُؤكِّد بقوةٍ شديدةٍ أهميةَ كلٍّ من البيئة الشاملة
والتدريب النوعي الخاص لتدريب القدرات من جميع الأنواع. ويبدو، إذن، أنَّ الخط الواضح
عنده الذي ينبغي أن يسير عليه هو أن يُؤكِّد أنَّه سبب الاختلافات الكبيرة في التربية
والرعاية المعاصرة لكلا الجنسَين؛ فإنَّ المرء لا يستطيع أن يُقدِّر تقديرًا سليمًا
قدرات النساء، أو أنَّه يُمكن لهذه القدرات — إذا ما دُرِّبت — أن تُصبح مثل قدرات
الرجال، وما دامت طبيعة الشخص يُمكن أن تفسدَ بعددٍ من الطرق عن طريق تكوين أنواعٍ مختلفة
من العادات، والمبالغة في التشديد على — أو إهمال — جوانب مختلفة من الإمكانات الأصلية،
فلا يُمكن أن تكون هناك طريقةٌ نعرف بها كيف نُقارن بين قدرات النساء الفطرية وقدرات
الرجال، ما دام الإهمال الشامل للتربية النسائية قائمًا ومستمرًّا، إذا كان يُمكن أن
نُقارن بين الرجال الذين يتعلَّمون تعليمًا مألوفًا، وبين الرجال الذين يتعلَّمون
تعليمًا جيِّدًا، كما يُمكن مقارنة سُكَّان الكهف بأولئك الذين يُدركون العالم الواقعي
الحقيقي، فإنَّ النساء عندئذٍ على نحو ما هن موجوداتٌ في أثينا المعاصرة — يُمكن أن
يُقال إنَّهن يقضين حياتهن داخل توابيتَ دون أن يجدن حتَّى ذلك الضوء الخافت الذي يُلقي
بظله على الجدران؛ إذ المقابلة بين النساء في المجتمع الذي يعيش فيه أفلاطون، والنساء
كما ينبغي أن يعشن هي بالقطع أعظمُ كثيرًا من المقابلة بين زملائه الأثينيين من الرجال،
وأولئك الذين يُخطِّط لهم في مدينته المثالية. ومن ناحيةٍ أخرى إذا كان يُمكن أن يُضارَّ
الشُبَّان من الحُرَّاس حقًّا كما يُقال عندما يستمعون إلى ما يُروى عن ضعف وحماقات
الأبطال الذكور الذين ورد ذكرهم في شعر ودراما الأسلاف، فما هي صورة الذات التي يُمكن
للمرء أن يتوقَّع أن ترسمَها الفتاة لنفسها من تراثٍ تنتشر فيه مثل هذه الوجهة من النظر
عن جنسها في هذه الآداب؟
٢٢ وعلى الرغم من أنَّ أفلاطون يُؤكِّد أنَّ الشخص الذي يبقى في الجهل ليس
أمامه خيارٌ سوى أن يظل يؤمن بما يقوله له الآخرون عن نفسه
٢٣ فإنَّه لا يُطبِّق هذه الحقيقة عن صورة الذات على غسيل المخ الذي خضعَت له
نساء اليونان من عصر هزيود حتَّى عصر بركليز.
٢٤
أفلاطون وهو يواجه مهمةً ضخمة — هي مهمة أن يُبرهن لمستمعيه المرتابين أنَّ النساء
ينبغي تدريبُهن ليُنجزن نفس الوظائف المدنية الرفيعة التي يشغلها الرجال — فشل في تطبيق
مذهب سيطرة البيئة عنده؛ فليس ثمَّة سوى إشارةٍ موجَزةٍ واحدةٍ لاعتقاده أنَّه ليس من
المُمكن
استخدام نفس الحيوان لنفس الأشياء،
٢٥ ما لم تُحدِّد له نفس التدريب والمران.
٢٦ وبغَض النظر عن ذلك كان البرهان الذي استخدمه يستهدف بيان أنَّه لا يوجد
شيء تستطيع النساء — كطبقة — أن يقمن به أفضل من الرجال — كطبقة— حتَّى في مجال الأمور
التي كانت التقاليدُ تحتفظ بها للنساء؛ ومن ثمَّ فليس هناك تحديدٌ أو تخصيصٌ لأدوار
مُعيَّنة للنساء، ويترتَّب على ذلك أنَّه لا يوجد أي دورٍ مُخصَّص بصفةٍ خاصةٍ للرجال
كطبقة، بل بالأحرى، كما أشار عندما قدَّم فكرة تقسيم العمل لأول مرة؛ فإنَّ الأشخاص،
لا
طبقات الأشخاص، هم الذين لديهم طبائع تُناسب الفنون المختلفة. وتعميم القول بأنَّ
الرجال يكونون، عمومًا، أفضل من النساء في كل شيء، لا يمنع من أنَّ كثيرًا من النساء
يَفُقْن كثيرًا من الرجال في أمورٍ مُتعدِّدة.
٢٧
ويعتقد أفلاطون أنَّه برهن بالحُجَّة السابقة على أنَّ الأدوار التقليدية للجنسَين
لا هي
طبيعية ولا عقلية:
«ليس في إدارة الدولة، أيُّها الصديق، من عملٍ تختص به النساء وحدهن من حيث هن نساء،
ولا الرجال من حيث هم رجال، لكن لمَّا كانت الملَكات قد انقسمَت بين الجنسَين، وأنَّ
المرأة قادرةٌ بطبيعتها على كل الوظائف، وكذلك الرجال، وإن تكن المرأة، في كل شيء، أدنى
قدرة من الرجل.»
