الفصل السابع

المساواة والحرية بين الرجال

القيمتان اللتان تنتشران أكثر من غيرهما وتتعايشان في فلسفة روسو الاجتماعية والسياسية. هما: المساواة والحرية. وعلى حين أنَّه يرى أنَّ هذه الصفات جوهرية للرجال، فإنَّه يُنكر أنَّها تُناسب النساء، وهذا التقابل في النظرة هو موضوع الفصل الحالي.

لقد كان عدم المساواة أو التفاوت واحدًا من أعظم اهتمامات «روسو» وهو ذلك التفاوت السائد من حوله، ومن أكثر الموضوعات شيوعًا في فلسفته، ألا وهو اكتشاف مبادئ النظام السياسي التي يُمكن أن تُقلِّل التفاوت بين الناس إلى الحد الأدنى.١ ولقد نشأَت كراهيتُه العميقة لعدم المساواة من خبرته الشخصية. وكما قالت جوديث شكلار: «لقد كانت اللامساواة عنده باستمرار تجربةً شخصية عميقة، وممارسته للقسوة من جانب، وللعبودية والخوف من جانبٍ آخر.»٢ فصدمة المصلحة تقتضي منه أن يكون أولًا صبيًّا تحت التمرين، ثمَّ خادمًا خصوصيًّا، بعد طفولة قيل عنها: «إنَّه اعتاد أن يعيش فيها على أساس المساواة التامة مع الراشدين» جعلَته ينتهي بسرعة إلى النتيجة إلى أن يقول: إنَّ أي ارتباطٍ فيه عدم مساواة فيه على الدوام إساءة للجانب الضعيف.٣ فهو يشعر أنَّه يعرف الجانب المظلم من اللامساواة معرفةً حميمة، وهذا الجانب هو الذي طَرقَه.

وكتاب روسو «أصل التفاوت» هو نتيجة تأملاته حول المساواة الطبيعية المُقرَّرة بين البشر، وتأملاته حول التفاوت أو اللامساواة التي خلقوها (أصل التفاوت، ص٧٨).

ولا شك أنَّ هناك اختلافاتٍ وفروقًا طبيعية بين الأفراد، اختلافات جسمية، وفي القوة الذهنية والمواهب؛ ومن ثَمَّ في قدراتهم على الإنتاج والتحصيل، لكن العلاقات السياسية المختلفة التي استقرت بين الناس إمَّا أن تُبالغ أو تُقلِّل وتُعوِّض هذه اللامساواة الأصلية.

وكما لاحظنا من قبلُ فإنَّ العصر الذهبي، عصر الاستقلال، ومن ثَمَّ الأسر الأبوية البطرياركية المتساوية — نظر إليه روسو على أنَّه «أسعد حقبة وأعظمها دوامًا. وأفضل حِقبة للإنسان. وهو يعتقد أنَّه كانت هناك بعض الأحداث القاتلة، التي أخرجَت الإنسان من حالة المساواة الحقيقية.»٤ والأحداث القاتلة التي أدت إلى حالة اللامساواة المتزايدة بين أعضاء جنس الذكور، كانت هي التي أسَّست الملكية الخاصة، وتقسيم العمل، وتبادل السلع. وكان من نتيجة هذه التطوُّرات أنَّ بعضَ الناس امتلكوا وبعضهم احتاجوا، ومن ثمَّ اغتنى البعض على حساب البعض الآخر. والخطوة من هنا إلى اللامساواة السياسية يُفسِّرها الجزء الثاني من «أصل التفاوت»، على أنَّها نشأَت من غواية الغني للفقير بعقدٍ زائف. والفقير الذي أسرع إلى الأصفاد، في حين أنَّ الفقراء، معتقدين أنَّهم حقَّقوا حريتهم، لم ينجحوا إلَّا في مشروعية إفساد أنفسهم بواسطة الأغنياء، وينتهي روسو:
«كان ذلك، أو ينبغي أن يكون، أصل المجتمع والقوانين التي أضافت قيودًا جديدة للضعفاء، وقوًى جديدة للأغنياء، ومرَّت الحرية البشرية لكل العصور، وأقامت إلى الأبد قانون الملكية وعدم المساواة، فحوَّلت الاغتصابَ الماهر إلى حقٍّ لا يُنقض، ولصالح قلَّة من الطموحين، يخضع الجنس البشري كله للعمل والعبودية والبؤس.»٥
والنتيجة هي أنَّ جميع الحكومات القائمة، رغم دعواها المختلفة للمشروعية، تقوم على الغش. «وعلى الرغم من المساواة العابثة الخيالية للحق»٦ التي تدَّعيها المجتمعات المتديِّنة، لكنَّها مساواة غير مضمونة للعصر الذهبي، والواقع أنَّ قوة المجتمع قد اختارها الأقوياء لكي تُمكِّنهم من قهر الضعفاء بعنفٍ أكثر وبطريقةٍ شبه مشروعة: وهكذا نجد أنَّ «الأكثرية سوف تُضحِّي دائمًا من أجل القِلَّة، كما حوَّلَت الصالح العام إلى مصالحَ خاصة. تلك الكلمات النفيسة والعدالة والطاعة سوف تصلح دائمًا كأدوات للعنف وأسلحة للظلم، وهكذا ينتج أنَّ الطبقات العليا التي تزعم أنَّها نافعة لبقية المجتمع لا تصلح في الواقع إلَّا لخدمة نفسها على حساب الآخرين.»٧
ويذهب روسو إلى أنَّه كلما ازدادت القوة أو الثروة، فإنَّه لا يُمكن أبدًا خلق الحق المشروع. «إنَّ الخضوع للقوة هو عمل من أعمال الضرورة لا الإرادة، وعلى الأغلب هو عمل من أعمال الحرص؛ فبأي معنًى يُمكن أن يُعدَّ واجبًا؟»٨ وعلى ذلك فلمَّا لم يكن لإنسانٍ بالطبيعة حق السيطرة على إنسانٍ آخر، ولا يُمكن للسلطة أن تُستمد من القوة، فإنَّه ينتهي إلى أنَّ الحل الوحيد المشروع لمشكلة السلطة السياسية هو العقد الاجتماعي؛ فهو الحق الذي يجعل من إرادة الناس ذات سيادة.٩ وبدون هذا الأساس التعاقدي فإنَّ تعهدات النظام السياسي لا يُمكن أن تكون سوى «خُلفٍ لا معقول، وطغيانٍ خاضع لأعظم قَدْر من سوء الاستخدام» (إميل، ص٨٤١) (العقد الاجتماعي، ص٥٤) وعلى العكس فهو يقول في كتابه «العقد الاجتماعي»:
«بدلًا من تدمير المساواة الطبيعية، الاتفاق الأساسي، تُستبدل المساواة الأخلاقية المشروعة باللامساواة البدنية التي أقرَّتها الطبيعة بين البشر — والتي رغم أنَّهم قد لا يكونون متساوين من حيث القوة والذكاء، تجعلهم جميعًا متساوين عن طريق التعاقد والحق» (العقد الاجتماعي، ص٣٦٧، و٦٠).١٠

وعن طريق إعطاء كلٍّ نصيبًا متساويًا في القوة المشروعة، فإنَّ النظام السياسي الذي يُبنى على نحوٍ جيِّد يستطيع أن يجعل المجتمع المدني حالة من المساواة أعظم من الحالة الموجودة بينهم على نحوٍ طبيعي.

وواضح من نصيحته للقادة البولنديين حول نقص تمثيل جماهير شعبهم الذين لا يزالون أقنانًا في التشريع، أنَّ روسو ينظر إلى اللامساواة السياسية على أنَّها ليست مشروعةً أبدًا، إنَّها يُمكن تحمُّلها مؤقتًا فحسب، في حين أنَّه يعترف أنَّ التحرُّر ليس من السهل إنجازه، يقول:
«قانون الطبيعة، وهو قانون مُقدَّس لا يجوز انتهاكه، لا يسمح لنا بحصر السلطة الشرعية بمثل هذه الطريقة، وأن نجعل القوانين المُلزمة لأي شخص لم يُدْلِ بصوته فيها بشخصه أو على الأقل من طريق ممثليه …»١١

وهو يقول للنبلاء «لمَّا كان الأقنان هم أيضًا بشرًا، في يدهم صناعة كل شيء تكونونه في المستقبل.» فلا بُدَّ من تحريرهم أولًا في الروح قبل الجسد، والارتفاع بهم إلى مستوى المساواة السياسية التامة.

