الفصل السادس
المرأة الطبيعية ودورها
الحُجَّة الأكثر انتشارًا التي يستخدمها روسو لتبرير التفرقة المستمرة بين الجنسَين،
ودور
الأنثى هي
أنَّ هذا الدور طبيعي؛ فبعيدًا عن أن يكون
شيئًا قد فُرِض عليها أو تطوَّر إليها عن طريق النُّظم الاجتماعية والثقافية والاقتصادية،
فإنَّ
السلبية، والخضوع، والاعتماد على الآخر، والاحتشام،
والخجل، ونقص العقل، والحساسية … إلخ هي كلها خصائص منحتها
لها الطبيعة،١ ولمَّا كان «روسو» هو النموذج النمطي في الفكر الحديث لهذه
الحُجَّة، ولمَّا كان تمجيد الطبيعة هو الموضوع الأثير في كل كتاباته الفلسفية، فمن
الأهمية بمكانٍ أن نفحصَ بعناية ودقة هذه الحُجَّة كما صاغها.
جانبٌ مهم من كتابات «روسو» بصفةٍ عامة مُخصَّص لما يُمكن أن نُسمِّيه
تأليه الطبيعة، في الجنس البشري وفي نمط الحياة، والرفض، أو
على الأقل نقد وتدمير معظم نتائج الحضارة التي اعتبرها معاصروه من مكوِّنات التقدُّم،
والشعار الذي اختاره من كتاب «السياسة» لأرسطو ليفتتح به أصل «التفاوت بين البشر» هو
«ليس في الأشياء الفاسدة، بل في تلك الأشياء المُنظَّمة
تنظيمًا جيِّدًا وفقًا للطبيعة، ينبغي علينا أن نتدبَّر ما هو طبيعي».
ويُمكن اعتباره أحد المبادئ الأساسية، وكذلك القول «بأنَّ الطبيعة لا تفعل شيئًا باطلًا
وأنَّها لا تكذب» هو خيطٌ يسري في كل كتاباته.
٢ وكما أنَّ تربية «إميل» قد خطَّط لها بعناية حتَّى تُمكِّنه من أن يكون
رجلًا طبيعيًّا في عالمٍ فاسد، فكذلك «صوفي» زوجته المقترحة، خطَّط لها حتَّى تكون امرأة
طبيعية؛ فهو ينصحها بأن تحترم وضعها كامرأة، ويقول لها روسو:
«الأمر الجوهري أن تكوني كما أرادت لكِ الطبيعة أن تكوني، إنَّ المرأة تميل دائمًا
أكثر مِمَّا ينبغي أن تكونَ كما يريد لها الرجال أن تكون.»٣ ولمَّا كانت تربية «صوفي» هي الضد المباشر لتربية «إميل»
كان من الجوهري أن نرى ما هي المُبرِّرات المستخدَمة لاكتشاف الرجل الطبيعي وكيف يختلف
عن تلك المُبرِّرات التي استخدمها لاكتشاف المرأة الطبيعية.
يستخدم «روسو» وسيلتَين أساسيتَين ليفصل ما هو طبيعي عند الرجل عن الخصائص التي اكتسبها
من الحضارة والحياة الاجتماعية. الوسيلة الأولى أن يفصل الخصائص الفطرية للفرد عن تلك
الخصائص التي تُنْتِجها البيئة. والغرض الحقيقي ﻟ «إميل» أن يُبيِّن لنا أنَّ الرجل يمكن
تربيتُه لينشأ مستقلًّا عن الحكم المبتسَر الشائع، ويدَّعي روسو أنَّه يُطوِّر في «إميل»
تلك الخصائصَ الفطرية التي يُعوقُ المجتمع والحضارة عادة نموَّها عن طريق ما يحتويه من
نساء
حتَّى إنَّنا لم نعُد ندري ماذا يُشبه الرجل. والتعارض الحاد الذي وضعه بين هاتَين الطريقتَين والتمييز بين الطبيعة والتنشئة بقصد
التفرقة بين الجنسَين سوف نناقشهما فيما بعدُ.
المنهج الآخر لاكتشاف الرجل الطبيعي مُفترضًا «حالة الطبيعة» لم يكن بالطبع عملًا
ينفرد به روسو إطلاقًا؛ فقد استخدم كثيرٌ من الفلاسفة تصوُّر «حالة الطبيعة»، في محاولة
لانتزاع الأغراض التاريخية، ونتائج الحياة السياسية والاجتماعية، حتَّى يكتشفوا أنَّ
الطبيعة الإنسانية والعلاقات الإنسانية مُتشابهة في أساسها العميق؛ ففلاسفة من أمثال
«لوك» استخدموا هذا المفهوم لفحص الإنسان في الحالة التي يكون فيها بغير قانون. وفي بعض
الصور الأخرى مثل روسو كان يستهدف فصلَ نتائج تربية الموجودات البشرية، والتقدُّم
التكنولوجي، وتقسيم العمل، والمِلْكية الخاصة، وحشْد من المؤسسات الاجتماعية والسياسية
الأخرى، عن الطبيعة البشرية التي تُفسَّر على أنَّها سابقة لجميع هذه الإضافات الخارجية
منطقيًّا إن لم يكن زمانيًّا. وهكذا فإنَّ المُنظِّر السياسي، على الأقل عادة، يستفيد
من النتائج التي يصل إليها بهذه الطريقة ليُؤكِّد النظام الاجتماعي والسياسي المبرَّر
والمشروع بالخصائص الإنسانية التي أقرَّتها الطبيعة.
هذا هو نوع الاستكشافات الفلسفية التي قام بها روسو في كتابه
«أصل التفاوت بين الناس». وكما قال في تصديره لهذا الكتاب وهو يُبرِّر
منهجه: إنَّنا لا نستطيع أن نكتشف أصلَ التفاوت بين البشر ما لم نعرف
ما هو الإنسان حقًّا؛ فإنَّ علينا أن ندرس لا تلك الحالة
المشوَّهة، التي لا يمكن أن نعترف بها، التي يقول بها «جلوكس
Glaucus» والتي شوَّهَتْها كثير
من العوامل في تاريخ المجتمع، بل ندرس
«الإنسان كما شكَّلَته
الطبيعة في تكوينه الأصلي» وحاجاته الحقة و«المبادئ الكامنة في
واجباته». وها هنا فقط يُمكن أن ننجح في أن نفصل «في التكوين الحالي للأشياء بين ما
وهبَتْه الإرادة الإلهية لنا، وبين ما يدَّعي الفن البشري أنَّه قدَّمه لنا.»
٤ وليكن واضحًا أنَّه استبعد ادِّعاء الدقة التاريخية، لكنَّه يستهدف توضيح
طبيعة الأشياء عن طريق الاستدلال الافتراضي، وهكذا شرع «روسو» في اكتشاف الحالة
الطبيعية للجنس البشري، ولم يدَّعِ أيُّ فيلسوفٍ سابق مثل هذا الاكتشاف ولا نفَذ حقًّا،
فيما
يرى روسو، في أغوار الماضي البعيد حتَّى وصل إلى الإنسان الطبيعي.
وكما لاحظنا من قبلُ
٥ فإنَّ كتاب «روسو» لم يسلِّم بحالةٍ بسيطةٍ فريدة، للطبيعة، بل بسلسلة من
المراحل المُتميِّزة المتعاقبة ثقافيًّا. وهو يقول للقارئ عن هذه المراحل:
«سوف تبحث عن العصر الذي ترغب أن يتوقَّف عنده نوعك.»٦ ومن المهم أن نُلاحظ أنَّ المرحلة التي كان فيها الجنسُ البشري حيواناتٍ
منعزلة، التي أطلق عليها اسم
«حالة الطبيعة» ليست هي
المرحلة التي كان يرغب أن يتوقَّف فيها نوعه البشري. وأكثر أهمية أنَّه في السياق
الحاضر أنَّه يُشير في الماضي إلى مراحلَ مختلفة مفترضة لكي يُؤكِّد «الحالة الطبيعية»
للخصائص المختلفة ولوضع الأمور. ويصدق ذلك بصفةٍ خاصةٍ عن
المرأة
الطبيعية وعن الوضع الطبيعي للأسرة في آنٍ معًا.
في القسم الأول من كتابه «أصل التفاوت» يرسم روسو صورةً لما سوف يُشير إليه من الآن
فصاعدًا باسم «الحالة الأصلية للطبيعة». وتلك هي المرحلة التي افترض فيها أنَّ
الموجودات البشرية من الجنسَين عاشت فيها معزولة وتعيش حياة البدو الرُّحَّل متجنِّبين
التعاون تمامًا اللهم إلَّا في
اللقاءات المؤقتة العابرة التي
تشبع دوافعهم الجنسية؛ فالذكر والأنثى يتصلان جنسيًّا دونما أي
تفضيل لفرد على آخر؛ إذ لم تكن لديهما القدرة على
المقارنة. ثمَّ يذهب كلٌّ منهما — الرجل والمرأة كلٌّ في طريقه، ولا يعرف الواحد منهما
الآخر لو التقيا مرةً أخرى؛ ولهذا يُقال إنَّ الجنس الطبيعي والغريزي يختلف اختلافًا
جذريًّا عن الحب الجنسي كتجربة في المجتمع المُتحضِّر — عن تلك العاطفة المرعبة
المتهورة
«التي تبدو في جنونها وكأنَّها ستُدمِّر الجنس البشري
وهي تستهدف المحافظة عليه.»٧ «
الجنس في حالة الطبيعة عبارة عن
شهوةٍ حيوانيةٍ بسيطة، أشبه بالجوع والعطش والحاجة إلى الراحة وغريزة مُخصَّصة
للمحافظة على النوع. وعلى استعداد لأن تُشبع إرادة أي عضو في أحد الجنسَين
يتصادف مروره. وما يُخبره الإنسان الحي ليس إلَّا الجانب الفيزيقي من الشعور بالحب،
كمضادٍّ للجانب الأخلاقي، الذي يلحق بالموضوع المُفضَّل
وهو عاطفة
مصطنعة أنتجها استخدام المجتمع.»٨
ما دام لم يتصل أحدٌ في هذه
الحالة الطبيعية الأولى
أو لم يُبدِ أي
قَدْر من التعارف، بأي شخصٍ آخر، فإنَّ
الإناث من الناحية العملية، هنَّ آباء نسلهن. رغم أنَّهن لم يمنحن أيَّة غريزة أبوية،
وقد تُرْضِع الأنثى الطفل لأول مرة من أجل راحتها هي، ثمَّ بعد ذلك كعادة
أصبحَت محبَّبة عندها. وما إن يُصبح قادرًا على أن يقتاتَ
بمفرده حتَّى تتركَه أمه. ولا يتعرَّف أحدهما على الآخر أبدًا. ويذهب «روسو» إلى أنَّ
الأنثى البشرية مُزوَّدة ومُجهَّزة لتغذية طفلها، وتغذية وحماية نفسها أيضًا، ما دامت
قادرة على حمله بسهولة، دون أن يجعلها تُبطئ وهي تغذُّ السير. والحق أنَّه سار إلى أعماقٍ
بعيدة ليُعارض بقوةٍ الاعتراضَ الخطير الذي قال به لوك ضد الفكرة التي تقول إنَّ الإنسان
الطبيعي عاش في عزلة. والنزاع هو أنَّ اتصال والدَيْن في الزواج ضروري لبقاء الجنس
البشري، وأنَّه من ثمَّ لا تُوجد حالة للطبيعة يُمكن أن تكون افتراضًا معقولًا،
لا يفترض فيها وجود الأسرة النووية.
٩
ودون الدخول في تفصيلات سواء حُجة «لوك» أو حُجة روسو المعارضة من المهم أن نُشير
إلى
عدة توكيداتٍ عند الأخير تتعارض تعارضًا جذريًّا مع مزاعم روسو اللاحقة عن الوضع الطبيعي
للأسرة:
-
أولًا: لقد زعم أنَّه في حالة الطبيعة السابقة على
التعايش على طريقة الأزواج، فإنَّ الحوامل كُنَّ قلَّة والأطفال كانوا معًا، وسرعان ما
يستطيعون حماية أنفسهم؛ ولذلك فإنَّ الأمهات، من غير المحتمل أن يكون لهن أكثر
من طفلٍ واحد يعتمد عليهن في وقتٍ واحد، قادرات
تمامًا على حماية الطفل دون عونٍ من أحد.