٢٨
وهكذا نجد أفلاطون — وبطريقةٍ ملتوية — يُبرهن لمستمعيه المُتشكِّكين على شيء كان
يُمكن، بالقطع، أن يكون مُفيدًا في الالتجاء إلى نظريته الخاصة بالأهمية المركزية
للتربية بمعناها الواسع في تحديد مستوى القدرة التي يصل إليها مختلف الأشخاص؛ فلماذا
لم
يستفد من الواقعة ذات المغزى، وهي أنَّ قدرات النساء مجهولة
وأنَّ قدراتهن المعروفة
الشائعة قد شوَّهها وضعُهن في المجتمع؟ ربما كان تردُّد سقراط الشديد في تقديم اقتراحه
المذهل عن النساء يرجع إلى اختياره لأقل الطُرق راديكاليةً في الهجوم، ربما أنَّها أيضًا
أقل الطُرق في الإقناع.
٢٩ وكما تقول كريستين بيرس: «يمكن لحُجَّة أفلاطون … أن تُفسَّر بأنَّها
مُحاولة للتسليم بما يرغب أن يقوله عدوٌّ للمرأة، رغم أنَّ الحُجَّة لا تزال تُبرِّر
المضمون
المنطقي للفرص المتساوية للجنسَين …»
٣٠ ربما أنَّ أفلاطون بالرغم من معتقداته قرَّر أن يجعل سقراط يسير في الخط
الأقل مقاومة ليجعل النساء يُقْبَلْن في طبقة الحُرَّاس بنفس شروط الرجال.
غير أنَّه يُمكِن جدًّا أن يكون المُبرِّر الذي جعل أفلاطون يستخدم أضعفَ أنواعِ الحُجَج
في «الجمهورية» هو أنَّه لم يكن مقتنعًا بعدُ بأنَّ النساء إذا ما تلقَّين نفسَ التعليم
والتربية مثل الرجال، فإنَّه يُمكِن لهن أن يكنَّ مثل الرجال، فيما عدا القوة البدنية
الخالصة. غير أنَّنا نجد في محاورة «القوانين» حديثًا صريحًا واضحًا في الموضوع، فهو
لا يؤمن فقط بالروايات القديمة التي سمعها، بل يقول:
«إنَّني أعلم الآن من ملاحظاتي الخاصة أنَّه يُوجد من الناحية العملية عددٌ من القصص
عن
نساءٍ يعشن (بجوار البحر الأسود) يُدعون بالسورماتيد
Sauromatides في منطقة البحر الأسود
…
Pontus تفرضُ عليه المساواةُ مع الرجال واجبَ استعمال القوس والأسلحة الأخرى. وكذلك
الفروسية، وهُنَّ يُمارسنها على قدم المساواة معهم … وما دامت مثل هذه الأوضاع يُمكن
أن
تُوجد، فإنَّني أُؤكِّد أنَّ الممارسة الحالية التي تنتشر في بلادنا في الوقت الحاضر
هي
ممارسةٌ عابثة وغير معقولة، وأعني بها ألَّا يُسمح للرجال والنساء معًا بالسعي وراء
أهدافٍ واحدة، وبكل ما لديهم من قوة.»
٣١ ولا شكَّ أنَّ إيمان أفلاطون بقدرات جنس النساء قد قويت منذ أن وضع على
لسان سقراط الحُجَج الملتوية في الكتاب الخامس من محاورة «الجمهورية».
فلا يدهشنا، إذن، أن نجد في محاورة «القوانين» ذلك الجزء من البرهان الذي يبدو
مفقودًا بوضوحٍ من دعاوى أفلاطون حول النساء في «الجمهورية»؛ فها هُنا يُؤكِّد أفلاطون
في
صورةٍ مجازية على ضرورة التربية والمران لتطوير القوى الفطرية، وينطبق ذلك على مشكلة
الاختلافات والفروق بين الجنسَين. ولما كان قد وصف توًّا التدريب العسكري المُبكِّر
للأولاد وفرض على الفتيات أيضًا — إن وافقن على ذلك — أن يُشاركن في الدروس، لا سيما
تلك التي ترتبط باستخدام الأسلحة [وقبل كل شيء استعمال الحربة والدرع].
ويُؤكِّد الأثيني (في محاورة «القوانين») «أنَّ النظرة المنتشرة الآن بصدد هذه الأمور
… تقوم على جهلٍ شامل تقريبًا …»
٣٢ وعندما سُئِل ما هي هذه النظرة التي يقصدها — رغم أنَّه لم يكن قد ذكر
حتَّى ذلك الوقت كلمةً واحدة عن استخدام اليدَين والقدمَين، فإنَّه يدخل في مناقشةٍ طويلةٍ
حول خطأ الاعتقاد بأنَّ إحدى اليدَين بطبيعتها — وليس بالتربية ونتيجة للمران — هي أقوى
وأقدر من الأخرى. ثمَّ يسير في الحوار لكي يثني على مَنْ لديه القدرة على استخدام
اليدَين بطريقةٍ متساوية. و«جلين مورو» الذي ربما يعرف محاورة القوانين أكثر مِمَّا
يعرفها أي شخصٍ آخر، يعتقد أنَّه ليس ثمَّة شكٌّ على الإطلاق فيما يتحدَّث عنه أفلاطون،
يقول:
«المماثلة واضحة، أعني أنَّ الدولة التي تهمل تدريب نسائها مثلها مثل الرجل الذي
يُدرِّب يده اليمنى فحسب، إنَّ أفلاطون يشعر، بوضوح، أنَّ مناقشة موضوعات أقل خلافًا،
هي أفضل طريقٍ لإعداد القارئ لقبول اقتراحٍ أكثر صعوبة.»