وفي ضوء المبادئ المُقرَّرة فيما سبق ليس من الضروري أن نذكُر أنَّ «روسو» ينظر إلى العبودية على أنَّها عمل غير مشروع تمامًا (أصل التفاوت، ص١٦٧؛ والعقد الاجتماعي، ص٣٥٥–٣٥٨؛ وإميل، ص٨٣٩). إنَّها حطٌّ من ماهية الإنسان، وإهانةٌ للطبيعة والعقل، أن يتنازل المرء عن حياته وحريته، وحقه في نفسه لشخصٍ آخر. إنَّ الطبيعة التي جعلَت أول واجبات الإنسان المحافظة على نفسه، وضميره، المسئولة عن تنظيم سلوكه طبقًا لقواعد الأخلاق، لا يُمكن أن تغفر تخليه المُتطرِّف عن نفسه وعن استقلاله الذاتي. إنَّ الرقَّ الموجود لا يُمكن أن يكون قائمًا على شيءٍ آخر سوى القوة التي دعمَتْها العادة.

غير أنَّ روسو، كما لاحظنا مرارًا من قبلُ،١٢ فإنَّ الجمهورية المفضَّلة والأثيرة عنده هي دولة اليونان، بكل ما فيها من مساواةٍ مدنية قد تأسَّسَت على استعباد عددٍ كبير من الناس. وفضلًا عن ذلك فعندما واجه هو نفسه هذه الحقيقة واعترف بأنَّه ما دام أنَّ المجتمع المدني، مثله مثل أي انفصالٍ عن الطبيعة، فلا بُدَّ أن يكون له مساوئه، فربما كان لسوء الطالع، حالة الاستمتاع بالحكم الذاتي الحقيقي عن طريق تأكيد استعباد الآخرين. يقول «هناك بعض الظروف السيئة التي لا يستطيع الناس فيها الاحتفاظ بحريتهم إلَّا على حساب حرية البعض الآخر؛ حيث لا يستطيع المواطن أن يكون حُرًّا حريةً تامة ما لم يكن العبد عبدًا تمامًا» (العقد الاجتماعي، ص٤٣١)، فإذا ما عدنا إلى معالجة روسو للنساء، ووجدنا أنَّ مبدأ المساواة الذي يؤمن به بإصرارٍ لا يُطبِّقه عليهن أبدًا، فإنَّ من المهم أن نتذكَّر هذه النتيجة؛ إذ يبدو أنَّه كما أنَّ الحرية والمساواة بين المواطنين الإسبرطيين، تعتمدان على استعبادٍ جذري للهلوس Helos (أي العبيد) فإنَّ المثل الأعلى عند روسو لدولة رؤساء الأسر البطرياركية الأحرار المتساوين، لا بُدَّ أن تُبنى بالضرورة على استبعادِ النساء من الحقل السياسي وقهرٍ كامل لهن، وحصرهن في أمور الحمل والولادة.

ويعتقد روسو أنَّ مبدأ المساواة جنبًا إلى جنب مع نتيجته، هو رفض حق الأقوى وشرعية الحكومات التي تقوم فقط على أساس الإرادة العامة. وتلك مسائل في غاية الأهمية بالنسبة للرجال، لكنَّه ينتهك على الدوام كل مبدأ من هذه المبادئ بالنسبة للنساء وبلا تفسير.

  • أولًا: لقد انتهك روسو بخصوص النساء نبذه لحق القوة. فإذا لم تُصبح النساء موضوعات جنسية للرجال كما يريدون لهن «كلما كانوا أقل قدرة في السيطرة عليهن، عندئذٍ سيكون الرجال، هم السادة بحق» (إميل، ص٧٠١). ليس للمرأة سوى سحرها وجاذبيتها لتعوِّض بها عن ضعفها، وقدرتها الأقل على المحافظة على نفسها وهي الخصال اللازمة للاستقلال في البناء الاقتصادي والاجتماعي. غير أنَّ «روسو» لم يقترح قط بالنسبة للرجال الذين يكونون أضعف من غيرهم، أنَّهم يحتاجون إلى مواهبَ طبيعيةٍ خاصة تُعوِّضهم عن هذا الضعف؛ لأنَّ مهمة العقد الاجتماعي أن يستبدل المساواة المدنية باللامساواة الطبيعية بين الرجال. وأي تفوق في القوة تكون الطبيعة قد وهبَتْه للرجال على النساء، من الواضح أنَّ له غرضًا ما، ولا ينظر إليه روسو كمطلبٍ من أي نوعٍ للتعويض أو التخفيف.

    أمَّا أنَّ الرجال أقوى من النساء، وهُنَّ يعتمدن عليهم في قوتهن، فتلك ببساطة، حقائق الحياة التي ينبغي أن تتعلَّمها النساء.

    ومن الواضح أنَّ «روسو» لم ينظر قط إلى النساء على أنَّهن مواطناتٌ ينبغي أن يُمنحن حق الاقتراع؛ بحيث تُسهِم أصواتهن في تشكيل الإرادة العامة. وعلى الرغم من أنَّه قال «النساء في جينيف الفاضلات المحبوبات» إنَّ مصيرهن أن يحكمن أنفسهن، فإنَّه يتضح مِمَّا يتلو هذه العبارة أنَّه لم يرَ سوى طريقةٍ واحدة فقط مشروعة لهن لاستخدام تأثيرهن وهي من خلال قوة ووساطة أزواجهن؛ فعند «روسو» لا يوجد رجلٌ مُتمدِّن يُقاوم نُصح زوجته الرقيقة. ومن هنا فإنَّ «قوة المطاردة عند النساء ينبغي أن تُمارس فقط في اتحاد الزواج». حيث ينبغي عليهن «مواصلة استغلال كل فرصة متاحة، حقوق القلب، وحقوق الطبيعة، لصالح الواجب والفضيلة، ولمجد الدولة وسعادة الجمهورية» (أصل التفاوت بين الناس) فمن خلال تأثيرها المنزلي على زوجها تستخدم استخدامًا كاملًا مشاعره من أجلها، وتلك هي القوة التي يُمكن أن تملكها النساء في جمهورية «روسو»؛ فليست هناك مساواةٌ ممنوحة للمرأة، مبنية على العقد الاجتماعي تحل محل اللامساواة الطبيعة. والمرأة على خلاف الأقنان البولنديين ليس لها الحق بفضل إنسانيتها للمشاركة السياسية. وقانون الطبيعة «المُقدَّس الذي لا يجوز مخالفته» الذي يقضي بالمشاركة، أو على الأقل بالتمثيل، لكل مَنْ يلتزم بطاعة القوانين، ومن الواضح أنَّ روسو لا يرى له تطبيقًا على أي عضوٍ من جنس الأنثى.

  • وأخيرًا: داخل نطاق الأسرة كان روسو واضحًا وأكثر صراحة في إنكار أن تكون النساء شريكاتٍ للرجال بالتساوي. وهو مثل أرسطو، ولوك، وهيجل، إنْ أردنا ذكر ثلاثة نماذج واضحة، أقام تمييزًا واضحًا بين الأسرة والدولة. وبغَض النظر عن الأمثلة التي درسناها فيما سبق، والتي أنكر فيها الوضع الطبيعي للأسرة، فإنَّه في مؤلفاته يُشير إلى الأسرة باتساق، على أنَّها مؤسسةٌ طبيعية، تقوم على المشاعر ومن ثمَّ فهي تفترق عن جميع الارتباطات السياسية الأوسع التي تقوم على التعاقد والحقوق والواجبات المتبادلة. وأولئك الذين زعموا، مثل «فلمر» أنَّ السلطة السياسية تقوم على السلطة السابقة للأب في الأسرة على أبنائه، يرتكبون بذلك غلطةً حقيقية، ومغالطةً خطيرة في محاولتهم إضفاء المشروعية على الحكومة المطلَقة.
ولهذا نراه يزعم أنَّ سلطة الأزواج على زوجاتهم هو نظامٌ طبيعي ولا يُمكن أبدًا مقارنته بمتطلبات المساواة في النظام السياسي؛ ذلك لأنَّ قانون الطبيعة يُلزم المرأة أن تُطيع الرجل، وأنَّه لا بُدَّ للزوجة «أن تُحافظ على شخصها دائمًا تحت قانون زوجها المطلق» (إميل) — «وأيَّة قوة تستخدمها المرأة ببراعة داخل الأسرة لا بُدَّ لها من اكتسابها من مناوراتها البارعة مع زوجها لكي تفعل ما تُريد أن تفعله، وأن تستغل وضعها كوسيط لمتعته ومسراته» (إميل، ص٨٦٥). عندما أحصى «روسو» الأسباب الثلاثة لهذه المخالفة الضخمة لمبدأ المساواة، فإنَّنا نستطيع أن نرى بوضوح أنَّها ترجع إلى المجتمع الأبوي القائم على المِلكية أكثر مِمَّا ترجع إلى حالة الأمر الواقع الذي يمكن استنتاجه من الطبيعة.١٣

لا يُمكن للسلطة في الأسرة أن تنقسم بين الأب والأم؛ إذ إنَّ أي انقسام في الرأي فيما يرى روسو، لا بُدَّ أن تكون هناك إرادةٌ واحدة تحسمه. وربما توقَّع المرء أن يكون صاحب مفهوم الإرادة العامة هو آخر فلاسفة السياسة الذين يقرِّرون حكمًا مطلقًا داخل الأسرة، جماعة حميمة جدًّا، من الناس يُميِّزها روسو نفسه عن المجتمع الكبير من واقعة أنَّه تربطها المحبة والاهتمام المتبادل — كان يُمكن أن تكون سياقًا نموذجيًّا يُطبَّق فيه مبدأ سيادة الإرادة العامة، ولا شكَّ أنَّ الأسرة النووية ينبغي أن تكون قادرة على إقامة ما فيه مصلحة الجميع. ما دامت الجمهورية المُؤلَّفة من عدة آلاف من البشر تستطيع ذلك؛ لكن لا أحد سوى الرجل ينبغي أن يحكُم.