-
ثانيًا: في الحالة الأولى للطبيعة ما دام الذكر
والأنثى ينفصلان عقب الجماع. ولا أحد يعلم أطفال من هؤلاء، فليس هناك سببٌ منطقي عنده
يجعله يُساعد الأنثى في تربية طفلها. وهذا الزعم يأخذ به روسو — وهو كما قال — يدل على
فشل «لوك» وليس أقل من فشل «هوبز» في الذهاب إلى ما وراء قرون المجتمع إلى الحالة الحقيقية للطبيعة التي لم يوجد فيها أي مُبرِّر لأي
إنسان للتعايش أو التعاون مع أي شخصٍ آخر.
-
ثالثًا: انتقد روسو حالة الطبيعة عند لوك بطريقةٍ
مشوَّهةٍ منهجيًّا؛ فقد هاجم «لوك» على أساس أنَّه استخدم «براهين أخلاقية» في حُجته
على
الوجود الطبيعي للأسرة، فأشار إلى الذكر على أنَّه «ملزم برعاية
نسله»؛ ومن ثمَّ فهو «ملزم» بالإبقاء على الأنثى إلى أن يستطيع الأطفال أن يقُوتوا أنفسهم بأنفسهم.١٠ وأمثال هذه الحُجَج الأخلاقية يعترض عليها «روسو»: «إذ لم يكن لها قوةٌ كبيرة
في أمورٍ فيزيقية. وهي تصلح فقط أن تقدِّم مبررًا لوجود وقائعَ قائمةٍ أكثر من البرهنة
على
الوجود الحقيقي لتلك الوقائع.»١١ ومن الواضح من عبارته الثانية أنَّه يُفرِّق بين ما يُمكن أن يريد
الفيلسوف تبريره على أنَّه خير، وما يُمكن أن يبرهنَ على أنَّه ضروري في النظام الطبيعي
للأشياء؛ لأنَّه يقول: «على الرغم من أنَّه ربما كانت ميزةً نافعة
للجنس البشري أن يدوم اتحاد الرجل والمرأة، فإنَّه لا ينتُج من ذلك أن تكون الطبيعة
هي التي أقرَّت هذا الوضع، وإلَّا لكان من الضروري أن نقول إنَّ الطبيعة أيضًا هي
التي أنشأت المجتمع المدني، والفنون والتجارة، وكل ما نقول إنَّه نافع ومفيد
للناس.»١٢ ومن الواضح أن ذلك يهدم تمامًا الغرض من تصوُّر حالة الطبيعة؛ لأنَّ المرء
يستطيع أن يُدخل فيها أي مؤسسةٍ بشرية يجدها مرغوبة.
لا يوجد حبٌّ جنسي
إذن في حالة الطبيعة عند روسو بمعزل عن
الغريزة التي تتطلب إشباعًا متبادلًا، ولا يوجد زواج ولا أسرة، ولا أي
علامةٍ أخرى على اعتماد أحد الجنسَين على الآخر أو اللامساواة بينهما. وعندما يقول في
كتابه «إميل»
«الواقع أنَّه يوجد في حالة الطبيعة مساواةٌ حقيقية
غير قابلة للاختلاف أو التخريب، ما دام يستحيل في تلك الحالة أن يكون الاختلاف المحض
بين رجل ورجل كافيًا لأن يجعل أحدهما يعتمد على الآخر.»١٣ فليس لديه مُبرِّر مشروع لأن
يستبعد الأنثى وهي نصف الجنس البشري. والواقع
أنَّنا إذا ما عرفنا أنَّ تلك المرأة الطبيعية المنعزلة يُفترض فيها أنَّها قادرةٌ على
إطعام نفسها ونسلها، في حين أنَّ الرجل يُطعِم نفسه فقط ليحافظ على نفسه، فإنَّ من الصعب
أن يُقال إنَّها كانت شيئًا آخر غير أنَّها مُساوية للرجل.
١٤
لم يكن موقف «روسو» من الحالة الأصلية للطبيعة الرفض الواضح، وعلى حين أنَّ أهلها
كانوا متخلِّفين بدائيين، فقد كانوا بغير شك أحرارًا مستقلِّين، والاستقلال عنده كان
أكثر
القيم أهمية. وهو يتساءل «أي نوع من البؤس كان يُمكن أن يكون هناك … أو أن يحيق
بالموجود الحر الذي قلبه في سلام، والذي جسده صحي؟»
١٥ في حين أنَّ حالة الطبيعة الأصلية لم تكن هي العصر الذي اختاره؛ لذا يتساءل
أنَّنا على الأقل نُعلِّق الحكم عليه إلى أن نرى ما الذي يعقبه. وفضلًا عن ذلك لقد كانت
المنطقة الوحيدة المُتحرِّرة من شرور الأنانية تمامًا كمتميز لها عن الدرجة الصحية للحب
الذاتي. وما إن يكون هناك أي اتصالٍ مُنظَّم بين الأفراد، حتَّى تبدأ الأنانية تُلوِّث
أخلاق الجنس البشري. إنَّ «روسو» ينظر إلى الماضي لحالة الطبيعة الأصلية، لكي يُبرهن
على أنَّ الإنسان بطبيعته خيِّر.
١٦ وهو خيِّر لأنه لا يحتاج لأي شخصٍ آخر، ولا يُقارن نفسه بأي شخصٍ آخر، وليس
لديه مُبرِّر للخوف من أنَّ أي شخصٍ سوف يسعى لإيذائه.
الأحداث الحاسمة التي تفصل حالة الطبيعة للجنس البشري عن بداية المجتمع المدني في
كتابه «أصل التفاوت»،
أقامتها المِلْكية الخاصة للأرض، وتقسيم
العمل بين الزراعة والتعدين، ومن هذه الزاوية يُؤكِّد «روسو» أنَّ بعض
الناس بدَءوا في إفساد غيرهم واستعباده، ما دام كلٌّ منهم لم يعُد مكتفيًا بنفسه؛ فبدأَت
تظهر كل شرور التفاوت الاجتماعي وتنمو، ومرحلة «روسو» المُفضَّلة في التاريخ الافتراضي
الذي افترضه للإنسان هي الفترة الطويلة الواقعة بين الحالة الأصلية للطبيعة
وعهد اللامساواة الذي رأى أنَّه ينتجه تقسيم العمل — أعني
أنَّ ذلك هو
«العصر الذهبي» للأسرة النووية البطرياركية، وذلك واضح جدًّا من أمرَين:
امتداحه لها في «أصل التفاوت»، ومن المحاولات
المُتعدِّدة التي
بذلها لإعادة خلق الموقف في كتابه
«إميل» وفي رواية «هلويز الجديدة»، وفي وصفه المثالي لأهل الجيل في سويسرا، أنَّ
الإنسان المكتفي بنفسه الواثق من ذاته، الريفي، والأسرة الأبوية هو عند «روسو» على
الأقل واحد من نموذجَين محتملَين لحياة الإنسان، والنموذج الوحيد المُمكن في عصرٍ فاسد،
وهو يُسمِّيه «الأول الحقيقي للعالم».
١٧
وكما يُذكِّرنا «لفجوي» عند روسو باختصار تكمن
خيرية الإنسان
في انتقاله من
«حال الطبيعة»، «لكن ليس أكثر
مِمَّا ينبغي …»١٨ لكن نطاق الانتقال من الكفاية الذاتية، والاستقلال مطلوبين
لإدخال روسو في الأسرة النووية، كانا عظيمَين على نحوٍ ملحوظ
بالنسبة للمرأة أكثر من الرجل؛ إذ فجأة في فِقرةٍ واحدة وبدون تفسير، افترض وجود «ثورة
أولى» فيها معًا مع الأدوات الأولية والأكواخ الأولى، التي تؤلِّف معًا «نوعًا من المِلكية»
يظهر أول معاشرة في صورة الأسرة النووية الواحدية … وفجأة أيضًا، وبلا
مُبرِّر، أدخل تقسيمًا كاملًا للعمل للجنسَين. وعلى حين أنَّ طريقة الحياة
السابقة بين الجنسَين كانت متحدة في هويةٍ واحدة، فقد أصبح
النساء الآن أكثر استقرارًا ونما عندهن اعتياد
رعاية الكوخ
والأطفال، في حين يذهب الرجل للبحث عن القوت المشترك
١٩، وتقسيم العمل، بالطبع، يعني أنَّ الأنثى هي نصف الجنس لم تعُد بعدُ مكتفيةً
بذاتها، وما دام
هذا الاكتفاء الذاتي كان ضمان الحرية
والمساواة التي تتسم بها حالة الطبيعة الأصلية، فربما توقَّع المرء أن
يجد، رغم أنَّ المرء لن يجد،
بعض الشروح تُفسِّر التفاوت وانعدام
المساواة التي كانت بذلك استقرَّت. وهذه الأسرة الأولى، من ناحية، تُوصف
بأنَّها وحدة فقط لروابط
«الحب المتبادل والحرية».
٢٠ لكن من ناحيةٍ أخرى، فقد تخصَّص الرجل
«للعمل
فقط». ويرى «روسو» أنَّ ذلك نتاجٌ للمِلكية،
٢١ ومن الواضح
تمامًا «أنَّ متاع الأسرة ينتمي إلى
الأب وحده». متاع الأب الذي هو السيد الحقيقي، هو الروابط التي تجعل
الأطفال يعتمدون عليه. وفي استطاعته أن يُعطيهم حصةً من الميراث بشرط أن يكونوا
جديرين بها بإذعانهم المتواصل لرغباته.
٢٢ وليس ثمَّة مُبرِّر للزعم — ما دام المتاع
ممتلكاته وحصيلة عمله، أمَّا العمل المُخصَّص لزوجته فلا يُنظر إليه
على أنَّه عمل إنتاجي — بأنَّ الوضع
الضروري للمرأة أقل إذعانًا
لزوجها من أطفالها. وكما رأينا فإنَّ الطابع الأبوي الضروري للعصر
الذهبي للأسرة واعتماد النساء الاقتصادي على الرجال تُؤكِّده الكثير من مُؤلَّفات روسو
التالية.
والأمر المُهم الجدير بالملاحظة في هذه النقطة هي أنَّ زعم البطرياركية لا يُشير
إليه
«روسو» على أنَّه يُشكِّل اللامساواة بين موجودَين بشريَّين ناضجَين. ومن الواضح
أنَّ اللامساواة البشرية التي يتحدَّث الكتاب (أصل التفاوت)
عن أصولها هي
فقط اللامساواة بين ذكر وذكر آخر. وهناك إشارةٌ سريعة إلى ذلك — في فِقرة
مُبكَّرة من الكتاب، عندما يُشار إلى النساء بلا وخزٍ للضمير، على أنَّهن «الجنس الذي
ينبغي أن يطيع».
٢٣ ومن الواضح أنَّه حتَّى الثورة الثانية العظيمة بدأَت تظهر مِلكية الأرض
وتقسيم العمل بين الرجال، وينظر «روسو» إلى الجنس البشري، بغَضِّ النظر عن الطبيعة
البطرياركية للأسرة، على أنَّه عاش في حالة من المساواة التامة، وبالتحديد عندما «احتاج
رجلٌ واحد أي ذكر لمساعدة رجلٍ آخر» و«لاحظا أنَّه من المفيد للشخص المفرد (الذكر) أن
تكون له الوسائل التي يملكها الاثنان — أنَّ المساواة قد اختفت.»
٢٤
في جميع أعمال «روسو» التالية يُعالج
الأسرة
النووية على أنَّها مؤسسةٌ طبيعةٌ واحدية الزواج كالمصير الذي وهبه الله
للجنس البشري «أقدم المجتمعات كلها والمجتمع
الوحيد الذي يُعدُّ
طبيعيًّا هي الأسرة» — كما يقول في بداية «العقد الاجتماعي».
٢٥ وهو يصف الرجل في الحالة البدائية في كتاب «إميل» يُؤكِّد
«أنَّ الرجل حدَّدت الطبيعة مصيره، أن يكون قانعًا بأنثى
واحدة!» وأنَّ «المعاشرة تُؤدِّي إلى نوعٍ من
الرابطة الأخلاقية، نوع من الزواج»، «تنتمي فيه الأنثى بالاختيار إلى الذكر الذي
وهبَتْه نفسها مع رفضها للآخرين جميعًا بصفةٍ عامة.» وروسو في رفضه التام
لآراء «لوك» يستخدم هنا حُجة أنَّ الأطفال عاجزون لمدةٍ طويلةٍ حتَّى يستطيعوا أو تستطيع
أمهم ﺑ «عناء» أن تعمل بدون محبة الأب، والرعاية التي تنتُج عن هذه المحبة.