٣٣
والواقع أنَّ القارئ الذي يقبل افتراض أفلاطون أنَّ استخدام اليد اليمنى مسألةٌ ناتجة
عن التنشئة الاجتماعية، «وأنَّ الطبيعة قد جعلَت الأعضاء في كلٍّ من الجانبَين متوازنة
توازنًا كبيرًا» سوف يصعب عليه أن يُنكر أنَّ قدْرًا كبيرًا من الاختلاف بين إنجازات
الجنسَين قد ترجع إلى أنَّ الذكور قد درَسوا وتعلَّموا، بينما الإناث سجينات وقد تُرِكْنَ
بلا تعليم. ونتيجة قبول مشروعية الحُجَّة حول اليدَين لا بد أن تكون — على أقل تقدير
—
التسليم بأنَّ التربية المختلفة اختلافًا هائلًا بين الجنسَين تجعل من المستحيل معرفة
قدرات المرأة الفطرية.
وهناك، بالنسبة لنا، عدة مبرراتٍ مقنعة تجعلنا نقول إنَّ «مورو Morrow كان على
حق، وأنَّ ما يبدو على أنَّه مناقشة حول استخدام أعضاء الجسم هو في الواقع مناقشة حول
استخدام النساء والرجال:
-
أولًا: كما لاحظ «مورو» أنَّه ليست المسألة فقط
أنَّ أفلاطون لم يذكر من قبلُ موضوع استخدام اليدين على قدم المساواة، بل إنَّه لم
يذكرها مرةً أخرى طوال تنظيمه للتدريبات البدنية والتمرينات العسكرية. رغم أنَّه من
المرجَّح جدًّا أنَّه كان في صفها، فإنَّها بالتأكيد لم يكن لها بالنسبة له نفس الأهمية
التي لتدريب النساء، وهو الموضوع الذي شدَّد عليه مراتٍ كثيرة.
-
ثانيًا: من الأهمية لليدَين اللتَين تدرَّبتا للأغراض
العسكرية أن تُؤكِّد تدريبهما لذلك الغرض، في حين أنَّ سياقاتٍ أخرى نجد أنَّها قليلة
الأهمية أنَّ اليد اليسرى تلعب دورًا أضعف.٣٤ وكما يقول أفلاطون في فِقرةٍ مجازية: «إنَّ الرجل الذي لديه مجموعتان من
الأعضاء في الدفاع والهجوم ينبغي ألا يترك أحدَهما بغير مرانٍ أو تدريبٍ بقَدْر المستطاع.»
وهذه العبارة تتكرَّر بعد قليلٍ لكن هذه المرة عن الدولة التي تهمل أحد الجنسَين.٣٥ وفي أنشطة أخرى مُعيَّنة، قليلة الأهمية، ينظر أفلاطون إلى تقسيم العمل
بين اليدَين، وبين الجنسَين، على أنَّه قليل الأهمية.٣٦
-
ثالثًا: يفهم اليونانيون رمزية المجاز الأفلاطوني
حتَّى إنَّه يكون أكثر وضوحًا بالنسبة لهم عنه بالنسبة لنا؛ ذلك لأنَّهم اعتادوا في
قائمة الأضداد الفيثاغورية أن تتحد الأنثى مع اليسار شأنها شأن جميع خصائص «النحس»،
والأشياء الشريرة الأخرى؛ كالسَيِّئ، والظلام … إلخ — بينما يتحد الذكر مع اليمين كما
يتحد مع الخير والنور، وجميع الصفات الأخرى التي نعجَب لها.٣٧
-
رابعًا: هناك نقاط مُتعدِّدة في مناقشة استخدام
اليدَين؛ حيث يوحي الموضوع المطروح للنقاش بأنَّه حديثٌ عن الأشخاص أكثر منه حديثًا عن
الأعضاء أو الأطراف البشرية. يقول الأثيني في محاورة القوانين: «هناك فارقٌ واسع بين
ذلك
المُقاتل الذي تعلَّم دروسه، والمُحارب الذي لم يتعلَّمها، بين ذلك الذي دُرِّب تدريبًا
جيِّدًا، وذلك الذي لم يتم تدريبه.»٣٨ ومرةً أخرى، في نهاية الفِقرة يرتبط الموضوع الحقيقي بالتشبيه أو المماثلة،
عندما يُقال لنا: إنَّ هدف تربية الأطفال هو «أنَّ جميع البنين والبنات يُمكن لهم النمو
وهم قادرون على استخدام اليدَين والقدمَين معًا؛ بحيث يستحيل أن تفسد مواهبهم الطبيعية
عن
طريق العادات المكتسَبة.»٣٩
-
أخيرًا: لقد كان لدى أفلاطون مُبرِّرٌ قوي لأن يكون
حَذِرًا في محاورة «القوانين» بصدد التعبير، بطريقةٍ علنية، عن معتقداته التي أصبحَت
الآن