والسبب الثاني الذي يُقدِّمه للبطرياركية الأسرية هو أنَّ للنساء دوراتٍ من الكسل وعدم النشاط بسبب وظيفتهن في الإنجاب. وعلى الرغم من أنَّ تلك الحُجة قد تكون ضعيفةً فيما يقول روسو: «فإنَّها سببٌ كافٍ لاستبعاد النساء من السلطة» ووضع السلطة الدائمة للأسرة في يد الزوج. ولا حاجة بنا إلى أن نقول: إنَّ روسو لم يلجأ إلى استدلال مماثل لكي يستبعد مجموعاتٍ معينة من الرجال الذين ربما كانوا غير مناسبين بسبب العرَج مثلًا أو الذين يعيشون بعيدًا جدًّا عن الاجتماعات أو صنع القرار. وعلى أيَّة حال فالحُجة حمقاء بلهاء، فيما عدا حالة القرارات التي لا بُدَّ أن تُتخذ إبَّان الفترات الأخيرة من ميلاد الطفل. وفي استطاعتنا أن ننتهي إلى أنَّ العملية الفعلية للحكم الذاتي التي هي بالغة الأهمية عند روسو للرجال فقط، قد نظر إليها على أنها بغير قيمة تُذكر للنساء.

ولا شك أنَّ السبب الثالث هو أهمها جميعًا ما دام «روسو» يعود إلى هذا الموضوع مرارًا (قارن إميل، ص٦٩٧-٦٩٨؛ وخطابه إلى دالمبير). لا بُدَّ أن يكون الزوجُ قادرًا على مراقبة سلوك زوجته؛ لأنَّه من الجوهري بالنسبة له أن يتأكَّد من أنَّ الأطفال عندما يُضطر إلى الاعتراف بهم أنَّهم حقًّا من صلبه ولا ينتمون لأي شخصٍ آخر سواه. «فروسو لا يعترف يقينًا بالأبوَّة كما يصفها، نوع مُعيَّن من المجتمع بمؤسَّساته المقدسة للملكية الخاصة والوارثة» (خطاب إلى دالمبير، ص٨٣). وقد ألحق بها أهميةً بالغة ليستبعد النساء من أيَّة حقوق لا يُمكن انتهاكها في المساواة والحكم الذاتي.

غير أنَّه لا سلوك «إميل» بالنسبة لأسرته، ولا سلوك والد «جولي» ولا سلوك روسو نفسه، يُشكِّل أي دليل على مزاعم روسو التي تقول إنَّه ليس الأطفال فقط في مرحلة الاعتماد، بل الزوجة أيضًا طوال حياتها، يُمكن أن يثقوا بأمانٍ في السلطة المطلَقة للأب بسبب مشاعر الأسرة الطبيعية. لا يُمكن أن يُقال عن «إميل» إنَّه يبرهن على المحبة الأبوية بعد أن هجر ابنه، كما هجر زوجته الآثمة؛ فهو يقول إنَّه أهون عليه أن يرى ابنه يموت، من أن يرى «صوفي» وهي حامل من شخصٍ آخر. ورواية والد صوفي عن اعتياده الزنا، واندفاعه التالي نحو زوجته (التي يُصاحبها — كما يُقال لنا — خيانته لزوجته) وعنفه مع ابنته كافٍ لأن يُؤدِّي إلى إكراهها على الزواج ضد رغبتها، والزعم بأنَّه سوف يقتلها لو عرف أنَّها فقدَت بكارتها — فتلك كلها أمور ليست مُشجِّعة، وسواء قام روسو كما يُروى بإدخال أطفاله من «تريز لافسير» «ضد رغبتها» إلى ملجأ للقطاء أم لم يفعل، فإنَّه لا ينظر إلى هذا الفعل، رغم ما فيه من إثم، على أنَّه مَثلٌ من أمثلة الاستبداد نحو الأطفال ولا نحو أمهم.

وكما أنَّ هناك مصالح متضاربة داخل المجتمع المدني كان روسو يعرفها تمام المعرفة، فكذلك في أيَّة مجموعة من الأفراد، ولا نستثني من ذلك الأسرة، فلا بُدَّ أن يأتي وقت، بالطبع، تكون فيه المصالح متضاربة تضاربًا جذريًّا. والواقع أنَّ «روسو» يُشير إلى أنَّه لم يقع في وهمه إساءة استخدام السلطة الأبدية، التي كان يرتكبها المجتمع في أيامه دون وخز من ضمير. أمَّا فيما يتعلَّق بالتفاوت السياسي فهو يعترف بأنَّه «بصفةٍ عامة سوف يكون من الحمق البالغ أن نتوقَّع أن يُفضِّل أولئك الذين هم في الواقع سادة أيَّة مصلحةٍ أخرى غير مصالحهم الخاصة …» وأنَّ الطغيان لا بُدَّ أن يُوجد بالضرورة «حيثما كان للشعب وللحكومة مصالحُ مختلفة، وبالتالي إرادات متعارضة» ولقد رفض أن يعترف حتَّى في ضوء أمثلته الشخصية المختلفة، أن تضارُب المصالح هذا، وما يتبعه من طغيان واستبداد، يتطلَّب إصلاحًا جذريًّا للأسرة مثل الإصلاح الذي دافع عنه للدولة. على العكس فإن تغلب الحاجة للمشاركة يستبعد أيَّة فكرة يُمكن أن تكون لديه تقول إنَّ العدالة والمساواة وثيقة الصلة بهذا السياق أيضًا.

هناك مؤشراتٌ كثيرة في مؤلفات «روسو» على أنَّه كان لديه سببٌ إضافي، لرفضه تطبيق مبدأ المساواة على النساء. وكان ذلك السبب هو خوفه الشديد من أنَّ النساء لو لم يكنَّ خاضعاتٍ للرجال بطرقٍ مهمة مُعيَّنة، فسوف يُسيطرن عليهم تمامًا؛ فهو يعتقد أنَّه ما دامت المرأة لديها القدرة لاستثارة رغبات الرجل الجنسية إلى حدِّ أنَّ هذه الرغبات لا تشبع تمامًا أبدًا، وما دامت الطبيعة جعلَتها قوية بما فيه الكفاية لمقاومته خطواته نحوها عندما يحلو لها أن تفعل ذلك، فإنَّه ينتج من ذلك أنَّه، فيما يتعلَّق بحاجات الرجل الجنسية: «فإنَّ الرجل بقانون الطبيعة الذي لا يتغيَّر» يعتمد على الإرادة الطيبة للمرأة (إميل، ص٦٩٥)،١٤ وكما يقول في خطابه إلى دالمبير «الحب هو مملكة النساء؛ فهن اللائي يعطين بالضرورة قانونه»؛ لأنَّه طبقًا لنظام الطبيعة فإنَّ المقاومة تنتمي إليهن. وليس في استطاعة الرجال هزيمة هذه المقاومة إلَّا على حساب حريتهم. وهكذا يُصبح من الواضح أنَّ المرأة كما رآها روسو، تحت إمرة مناطق حساسة في حياة الرجل. هذه القوة الجنسية المهولة التي تُسيطر على الرجل هي التي تجعله يتمسَّك بعناد أنَّه ينبغي «ألا تغتصب النساء حقوق الرجال». أو بعبارة أخرى يجعلن أنفسهن مساوياتٍ للرجال في تلك المجالات التي اعتاد الرجال أن يحتفظوا بها لأنفسهم. «لأنَّنا عندما نترك لها تفوُّقنا في جميع الخصال التي تناسب جنسها، وعندما نجعل منها مساويةً لنا في بقية المجالات، فكيف يختلف ذلك عن تحويلنا الأولوية للزوجة التي وهبَتْها الطبيعة لزوجها …؟» (إميل، ص٧٣١).