٢٦
وفضلًا عن ذلك فليست بالضبط
الأسرة الواحدية الزوج،
بل
الأسرة الأبوية هي التي سوف يفترض روسو من الآن
فصاعدًا وجودها
طبقًا لنواميس الطبيعة؛ إذ ينصح
«إميل» بأنَّ
«الحياة الريفية البطرياركية» هي
«أصل حياة الإنسان وهي الأكثر سلامًا، وهي الطبيعة أكثر،
والسعيدة أكثر لأولئك الذين لم تفسد قلوبهم بعدُ.»٢٧ ويقال ﻟ «صوفي» بالمقابل:
«عندما يُصبح إميل زوجك،
فإنَّه يصبح سيدك، تلك هي إرادة الطبيعة، إنَّه ينبغي عليك طاعته.»٢٨ وفي بحث عن «الاقتصاد السياسي»، وفي فِقرةٍ مقابلة من مخطوطة جينيف من بحثه
عن «العقد الاجتماعي» يُقدِّم روسو ثلاثة أسباب
لضرورة سيطرة
الذكَر على أسرته:
-
أولًا: لا بُدَّ أن تكون هناك سلطةٌ نهائيةٌ واحدة
تحسم الموضوعات التي تختلف فيها الآراء.
-
ثانيًا: ما دامت النساء يكُنَّ أحيانًا عاجزاتٍ
وضعيفاتٍ بسبب وظائف الإنجاب فإنَّ هذه السلطة
النهائية لا بُدَّ أن تكون في يد الرجل.
-
ثالثًا: المسألة التي يُردُّ إليها الأمر بوضوحٍ هو
أنَّه لا بُدَّ أن يكون للرجل سلطة على زوجته؛ لأنَّ
من الجوهري بالنسبة له أن يعرف أنَّ الأطفال الذين تُنْجِبهم هم
أطفاله، ويتأكَّد من ذلك؛٢٩ ومن ثمَّ فإنَّ مطلب التأكُّد من الأبوة
يُرى على أنَّه المُبرِّر الذي لا مفرَّ منه لخضوع النساء الطبيعي ومن هنا من يذهب روسو:
«الواجبات النسبية للجنسَين ليست متساوية، ولا يمكن أن تكون متساوية تمامًا، وعندما
تشكو المرأة من ظلم اللامساواة التي فرضَها عليها الرجل تكون مخطئة؛ فهذه اللامساواة
ليست قانونًا بشريًّا، أو على الأقل ليست عملًا مُبتسَرًا بل
هي حكم العقل؛ أن يكون أحد الجنسَين الذي عهدَت إليه الطبيعة بالمحافظة
على الأطفال
فلا بُدَّ أن يكون مسئولًا عنهم لدى الجنس الآخر.»٣٠
ومرة أخرى يقول «روسو» في خطاب إلى «دالمبير» كما لو كانت كل الواجبات القاسية
الصارمة للمرأة لم تكن مُستمدَّة من حقيقةٍ واحدة هي أنَّ الطفل لا بُدَّ له من أب.
٣١ «فكيف يُمكن لنفس الشريعة الأخلاقية أن تنطبق على الجنسَين،
عندما تكون العفَّة لهذا السبب أكثر جوهرية عند المرأة منها عند
الرجل؟ فمن المُسلَّم به أنَّ الزوج غير المُخْلِص قاسٍ وظالم لزوجته،
لكن المرأة الزانية التي تُعرِّض نفسها لإمكان الحمل وإنجاب طفل لا يكون لزوجها هي
«بالقطع امرأة خائنة وغادرة. إنَّها تهدم الأسرة، وتُمزِّق روابط الطبيعة».»
٣٢ وسيكون طفلها المسكين علامةً على عدم إخلاصها لزوجها، وسيكون هو اللص الذي
يسرق مِلكية أطفاله؛ فالحاجة إلى أن يعرف الرجل أنَّ أطفاله هم من صُلبه، وأن يعتقد
الآخرون أيضًا أنَّهم كذلك، هي السبب الأساسي الذي جعل «روسو»
يفصل فصلًا تامًّا الأخلاق والتربية الأخلاقية عند النساء عمَّا وضعه
للرجال.
من الضروري أن نقوم بشيء من الاستطراد عند هذه النقطة، وأن نعود إلى أفكار «روسو»
عن
الجنس ولكي نفهم فهمًا تامًّا
الخصائص التي وضعها للمرأة
الطبيعية. يقول في بداية وصفه لتربية «صوفي»: في كل شيء لا يعتمد على
الجنس تكون المرأة
مثل الرجل؛ فهي لها نفس الأعضاء، ونفس
الحاجات، ونفس الملَكات، لكنَّه يُضيف بسرعة لكن
«ما إنْ نتحدَّث عن الجنس حتَّى يكون الرجل والمرأة مختلفَين من كل جانب.» ويُكمل
بعضهما بعضًا، و«ترجع صعوبة المقارنة بينهما إلى عجزنا عن اتخاذ قرار في تكوين أيٍّ
منهما: ما الذي يتعلَّق بالجنس، وما الذي لا يتعلَّق به.»٣٣ وما يظهر على الفور هو أنَّه في ذهن «روسو» أنَّ كل ما يتعلَّق بالمرأة هو
مسألة الجنس. وهكذا يذهب في ثلاث فِقراتٍ قصيرة من
عبارته التي يقول فيها:
«في كل شيء لا يعتمد على الجنس تكون
المرأة رجلًا.» إلى النتيجة التي يقول فيها:
«المرأة الكاملة والرجل الكامل لا يُشبه الواحد منهما الآخر في الروح أكثر من
الوجه.»٣٤
ما دام «روسو» يذهب إلى أنَّ دور المرأة في العملية الجنسية، بالإضافة إلى
وظيفتها كأم في الأسرة البطرياركية — يعكس مضامين هائلة على
شخصيتها بأَسْرها، والطريقة التي ينبغي أن تُربَّى عليها، فإنَّه من
الضروري أن نرى كيف تغيَّرت أفكاره عن الجنس من تلك الأفكار التي عرضَها في كتابه:
«أصل التفاوت». لقد رأى هناك أنَّ المعاشرة
الجنسية هي نشاطٌ غريزي يحتاج إلى الإشباع، وينخرط فيه الجنسان بحرية. وأي شكلٍ آخر من
الحب الجنسي يُنظر إليه على أنَّه نتاج للمجتمع. وما
رآه أخيرًا على أنَّه خصائصُ طبيعية للجنسَين يقوم على أساس نظرته للعملية الجنسية بوصفها
ليست عمليةً مشاركةً متبادلة، وإنَّما هي عمليةٌ يقوم فيها الذكر
بدور المهاجم والأنثى بدور المعتدى
عليها. ومن هذه النظرية المُنقَّحة عن الجنس، نجد أنَّ الجنس في صورته
الاجتماعية له هو ذاته صورتان متناقضتان؛ ﻓ «روسو» يستنبط كل هذه الخصائص الأنثوية
بالضرورة — كالخجل، والحياء والاحتشام والسلبية، والمقاومة بدلال، والتي تُحدِّد ملامح
مسار التربية التي تخضع لها «صوفي».
على الرغم من أنَّه لم ينكر أبدًا
أنَّ للنساء والرجال حاجاتٍ
جنسيةً متماثلة، فإنَّ «روسو» في أول نسخةٍ مُعدَّلة من الجنسية البشرية،
انطوى كلامه على أنَّ الذكر يُستثار
فقط عندما تعرض الأنثى نفسها
أمامه لا سيما على نحو يسرُّه ويرضيه، وتُغريه بخجلها وحيائها ودلالها،
ومقاومتها سواء أكانت أصيلة أو مثيرة كلما تقدَّم نحوها. وهكذا تختفي تمامًا
التبادلية والتلقائية التي كانت قائمة في حالة الطبيعة
الأولى، والتي تحدَّث عنها في خطابه إلى «دالمبير»؛ حيث ذهب إلى أنَّ الرجل لا بُدَّ
أن
يكون هو بالضرورة المطارِد ما دامت إثارته الجنسية تعتمد على الإنجاز الناجح للعملية
الجنسية. وإذا لم تُغطِّ النساء رغباتهن بالخجل والحياء أو على الأقل بالمقاومة الواهنة
الضعيفة.
«فلن تُستثار أبدًا الانفعالاتُ الطاغية التي أضفَتْها
حرية مملَّة.»٣٥ وبعيدًا عن أن يكبت الرجل رغباته
«فإنَّ الحشمة
تثيرها» وبسبب ما يبدو أنَّه إيمانٌ مزدوج في الإمكانات الطبيعية للإثارة
الجنسية عند الرجل، ينتهي روسو إلى أنَّه حيثما لا يكون جوهريًّا للرجل أن يسُر المرأة،
بعيدًا عن ممارسة قوته، فإنَّ المرأة من ناحيةٍ أخرى «خُلِقَت خصيصًا لإسعاد الرجل.»
ما دامت أفضل طريقة لإثارة الرجل هو مقاومة خطواته كلما تقدَّم نحوها، والخجل
والحياء والحشمة هي عواملُ طبيعية مُصاحبة لدور المرأة في العمل الجنسي، وذلك، فيما يقول
روسو «وعلى الرغم من نظرية الجنسية التلقائية والغريزية فقد افترض في «أصل التفاوت»
أنَّه قانون الطبيعة الذي هو أقدم من الحب ذاته.»
٣٦ إنَّها نتيجةٌ محضٌ لمتغيراتٍ معيَّنة ثقافية واجتماعية.
لكن يظهر مُصاحبًا للطبيعة الجنسية البشرية في كتابه «إميل» نسخة مناقضة تمامًا،
رغم
أنَّها تحتاج كذلك إلى أن تكون المرأة محتشمةً وخجولًا. وطبقًا لهذه النظرة الثانية،
المعروضة جنبًا إلى جنب مع النظرة الأولى، كما لو لم يكن بين الاثنَين أي تناقض.
الإمكانات
البشرية للإثارة الجنسية لا حَدَّ لها على نحوٍ
مخيف. لقد وهب الله الجنسَين معًا انفعالاتٍ طاغية لا حَدَّ لها
«لكنه وهب العقل للرجل» والحشمة للمرأة لكي تكبح جماح هذه
الانفعالات. ومن هنا تُصبح مقاومة الأنثى جوهرية، لا لغواية الذكَر
وإثارته، بل كشكيمة تكبح بها الرغبات اللامحدودة لكلا الجنسَين. وبدون هذا الكابح
المفروض على المرأة بالضرورة، بسبب النتائج المهولة التي يُؤدِّي إليها فعلها، وبسبب
أيضًا قوة الرجل التي تجعله بالطبيعة مُهاجمًا «النتيجة ستكون في الحال تحطيم الاثنَين
معًا، ولا بد أن ينقرض
الجنس البشري بالوسائل التي استهدفت
المحافظة عليها.»٣٧
هاتان الروايتان المتضاربتان عن الجنسية لهما مغزًى عظيم؛ لأنَّهما من حيث جذورهما
ينتميان إلى مطلبَين متسارعَين يطلبهما روسو من المرأة فلا بُدَّ
أن تكون، المرأة من ناحية مثيرة مغرية، لكن لا
بُدَّ لها من ناحيةٍ أخرى أن تُسيطر على هذه المشاعر وتكبح جماحها. لا بُدَّ أن تكون
حسية جنسية محبوبة، كما لا بُدَّ لها من ناحيةٍ أخرى أن تكون خجولًا ومحتشمة، والتوتُّر بين هاتَين الوظيفتَين (الطبيعتَين) للمرأة يُؤدِّي في النهاية إلى مأساة عند روسو
للمثل الأعلى للمرأة عند كلٍّ من «صوفي» في «إميل» التي
لم تتم نهايتها، «جولي Julie» في روايته «هلويز الجديدة».
لم يكن روسو راغبًا في الاعتراف بأنَّ جوانبَ كثيرةً من العلاقة بين الجنسَين كما
عرضَها
هي
نتائج قرون طويلة من الثقافة الأبوية ومن التبعية
الاجتماعية والاقتصادية على الرجال من جانب
النساء وأطفالهن؛ ولهذا يذهب «روسو» إلى أنَّ نتائج جنسها من المُحتَّم أن تكون أعظم
بكثير من نتائج الذكورة عند الرجال.