أكثر راديكالية حول القدرات الكامنة للنساء. وبغَض النظر تمامًا عن أنَّ الموضوعات التي
تُناقش، لم تعد النساء فحسب، بل الزوجات أيضًا، فإنَّ المدينة الفاضلة الثانية التي
تقوم على أنَّها «نموذج … في السماء»، بل على أنَّها مشروع أكثر تواضعًا، ومن المحتمل
جدًّا أن يكون من الممكن أن تتحقَّق،٤٠ ولكن على الرغم من أنَّه كان على وعي بأنَّ مقترحاته سوف ينفر منها كثيرون،٤١ فإنَّ أفلاطون يجعل الأثيني الغريب في «محاورة القوانين» يقول إنَّ في
نيته «ألَّا يحذفَ شيئًا من الحقيقة أو الجمال الكامل»، وأنَّه من الآن فصاعدًا سوف
يُقرِّر إلى أي حدٍّ تكون مقترحاتهم مفيدة، وكم من التشريعات المقترحة مقبول، وأيُّها
سوف
يُثير اعتراضات.»٤٢ وما دام أنَّه بسبب نظام الأسرة، كما سبق أن رأينا، فإنَّ نسبةً كبيرة من
النتائج المعقولة عن النساء ودورهن قد تحوَّل وأصبح غيرَ قابلٍ للتطبيق، فإنَّه لا يدهشنا
أن يختار أفلاطون إخفاء معظم عباراته الراديكالية عن النساء تحت ستار «الحقيقة والجمال
الكامل». والواقع أنَّه سوف يوجِّه اهتمامًا كبيرًا في محاورة «القوانين» للأخطار التي
تحتوي عليها كلُّ أشكال الإبداع،٤٣ والابتكارُ في مجال الأدوار والأنواع الجنسية هو أحد الأنواع التي يُمكن
للمرء أن يقترحها؛ إنَّك حين تقول أمورًا شائنة أو فاضحة عن النساء في «الجمهورية» —
وحتَّى هنا كانت حساسية أفلاطون للسخرية عظيمة — فهذا شيء، وشيءٌ آخر أن تقول حتَّى
أمورًا أكثر ثورية عن النساء وقدراتهن الفطرية في محاورة «القوانين» كانت أكثر محافظة
تمامًا، وتقليدية أكثر، ووثائق متدنية، فيما عدا تقديمهن في صورةٍ مجازيةٍ لا بُدَّ
أنَّها بدت للمستمعين أكثر قبولًا وأقلَّ إهانة.
في الوقت الذي كتب فيه أفلاطون محاورة «القوانين» كان قد وصل إلى الاعتراف بأنَّه
ليس
من الإنصاف أن تمثِّل النساء في مجتمعه الطبيعة البشرية للأنثى. والواقع أنَّه لم يكن
يُعرف الشيء الكثير عن طبيعة النساء في ذلك الوقت. في حين أنَّ المرء يُمكن أن يستخلص
بعض الانطباعات عمَّا تستطيع النساء إنجازه من أمثلة النساء المُحاربات في المجتمعات
الأخرى؛ حيث كُنَّ يُشاركن الرجال في ساحة القتال. ومع ذلك فإنَّ العبارات التي قيلت
عن
النساء في القوانين، وكذلك المبدأ العام، هي أكثر راديكالية بكثير جدًّا من التفصيلات
الفعلية في المجتمع التي استُمدَّت منه. والواقع أنَّ النساء قُمْنَ بدورٍ ليس مُساويًا
على
الإطلاق لدور الرجال. وفضلًا عن ذلك فإنَّ أفلاطون يُصرِّح — في غضون المحاورة — عدة
تصريحاتٍ عن «طبيعة النساء» تتناقض تناقضًا صارخًا مع حُجَّته، تقول: إنَّ طبيعة الشيء
بصفةٍ
عامة — سواء أكان هذا الشيء النساء أو اليد اليسرى — لا يُمكن معرفتُها ما دام هذا
الشيء يتلقَّى تدريبًا مُتميِّزًا ومُعالجةً متميزة بصفة عامة. وهكذا فإنَّه لكي
يُفسِّر، مثلًا، ضرورة خضوع النساء لنظام العشاء العام، نراه يُؤكِّد أنَّ النساء
ﺑ «طبيعتهن» ضِعْفُ الرجال — على الأقل — في اتجاههن نحو الشر.
٤٤ وليس ثمَّة ما يُبرِّر إدانة النساء على الإطلاق باستعدادهن المضاعف للشر؛
لأنَّ نظرية أفلاطون نفسه عن الشر الأخلاقي تذهب إلى أنَّه يرجع إلى التدريب السيِّئ
والبيئة الفاسدة، كما يرجع إلى قصور مزاجية سواء بسواء. وأفلاطون نفسه هو الذي قال
ينبغي علينا أن نُوجِّه اللوم إلى المربِّين أكثر مِمَّا نُوجِّهه إلى المتعلمين.