فالخوف من قوة النساء وما يرتبط بذلك من اعتقاد بأنَّ جنس الأنثى هو المصدر الرئيسي لجميع شرور العالم المتمدن ليس أمرًا يقتصر على روسو وحده بالطبع، وإنَّما هو أمرٌ واضح جدًّا في مؤلفاته في قصيدة عنوانها «عن النساء» يُوجِّهها إلى المرأة بوصفها. «الموجود المعنوي الميت الذي أعبده وأُبغِضه» ويُواصل حديثه قائلًا: «إنَّها تجعل الرجل عبدًا … وتسخر منه عندما يشكو … وتغلبه وتهزمه عندما يخشاها … وتعاقبه عندما يتحداها … وتُثير العواصف التي تُمزِّق الجنس البشري.» ومن المهم أن نُلاحظ في هذا السياق — مثل هزيود في عصره الذهبي الذي خلا من النساء — ومثل أفلاطون في محاورتَي «السياسي»، و«طيماوس» يذكِّرنا بجنة عدن قبل خلق حواء، وينظر روسو إلى الماضي على أنَّه حالةٌ أصيلة للطبيعة. رغم أنَّها لم تكن تخلو من المرأة — كانت فترة كان فيها أسلوب الحياة المنعزلة يعني أنَّه ليس ثمَّة علاقة اجتماعية بين الجنسَين ولم يكن الرجال فقط مُتحرِّرين من اعتماد بعضهم على بعض، وإنَّما هم كذلك، بطريقةٍ ذات مغزًى، مستقلين عن النساء، أو على الأقل عن أيَّة امرأةٍ معيَّنة طالما أنَّ إلحاحهم الجنسي يشبع تلقائيًّا من أي أنثى عابرة.

هذه الصورة البسيطة العاطفية للجنس، وصلَت إلى نهايةٍ مفاجئة بظهور الأسرة الواحدية في العصر الذهبي. ومِمَّا له مغزاه أنَّ اعتماد المرأة الاقتصادية على الرجل دخل متآنيًا مع اعتماد الرجل على المرأة لإشباع رغباته الجنسية. والقوة التي اكتسبتها بالتالي عليه من الواضح أنها قَلَبَت التوازن. وعلى الرغم من أنَّ «روسو» لم يفترض مثلما فعل المانويون فترةً خنثويةً سادت فيها براءة الجنس البشري، ثمَّ انبثقَت في نهايتها جميع شرور الجنس، عندما انقسم البشر إلى ذكر وأنثى، فقد رأى أنَّ الحالة الأصلية للطبيعة بوصفها فترة صراعٍ حر للغريزة الجنسية. فقط بعد ذلك عندما استقرت نماذج الحياة، ومقارنة الرجل لنفسه بالآخرين، ومقارنة المرأة لنفسها بالأخريات، والهجوم التالي للأنانية، حتَّى بدأ الارتباط بين الجنسَين والحب الفردي، ولقد كان ذلك هو الارتباط القاتل الذي نتجَت عنه الغيرة، والصراع «والمبارزات، والقتل وجرائم أسوأ من ذلك» (أصل التفاوت، ص١٣٧) ومن ثمَّ فإنَّ روسو، في اتفاق مع الخط الذي سار فيه القديس أوغسطين، يفترض وجود حادثة في التاريخ مرادفة لحادثة السقوط، شكَّلت المشاعر الجنسية والسلوك الجنسي من وسيلةٍ بسيطةٍ خالية من الصراع لإنجاب الأطفال إلى انفعالٍ طاغٍ عنيف يرتبط بكل إثم، وحسد، وخوف، وخطيئة. وما يُشير إليه بوصفه عنصرًا أخلاقيًّا في معارضة العنصر الفيزيقي البسيط للحب، كان إلى حدٍّ ما النتيجة المحتومة للانتقال من العزلة البدوية لحياة الاستقراء في المجتمع، لكن النساء هُنَّ اللائي اتُّهمن بأنَّهن قمن بتغذية الجانب الانفعالي للحب وزيادة أهميته، وذلك لكي يقمن بالسيطرة على الرجال (أصل التفاوت، ص١٣٥) ولقد وقع اللوم على جنس الأنثى للإثم والخوف بالمرور بتجربة تتعلَّق بالجنس، بوصفها هي التي أثارت هذه الانفعالات الطاغية.

وهكذا فإنَّ الأثر الهائل للنساء في المجتمع مُسْتمَد من سيطرتهن الجنسية على الرجال تلك حقيقة مستقلة عن الزمان والمكان. وإنْ كان اتجاهها الخاص ونتائجها ليست كذلك. ولقد اعتقد «روسو» أنَّ سيادة النساء الوقحات المُتحرِّرات، في فرنسا المعاصرة، ليست مسئولة فقط عن الجانب الضعيف للإنجازات العقلية والفنية في ذلك العصر، بل تضرب بجذورها العميقة في أسباب جميع الشرور الاجتماعية. وهذا الأثر الشرير للنساء هو الموضوع الرئيسي في خطابه إلى «دالمبير»؛ فبسبب أنَّ العالم الواقعي لا يُقدِّم أيَّة نماذج للنساء الفاضلات، كانت نماذج الشخصيات التي تظهر على المسرح بالغة الخطورة؛ لأنَّها تُغوي الرجال بالاعتقاد برومانسية الشيء وبراءته وهي في الواقع تُؤدِّي بهم إلى الخطيئة المميتة، فسوف تكون معجزةً أن نجد في لندن أو باريس في العالم الفعلي امرأةٌ واحدة ظاهرة حقًّا، فيما يقول بالتفصيل خطاب «سان-برو» من العاصمة الفرنسية. رغم أنَّ النساء في المجتمع الباريسي مثقفات وذكيات فقط طُردن منه بسبب وقاحتهن وعدم احتشامهن. ولمَّا كُنَّ يُشبهن الرجال كثيرًا فربما كُنَّ صديقاتٍ جيِّدات لكنَّهن لا يصلحن أبدًا زوجات (إميل، ص٧٣١) وتعليق «روسو» الوحيد على هذا الحكم أنَّه من الصعب كذلك إرضاء السيدات أنفسهن. ما دام يمنحهن خصالًا يحتقرنها، كما أنَّهُنَّ يُنكرن تلك الخصال التي تُلهم أيضًا.

وما دام يعتقد أنَّ «الرجال من ذوي الأخلاق السليمة هم أولئك الذين يعبدون النساء فعلًا. والنساء هُنَّ القضاة الطبيعيون على جدارة الرجل واستحقاقه» (إميل، ص٦٦٨، و٧٤٢) فقد اعتبر «روسو» لحرمان النساء (من الكنيسة) من حوله نتائج رهيبة. والطريقة الوحيدة للمحافظة على أخلاق المراهقة عند إميل «هي من ثمَّ عزله عن النساء المتزوجات والبغايا اللائي يُجمعن في قائمة الفسق والفجور. ما دامت كل النساء الأخريات في المجتمع الفرنسي يُوصفن بأنَّهنَّ حشدٌ من العاهرات، فإنَّ النساء الوحيدات اللائي يُمكن أن يتصل بهن اتصالًا آمنًا من العذارى من الوصيفات» (إميل، ص٦٥٩).

غير أنَّ روسو يتأرجح بين لوم النساء أنفسهن على الأخطاء والأثر السيئ الذي ينسبه إليهن، فإنَّه يعترف في خطٍّ واحد مع استدلالته عن الرجال المعاصرين، أنَّ الظروف الاجتماعية والقانونية هي السبب إلى حدٍّ كبير؛ فهو من ناحية في خطابه إلى «دالمبير»، وفي خطابٍ تالٍ ﻟ «مسيو لينياب» يتضح أنَّ النساء وحدهن هُنَّ الملومات. وعندما عَلَّق لينياب نقده روسو في العمل السابق قائلًا: إنَّه ربما لم تكن غلطة النساء، وإنَّما غلطة الرجال أجاب روسو «لقد أخذ كتابي كله على عاتقه أن «يظهر أنَّها غلطتهن، وفي ظني أنَّه لا يُمكن الردُّ على ذلك».» وعلى هذا الأساس فقد أساءت النساء استخدام قدراتهن حتَّى يُفسدن الرجال ويُدمرن أخلاقيات المجتمع. أمَّا في «إميل» فازدواج العاطفة عند روسو بين لوم النساء أو لوم الظروف والمؤسَّسات المحيطة بهن مسألةٌ واضحة حتَّى إنَّه يفعل الاثنَين معًا أحيانًا في عبارةٍ واحدة يقول: «إنَّ حياة المرأة الطيبة في مؤسساتنا المُتبلِّدة هي كفاحٌ دائم ضد نفسها؛ فمن الصواب أن يُشارك جنسُها بنصيب في ألم الشرور التي سبَّبتها لنا» (إميل، ص٧٠٩) فهنا تصوُّر النساء على أنَّهن شخصية، لكن من المشروع أن يَكُنَّ كذلك؛ فالمرأة هي بالضبط «حواء» المطرودة، والساحرة المشعوذة التي كان من الصواب حرقُها.