«فالذكَر لا يكون ذكَرًا إلَّا
في أوقاتٍ معينة. أمَّا الأنثى فهي أنثى طوال حياتها أو على الأقل طوال
شبابها.»٣٨ وعلى الرغم من التسليم بأنَّها لا تقضي كل حياتها في رعاية أطفالها فمع
ذلك «فإنَّ ذلك هو هدفها السليم.»
٣٩ ومن هنا فلا بُدَّ أن تتأسَّس تربية المرأة على مبادئ «تجعل المرأة تسعد
وتخضع للرجل.»
«وأنَّه طبقًا للطبيعة فإنَّ على المرأة أن تُطيع
الرجل.»٤٠ ومن الواضح أنَّ الوضع «الطبيعي» لهذه المبادئ يعتمد على صحة مزاعم «روسو»
التي تقول
إنَّ الأسرة الأبوية، والجنس أمور طبيعية.
فما إن تقبل هذه المقدمات حتَّى يسير منها
تعريف
المرأة من منظور الوظيفة الجنسية والإنجاب فحسب وبين مركزها في المجتمع
وتربيتها تبعًا لذلك. لقد كتبت «جولي» إلى حبيبها «سانت برو
Saint-Preau» مختلفة في
الرأي مع نموذج الكمال الوحيد الذي وضعه أفلاطون لكلا الجنسَين:
«الهجوم والدفاع، جرأة الرجل وجبن المرأة هذه ليست عاداتٍ عرفية كما يعتقد
فلاسفتك لكن القوانين الطبيعية التي يسهُل شرحها، والتي يمكن أن يستنبط
منها في الحال كل
الاختلافات الأخلاقية الأخرى.»٤١ وهكذا ليس من الأحكام المبتسَرة — فيما يزعم روسو — أو من
العرف أن يجعل ﻟ «صوفي» تعليمًا وتربية تتعارض تمامًا مع تربية «إميل» وتعليمه؛ فهو
مُخصَّص تمامًا لتشكيلها في موضع جنس
مثير تمامًا
لرجلها؛ بحيث
تكون زوجةً محتشمةً مطيعة
لزوجها، وأن تُكرِّس نفسها لخدمة أطفالها. أمَّا إميل فهو على العكس لا
بُدَّ أن يربَّى على أن يكون رجلَها الوحيد، في حين تُربَّى صوفي على أن تكون زوجته،
طبقًا
لقوانين الطبيعة.
ولقد قام روسو، بتلخيصٍ كبير لهذه النظرة عن مكانة المرأة
الطبيعية في عالمٍ أبوي — قرب بداية الكتاب الخامس من «إميل» ويمكن أن تسوق
الاقتباس التالي:
«لقد خُلِقَ الرجل والمرأة كلٌّ منهما من أجل الآخر، لكن اعتمادهما المتبادل بعضهما
على
بعض ليس متساويًا؛ فالرجال يعتمدون على النساء حسب رغباتهم. أمَّا النساء فيعتمدن على
الرجال حسب الرغبات والحاجات في آنٍ معًا؛ ففي استطاعتنا أن نعمل بدونهن على نحوٍ أفضل
مِمَّا يستطعن بدوننا، وحتى ينَلْن ما هو ضروري لوضعهن في الحياة لا بُدَّ أن نعطيها
لهن، لا بُدَّ أن نريد إعطاءها لهن، لا بُدَّ أن نجد أنَّهن جديراتٌ بها؛ فهن يعتمدن
على
مشاعرنا، على الثمن الذي ندفعه لجدارتهن، على أساس تقديرنا لجاذبيتهن وفضائلهن. إنَّ
النساء حسب قانون الطبيعة، بالنسبة لأنفسهن كما النسبة لأطفالهن،
تحت رحمة حكم الرجل.»٤٢
نحن أمام حالةٍ واضحةٍ جدًّا للاستخدام الانتقائي لمفهوم الطبيعة، يُستخدم لتبرير
مشروعية ما يخطر في ذهن المؤلف أنَّه
خير ومفيد للجنس
البشري. إنَّه هو نفسه منهج الاستدلال الذي بسببه هاجم روسو «جون لوك»
فالطبيعة التي وُضِعَت كأساسٍ للقانون في جميع جوانب
اعتماد
المرأة على الرجل، من الواضح أنَّها ليست حالة الطبيعة الأصلية التي كان
يندر فيها تمايز الجنسَين، فيما
يتعلَّق بأسلوب الحياة أو الأهلية
للاكتفاء الذاتي، بل هي بالأحرى حالة «الطبيعة» الأبوية البطرياركية، في
العصر الذهبي
للأسر المنعزلة، بما فيها من تقسيم
جنسي للعمل، ومِلكيتها البدائية التي كان يملكُها
الذكر؛ أي النقطة التي تُستخدم لتعريف المرأة الطبيعية. وفضلًا عن ذلك فإنَّ الانتقال
بين المنطقتَين قد اكتمل في ذهن «روسو» دون أدنى اهتمام بالإجابة عن السؤال:
لماذا وافقَت النساء على مثل هذا التغيير؟ إذا صحَّ حقًّا
أنَّ «كل إنسان يُولد حُرًّا، مساويًا لغيره، لا يتنازل عن حريته إلَّا لميزته الخاصة
فقط.»
٤٣ وربما تساءل المرء بحق: كيف أمكن أصلًا أن تظهر الأسرة الأبوية
البطرياركية إلى الوجود، تلك الأسرة التي تمَّ فيها التضحية بمساواة المرأة
وحريتها على مذبح حاجة الرجل للتأكُّد من أبوَّته لأطفاله.
على حين أنَّه يشعر أنَّه لا بُدَّ من افتراض أصل تعاقدي، لو كان هذا الأصل خداعًا، من
أجل المجتمع المدني الأول لكي يرفض فكرة أنَّ
«الرجال الشجعان
الذين لا ينهزمون» قد اندفعوا نحو العبودية.
٤٤ لم يجد «روسو» نفسه مضطرًّا أبدًا للتساؤل: لماذا
النساء الشجيعات واللائي لا ينهزمن لم يفعلن قط نفس هذا الشي غير
المعقول.
والسؤال كله حول ما إذا كانت الأسرة البطرياركية نتيجة للطبيعة أو للعرف هو من ثَمَّ
ذو أهمية في معالجة روسو لموضوع النساء.
٤٥ ما دامت المؤلفات التي تعرض له تمامًا «أصل التفاوت» و«إميل» هما كتابان
يستهدفان النفاذ إلى ما وراء جميع المؤسَّسات الثقافية والاجتماعية، ويعملان للعثور على
ماذا كان عليه الجنس البشري في الأصل أو في حالة الطبيعة الأولى، والحقيقة التي تقول
إنَّه
تجاهل جميع الأنواع الممكنة الأخرى من العادات
الجنسية، والعادات الأخرى المتعلقة بالزواج. كل أشكال تعدُّد
الأزواج، وتعدُّد
الزوجات، والمشاعية
القبلية، والنظام الأمومي، والمجتمع الذي يقوم
على الأم أو يرجع النسب فيه إليها — وينتهي إلى أنَّ الأسرة الأبوية البطرياركية
النووية هي أسرة من خلق الطبيعة. وهي صارخة أكثر من أي شيءٍ آخر. وليس هناك اعترافٌ في
كتب «روسو». المتأخرة — رغم هجومه على جون لوك لنفس الحكم المبتسَر — أنَّ هذا النوع
من
نظام الأسرة، مع التقسيم الجذري للعمل بين الجنسَين، ووضع المرأة الذي تعتمد فيه على
الرجل، وتجاوز الاهتمام بالحشمة الأنثوية، له أدنى علاقة بتنظيماتٍ جزئية معيَّنة اجتماعية
واقتصادية. كل شيء معروض على أنَّه من خلق الطبيعة. ومن هنا فعندما يُشير روسو إلى رجل
الطبيعة، وامرأة الطبيعة فإنَّنا نجد لديه إشارتَين لنقطتَين متميزتَين في ذهنه؛
فرجل الطبيعة هو الرجل الذي كان يوجد في حالة الطبيعة الأصلية،
مستقلًّا تامًّا عن أقرانه، متجنِّبًا الأنانية، متساويًا مع
كل شخصٍ آخر، ومنغمسًا في خيراته الطبيعية يشفق من عذاب أي زميلٍ
آخر. أمَّا امرأة الطبيعة فهو يُعرِّفها طبقًا لدورها في العصر الذهبي —
معتمدة تابعة وخاضعة، مصبوغة بصبغة الخجل والاحتشام. وهكذا نجد أنَّ نفس الحد الأدنى
من
الوظائف التي لا بُدَّ أن تنتج من فسيولوجيا الأنثى دون زعم الأسرة البطرياركية أنَّها
قد امتدت إلى حدٍّ جعل روسو يقبل نماذجَ مختلفةً من الكمال للنساء عن نماذج الكمال للرجال؛
وبالتالي يقبل مناهجَ مختلفةً اختلافًا جذريًّا لتنشئة كل جنسٍ من الجنسَين.
وعلى قَدْر علمي فإنَّ «روسو» أبدى قدْرًا من الشك عن الوضع «الطبيعي» المطلوب لخضوع
النساء مرتَين فقط؛ الأولى: في مقاله المُبكِّر جدًّا وعنوانه «حول النساء» والثانية في خطابه إلى «دالمبير»؛ حيث ظهر الشك لا على
أنَّه شك المؤلف، وإنَّما ظهر بالأحرى في صورة حُجة إضافية لإقناع
المفكر المتشكك. في المقال المُبكِّر كتب يقول:
«دعنا أولًا نتدَّبر حرمان النساء من حريتهن عن طريق طغيان الرجال، سادة كل شيء،
من
أجل العروش، والوظائف، والمهن، قادة الجيوش، كل ما في أيديهم قد احتكروه منذ اللحظات
الأولى بواسطة الحق الطبيعي، ذلك ما لم أكن قادرًا على فهمه، والذي ليس هناك أساسٌ آخر
أعظم منه قوة.»
٤٦
الطبيعة البطرياركية للمجتمع وتقسيم العمل طبقًا للجنس يُنظر إليها بغير شك على
أنَّها النظام الطبيعي للأشياء في عبارة الشباب هذه، ومن الواضح أنَّ «روسو» وصل بعد
ذلك إلى نتائجَ مختلفة أتمَّ الاختلاف.
ففي خطابه إلى «دالمبير» قدَّم نفسه لأولئك الذين رفضوا حصر النساء في الأعمال
المنزلية على أنَّه مجرد حكمٍ مبتسَر شائع، وأنَّ الحشمة هي من صنع القوانين الاجتماعية
لحماية حقوق الأزواج والآباء، والمحافظة على النظام في الأسرة.
٤٧ وفي البداية يذهب روسو بالتفصيل، كما سبق، إلى أنَّ فضائل الأنثى
وخصائصها، قد أملَتها الطبيعة. إذن يخرج عن دائرة الاهتمام القول بأنَّ قضيته غير مقنعة
بما فيه الكفاية؛ فهو يبحث عن ملاذٍ في حُجة النفع الاجتماعي:
«حتى لو أنَّنا أنكرنا أنَّ الإحساس الخاص بالاحتشام أمرٌ طبيعي للنساء، ألَا يقل
عن
ذلك صدقًا أنَّ نصيبهن في المجتمع ينبغي أن يكون الحياة المنزلية، وأنَّه ينبغي تنشئتهن
على مبادئ تُناسب ذلك؟ وإذا كان الجبن، والضعف، والحشمة، والاحتشام، وهي الخصال التي
تُناسب النساء، هي ابتكاراتٌ اجتماعية، فإنَّ من مصلحة المجتمع أن تكتسب النساء هذه
الخصائص، وأن يُربيهن عليها، وأي امرأة تترفَّع عنها وتزدريها ترتكب إثمًا في حق
الأخلاق الطيبة.»
٤٨
من المستحيل أن نقول إلى أي حدٍّ كان من الضروري لروسو أن يعتبر هذه الحجة التكميلية
الوقائية أن تكون، لكنَّها تكشف بوضوحٍ البواعث الكامنة خلف اشتقاقه لرجل الطبيعة وامرأة
الطبيعة من المراحل المختلفة لتاريخه الافتراضي للجنس البشري؛ فالمجتمع يتطلَّب الأسرة
البطرياركية، في رأي روسو، وهكذا يعود القهقري إلى حيث يختار أن ينظر في أمر تعريف
«المرأة الطبيعة» والنقطة الهامة الجديرة بالملاحظة هي أنَّ هذا المنهج في الاستدلال،
من منفعة المجتمع إلى حقوق الفرد والتزاماته، يتناقض تناقضًا تامًّا مع المنهج الفلسفي
العام عند روسو؛ فليس ثمَّة سوى ظرفٍ واحد ذهب فيه بطريقةٍ مماثلة، وكان ذلك عندما نظر
في
مسألة الرق عند الإغريق.