٤٥ لكنَّه لا يُشير إشارةً واحدةً إلى أنَّ تعليم النساء وطُرق الحياة اليومية
المحيطة بهن تجعلهن أقلَّ بكثير امتلاء للفضيلة المدنية والروح العامة من المؤثِّرات
المماثلة للرجال.
لكن الفِقرة ذات الدلالة أكثر من غيرها، التي ترتبط بجنس الأنثى فإنَّها ترِد عند
مناقشة نوع أو لون الموسيقى التي تُناسب الجنسَين، وعلينا أن نضع في أذهاننا أنَّ
«الموسيقى» تدُل على الجمال كله كضدٍّ للبدن، جانب من تربية اليونان، ينظر إليه أفلاطون
على أنَّه العامل الأكثر أهمية في تكوين الشخصية.
٤٦ وموقع الحوار في الفِقرة التي نحن بصدد فحصها له دلالته الخاصة؛ فهو من
ناحية يقع بين التحذير من أخطار الابتكار والإبداع — لا سيما في ألعاب الأطفال، والرقص،
والأغاني، والمضاعفات العنيفة التي يمكن أن تُحدثها هذه التغيُّرات التافهة — ومن ناحيةٍ
أخرى أوضح عبارة في المحاورة ذكَرها أفلاطون عن اقتراحاته الراديكالية عن المساواة في
التربية واستخدام النساء؛ فما يقترحه الأثيني الغريب في «القوانين» هو أنَّ كلمات
الموسيقى المُخصَّصة للبنين والبنات لا بُدَّ أن تُحدِّدها «الفروق الطبيعية بين
الجنسَين»، مِمَّا يجعل واضحًا في الحال أنَّ «مَنْ لا بُدَّ أن يعلن بوضوح أين يكمن
نوع
الأنثى وخاصيتها» هو المُشرِّع وليس الطبيعة. وفضلًا عن ذلك فإنَّ تشريعه لهذا الموضوع
يسير على النحو التالي: «في استطاعتنا أن نُؤكِّد أنَّ ما هو نبيل وما له ميول رجولة
هو
الذكَر، وما يميل بالأحرى، إلى الذوق واللياقة، والرزانة والرصانة، سوف نُعلن عن طريق
القانون والعُرف أنَّه أنثى.» ويبدو بالقطع أنَّ مثل هذه الكلمات يصعُب أن تتسق مع
النتيجة التي انتهى إليها الكتاب الخامس في الجمهورية من أنَّ الحُرَّاس من النساء
والرجال لهم «طبيعةٌ واحدة»، لكن علينا أن ننتبه إلى واقعةٍ أساسية هي أنَّ الفِقرة التي
اقتبسناها فيما سبق ليست وصفًا للفروق الطبيعية بين الجنسَين، وإنَّما هي وصف، بالأحرى،
لما ينبغي أن ننظر إليه على أنَّه فروقٌ طبيعية بين الجنسَين، وذلك لأغراض مجتمعٍ جزئي
مُعيَّن. إنَّه قاعدة
حول كيف ينبغي على الجنسَين أن يُفكِّرا في
نفسَيهما، وكيف يُفكِّر كلٌّ منهما في الآخر.٤٧
غير أنَّنا ينبغي أن نُلاحظ كذلك أنَّ الاستخدام الوصفي عند أفلاطون لكلمتَي «طبيعة»
و«طبيعي»
لم يقف عند حدود هذه الفِقرة؛ فمن الواضح أنَّ هناك نتائجَ متناقضةً عن طبيعة
النساء في مجتمعه الفاضل. وتصبح أوضح عندما نُقدِّر أنَّه اتجه نحو استخدام كلمات
«طبيعي» و«طبقًا للطبيعة» كتصديقٍ على قراراتٍ سبق أن اتخذها بطرقٍ أخرى أكثر منه كمقياسٍ
تصدُر القرارات، في المقام الأول، عن طريقه. ويُمكن البرهنة على هذه الفِقرة بوضوحٍ عن
طريق تحليل استخدامه للحيوانات الأخرى — التي تحرَّرت من وصمة العادات والأعراف
البشرية — كمثالٍ يُمكن أن يُوضع أمام الإنسان.
إنَّ استخدام الحيوانات كنماذج لما هو «طبيعي»؛ ومن ثمَّ لما هو خيِّر في مقابل نماذج
لسلوك الإنسان التي كثيرًا ما تكون فاسدة — كان بالقطع شائعًا عند المفكرين اليونانيين
الكلاسيكيين. لم يكن لدى هوميروس — كما يُؤكِّد واحدٌ من أحدَث ناشري أعماله — «أي عقدة
تفوُّق أو سُمُو في العلاقة مع الحيوانات، بل هو يُعجَب بخصائص الحيوانات حتَّى الدبور
والذبابة.»
٤٨ وكانت الطيور أحد الموضوعات الرئيسية عند أرستوفان، وكيف أنَّ حياة
الطيور مُنظمة وسعيدة، إذا ما قُورنَت بحياة البشر بكل ما فيها من عُقد ومؤسَّسات وعادات
فاسدة. ولقد استخدم أفلاطون أيضًا هذا النموذج الشائع، لكن كما يقول «رانكن
Rankin»: «إنَّ أفلاطون لم يستخدم — في اتساق — الأساس الطبيعي للمقارنة بين الإنسان
والحيوانات الأخرى في تفكيره الاجتماعي؛ فالمماثلة الحيوانية هي أقرب إلى السند المساعد
لنظريات قد تمَّ تكوينها بالفعل.»