ومن ناحيةٍ أخرى، من المرجَّح أنَّه شعر بتعاطف مع بطلته «جولي» في أزمتها اليائسة، كان روسو أبعد ما يكون عن الاعتراف في «هلويز الجديدة» أنَّه إذا كانت النساء قد ابتعدن كثيرًا عن مثله الأعلى، فذلك يرجع إلى حدٍّ بعيد، إلى إساءة استعمال السلطات المفروضة عليهن لا سيما من آبائهن؛ فإجبارهن على الدخول في زواجٍ سيئ بسبب المِلكية أو الغطرسة، يعني أنَّ القوانين والعادات تحرمهن مِمَّا تميل إليهن قلوبهن ومن الأشخاص الذين يملن إليهم — فذلك إلى حدٍّ كبير هو المُلام على سوء السلوك التالي.

لورد بومستون الذي كان يعمل أمينًا للسر عند «سان-برو» وأحيانًا كنوعٍ من الجوقة اليونانية، احتج بشدة على حق الآباء في تزويج بناتهن ضد إرادتهن. وانتهى إلى أنَّه «لا أحد يعلم إلى أي حدٍّ تُشارك القوانين في استعباد النساء في هذه البلاد، وليس ثمة ما يدعو إلى الدهشة إن انتقمن لأنفسهن بقسوة عن طريق أخلاقهن» (هلويز الجديدة، ص١٩٤). والتأكيد على أنَّ هذه هي آراء المُؤلِّف يُمكن أن يوجد في التصدير الثاني من الكتاب، وهو تصدير له قيمة لا تُقدَّر في توضيح بعض الأخلاقيات الرئيسية والرسائل التي توجد في الرواية. لقد اتفق روسو مع نقاده على أنَّ أخلاقيات المرأة المتزوجة فضيحة، يقول في رده على لينياب: «كن منصفًا في حق النساء. إنَّ السبب في سوء سلوكهن لا يكمن فيهن بقَدْر ما يكمن في مؤسساتنا الشريرة» (هلويز الجديدة، التصدير الثاني، ص٢٤) ويستطرد قائلًا: إنَّ المشاعر الطبيعية قد خنقها التطرُّف في اللامساواة في المجتمع، كما أنَّ استبداد الآباء هو الذي أدَّى إلى خطايا وشقاء أطفالهم، وبناءً على ذلك فإنَّ السلوك السيئ للنساء المعاصرات، وما ينتج عنه من آثارٍ شريرة يُمارسنها على المجتمع ككل، ستظل ثابتة ولن تتغيَّر حتَّى يُمكن ردُّها إلى أسبابٍ مُحدَّدة.

وهكذا نجد أنَّه على الرغم من أنَّه لا أمل في الفرار من تأثير النساء، فليس ثمَّة ما يدعو أن يكون هذا التأثير سيِّئًا، بل على العكس كما يُؤكِّد «روسو» في حديثٍ عن العلوم والفنون «أنا أبعد ما أكون عن الظن بأنَّ هذه الهيمنة للنساء هي في حد ذاتها شر، بل هي منحة وهبَتها لهن الطبيعة من أجل سعادة الجنس البشري، فإذا ما وُجِّهت توجيهًا حسنًا لكان من الممكن أن تنتج من الخير قَدْر ما تنتجه اليوم من الضرر.» لقد كانت النساء مقدَّراتٍ محترماتٍ في كل أمة فاضلة، والعصر الذي فقدت فيه هذه المكانة، ولم يعُد فيه الرجال يأخذون بأحكامهن: «سوف يكون آخر عصور الانحطاط»؛ فأي أشياء عظيمة يُمكن أن ينجزها تأثيرهن لو أنَّه وجِّه توجيهًا سليمًا سواء على الفرد أو على المستويات القومية! فالإلهام الذي يُحدثه أن تكون محبوبًا من امرأةٍ طيبة يراه «روسو» قادرًا على صنع المعجزات في الرجل يقول: «من المؤكَّد أنَّ النساء وحدهن يمكن أن يُعدنَ لنا الاستقامة والأمانة والفضيلة» (إميل، ص٧٤٢).

لكن من الواضح أنَّ «روسو» لم يرَ سوى طريقٍ واحد فقط يُمكن أن تمارس فيه النساء تأثيرًا هائلًا من أجل الخير؛ هو أن يُكرِّسن أنفسهن تمامًا كزوجات وأمهات، ويُمارسن سيطرتهن النافعة على الرجال، واستعادة الفضيلة إلى المجتمع. والنساء عند روسو محكوماتٌ تمامًا بالحياة المنزلية، ومستبعَداتٌ تمامًا من الحياة الدينية، يكنَّ مساعداتٍ دائمًا للرجال؛ لأنَّ الجنس، عند فيلسوف المساواة، هو الأساس الوحيد المشروع للمعالجة الدائمة غير المتساوية لأي شخص.

لقد ارتبطَت أهمية الحرية ارتباطًا وثيقًا بالمَثَل الأعلى للمساواة في كتابات روسو؛ فهو يُشدِّد باستمرارٍ على قيمة التحرُّر من الاعتماد على الأشخاص الآخرين أو على آرائهم وأحكامهم المبتسَرة. يقول «بين الشعب الحر وحده تظهر قيمة الرجل؛ فالحرية هي أنبل قدرات الإنسان.» ونبذ الحرية معناه نبذ الإنسان، والتخلي عن الحقوق الإنسانية وحتَّى واجباتها. وهذا النبذ يتعارض مع طبيعة الإنسان، إنَّ تجريده من حرية الإرادة يعني حرمان أفعاله من كل أخلاق (أصل التفاوت، ١٦٧؛ والعقد الاجتماعي، ٣٥٦) ففي حالة الطبيعة المفترضة في الجزء الأول من «أصل التفاوت»، وفي نظام التربية الذي عرضه في كتاب «إميل» كان من الواضح أنَّ الاستقلال عن الآخرين وعن آرائهم ذو قيمة مركزية والحرية — مثل المساواة — مثلٌ أعلى شخصي عند روسو. وهو يُعبِّر عن نفوره في «الاعترافات»، و«نشوة العزلة» من تبعية المرء لأي شخص، أو اضطراره لفعل أي شيءٍ حتَّى لو كان النشاط المطلوب نفسه هو في ذاته إسعاد للمرء (الاعترافات، ٣٧٩-٣٨٠). وهو ينتهي إلى أنَّ نقص الاستقلال عند المرء، يجعله في الواقع غيرَ صالحٍ تمامًا لحاجات المجتمع المدني. ما دمتُ كنتُ أعمل بحرية، فإنَّني إنسانٌ صالح ولستُ شيئًا آخر سوى إنسانٍ صالح، لكن ما إن أشعر بالنِّير فوق كتفي، سواء نير الضرورة أو الناس، حتَّى أُصبح مُتمرِّدًا أو حرونًا شرسًا ثمَّ لا أصلح لشيء … (نشوة العزلة، ص١٠٥٠).

على الرغم من أنَّ «روسو» حاول في نظريته السياسية أن يُوفِّق بين حاجة الإنسان والطبيعة إلى الاستقلال، وبين متطلبات الحياة في الحالة الاجتماعية، فإنَّ حالة الطبيعة الأصلية عنده هي إضفاء الصبغة المثالية على الاستقلال التام؛ فهي مُخصَّصة للبرهنة على أنَّ الإنسان خيِّر بطبيعته حين يعيش في عزلة عن أقرانه وفي استقلال عنهم، وأنَّ تطوُّر المجتمع ومضاعفة حاجاته وصراعات الاهتمامات التي تجعل الناس يعتمد بعضهم على بعض غذَّت الأنانية وسبَّبت أضرارًا لكل شخص.

ويُؤكِّد «روسو»: «لا بُدَّ لكل شخص أن يعلم أنَّه ما دامت روابط العبودية لم تتشكَّل إلَّا من الاعتماد المتبادل بين الناس، والحاجات المتبادلة التي تُوحِّد بينهم، فمن المستحيل استعباد الإنسان ما لم يُوضع أولًا في موضع العاجز الذي لا يستطيع أن يفعل شيئًا بدون الآخر. وهو موقف لم يكن موجودًا في حالة الطبيعة؛ ولهذا كان كل فرد في هذه الحالة مُتحرِّرًا من النِّير كما يجعل قانون الأقوى قانونًا عابثًا» (أصل التفاوت، ص١٤٠).