٤٩ وكما أنَّ رفضه الفلسفي للرق تُغلِّفه متطلبات الجمهورية المثالية
ومواطنوها فكذلك نفس المنفعة الاجتماعية، أكثر من قوانين الطبيعة، هي التي منعَت روسو
من
التسليم بأيَّة نظرية عن الطبيعة البشرية وعن الحقوق الإنسانية أو استقلال الجنس؛ فلو
كان من الضروري أن يتأسس المجتمع على أسرة يحكمها الذكَر، فلا بُدَّ أن تكون في هذه
الحالة جميع العقبات المزعجة الناتجة هي بسبب النساء. وتعلُّقه الثابت بالأسرة الأبوية
ظهر في أن فلسفته عن المرأة تتناقض مع فلسفته عن الرجل في جميع جوانبها أو مظاهرها
الهامة.
الطريقة الثانية: التي سعى بها «روسو» لاكتشاف رجل
الطبيعة هي محاولته فصل هذه الخصائص الفطرية في الفرد عن تلك الخصائص المكتسَبة في مسار
التربية والتعليم فيها، هنا يختلف استدلاله مرةً أخرى حول النساء اختلافًا جذريًّا عن
استدلاله عن الرجال.
في مؤلفاته ابتداءً من «أصل التفاوت» فصاعدًا، في استطاعتنا أن نجد العديد من الأمثلة
عن إيمان «روسو» القوي في قدرة البيئة على تغيير الخصائص والملَكات البشرية، أنَّ نسبة
الأسباب الفزيائية لما يرجع في الواقع لأسبابٍ أخلاقية، يقول في «إميل» ضرب من إساءة
استخدام عصرنا للفلسفة
٥٠ ويشرح هذه النقطة في «أصل التفاوت» بتفصيلٍ أكثر فيقول:
الواقع أنَّه من السهل أن نرى بين الفروق التي تُميِّز الرجال، بعضهم يردُّ إلى الطبيعة
ما هو من عمل العادة على نحوٍ فريد، وكذلك الأنواع المختلفة من حياة البشر التي تبنَّاها
المجتمع. وهكذا فإنَّ المزاج الرقيق والعنيف وما يعتمدان عليه من قوة وضعف، كثيرًا ما
يتولدان عن الطريقة الجافة الخشنة، أو الأنثوية الناعمة التي يتربَّى عليها المرء أكثر
من
تولُّدها عن التكوين البدائي للأجسام. ويصدُق الشيء نفسه على قوة الذهن؛ فالتربية لا
تُقيم
فروقًا فحسب بين الأذهان المُثقَّفة وغير المُثقَّفة، وإنَّما تَزِيدُ الاختلاف بين
الأذهان الأولى بنسبة ثقافتهم.
٥١
ومن هنا فإنَّنا نُخطئ خطأً جسيمًا لو أخذنا الرجل المتحضِّر كمثال للخصائص الحقيقية
للنوع: «لأنَّه عندما يُصبح اجتماعيًّا أو عبدًا فإنَّه يُصبح ضعيفًا خائفًا، ذليلًا،
وطريقته الناعمة في الحياة تُكمل الوهن والضعف لكلٍّ من قوَّته وشجاعته.»
٥٢ فالأطفال المتحضرون على سبيل المثال هم أضعف ويبلغون الكفاية الذاتية
متأخرين عن نظرائهم البدائيين المطلوب منهم الدفاع عن أنفسهم في أسرع وقتٍ ممكن.
٥٣ ومن ناحيةٍ أخرى فإنَّ البلوغ والنضج الجنسي تصل إليها الأقوام المتحضرة
والمتعلمة في فترةٍ مبكرة عن الأقوام البدائية، ما دامت العوامل الثقافية التي تمسُّ
الفرد
مسًّا وثيقًا في الحالات السابقة تُثير تطوُّره المبكِّر النضج.
٥٤ ويمكن أن نرى البيئة وهي تتغلَّب على الطبع أو المزاج في حالاتٍ لا حصر لها
فيما سوى روسو.
وربما كان المثل الصارخ لإيمان «روسو»
بقوة العوامل البيئية
وأثرها في حجته ضد الرق؛ فهو يُؤكِّد أنَّ الرق كان وضعًا طبيعيًّا لبعض
الناس؛ فإنَّه يذهب إلى أنَّ «أرسطو» أخطأ في فهم آثار الرق على القضية.
«فإذا كان هناك رقيق بالطبيعة، فإنَّ السبب أنَّه كان هناك رق ضد
الطبيعة؛ فالقوة هي التي أنتجَت أول العبيد، وجبنهم هو الذي جعل هذا الوضع يدوم.»٥٥ إنَّ البيئة التي يتربى فيها المرء لا سيما إذا كانت بيئة
تتمايز وتختلف عن البيئات من حوله، هي مُلزمة بتطوير بعض خصائصه الفطرية، على حساب قمع
بل وتشويه بعضها الآخر. وهكذا فإنَّ المرء يقينًا لا يستطيع أن يَخبر في الناس
المستعبَدين، الذين يعتبرهم العالم المتحضر كذلك بدرجةٍ كبيرة أو صغيرة، ما هي الإمكانات
الطبيعية للإنسان؛ فنحن لا نعرف سوى نقطة البداية، في ضعف الطفولة وجهلها، إنَّنا لا
نستطيع أن نعرف جميع الغايات الممكنة التي يُمكن أن يُحقِّقها الإنسان. ولقد جعل روسو
هذه الفكرة واضحةً جدًّا في فترة مبكرة في «إميل»
لستُ أعرف حتَّى
الآن فيلسوفًا كان متهورًا لدرجة أن
يقول:
«ها هنا الحد الذي يُمكن أن يصل إليه الإنسان، لكنَّه لا يستطيع
أن يذهب أبعد منه. إنَّنا لا نعرف ما الذي يُمكن أن تسمح لنا طبيعتُنا بأن نكونه؛
فلا أحد منَّا قد قاس المسافة الممكنة بين الإنسان وغيره من البشر.»٥٦ وعلى ذلك فليس لنا بديلٌ عن الاعتراف بأنَّ حدود إمكانيات الإنسان
مجهولة.
لم يكن الهدف من «إميل» وضع منهجٍ تربوي بأي معنًى وضعي أو عملي، وإنَّما هو بالأحرى
يُشكِّل نقدًا جذريًّا للحضارة المعاصرة وأساليب التنشئة
الاجتماعية وما فعلَته بإنسان الطبيعة؛ فإميل سيُصبح إنسان الطبيعة، لا
بمعنى أن يربى على التوحش، بل بمعنى أن يُربَّى بطريقة مُتحرِّرة من الأحكام المُبتسَرة،
والآراء التي انتشرَت في أي زمانٍ مُعيَّن ومكانٍ مُحدَّد.
«والمنهج
المتبع»، «لا شيء سوى مسار الطبيعة».
٥٧ وفي بداية كتابه يُوجِّه «روسو» لقوة التربية العظيمة بالمعنى الواسع لهذه
الكلمة: الناس
تُشكِّلهم التربية، كما تُشكِّل التربة النباتات
فنحن نُولد ضعافًا ونحتاج إلى القوة، نُولد ينقصنا كل شيء، نحتاج إلى عون. نُولد حمقى،
ونحتاج إلى الحكم السديد. كل شيء لم يكن لدينا عند الميلاد ونحتاج إليه عندما نصل
إلى سن الرشد تُقدِّمه لنا التربية.
٥٨ على افتراض المسئولية التامة عن الطفل والسلطة عليه، فإنَّ مهمة المعلم
عزله عن أحكام العالم من حوله المشوهة والمضلِّلة، يستخدم ميوله الطبيعية، لا سيما حب
استطلاعه لننمِّي فيه قوى الحكم المستقل.
أحد المبادئ الأساسية في تربية «إميل» إذن أنَّ الطفل ينبغي ألا يُقال له أبدًا
أشياء عن السلطة، بل على العكس علينا أن نُساعده في إبعادها عنه؛ ذلك لأنَّ العقل ليس
لديه القوة والخاصية الإنسانية الطبيعية التي يمكن أن تنبثق راجعة إلى الوراء بعد كبتها
بل إمكانية رقيقة تُغذَّى لو أريد لها أن تزدهر.
«والإنسان
بطبيعته لا يفكر إلا قليلًا؛ فالتفكير فن عليه أن يتعلَّمه مثل بقية الفنون الأخرى،
وحتَّى في هذه الحالة فهو يتعلَّمه بعناءٍ كبير. وأنا لا أعلم في كلا الجنسَين سوى
فئتين متميِّزتين حقًّا؛ الناس الذين يفكِّرون، والناس الذين لا يفكِّرون،
والفرق يرجع في الأعم الأغلب إلى التربية.»
٥٩ وعن طريق توجيه انتباه الطفل بعيدًا عن الأحكام المبتسَرة الشائعة
والاهتمامات التافهة سيكون المُعلِّم قادرًا على تطوير قواه العقلية ومنعه من أن يعتمد
على آراء الآخرين. «إذ لو أنَّك استبدلتَ سلطة العقل في ذهنه، فلن يستخدم عقله بعد ذلك،
بل سيُصبح ببساطة ألعوبة لآراء الآخرين.»
٦٠ وعزلة إميل بعناية، والتكريس لكل جانبٍ من جوانب تربيته يستهدف قبل كل شيء
تطوير استقلاله في الحكم، وتنمية ملَكاته العقلية.
وتشديد «روسو» على أهمية التربية هو أيضًا ظاهرٌ بوضوح في نصيحته للحُكَّام، الذين
يُلقى عليهم مسئوليةٌ كبيرة في تحديد شخصية الشعب الذي يحكمونه. «ومن ثمَّ اصنعوا الرجال
إذا أردتم قيادتهم» هكذا ينصح الذين يُريدون المحافظة على الجمهورية، والطريق الوحيد
لصناعة المواطنين هو تربيتهم وهم أطفال.
«إذ سيكون متأخرًا جدًّا
تغيير ميولنا الطبيعية عندما تنمو بداخلها، وعندما تتدعَّم الأنانية عن
طريق العادة.»
٦١ والمجتمع الذي يوجه التنشئة الاجتماعية يُصمِّمه روسو للأطفال المهذَّبين
المصقولين، وهي ستكون فعَّالة إذا ما طبعنا في نفوسهم الفضائل وطرق التفكير، حتَّى إنهم
بعد هذه التربية نادرًا ما تكون هناك ضرورة للقوانين الصارمة لنجعلهم يفعلون ما هو في
صالح بلادهم ككل.
٦٢
لم يكن لدى روسو سوى شعورٍ ضئيل، بل احتقار للرجال في عصره، لكن لم تكن ملَكاتهم
الفطرية هي التي يُنكرها عليهم، بل إنَّه بالأحرى
نظر إلى
التربية التي يُقدِّمونها، والبيئة التي يعيشون فيها، على أنَّها مصدر
فشلهم. ولقد عزا «روسو» نقص الرجولة في الرجال بصفةٍ خاصة، ونقص
الإبداع عندهم إلى النساء — الذي يرجعه لسيطرتهن
الجنسية على الرجال — اللائي يوجِّهن البيئة التي يعشن فيها. كيف يُمكن للرجال المعاصرين
أن ينجزوا أعمالًا عظيمة ونبيلة كما فعل القدماء إذا كانوا منخرطين بهذا الشكل في أعمالٍ
تافهة لتسلية النساء؟! لقد كان الأثر المعنوي للنساء هو الذي جعل الرجال شبابًا أنيقًا
مُخنَّثًا، محرومًا من التدريبات الرياضية، والإثارة الذهنية، عاجزين عن دعم أنفسهم ضد
المجال المُلائم لأشخاصهم؛ فهم يقضون معظم أوقاتهم في مجتمعٍ نسائي، حتَّى بدا الرجال
من
حول روسو، وكأنَّهم سينقلبون إلى سلالة كلابٍ صغيرة. يقول: «وإذا ما أُعطيَت لهم
هذه العادات الصبيانية، فإلى أي عملٍ عظيم يُمكن أن نرتفع
بأنفسنا …؟ مواهبنا وكتاباتنا تتلوَّن بلون أعمالنا الطائشة»، وهو
يتحسَّر
«الرجال في عصري تحوَّلوا إلى كلاب صيد»
وتربيتهم هي التي جعلَتهم كذلك.