٤٩ وهكذا يُقال لنا في «الجمهورية» إنَّ الحراس قد تمَّ اختيارهم بناءً على
المعايير المُطبَّقة على الكلاب. وإنَّ أولئك الذين لهم طبيعةٌ فلسفية تجمع بين الرقَّة
والشراسة بنسبٍ صحيحة، تجعلهم أفضل الحُكَّام لأنَّهم أفضل كلابٍ للحراسة. وبعد ذلك عندما
يُقدِّم سقراط اقتراحه للتدريب والمران واستخدام الحُراس من الإناث، يُشير إلى غياب
أدوار الجنس المُميِّز بين الكلاب الواحدة نفسها ليقنع مستمعيه بأنَّ هذه التفرقة ليست
«طبيعية» في مجال الإنسان كذلك. وهو يرى — مرةً أخرى — أنَّنا إذا ما أردنا أن نصل إلى
إنتاج أفضل الحُراس، فإنَّ علينا أن نتبع الطريقة التي يتوالد بها الحيوان ويتناسل، لكن
من الواضح أنَّ هذه المعايير لو طُبِّقت باتساقٍ في مدينتَي أفلاطون الفاضلتَين — في
«الجمهورية» و«القوانين» — لفشلَت فشلًا ذريعًا؛ لأنَّ هاتَين المدينتَين نتاجٌ إنساني
مُعقَّد بطريقة لا تُصدَّق، وتتألفان من أعرافٍ هي أفضل ما يُميز المجتمع البشري موضوعة
بمقاييسَ عقلية لا ترحم. وكل مؤسَّسة تلجأ إلى سلوك الحيوان لدعم نفسها، هناك اقتراحاتٌ
لا
حصر لها لا يُمكن أن نتصوَّر ما يوازيها في عالم الحيوان؛ ومن ثمَّ كانت نماذجُ الحيوان
منتقاةً بطريقةٍ جيدة.
ومنطقة التحريمات الجنسية أو التابو
Taboos هي منطقةٌ أخرى من المناطق التي يُعدُّ
الالتجاء فيها إلى السلوك الطبيعي للحيوان أمرًا مذهلًا لا سيما في محاورة «القوانين»؛
فممارسة الجنس التي يقوم بها الذكر مع الذكر أو الأنثى مع الأنثى ليست منافية للطبيعة
البشرية فحسب، بل لطبيعة الحيوان أيضًا ما دام هذا النوع من السلوك غير معروف عند الحيوان.
٥٠ وهو يُقدِّم ممارسات الطيور وغيرها كنماذج لأوامر الطبيعة التي ينبغي أن
يُؤسِّس عليها المواطنون معاييرهم الجنسية؛ كالزواج الواحدي المخلص طوالَ حياتهم.
٥١ وما لم يذكُره أفلاطون، كما لا بُدَّ أن يعرف، أنَّه كما عند كثرةٍ كثيرةٍ من
الحيوانات فإنَّ الرفيق يلتقي بالرفيق بطريقةٍ «غير شرعية» حتَّى في الزواج الواحدي،
وكثيرٌ منها يُمارس سفاح القربي أو زنا المحارم عادة؛ فهذه الحيوانات التي تصلح كنماذج
لإبراز نقطة هي التي يلجأ إليها ويتجاهل «النقاط» الأخرى تمامًا.
لقد كان أفلاطون على وعيٍ تام بالاختلافات والفروق بين الشعوب — التي جعلها هيرودوت
شهيرة لأنَّها أذهلَته — حول طقوس الجنازات ومراسم الدفن، وهي من الممارسات التي تنظر
إليها
المجتمعات المختلفة على أنَّها
طبيعية وبالتالي
مقدسة.
٥٢ إنَّ الخط الفاصل بين العادات والتقاليد
Nomos وبين الفيزيقي أو الطبيعي
يُصبح غامضًا كلما ازدادت محرَّمات العادات والتقاليد إلى الحد الذي يجعل المجتمع ينظر
إلى أي سلوك ينتهكُها على أنَّه
منافٍ للطبيعة. ولقد
كان أفلاطون على وعيٍ كامل بنسبية الثقافة؛ ففي نفس المكان الذي ناقش فيه «معارضة
الطبيعة» للجنسية المثلية اعترف لمستمعه الإسبرطي والكريتي: «إنَّه من المحتمل استخدام
حُجة لا هي مقنعة ولا هي مقبولة في دولكم.» فهو يعترف بأنَّه من المستحيل، في العادة،
إقناع شعبٍ ما بأنَّ إحدى ممارساته أو عاداته هي ضد أو نافية للطبيعة. ومن ناحيةٍ أخرى
فإنَّ الأثيني يُشير — في موضوع العشاء المشترك — إلى أنَّه بينما نجد أنَّ معظم الناس
لا بُدَّ أن ينظروا إلى مثل هذا السلوك على أنَّه مستحيل بالنسبة للجنسَين، فإنَّ
الإسبرطيين سوف ينظرون إليه على أنَّه سلوك طبيعي تمامًا بالنسبة للرجال، وهم ينظرون
إلى نفس السلوك على أنَّه غير طبيعي إذا ما طُبِّق على النساء.