لكن لمَّا كان مُقدَّرًا لحالة الطبيعة أن تصل إلى نهاية، وبمجرد أن احتاج المرء إلى غيره «ظهر البؤس والعبودية» (أصل التفاوت، ١٥١).

إنَّ فلسفة روسو السياسية تهتم اهتمامًا أساسيًّا باستعادة الإنسان لحريته داخل المجتمع المدني؛ إذ بينما أي قيود تُلقى على عاتق إرادة الشخص من جانب شخصٍ آخر، تجعل الأول لم يعُد حُرًّا، فإنَّ الانسجام الاجتماعي، يحتاج بالضرورة إلى قيودٍ من نوعٍ ما. والحل الوحيد لهذه المشكلة الاجتماعية الكبرى، مشكلة اعتماد شخص على شخصٍ آخر التي تُسبِّب عند «روسو» جميع أنواع الرذائل، وتحرم كُلًّا من السيد والعبد (إميل، ص٣١١). هي إحلال حكم القانون محل إرادة الفرد؛ لأنَّه عندما تسود الإرادة العامة «فإنَّ كل إنسان عندما يطيع هذه السيادة فإنَّه يطيع نفسه، ويكون أكثر تحرُّرًا تحت الاتفاق الاجتماعي منه في حالة الطبيعة» (إميل، ص٨٤١)، وأي فرد داخل المجتمع المدني يضع جانبًا القانون الذي يتفق مع الإرادة العامة، ويزعم أنَّه يخضع لإرادة أي شخصٍ آخر، فإنَّه بذلك يُعيد نفسه والشخص الآخر إلى حالة الطبيعة الخالصة التي لا يُوجد فيها أي التزام من الآخر لطاعته، وحالة الحرب تنتشر بينهم (العقد الاجتماعي، ٣٥٦)؛ ومن ثمَّ فإنَّ الحكم الشخصي المطلَق والتبعية لا مكان لهما في نظرية روسو السياسية.

كما أنَّ «روسو» يبغض الاعتماد الشخصي؛ أي اعتماد شخص على شخصٍ آخر، فإنَّه يكره أيضًا الاعتماد على آراء الآخرين وأحكامهم المبتسَرة في أي زمان ومكان. ولقد وجد أخيرًا أنَّ من الضرورة العودة القهقرى من جميع التعاقدات الشخصية تقريبًا، إلى مجال الطبيعة، حتَّى يُحرِّر نفسه من «نِير الآراء». وكذلك في «أصل التفاوت» أكثر ما يؤسف عليه هو نهاية العصر الذهبي التي جلبَت معها الحاجة إلى قهر الآخرين مِمَّا أدى إلى الغش والخداع، وجميع الرذائل التي تلت ذلك. (أصل التفاوت، ١٥٥) ومنذ ذلك الحين تحدَّد مصيرنا. وتعتمد حكمتنا كلها على أحكام العبودية المبتسَرة، وليست جميع عاداتنا سوى خضوع، وإكراه، وقهر؛ فالإنسان المدني يُولد عبدًا ويموت عبدًا (إميل، ص٣٨، و٢٥٣).

والأدوار التي ينبغي أن يقوم بها الناس في المجتمع المعاصر، ينظر إليها «روسو» على أنَّها صورةٌ شخصية من الاستبداد. وما نفَّره أكثر من الممثلين هو متاجراتهم بالمواهب عن طريق عبوديتهم للأدوار حتَّى يُصبحوا ألعوبة في يد المتفرجين، وهو عملٌ يحطُّ بالإنسان جدًّا، ولا يجعله رجلًا نبيلًا (خطاب إلى دالمبير)، وكل ما ينفر منه من مجتمع باريس هو عبوديته للآراء السائدة والذوق القائم في لحظةٍ ما، أمَّا العادات في المدينة المعاصرة فهي مُخْجِلة. وقد تمَّت ممارستها إلى حد أنَّ المرء لم يعُد قادرًا على التمييز بين الأصيل منها والزائف. والنتيجة الحتمية هي أنَّه لم تعُد هناك صداقةٌ حقيقية، ولا تقديرٌ حقيقي ولا ثقةٌ حقَّة» (أصل التفاوت، ص٣٧-٣٨). والانهيار الواضح للأخلاق الذي رآه «روسو» من حوله، عزاه إلى حدٍّ كبير إلى هذه العبودية القاتلة للرأي، والرياء الذي انتشر في المجتمع، إنَّه عن طريق ترك المدن وراءنا، وامبراطورية الرأي، والحياة في عزلةٍ ريفية، كما فعل هو نفسه — وكما فعلَت أسرة «فولمار» المثالية، وكما حثَّ «إميل» و«صوفي» أن يفعلا — يُمكن للمرء أن يأملَ في سعادةٍ حقيقية. وهكذا يستطيع المرء أن يرفض في حرية التصوُّر الزائف للشرف والفضيلة اللذَين يقومان على الرأي المبتسَر، ويكشف ويُكرِّس نفسه لمبادئ الأخلاق الحقيقية الأبدية. «فما هو الخير في البحث عن سعادتنا في آراء الآخرين إذا كان في استطاعتنا أن نجدها في أنفسنا …؟»

ولهذا فإنَّ تربية إميل مُخصَّصة لجعله رجلًا مستقلًّا في مجتمعٍ فاسد، ولا ينطوي هذا القول على مفارقة كما قد يبدو ما دام روسو يعتقد «أنَّ الحرية لا توجد في أي شكل من أشكال الحكم، بل في قلب الإنسان الحر الذي يحملها معه في كل مكان» (إميل، ص٨٣٧). والمفروض أن يُصبح إميل مثل هذا الرجل:

  • أولًا: على الرغم من الوسائل المستقلة. لا بُدَّ له من أن يكتفي بنفسه بطريقةٍ شخصية أكثر؛ إذ ينبغي له ألا يعتمد أبدًا من الناحية الاقتصادية على أي فرد ولا على أيَّة ظروف؛ ولهذا عليه أن يتدَّرب على حرفةٍ مُفيدةٍ هي حرفة النجارة.
  • ثانيًا: وبمغزًى أشد عمقًا. ينبغي عليه أن يُربِّيَ (إميل) بطريقة لا يشعُر فيها أبدًا بخضوعه لسلطة شخصٍ آخر. ونتيجة ذلك هي أنَّه عندما يجيء وقتٌ تبدأ فيه تربيته العقلية، فإنَّ روسو يُخبرنا أنَّ الصبي أصبح لديه استقلال فهو لا يتبع أيَّة قاعدة، ولا يستسلم لأيَّة سلطة، ولا لأي نموذج، ويسلك ويتكلَّم على نحو ما يشاء فحسب. ألم يتعلَّم أنَّه باستمرار سيد نفسه فحسب؟ (إميل، ص٤٢٠–٤٢٢).

والواقع — كما يشهد الكتاب الثاني — أنَّ الصبي كان محكومًا بطرقٍ عدة بمعلِّمه طوال طفولته، لكن هذه السيطرة كانت تُمارس بطريقةٍ تُخفي بها حقيقة أنَّها تنبعث من شخصٍ آخر. وحتَّى نحميَه من الاعتماد على آراء الآخرين أو سلطتهم، فإنَّه لا يُقال له ينبغي عليك أن تفعل كذا أو لا ينبغي عليك أن تفعلَ كيت. ولا يتأثَّر بما يظنه الناس أو يعتقدونه فيه، أو بالأحكام المنتشرة المبتسَرة (إميل، ص٣٦٧-٣٦٨) وبدلًا من ذلك فإنَّ مُعلِّمه يُعالج الظروف بطريقة تجعل «إميل» يتعلَّم كيف يسلك ويستجيب للنتائج الحسنة والسيئة لأفعاله. ولا ينبغي للأطفال أن يُوقع عليهم عقاب، هكذا يُعلِّمنا روسو؛ فالضرر الذي يَحيق بهم ينبغي باستمرار أن يظهر على أنَّه نتيجةٌ طبيعية لأخطائهم، وعلى ذلك فعلى حين أنَّ المعلم يسيطر تمامًا على تدريب «إميل» فإنَّ الطفل لا يدرك ذلك، ولا تُعاني أحكامه من خضوعه للنتائج التي تبدو «النِّير الثقيل للضرورة الذي ينبغي أن ينحني له كل موجودٍ أخلاقي، أكثر من طاعته لهوى الرجل ونزواته» (إميل، ص٣٢٠)، وبسبب أنَّه حُفِظَ، بطريقةٍ صناعية من تأثير السلطة والحكم المبتسَر، فإنَّ «إميل» تمكَّن من تطوير قواه الاستدلالية وأصبح قادرًا على أن يُميِّز لنفسه بين الخير والشر. ومع وجود هذه الخلفية فإنَّه عندما يأتي الوقت الذي يردُّ فيه على المجتمع من حوله ما دام «قد تحرَّر من نِير الحكم المُبتسَر، ولم يعُد يحكمه سوى قانون الحكمة» فإنَّه لن يكترث إلَّا بآراء الناس المحترمين الشرفاء الذين هم أمثاله (إميل، ص٧٨٢؛ وانظر أيضًا ٦٧١)، وسوف يكون رجلًا مستقلًّا بقَدْر ما تسمح الظروف.