٦٣
وهكذا، ودون أن يذهب بعيدًا كما فعل هلفتيوس
«التربية قادرة
على كل شيء»، يعتقد روسو أنَّ التربية بالمعنى الواسع للكلمة مسئولة عن
معظم خصائص الذكَر الناضج، وعن الاختلاف بين الشعوب في العصور والأماكن المختلفة. وخصائص
التيار المنتشر ومواهب النساء بالنظر إلى المقابل الطبيعي، انحدر ليطبق نظرياته بنفس
الطريقة. ولا شكَّ أنَّ الفِقرة التي اقتبسناها فيما سبق
٦٤ لا تتسق مع ما قاله عن مواهب النساء؛ فكما أنَّه رفض البحث في الماضي
البعيد، في الزمن البدائي عن امرأة الطبيعة، فكذلك فعل بالنسبة لرجل الطبيعة؛ فهو لم
يعترف للفتيات بنفس الدرجة كالأولاد؛ لأنَّ سلوكهن وملَكاتهن ومنجَزاتهن، هي وظيفة للبيئة
التي نشأن فيها تمامًا.
خصائص الأنثى: ويتدبَّر «روسو» بالتفصيل «قائمة الخصائص الأنثوية» ليرى أنَّها فطرية
في النساء بما لا يقبل الشك،
فالخجل، والاحتشام، وحب الملابس
والحلي والبهرجة، والتزيُّن، والرغبة في أن تُحب، والشراسة الماهرة التي
تميل نحو النفاق — جميع هذه الخصال يعرضها «روسو»
على
«أنَّها فطرية وغريزية في جنس النساء».٦٥ أمَّا بالنسبة للكيف الذي يجعل المرأة تخضع للظلم والجور
والأخطار التي تُرتكب ضدها
«فهي بدورها تعود إلى اللطف الطبيعي
لجنسها عندما لا يفسد». أمَّا الأولاد فلم يتعوَّدوا قط على مثل هذه
المعاملة فمشاعرهم الداخلية تثور وتتمرَّد ضد الظلم
«فلم تخلقهم
الطبيعة ليكونوا قادرين على تحمُّله أو الصبر عليه.»٦٦ ولم يكن «روسو» قادرًا على إدراك الصلة الوثيقة بين الاعتراض الذي قدَّمه
ضد
نظرية أرسطو عن الرق الطبيعي وبين نظريته التي
تقول إنَّ
العبودية أمرٌ طبيعي في جميع النساء. وهو
يُصرُّ على هذا الانقياد الأعمى على الرغم من الحقيقة التي تقول إنَّ روسو يجعل واضحًا
جدًّا في فقرات
كثيرة أنَّ النساء ما لم يملكن جميع هذه
الخصائص التي يراها فطرية أو طبيعية في جنس الأنثى، فإنَّها لن
تصيب نجاحًا أو ربما لن تبقى، مع أنَّها لا بُدَّ
أن تعيش في ثقافة يُسيطر عليها الذكَر. والواقع أنَّ «روسو» يذهب أحيانًا بطريقةٍ غائية
إلى أنَّ خصائص مثل
النفاق، وتحمُّل الظلم هي
خصالٌ فطرية في المرأة
بسبب وضعها
الثانوي في الحياة فكانت
الخصال تستهدف ذلك
على نحوٍ طبيعي؛ فما دامت المرأة في
الحب، مثلًا، لها نفس الرغبات التي للرجل، لكن ليس لها
نفس الحق
في التعبير عنها، فلا بُدَّ أن تكون مُزوَّدة بلغةٍ بديلة هي
لغة الخداع حتَّى يجعل
مشاعرها تظهر
وتُعرف بطريقةٍ غير مباشرة. وبالمثل ما دامت «المرأة مخلوقة لتخضع للرجل،
بل حتَّى ولتتحمَّل ظلمه وتصبر على جوره، فإنَّه من المفيد لها أن يكون لها أهلية فطرية
للأنس واللطف
لكي تتحمل هذه المعاملة.»٦٧
وفي تناقضٍ مباشر مع تأكيده على الطبيعة وأسلوب الحياة، ولكي يُفسِّر لماذا الرجال
في
عصره، والشباب الصغير ساروا في الطريق الذي يسيرون فيه — مال روسو لقبول الكثير من خُلق
النساء المعاصرات والفتيات الصغيرات على أنَّه حقيقةٌ ثابتة لا تتغيَّر. وهكذا نجد أنَّه
على الرغم من اعترافه بأنَّ المرأة في إسبرطة كانت قويةً وسليمةً من الناحية الصحية بسبب
التربية الفيزيقية التي تخضع لها، ونتيجةً لذلك فإنَّ جسم المرأة لا بُدَّ أن يكون
مختلفًا تمامًا عن جسم السيدة الفرنسية في القرن الثامن عشر — فإنَّه تجاهل هذه
الإمكانية عندما ذهب إلى أنَّ المرأة عاجزةٌ عن الانخراط في عملٍ خارج الأعمال المنزلية.
وبدلًا من ذلك نراه يرسم صورةً غير معقولة لامرأة «لم تخضع قط للمشي، ويندر أن تعرف كيف
تمشي بعد خمسين سنة من التراخي والكسل»
٦٨ محاولة أن تُشكِّل نفسها بين يوم وليلة وتتحوَّل من أمٍّ مرضعة إلى
جندي.
وبنفس الطريقة، فإنَّ تذوُّق الجنسين للعب والتسلية يُعامَل على أنَّه فطري وليس
مشروطًا بالظروف أو البيئة المحيطة «الأولاد يبحثون عن الحركة والضجيج» بينما «الدُّمية
هي لعبة الفتاة المُفضَّلة؛ فها هنا نراها تتحدَّد بوضوح عن طريق غرضها في الحياة.»
«تقريبًا منذ أن تُولد الفتاة وهي تُحب الزينة. وما إن تفهم ما يقوله الناس، حتَّى يحكمها
ما يُريده الناس وما يُفكِّرون فيه، لكن إذا ما حاول أي إنسان يحمل قدرًا من الغباء أن
يُمارس هذه الأساليب في السيطرة على صبيٍّ صغير، فسوف يفشل فشلًا ذريعًا؛ فبالإضافة إلى
أنَّ الطفل يولد حُرًّا مستمتعًا بذاته فإنَّه لا يكترثُ كثيرًا بما يقوله الآخرون عنه.»
٦٩ ويبدو من الصعب جدًّا أن يتسقَ هذا التمييز بين الجنسَين مع واقعة أنَّ
قدْرًا كبيرًا من الرعاية مُخصَّص لعزلة «إميل» من التأثُّر بالآراء، وفضلًا عن ذلك فهو
لا يُبرهن على شيء إطلاقًا فيما يتعلَّق بالخصائص الفطرية للأولاد والبنات، وإنَّما
يستشهد فحسب بأنَّ البنات الصغيرات يُدْرِكن مُبكِّرًا جدًّا أنَّهنَّ عندما يَكُنَّ
جميلاتٍ سوف يلفتن الأنظار، فذلك لا يؤدي إلى أيَّة نتائج حول كيفية سلوكهن إذا ما عُوملن
نفس المعاملة، وكان لهن نفس الحرية، وفرصة الاستمتاع بأنفسهن مثل الأولاد. إنَّ الأساس
المزدوج لنتائج «روسو» عن الاختلاف الفطري بين الجنسَين توضِّحه واقعة أنَّه عندما يدعو
القارئ لملاحظة ولد وبنت «وُلِدَا للتوِّ» ليرى الاختلاف في تعاملهما في موقفٍ ما، فإنَّ
هذه الأمثلة تتحوَّل ليصبح عمرها لا يقل عن ست سنوات.
٧٠ ومن الواضح أنَّ تأثيرات البيئة حتَّى ست سنوات، يُنظر إليها في هذا
السياق، وإن لم يكن في سياقاتٍ أخرى، على أنَّها تافهة.
ويُعالج «روسو» القدرات العقلية بمثل هذا المنظور؛ فهو يُؤكِّد على أهمية التربية
والبيئة، لكنَّه لا يُطبِّق ذلك على النساء، رغم تأكيده المنعزل أنَّ القدرة على
التفكير عند الجنسَين هي تقريبًا نتيجة للتربية. وفي حاشيةٍ على نفس الفِقرة التي نُسب
فيها نقصُ الإنجاز العقلي عند الرجال المُعاصرين إلى أسلوب حياتهم، فلا يشغل ذهنهم سوى
توافه الأمور — يقول على نحوٍ قاطع: «إنَّ النساء، بصفةٍ عامة، لا يُحببن أي فن، ولا
يعرفن
شيئًا عن أي فن، ولا يملكن أيَّة عبقرية.»
٧١ وهُنَّ يستطعن النجاح في أعمالٍ قليلة لا تتطلَّب سوى لمحةٍ سريعة، وذوق،
وأحيانًا شذرات قليلة من الفلسفة والاستدلال.» (من خطابه إلى دالمبير) لكن ليس لديهن
على الإطلاق «شعلة العبقرية السماوية» وحتَّى إذا كان ما زال من الممكن تطبيق نظرية
البيئة على نساء عصره غير المتعلمات، فإنَّ «روسو» لا يستطيع أن يرى سوى النقص في
الإنتاج أو الإنجاز على أنَّه حقيقةٌ ثابتة.
غير أنَّ «روسو» لم يُؤكِّد في البداية أنَّ المرأة أدنى من الرجل في القدرة العقلية،
ثمَّ يستنتج نتائج من هذه المقدمة عن وظيفتها المناسبة ومركزها في المجتمع، بل كان
منهجه، على العكس، يبدأ من الزعم بأنَّ دور المرأة هو أن تكون موضوعًا جنسيًّا للرجل
مرغوبًا فيه ومخلصًا له، أن تكون زوجته وأم أولاده. ثمَّ يستنتج بعد ذلك نتائج عن كيف
ينبغي أن تكون قدراتها العقلية لتناسب وظيفتها الخاصة. ومن المحتمل جدًّا فيما يبدو،
لأسباب عدة، أنَّ روسو لم يكن مقتنعًا تمامًا أنَّ النساء هُنَّ بالضرورة وبالفطرة أدنى
عقليًّا من الرجال.
-
أولًا: من المهم أن نُلاحظ أنَّ روسو في مقالاته
الأولى المبكِّرة عن النساء عبَّر عن أفكارٍ عن قدرات المرأة تختلف أتمَّ الاختلاف عن
تلك
الأفكار التي عرضها فيما بعدُ؛ فقد ذهب إلى أنَّ التاريخ لو لم يُكتب بمثل هذا التحيُّز
للذكور لما كان هناك مثل هذا التفوُّق في عدد الأبطال عن عدد البطلات كما يُروى في كل
صفحة من صفحاته. ولكان التوازن بينهما أمرًا محتملًا؛ فعلى الرغم من أنَّ عدد الرجال،
في ظل الظروف السائدة، الممتازين سيظل متفوقًا «فسوف نرى في الجنس الآخر نماذج للفضيلة
المدنية والأخلاقية، كاملة من كل وجه.»٧٢ وفضلًا عن ذلك فإنَّ التفرقة التي تظل باقية يُمكن تفسيرها من منظور أنَّ
الفُرص التي تُعْرَض على المرأة أقل من المتاحة للرجل. وذلك يُبرهن على شجاعتهن
وبطولتهن في مناصب القيادة. أمَّا أولئك الذين كان لهُنَّ شرف الوصول إلى تلك المناصب
فإنَّهن يتميَّزن بطريقةٍ رائعة. وهكذا ينتهي روسو إلى أن يقول: «أنا أُكرِّر أنَّ
المرأة إذا سمحَت ظروفها، فسوف تُبدي نماذجَ عالية من عظمة الروح، وحب الفضيلة، وبأعدادٍ
غفيرة أكثر مِمَّا فعل الرجال. إذا لم يُذهِبْ ظلمنا بحريتهن كل الفرص التي يمكن أن يظهرن
فيها في أعين العالم.»٧٣ وهو يُشير بالإضافة إلى ذلك إلى وجود عددٍ من الكُتَّاب النساء الموهوبات
ليبرهن على أنَّه من إعطاء النساء فرصًا أعظم تظهر إمكانياتهن العقلية الحقيقية؛ ففي
هذه المرحلة، إذن، من فكر روسو كان من الواضح أنَّ نقص الفرصة هو الذي يُفسِّر الاختلاف
والتفاوت بين إنجازات الرجال وإنجازات النساء طوال التاريخ.