٥٣ ومن ناحيةٍ أخرى، فإنَّ أفلاطون يُذكِّرنا في «الجمهورية» أنَّ
فكرةَ ممارسة النساء عارياتٍ للتمرينات الرياضية أمام الجمهور فكرةً بالغة السخف، ولم
يمضِ
وقتٌ طويل حتَّى اعتبر الإغريق منظر الرجال عراة لا أمرًا سخيفًا فحسب، بل مُخجلًا
أيضًا، وأنَّ كثرة من البرابرة ما زالوا يُفكِّرون على هذا النحو. والواقع أنَّه ربما
كانت كثرةٌ من هذه المقترحات — كما يقول — تبدو غريبةً إذا ما خرجَت إلى حيِّز التنفيذ
وذلك لمخالفتها المألوف.
٥٤
وهكذا نجد أنَّ أفلاطون كثيرًا ما يعرض ما يُنظر إليه على أنَّه طبيعي وضروري بوصفه
ليس سوى العادات والتقاليد، لكونه رأى بوضوحٍ أنَّه حتَّى تلك العادات التي يفترض
التسليم بها بوصفها أوامرَ للطبيعة هي في الواقع عاداتٌ مُتغيِّرة تختلف من ثقافة إلى
أخرى؛ ومن ثمَّ فهي مسألة تقاليد أكثر منها مسألةً طبيعة. ولقد كان أفلاطون على وعيٍ
تام
بقوة مثل هذه التحريمات، وفوائد استخدامها عند المُشرِّع، وتحريم الأقارب «أو زنا
المحارم» أول مثل على ذلك؛ إذ يرى أفلاطون في محاورة «القوانين» أنَّ معظم الناس لا
يُفكِّرون أبدًا في ارتكاب زنا المحارم، ما داموا قد سمعوا بكثرة عن إدانته على أنَّه
عملٌ مُخْزٍ وعارٌ لا يُغتفر.
٥٥ واقترح استخدام نفس السلاح الذي يعتنقه الرأي العام، ضد أنواعٍ أخرى من
الشذوذ الجنسي، كالجنسية المثلية أو المعاشرة الجنسية خارج الزواج، التي ينتهي إليها
المُشرِّع هي أمور مناقضة لرخاء الشعب، وفضائله، وهو يستخدم نفس نوع التصديق أو
الموافقة في دعم «نظام التزاوج» بين الحُرَّاس، رغم أنَّه من الواضح أنَّ النظام أُقيم
على أسسٍ نفعية أساسًا، ولأسبابٍ خاصة بتحسين النسب؛ إذ ينبغي أن ينظر إليه المواطنون
على
أنَّه «مُقدَّس» إلى أقصى حد.
٥٦
كان أفلاطون طوالَ محاوراته يستخدم الحُجة العقلية؛ فالمعيار هو العقلاني لا الطبيعي،
لكنَّه كان على استعداد — رغم ذلك — أن يلجأ إلى تصديق الطبيعة لكي يُضيف وزنًا جديدًا
للنتائج التي انتهى إليها عن طريق الحُجة العقلية. والواقع أنَّ الطبيعي هو ما يقوله
الحاكم الفيلسوف؛ فهو الذي يُحدِّد لنا العادات والتقاليد والمؤسسات الأفضل للمدينة.
وتطبيق مثل هذا الاستخدام لكلمة «الطبيعي» على موضوع النساء ليس مُثيرًا فقط داخل سياق
الفلسفة السياسية عند أفلاطون، وإنَّما هو مهم أيضًا بسبب أنَّ فلاسفةً آخرين — غير
أفلاطون — مِمَّن كتبوا في الموضوع، واصلوا استخدام استدلالاتٍ مماثلة.
وأفلاطون يعرفُ من ملاحظاته الشخصية أنَّه ليس ثمَّة خصائصُ مُحدَّدة وثابتة تُسمَّى
بالطبيعة البشرية للأنثى؛ فلا بُدَّ أن يكون قد لاحظ فساد أثينا وإسبرطة فرأى نوعَين
مختلفَين اختلافًا ملحوظًا من الطبيعة البشرية الأنثوية. وهو يعرف بالإضافة إلى ذلك أنَّ
نساء «الأمازون» و«السارماتين» يمثِّلن أنواعًا تتعارض تعارضًا حادًّا مع الأنواع الأخرى
من النساء التي اعتادها مستمعوه. وعندما ينقد «الأثيني» النظامَ المُقترحَ لتدريب المرأة
الإسبرطية، فإنَّ نساء السارماتين يبدون كالرجال بجوارهن.
٥٧
وهكذا فإنَّ الطبيعة النسائية هي في الواقع ما صنعَتْه المجتمعات المختلفة، ولم يكن
أفلاطون على وعيٍ بذلك فحسب، بل إنَّ الطبائع المختلفة أيضًا التي تلحق بالنساء في
بناءَين اجتماعيَّين في عصره لا بُدَّ أن تكون استمرارًا لمعالجته التقليدية لجنس
النساء.