ويُؤكِّد روسو أنَّه في المجتمع يُؤدِّي الجنس حتمًا إلى اعتمادٍ عميق من كل جنس على الآخر «في كل بلد، وفي كل إقليم، وفي كل طبقة يكون بين الجنسَين علاقةٌ قوية وطبيعية حتَّى إنَّ أخلاقيات كل جنسٍ يُحدِّدها دائمًا أخلاقيات الجنس الآخر» (خطاب إلى دالمبير، ص٨١)، لكن في حالة كلٍّ من «إميل» و«صوفي» بصفةٍ عامة، فإنَّ روسو أقل ميلًا للتشديد على نتائج وأخلاقيات اعتماد النساء على الرجال، من تأثيرات ونتائج اعتماد الرجال على النساء؛ فالاعتماد يكون ضخمًا بالطبع على طريق الفوارق الاجتماعية والاقتصادية، في المجتمع الأبوي — فلم يهتم به على الإطلاق؛ فهو يعترف بذلك في فِقراتٍ عديدة كما لو كان أمرًا مُسلَّمًا به، فقط ليؤكِّد ضرورته، وليس ليُناقش صحته أو آثاره الاجتماعية. وهو في مراتٍ عديدة يُهدِّد النساء بأنَّهن لن يُصبحن سوى عبيد للرجال، ما لم يفترضن دورًا جنسيًّا مُحدَّدًا مطلوبًا منهن؛ فبدون قوة الدهاء عندها التي تُعوِّضها عن نقص قوَّتها البدنية «فإنَّ المرأة لن تكون سوى عبدة للرجل، وليست شريكته؛ فهي تجد كل شيء ضدها، ملَكاتها، وضعفها وجبنها. وجمالها وظرفها هما كل ما تملك. وطالما أنَّ الجمال لا بُدَّ أن يذبل، فإنَّ كل ما يبقى من ذخيرتها هو ظرفها. والطريقة الوحيدة لكي تُسيطر على الرجل هي أن تتلاعبَ بنا، وتستغلَّ قوتنا» (إميل، ص٧١٣). ومن هنا فإنَّ الطريقة الوحيدة التي تملكُها المرأة للسيطرة هي أن تستغلَّ قدرتها الجنسية على الرجل لكي تغويه، وتتحايل عليه، وتتملَّقه، وتُداهنه حتَّى يُقرِّر في النهاية ما تريد.

وقل مثل ذلك عندما ينصح «روسو» الأمهات أن يتأكَّدن من أن يجعلن بناتهن نساءً اجتماعيات، دون تحدٍّ للطبيعة، أو أن يجعلنهن مثل الرجال. يقول: «كوني على يقينٍ من أنَّ ذلك سيكون أفضل لها ولنا» (إميل، ٧٠١). ومن الواضح جدًّا أنَّه يذهب إلى أنَّ النساء لسن في موقفٍ يسمح لهن بتدبر أي شيءٍ أفضل لأنفسهن، ما لم يكن أيضًا ما يريده الرجال منهن؛ لأنَّ النساء يعتمدن اعتمادًا كاملًا على استحسان الرجال. وهو يقول في تكتمٍ إنَّ شيئًا لا يمنع النساء من أن يُربِّين بناتهن كما يردن، وإنَّ الرجال غير مسئولين عن واقعة أنَّ البنات لم يتعلَّمن سوى التوافه من الأمور؛ فإنَّ روسو يتقدَّم بعد ذلك ليعترف بأنَّ النساء لن يستطعن ممارسة قوَّتهن إلَّا عن طريق الاستغلال الناجح لسحرهن الأنثوي. وهكذا نجد أَّن الفيلسوف الذي كره القوة، وحكم الرأي العام على الفرد، يستطيع أن يعترف، دون أدنى علامةٍ على الامتعاض، بأنَّه ما لم تُعلِّم المرأة نفسها، وتبنِ شخصيتها، وتُنظِّم حياتها تمامًا، طبقًا لما يُحب الرجل، فلا بُدَّ لها ألَّا تتوقَّع سوى عبودية خصمها الأقوى.

ولا شكَّ أنَّ خوف روسو من النساء وتأثيرهن يُزوِّدنا بجانبٍ مهم من التفسير لهذه المفارقة. لقد كان مقتنعًا تمامًا بالحد الذي يعتمد فيه الرجل على المرأة من الناحية الجنسية والعاطفية، حتَّى إنَّه شعر أنَّه ما لم يكن هناك قهرٌ لها في مجالاتٍ أخرى، فإنَّ هذه السيطرة الطبيعية المزعومة لن تعود إلى الرجل. وهكذا نجد أنَّه في معارضةٍ مباشرةٍ لتأكيده أنَّ الحاجة المركزية للرجل هي أن يكون حُرًّا، يذهب روسو إلى أنَّ المرأة بتكوينها الطبيعي خُلِقَت لكي تكون معتمدةً على غيرها ولنوضِّح لها الكوابح (إميل، ص٧١٠، و٧٤١).

وما دام يُصوِّر حياتها على أنَّها محكومة بالثروة بمطالب الأب، فإنَّ الأسرة هي المكان الوحيد الذي لم يُطبِّق فيه وقفته المبدئية ضد السلطة الشخصية والتبعية، ومن الواضح أنَّه لن تكون هناك امرأةٌ قادرة على أن تعيش حياتها الخاصة كما تعلَّم «إميل» أن يعيش حياته الخاصة، بل على العكس إنَّها لن تجد سعادتها إلَّا من خلال سعادة رجلٍ طيب؛ ومن ثمَّ فلا بُدَّ لها أن تُوجِّه كل طاقتها نحو إسعاده، وأن تكون محترمة من جانبه؛ فلا بُدَّ لها بالضرورة أن تخضع لحكمه وحاجته ولا يسمح لها أن تكون فوق هذه الأحكام. واللطف أول صفات المرأة وأهمها، والمرأة لمَّا كانت قد خُلقت لإطاعة مخلوق كالرجل ناقص أيضًا، مُفعَم بالمعايب غالبًا، مملوء بالشوائب دائمًا وجب أن تتعلَّم مُبكِّرًا أن تصبر حتَّى على الظلم والجور، وأن تحتمل خطأ الزوج من غير شكوى أو تذمُّر، وليس عليها أن تكون لطيفة من أجله، بل من أجل نفسها. ولا تؤدي شراسة النساء وعنادهن إلَّا إلى زيادة آلام النساء، وسوء معاملتهن من أزواجهن؛ فالأزواج يشعرون أنَّه لا ينبغي لهن أن يغلبنهم بهذه الأسلحة. ولم يخلقهن الرب فاتناتٍ مقنعات ليَكُنَّ مشاكسات. ولم يصنعهن ضعيفاتٍ ليَكُنَّ متجبِّرات. ولم يُنعِم عليهن بصوتٍ بالغ العذوبة لينطقن بالشتائم، ولم يجعل لهن تلك الملامح الرقيقة ليشوِّهنها بالغضب (إميل، ص٦٨٢).

ومن ثمَّ فأول وأهم صفة في المرأة هي الرقَّة، فقد خُلقَت لتطيع مخلوقًا ناقصًا مثل الرجل، كثير الرذائل مليئًا دائمًا بالأخطاء، ولا بُدَّ لها أن تتعلَّم منذ طفولتها أن تُعاني الظلم، وأن تتحمَّل أخطاء زوجها بلا شكوى أو تذمُّر (إميل، ٧١٠-٧١١؛ وانظر أيضًا: ص٧٤٥، و٧٥٥) فالمعارضة أو العناد أو المشاكسة لن تُجدي، ولن تُؤدِّي إلَّا إلى أمورٍ أشد سوءًا. وعلى حين أنَّ «روسو» رأى أنَّ كثيرًا من الصفات المطلوبة لهذا الدور فطرية في النساء، فقد رأى أن تتجه تربية «صوفي» بأَسْرها لتدعيمها، وقبل كل شيء لضمان أنَّها ستُحقِّق المطلوب، وأنَّها لن ترغب أبدًا في قلب هيراركية الأسرة الأبوية البطرياركية.