-
ثانيًا: على خلاف لوك٧٤ لم يذكر «روسو» الملَكات الدنيا للنساء ليُبرِّر سيطرة الرجل المطلَقة على
الأسرة، لكنَّه بدلًا من ذلك يُؤكِّد أنَّه لا بُدَّ أن يكون هناك مصدرٌ واحد للسلطة،
وأنَّ النساء أحيانًا ينفرن من وظيفة الإنجاب، وينتهي من ذلك إلى أنَّ الرجل ينبغي أن
يُسيطر لأنَّه «عندما يكون التوازن تامًّا، فإنَّه قشة ضئيلة كفيلة بأن تَقْلب الميزان.»٧٥ وسيكون غريبًا أن ننظر إلى الميزان على أنَّه معقول على هذا النحو، يقينًا
لو أنَّه اعتقد أنَّ النساء كُنَّ دائمًا أدنى من ناحية العقل، فطريًّا، من
الرجال.
وعلى الرغم من هذه الحقيقة فإنَّ «روسو» سواء في «إميل» أو خطابه إلى «دالمبير» متفق
مع تراثٍ طويل في الماضي على الأقل حتَّى أرسطو، ولا يزال،
٧٦ يرى أنَّ لدى النساء ضربًا من الاختلاف العقلي عن الرجال وأدنى منهم، ونقص
القدرة على الاستدلال العقلي والإبداع «العقل الموجود عند المرأة هو العقل العملي، الذي
يمكِّنهن بسهولة من اكتشاف كيف يصلن إلى نتيجةٍ مُعيَّنة، لكنَّه لا يُمكِّنهن من الوصول
إلى النتائج نفسها.»
٧٧ فليس في استطاعة النساء أن يكتشفن المبادئ كما يستطيع الرجال، لكنَّهن
بالأحرى يجمعن التفاصيل، لكن كما سيتضح من الفِقرة المقتبَسة القادمة، فإنَّ مفارقة الفكر
عند روسو عن قدرات النساء يُمكن تفسيرها جزئيًّا من ناحية بواقعة أنَّه كان أقل
اهتمامًا بما يستطعن إنجازه أكثر مِمَّا ينبغي عليهن إنجازه.
«البحث عن الحقائق النظرية والمجردة، ومن المبادئ والبديهيات في العلم، كل شيء ينطوي
على تعميم للأفكار
ليس داخل نطاق المرأة؛ فدراستها
ينبغي أن تهتم بالأمور العملية؛
فمهمتهن تطبيق المبادئ التي يكتشفها الرجل. ويترك لهن أن
يعملن الملاحظات التي تؤدي بالرجل إلى اكتشاف هذه المبادئ.»
٧٨
وهنا مرة أخرى عندما يُقال لنا «إنَّ فن التفكير غريبٌ عن المرأة، لكن ينبغي عليهن
فحسب أن يتصفَّحن ظاهر علم «الاستدلال».»
٧٩ فعلينا أن نكون على يقين من أنَّ إمكانات المرأة، في الجانب الرئيسي من
مؤلفات روسو، هي في الواقع غير مناسبة للموضوع، وما هو أكثر أهمية أنَّه
ينبغي عليها، من حيث الجسد والروح معًا، ما يريد لها الرجل
أن تكون؛ مساعدته في العمل بقَدْر ما تكون محظيته. وإنَّه لمن المُؤكَّد أنَّها لن تستفيد
شيئًا إنْ هي حاولَت أن تكون شيئًا آخر؛ ﻓ «جولي» تكتب إلى حبيبها «سان-برو» وهي
بالقطع تُعبِّر عن رأي روسو حين تُردِّد هذه الوظيفة بدلًا من أن تُحصي خصائص النساء
من
الناحية الوصفية ويرفض بشدة حُجة أفلاطون ما دامت الاختلافات بين الرجل والمرأة تصل إلى
حدِّها الأدنى فلا بُدَّ لهن من تربيةٍ مختلفة، لكن «جولي» ترى أنَّه من الواضح أنَّ
«غرض
الطبيعة» و«مقاصد الخالق» ألَّا يكون الجنسان متشابهَين. فما دام غرض الطبيعة
والخالق يستهدف جعل المرأة زوجة، ومُربية للأطفال، ومُشرفة على الأعمال المنزلية، كما
يستهدف تخصيصَ الرجال للعمل والسعي على الرزق في العالم الخارجي، فهذه المُحاكاة
العابثة من جنس لجنسٍ آخر هي قمة الحماقة التي تجعل الرجل الحكيم يسخر منها كما أنَّها
تطرد الحب. إنَّ الرجل الكامل والمرأة الكاملة
ينبغي
ألَّا يُشبه كلٌّ منهما الآخر في الروح أكثر من الوجه.»
٨٠
من الواضح أنَّ «روسو» لم يهتم، في نضجه، باكتشاف أنَّ الإمكانات الطبيعية للمرأة
قد
تُمكِّنها من الإنجاز، وإنَّما اهتم ببساطة إلى توجيهها إلى دورها كمُساعد ومُعين للرجل
ومُكمِّل له في الأسرة الأبوية البطرياركية، ولم يتجاوز «روسو» هذه النظرة الضيِّقة
لإمكانات المرأة. ولقد أكَّد «روسو» عدة مرات أنَّ عقل الفتيات الصغيرات مبكر النضج عن
عقل الأولاد الصغار، والتفسير الذي يُقدِّمه لذلك هو تفسيرٌ وظيفي خالص؛ فهُنَّ جميعًا
عليهن أن يصنَّ الجوهرة الثمينة للبكارة، حتى إنَّ الفتاة يُعهد بها إلى وصي أو
حارس. وكما تُوضِّح «جولي» ذلك بقولها: «إذا كان العقل في العادة أكثر ضعفًا ووهنًا عند
النساء فهو يتشكَّل كذلك، وينضح عندهن مُبكِّرًا على نحوِ ما تنمو زنابيل عبَّاد الشمس
وتموت قبل ثمار البلوط. إنَّنا نجد أنفسنا منذ لحظة البداية يُعهد إلينا بهذا الكنز
الخطير الذي يضعف حكمنا العناية بالمحافظة عليه.»
٨١
وما إن يتطوَّر عقل المرأة على نحوٍ كافٍ بحيث تستطيع أن تعرف كيف تُحافظ على بكارتها
وتُحقِّق من ضرورتها وأنَّه من الجوهري بالنسبة لها أن تفعل ذلك، مهما كلَّفها، حتَّى
يكون في استطاعتنا أن نستنتج أنَّها ستكون ساكنة إلَّا بمقدار ما يُطلب منها أن تكون
زوجة فاضلة وأُمًّا جيِّدة. ومن ناحيةٍ أخرى عندما يطرح السؤال: «أيمكن للنساء أن يكون
لهن عقلٌ جافٍ؟» سوف تتبعه في الحال الإجابة: «إنَّ من الجوهري بالنسبة لهن تهذيبه. أتكون
هذه الثقافة للوظائف المفروضة على النساء، أهي تتعارض مع البساطة التي تناسبهن؟»
٨٢ وإذا كانت النساء قادراتٍ على العقل، فمن الواضح أنَّه ينبغي تدريبهن
للاستدلال فحسب لو كان يُساعدهن في إنجاز وظائفهن المناسبة على نحوٍ أفضل ولا يجعلهن
أقل
إسعادًا للرجال.
ولقد رأى روسو الخصائص المناسبة للجنسَين في المجالَين الأخلاقي والعقلي على أنَّها
تكمل بعضها بعضًا بالضرورة؛ فهي منفردة ناقصة، وغير كاملة، وهما معًا يُشكِّلان كلًّا
واحدًا في موجودٍ متناغم؛ فمن حيث العقل «النساء لديهن الدهاء والفطنة أكثر في حين أنَّ
الرجال أكثر عبقرية؛ فالمرأة تُلاحظ بينما الرجل يستدل، وينتج من هذا التعاون
الاستنارة، ومعرفة تامة أكثر مِمَّا يستطيع العقل البشري أن ينجزه.»
٨٣ وليس ذلك أقل صدقًا في ميدان الأخلاق «فالعلاقة الاجتماعية بين الجنسَين هي
شيءٌ رائع. وينتج عن هذا الارتباط شخصٌ أخلاقي تكون فيه المرأة هي العين والرجل هو
الذراع، لكن في مثل هذا الاعتماد من أحدهما على الآخر، الرجل يعلِّم المرأة ما ينبغي
عليها أن تراه، وتعلِّم المرأة الرجل ما ينبغي عليه أن يعمله.»
٨٤ وبالمثل في الزواج المفترض بين «جولي» و«دولمبير» تقول جولي إنَّه ليس
للاثنين سوى عقلٍ واحد، وفيه «يكون هو الفهم وأكون أنا الإرادة.»
٨٥ فجولي تشعر، وتثير، وتُلهِم الناس في حين أنَّ «دولمبير»، يستدل ويتخذ
القرارات. وكما أشارت «جوديث شكلار» فإنَّه على حين أنَّ «روسو» يتحاشى استخدام تراث
العصور الوسطى مجاز «الجسد السياسي» في المجال السياسي، فإنَّه يُطبِّقه بصورة مُعدَّلة
قليلًا في مجال الأسرة، ليصف التكامل الطبيعي بين الجنسَين أثناء الزواج:
٨٦ فإذا لم يكن الرجل والمرأة متكاملَين بالطبيعة فإنَّ مؤسسة الزواج، فيما
يقول روسو، ستكون في خطر، ومعها الأساس الذي يقوم عليه الاستقرار الاجتماعي؛ لأنَّه إذا
كان الرجل والمرأة مزودَين بمواهبَ تامة وكاملة لكلٍّ منهما بدلًا من الاعتماد المتبادل
بينهما «فإنَّهما سيعيشان في شقاقٍ ونزاعٍ لا ينتهيان، وسوف تكون العلاقات بينهما
مستحيلة.»
ومن ثمَّ فإنَّ السبب الذي جعل «روسو» يرفض تطبيق معتقداته عن الأثر الهائل لعوامل
البيئة، على النساء كما فعل في الرجال، وينتهي إلى أنَّ إمكاناتهن لم تكتشف كذلك، هو
إقناعه القوى بفضائل الأسرة البطرياركية؛ فهو الذي جعله ينفر من اعتبار النساء شخصياتٍ
مستقلة أو يَكُنَّ شخصيات في أي سياقٍ آخر غير الأسرة. ويُؤكِّد روسو أنَّ الحُجج عن
المساواة أو اللامساواة بين الجنسَين، ليست ببساطة سوى مناقشاتٍ عابثة، لا سيما إذا ما
أدرك المرء ما الذي ينبغي أن تكون عليه المرأة لكي تُحقِّق وظيفتها الطبيعية والجنسية
ووظيفة الأم.
٨٧
وعلى حين أنَّ روسو يشترط نظامَين متميِّزَين ومختلفَين جدًّا للأولاد، يعتمدان على
ما
إذا كان القصد جعلهم مواطنين أو رجالًا مستقلين طبيعيين، فإنَّه لم يضع سوى نوعٍ واحد
فقط من التربية يتناسب مع النساء وهو نظام، كما سوف نرى، لا يُناسب المرأة كمواطنة،
بالمعنى الذي يستخدم فيه روسو هذه الكلمة، فإنَّه بالقطع لا يُناسبها كشخصٍ مستقل. وما
يُسمَّى بتربية المرأة الطبيعية هو تدريبها على الاحتشام والبساطة والانصياع والأعمال
المنزلية، والخضوع التام للرأي السائد، وتربية «صوفي»، هي فشلٌ تام على نحو ما يظهر لنا،
وتلك هي النتيجة المنطقية للدور الضيق الذي اعتقد روسو أنَّه الدور الوحيد المشروع
للمرأة.
وكما سبق أن قلنا، فإنَّ كتاب «إميل» هو نقد، ليس بالضبط للتطبيق العملي للتربية
المعاصرة، بل لكل ما أنتجته الحضارة ﻟ «رجل الطبيعة». «كل شيء خيِّر إذا ما تُرِكَ بين
يدي خالقه، لكنَّه ينحط إذا ما تُرِكَ للإنسان … فهو يجذم كلبه، وحصانه وعبده … وهو
لا يُريد أن يترك شيئًا على نحو ما صنعَتْه الطبيعة، ولا حتَّى الإنسان؛ فهو يُروِّضه
كما
يُروِّض الحصان بحيث يجعله متفقًا، مع ذوقه كالشجرة في حديقته.»