ولمَّا كان إلغاء المِلْكية والأسرة في «الجمهورية» في طبقة الحكام يستلزم إلغاء المجال
التقليدي للنساء، فقد ردَّ الاختلاف الطبيعي بين الجنسَين إلى اختلافٍ في وظائفهما في
عملية الإنجاب. وما دامت طبيعةُ النساء في هذه الطبقة هي نفسها مثل طبيعة الرجال، فإنَّ
الاقتراح الراديكالي الذي تبع ذلك هو أنَّ تعليمهما وأسلوب حياتهما واحد؛ فإذا فرضنا
على النساء نفس مهام الرجال، فإنَّ علينا أيضًا أن نُعلِّمهن نفسَ تعليم الرجال.
لقد وضع أفلاطون شخصيةً مُخنَّثة للحُرَّاس جميعًا نساءً ورجالًا على حدٍّ سواء؛
فهما
معًا لا بُدَّ أن يتصفا بصفة الشجاعة، والرقَّة، والدماثة، وهما معًا بسبب التربية
الواحدة سوف يجلبان الخير العميم للمجتمع كله؛ ومن ثمَّ فإنَّه لأغراض هذا المجتمع لا
بُدَّ من إلغاء أدوار الجنس التقليدية، وهذا الإلغاء هو أقربُ إلى الطبيعة مِمَّا ينسبه
العُرف إليها.
أمَّا في «محاورة القوانين» فإنَّ إعادة إدخال المِلْكية الخاصة يتطلَّب إرجاع الزواج
الواحدي، والمنزل، والبيت الخاص؛ حيث تستعيد فيه المرأة دورها «كزوجة خاصة» وما يستلزمه
ذلك. وعلى الرغم من أنَّ عبارات أفلاطون العامة حول إمكانات النساء كانت هنا أقوى
مِمَّا كانت عليه في «الجمهورية»، فإنَّ أفلاطون لم
يستطع، بسبب البنية الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع الجديد، أن يُتابع
إلى حدٍّ واضح أيًّا كان، دور المرأة الثوري الذي يبدو أنَّه ينتجُ منطقيًّا من مثل هذه
المعتقدات؛ ففي مثل هذا المجتمع الجديد لا بُدَّ أن تختلف طبيعة المرأة عن طبيعة الرجل؛
فهي لا بُدَّ أن تكون نقيةً طاهرةً محترَمة مهذَّبة حتَّى تليق أن تكون «زوجة خصوصية»
تصون
شرعية الوارث الذي سوف يرث هذه المِلكية. أمَّا الرجل فإنَّ عليه أن يستعيد صفات النُبل
والشهامة التي كانت أبعدَ ما تكون عن صفات الحارس من النوع المثالي. وبالإضافة إلى ذلك
فإنَّ النساء اللائي — بسبب دورهن داخل المنزل الخاص — سوف يكن أقلَّ ميلًا للفضيلة
المدنية من الرجال لا بُدَّ — بصفةٍ خاصة — أن يتدرَّبن تدريبًا جيِّدًا بسبب هذه
الدونية الأخلاقية «الطبيعية» لجنس الأنثى. وتُشير حاجاتُ المجتمع إلى أنَّ الشر الطبيعي
المفترض في الأنثى — الذي ربما يرجع إلى أنَّها
وُجِّهَت نحو مجالٍ خاص — يتحوَّل إلى طهارةٍ أنثويةٍ «طبيعية».
لقد أصبح واضحًا الآن، إذن، أنَّ أفلاطون لا يُطبِّق على النساء، باتساقٍ، نفسَ الحُجَج
التي طبَّقها عندما ناقشَ طبيعة الرجال؛ ففي «الجمهورية» على الرغم من الاقتراحات
الثورية الخاصة بالحُرَّاس الإناث، فقد فشل في أن ينفِّذ معتقداته في قوة التنشئة
الاجتماعية والتربية، وبذلك يضع برهانه الوحيد عن إمكانات المرأة أقل قوة مِمَّا ينبغي
لها أن تكون. وفي محاورة «القوانين» من ناحيةٍ أخرى بعد أن وصل إلى نتائج راديكالية عن
قدرات النساء غير المتطوِّرة التي عبَّر عنها في صورةٍ مجازية هي استخدام اليدَين، فشل
في
أن يصلَ مع هذه النتائج إلى نهايتها، ومن الواضح أنَّ السبب هو إعادة الأسرة؛ ومن ثمَّ
إعادة دور الزوجة، فتحوَّلَت النساء وعادت إلى الوراء كملحقٍ زائد، ومِلكيةٍ خاصة للرجال.
والاختلاف المذهل بين دور المرأة في محاورة «الجمهورية» ودورها في محاورة «القوانين»
—
لا يرجع إلى أنَّ أفلاطون غيَّر آراءه ومعتقداته عن طبيعة المرأة وقدراتها، وإنَّما جاء
الاختلاف من أنَّ المِلكية الخاصة والأسرة قد تمَّ إلغاؤهما
في «الجمهورية» ثمَّ أُعيدتا
في «محاورة القوانين»؛ فعندما تصوَّر المرأة مرةً أخرى على أنَّها مِلكية
خاصة فإنَّها
تلحق بممتلكات الرجل. وعندما تُحدِّد الأسرة واحتياجها وظيفة المرأة، فإنَّ التنشئة
الاجتماعية والتنظيم الذي يوصف للمرأة لا بُدَّ أن يطمئن
أنَّ طبيعتها قد تشكَّلَت وبقيَت
متفقةً مع دورها.