٨٨ أمَّا إميل فهو استثناء. إنَّه طفل ذكَر سليم الصحة، ينبغي أن يُربى على
أساس أن يكون مُتحرِّرًا من الأحكام المُبتسَرة المنتشرة في العالم من حوله — ذلك العالم
الذي لا بُدَّ أن يُجرِّده من خيريته وأمانته الطبيعية ليُشكِّله في أذواق وحاجات
الحضارة الفاسدة. إنَّ الطريق الوحيد لاكتشاف القوى الكامنة في الإنسان، هو النظر في
أصوله، وطفولته، وتشجيعه لتطوير جميع إمكاناته الطبيعية على نحو ما تتجلَّى هي ذاتها.
هكذا كان تعريف روسو لرجل الطبيعة، هو تعريف ممتد لا ينتهي؛ فهو لا بُدَّ أن يتحرَّر
ليُصبح على نحوِ ما يستطيع، وما يُريد أن يكون.
أمَّا المرأة فهي بالمقابل تُعرَّف تعريفًا غائيًّا تمامًا، من منظور ما يُرى أنَّه
غرضُها في الحياة؛ ومن ثمَّ كان تعليمها يُمليه عليها تمامًا وظيفتُها والخصائص التي
تُعتبر جوهرية في حياتها؛ إذ أُريد لها أن تُحقِّقها على نحو مناسب. وما دام يذهب
إلى أنَّ الأسرة جوهرية للمجتمع، ويزعم أنَّ مركز المرأة الثانوي يُمليه ضرورة أنَّ
الأبوة ليست موضع شك، فإنَّ «روسو» ينتهي إلى أنَّ الخطوط العريضة لتربية الأنثى تنبع
من ذلك على نحوٍ مباشر. وكما اعترف كثيرٌ من الباحثين في «روسو»، فإنَّ التربية المقترحة
للنساء تقوم بالتالي على مبادئ تتعارضُ مباشرة، وبشكلٍ أساسي مع مبادئ التربية المقترحة
للرجال
٨٩ هذا التقابل بين تربية «إميل» المبنية على قدرات الرجل المجهولة، وتربية
«صوفي» المؤسَّسة على تربيتها الأنثوية المحدَّدة بشكلٍ ضيق، تُلخِّصها بوضوحٍ الفِقرة
التالية، التي ينبغي مقارنتها بالكُتب الأربعة الأولى من «إميل»:
لا بُدَّ أن تكون تربية النساء مرتبطة تمامًا بالرجال، لإسعادهم ولتكون نافعة لهم،
ومحبوبة ومحترمة منهم، وتربيتهم عندما يكونون صغارًا والعناية بهم عندما يشبُّون، وتبذل
لهم النصح وتجعل حياتهم سعيدة وجذابة — تلك هي واجبات النساء في كل العصور، ويجب أن
يتعلمنها منذ الطفولة. وما دمنا نرفض العودة إلى هذا المبدأ، فإنَّنا سوف نضل
هدفنا وننحرف بكل ما نعطيه للمرأة ما لم تكن نتيجته إسعادنا.
٩٠
وبعد أن درس عدم إمكان إعطاء المرأة أيَّة تربيةٍ عقلية على الإطلاق بل أن نحصر
تدريبها في «أعمال جنسها فحسب»، انتهى روسو إلى أنَّ هذا الحل لن يكون كافيًا أو مقنعًا
إلَّا لحياةٍ بسيطة منعزلة غير فاسدة؛ فالواقع أنَّ واجبات المرأة بسيطةٌ للغاية؛ فخضوعها
لسلطة زوجها المطلَقة وتكريسها لنفسها لخدمة أطفالها هي نتائجُ طبيعية لمركزها في الحياة
الذي لا يحتاج إلى فكرٍ ورَوِيَّة من جانبها لتعرف هذه الواجبات. ومن هنا كانت المرأة
في
البيئة الريفية الأخلاقية يمكن أن تُترَك في جهلٍ عميق دون خوف على فضيلتها، لكن في عالم
المدينة الفاسد الذي لا يملُّ من إغرائها، ويحيط بها الكثير من الأحكام المدمِّرة المخرِّبة
تقودها إلى الضلال والانحراف، فإنَّها سوف تحتاج إلى قَدْر من التربية المتقدمة التي
تعمل
على تطوير ضميرها ومعرفةٍ تامة بنسَق القيم السائد حولها في آنٍ معًا. وما دامت سوف
تُحافظ بالضرورة على جميع الممتلكات التي يعتمد عليها شرف زوجها، فلا بُدَّ من تربيتها
حدَّ المستوى الذي تستطيع فيه مصالحة أوامر ضميرها مع متطلبات الرأي العام، ناظرة إلى
جميع الأحكام المبتسَرة نظرة جادة، رافضة إيَّاها عندما يكون ضميرها في صراع معها. ولا
يُمكن أن تتم المعرفة الصعبة دون تهذيب ذهنها وعقلها.
٩١ وفضلًا عن ذلك، على نحو ما سنرى في الفصل الثامن، فإنَّ مصير عملية
التوفيق والمصالحة التي اقترحها روسو للنظريتَين؛ الضمير والرأي العام، كان في الواقع
مهمةً مستحيلة.
أمَّا بالنسبة للسؤال عن المركز المناسب المخصَّص للمرأة وأسلوبها في الحياة، فقد
كان
روسو على يقين أنَّ اليونان (وإن كان في هذه الحالة يستبعد الإسبرطيين) كان عندهم وحدهم
الإجابة الصحيحة عنها.
٩٢ لا سيما بعد الزواج «ليس ثمة أخلاق طيبة للنساء بعيدًا عن الحياة المنزلية
والانطواء على الجنس.»
٩٣
وهو يستشهد باستحسانٍ بشعار بركليز الذي يقول فيه إنَّ «المرأة الصالحة ينبغي ألا
تتعلَّم أبدًا»، ويقتبس آراء أرسطو عن النساء في فِقرات من «إميل» حُذِفَت بعد ذلك. وكما
قال الفيلسوف القديم على حين أنَّ المرأة وحدها ينبغي أن تُنظم المنزل، فإنَّها ينبغي
أن تنحصر بداخله، وينبغي أن تظل تحت سيطرة القانون المطلَق لزوجها.
٩٤ ويعتقد روسو أنَّ النموذج اليوناني في العزلة الكاملة والأعمال المنزلية
«هو أسلوب الحياة الذي تفرضه الطبيعة ويُحتِّمه العقل لجنس الأنثى.»
٩٥
وعند روسو أنَّ الطبيعة لا تُمْلِي فقط تربيةً مختلفة ونظامًا للحياة يختلف أتمَّ
الاختلاف بين الجنسَين، بل تفرض أيضًا أن يعيشا في الأعم الأغلب منفصلَين أحدهما عن
الآخر. كما قال في خطابه إلى «دالمبير»: دعنا نتبع ميول الطبيعة، دعنا نُراعي صالح
المجتمع، وسوف نجد أنَّ الجنسَين ينبغي أن يتصلا أحيانًا على أن يكون الأمر المعتاد هو
عيشهما منفصلَين.
٩٦ وكان ذلك أيضًا هو النظام المُفضَّل عند القدماء. وهو كذلك السبب الذي جعل
روسو يمتدح نوادي «جينيف»؛ لأنَّها تُشكِّل طريقة يستطيع فيها الرجال أن يتحرَّروا من
قيود المطالب وثرثرة نسائهن، ويتحدَّثوا في أمورٍ أكثر أهمية. بينما تستمتع النساء
بأحاديث القيل والقال التي يُحْتَمل أن تكون سيئة لكنَّها أخف ضررًا من الأعمال البديلة
التي يُمكن لهن أن يُكرِّسن أنفسهن لها. وهنا كذلك، في رأي روسو، نجد أنَّ الارتباط
الزائد جدًّا بين الجنسَين لا يُؤدِّي إلى انهيار الأخلاق فحسب، بل يُؤدِّي أيضًا إلى
ضياع هيبة الرجال: «فما دمنا نعجز عن أن نجعل من أنفسنا رجالًا، فسوف تصنع منَّا النساء
نساءً.»
٩٧ وعندما اعترض ناقد على النوادي كان رد «روسو»، يقول له: «ابحث عن طريقة
أخرى يستطيع فيها الرجال أن يعيشوا منفصلين عن النساء، وسوف أتخلَّى عن تلك الطريقة.»
٩٨
«هذا المبدأ الذي تعتمد عليه كل أخلاق جيِّدة»
٩٩ تطوَّر في «هلويز الجديدة» بتفصيلٍ أعظم؛ فعلى الرغم من أنَّ «جولي» وزوجها
يعيشان معًا، فإنَّهما لا يفعلان أبدًا نفس الشيء أو شيئًا واحدًا. مادامت الميول
التي وهبَتها لهما الطبيعة مختلفة باختلاف الوظائف التي فرضَتها عليهما.
١٠٠ ومن هنا فإنَّ «فولمار» و«جولي» يتفقان على أنَّ هذا الانفصال في أسلوب
الحياة، والتقسيم الكامل للعمل، هو أفضل طريقةٍ طبيعية للحياة، سواء بالنسبة للحب أو
انسجام الزواج. وفضلًا عن ذلك فإنَّ الخدم، فيما عدا بالنسبة لوجبات الطعام، وبعض
الاحتفالات التي تخضع للرقابة، يعيشون منقسمين تمامًا تبعًا للجنس حتَّى يضمنوا عفتهم
واحتشامهم وهما أساس الأخلاق كلها. والنظام المنفصل الذي يحكم في كلارنس (مدينتهما):
«يشهد على صحة أنَّه في البيت المنظَّم تنظيمًا جيِّدًا ينبغي ألا يكون بين الرجال والنساء
سوى ارتباطٍ ضئيل.»
١٠١
ومن المهم أن نُلاحظ أنَّ «سان برو» وهو يمتدح نموذج الحياة المفضَّلة عند آل فولمار،
يذهب إلى أنَّه باستثناء الفرنسيين وأولئك الذين يُحاكونهم، فتلك في الواقع هي العادة
المتبعة بصفةٍ عامة بين سُكَّان العالم. ويختتم كلامه «ذلك هو النظام العام الشامل الذي
يظهر أنَّه طبيعي، حتَّى في الأقاليم التي انقلبَت ما زلنا نشهد بقاياه.»
١٠٢
وهذه الحُجَّة تتعارض تعارضًا صارخًا مع خصائص روسو الذي كان من جوانبَ كثيرة مُحطِّمًا
للعادات والتقاليد ليس مُعتادًا، بالقطع، أن يذهب إلى أنَّ التطبيقات والممارسات
المعاصرة في العالم تُجسِّد ما هو طبيعي وضروري للجنس البشري. وكما قال في السابق عن
دعوى «لوك»، الأسرة طبيعية. فكذلك أيضًا حُجته هذه التي سوف تُؤدِّي إلى إقرار أنَّ
«الطبيعة تنشئ المجتمع المدني أيضًا. كما تنشئ الفنون والتجارة، وكل ما ادعى أنَّه نافع
للإنسان.»
١٠٣
لقد فشل «روسو» أن يطبق في حالة النساء أنواع الحُجة التي استخدمها في تعريف «رجل
الطبيعة»، وبدلًا من ذلك وجد أنَّ وضعهن الطبيعي هو دورها المساعد في الأسرة الأبوية،
وقد وهبَتْها الطبيعة تلك الصفات الضرورية اللازمة للقيام بهذا الدور. وهو هنا يهدم حُجته
الخاصة عمَّا هو طبيعي مرةً أخرى، ليستخدم ما هو منتشر في ممارسات العالم كمعين ودعم
لأسلوب الحياة المنفصل عنده الذي يفصل بين الجنسَين. ولمَّا كان قد اقترح شكلًا من أشكال
التربية للنساء، يجعلهن موضوعاتٍ جنسية مُحبَّبة، وزوجاتٍ خاضعات، فإنَّ روسو يُواجه
مأزِقًا حرجًا هو أنَّ النساء اللائي يُربَّين على هذا النحو غيرُ صالحاتٍ ليكنَّ رفيقاتٍ
كل
يوم لنوع الرجال الذي يعتقد أنَّ المجتمع بحاجة إليه. وحلُّه الوحيد هو أن ينتهي إلى
أن
يقول إنَّ ذلك ليس نافعًا اجتماعيًّا فحسب، وإنَّما هو أنَّ الطبيعة التي تجعل الجنسَين
في أغلب الأحيان، ينفصل الواحد منهما عن الآخر.