والمرأة المثالية عند روسو، أبعد ما تكون عن الشخص المستقل ذاتيًّا، أو حتَّى الشخص المتميز، بل إنَّها لا تكون قوية إلَّا لكي تلد أطفالًا أقوياء، ولا تكون عاقلة إلا إلى الحد المطلوب منها لتُحافظ على عفَّتها، ولكي تناقش زوجها وتُربِّي أطفالها بحكمة، ولا تكون جذَّابة إلَّا إلى الحد الذي تُثير رغبة زوجها الجنسية، لكن بشرط ألا تُهدِّد سكينة ذهنه.

ويجب أن تهدف جميع تأمُّلات النساء، في كل ما لا يتعلَّق بواجباتهن مباشرة، إلى دراسة الرجال، والمعارف اللطيفة التي ليس لها هدفٌ سوى تكوين الذوق (إميل، ص٧١٦).

إنَّ تفكير المرأة، أو استخدامها لعقلها في أي غرضٍ آخر غير هذه الأغراض السابقة ليس غير ضروري فحسب، وإنَّما هو بغيضٌ بالنسبة لها «ذكاء الأنثى هو طاعون بالنسبة لزوجها، وأطفالها وأصدقائها وخدَمها ولكل إنسان؛ فهي من قمة عبقريتها سوف تحتقر واجباتها كامرأة، وسوف تشرع دائمًا لكي تجعل من نفسها رجلًا» (إميل، ص٧٦٨). وهكذا نجد أنَّه ينبغي على النساء أن يتعلَّمن أشياء كثيرة، لكن بشرط أن تكون تلك الأشياء مناسبة.

ومن هنا فقد تعلَّمت «صوفي» إلى الحد الذي تكون فيه مقبولة من «إميل»، بحيث تُناقشه دون أن يكون هناك أي خطر يتهدَّده منها. «ذهنها محبوب لكنه ليس لامعًا، ومصقول، دون أن يكون عميقًا، ذهن لا يُوحي بأي تعليق؛ لأنَّها لا تبدو أبدًا ألمع ولا أغبى من ذهن المرء». «وهي تُترك عن عمد بثغراتٍ كثيرة في معلوماتها، وسوف يسعد إميل زوجها بعلاجها» (إميل، ص٧٦٨). ولمَّا كانت معدَّة فحسب كزوجة ومحظية للرجل، فإنَّ أيَّة امرأة لا تُعدُّ مرغوبة طبقًا لهذه المعايير، فإن يحكم عليها «روسو» بأنَّها لا تُساوي شيئًا. مثل هذه المرأة تتحدَّى الطبيعة بإرادتها، وتُحاول أن تكون رجلًا (إميل، ٧٤٩).١٥

مرة واحدة في كتاباته الناضجة درس «روسو» اقتراحات أفلاطون الراديكالية عن التربية المتساوية للنساء بطريقةٍ إيجابية، ومن الجدير بالذكر في هذه المناسبة أنَّ اهتمامه كله قد انصبَّ على المضامين التي تقول: إنَّ مثل هذا التغيُّر سيكون للرجال. وربما افترض في حاشية على «حديث من الفنون والعلوم» أنَّه: «ما دام الرجال سيكونون محبوبين من النساء» فسوف يتم عن طريق تربية النساء الاعتراف وتقدير عظمة الروح والفضيلة، حتَّى إنَّ هذه الصفات القديمة يُمكن أن يعود غرسها في الرجال، وهكذا فإنَّ روسو حتَّى في اقتراحه أنَّ فكر أفلاطون في الموضوع ينبغي تطويره على نحوٍ أبعد، فإنَّه يعتمد على المبدأ الأساسي عنده القائل بأنَّ النساء وتربيتهن ينبغي أن تكون مفيدةً وصالحة لوظيفتهن المناسبة في الثقافة الأبوية.

ولمَّا كان مركز المرأة الطبيعي في الحياة مُقدَّرًا سلفًا، كانت العفة أهم صفةٍ أخلاقية لا بُدَّ أن تتحلَّى بها المرأة. وعلى حين أنَّ كرامة الرجل تعتمد على حريته، فإنَّ كرامة المرأة تعتمد على الاحتشام والخجل، والحياء، وهي خصال لا يُمكن أن تنفصل عن رقتهن، والمرأة التي تفقد شرفها لا بُدَّ أن يُنظر إليها بعد ذلك على أنَّها فقدَت تمامًا الأخلاق من أي نوع (إميل، ص٧٣٢) وعلى الرغم من أنَّ الفضيلة مفهوم لا يكاد يُذكر في تربية «إميل» ما دام يعني في نظر «روسو» النضال ضد الذات وتهديدًا للحرية، فإنَّه قيمة مركزية في تربية صوفي (إميل، ص٧٥٠). إنَّه من خلال النضال الناجح ضد الذات أو على الأقل الجانب العاطفي من الذات يُمكن أن تأمل فيه المرأة بالمحافظة على كنزها الثمين ألا وهو عفَّتها، لكي تحصل على زواجٍ وتحتفظ به. إنَّ حب الفضيلة هو «مجد المرأة وفخرها». وهو الطريق الوحيد للسعادة الحقة … «وهي لا ترى سوى الفاقة والشقاء والوحدة والجوع في حياة امرأةٍ غير لائقة» (إميل، ص٧٥١). والواقع أنَّ مصير «صوفي» النهائي يُمثِّل أوضح تناقضٍ ممكن لهذا الاعتقاد.

ولروسو سببان يُبرِّران أنَّ من الجوهري أنَّه لا بُدَّ أن تكون القاعدة الأخلاقية للمرأة ليست مختلفةً فقط في مضمونها، بل أيضًا أن تقوم على مبدأ مختلف تمامًا عن المبدأ الذي يُطبَّق على الرجال:

  • أولًا: كما أنَّها تستطيع أن تُحقِّق إشباعًا في الحياة إلى الحد الذي يقول فيه الآخرون، لا سيما الرجال بصفةٍ خاصة، إنَّها محبوبة.
  • ثانيًا: لا ينبغي أن تكون عفيفة فحسب، بل إنَّ طهارتها أو عفتها ينبغي ألا تكون موضع شك، لا من زوجها ولا من أي إنسانٍ آخر؛ لأنَّ أقل فضيحة سوف تكون «وصمة عار لا تُمْحَى» في أخلاقها، ويعتمد شرف الرجل على سلوك زوجته الفاضلة أقل مِمَّا يقوله الناس عنها؛ فينبغي ألا تُساوم على سمعتها بأيَّة طريقةٍ مهما تكن. وهكذا فبالنسبة للنساء:

«لا يكفي للمرأة أن يكون من الممكن تقديرها، بل أن تُقدَّر بالفعل، ولا يكفي أن تكون جميلة، بل لا بُدَّ أن تكون محبوبة، ولا يكفي أن تكون صالحة، بل أن يعترف الآخرون أنَّها كذلك؛ فلا يكمن شرفها في سلوكها وحده، بل في سمعتها، ومن المستحيل للمرأة الفاضلة حقًّا أن تسمح لنفسها أن يظن الناس أنَّها وضيعة. وعندما يسلك الرجل سلوكًا سليمًا، والرجل هو سيدها، ففي استطاعته أن يتحدَّى الرأي العام، لكن المرأة عندما تسلك سلوكًا سليمًا فإنَّ ذلك هو نصف مهمتها فقط، وما يعتقده الناس في أمورها هو النصف الآخر؛ فهو يوازي ما هي عليه بالفعل. وينتج من ذلك أنَّ المبدأ الذي تقوم عليه تربيتها لا بُدَّ من هذه الناحية أن يكون عكس ما تعارفنا عليه؛ فالرأي العام هو مقبرة الفضيلة بالنسبة للمرأة، وهو عرش المرأة وتاجها» (إميل، ٧٠٢-٧٠٣).

وهكذا فإنَّ روسو على خلاف سقراط وأفلاطون، وعلى اتساق مع بقية العالم اليوناني، (ص١٦٤) ينظر بوضوحٍ إلى أخلاق الأنثى وأخلاق الذكَر على أنَّهما مختلفان اختلافًا جوهريًّا. والمسألة هنا ليست مسألة «المعيار المزدوج» المألوف؛ فما رآه ضروريًّا ليس هو وجود معيارَين في سُلَّمٍ أخلاقي واحد، بل رأى وجود سُلَّمَين مختلفَين اختلافًا جذريًّا. ولمَّا كان قد نظر إلى المرأة من زاوية وظيفتها التي تقوم بها في ثقافةٍ ذكورية، فإنَّ معيار خيريتها يُحدِّده تمامًا متطلبات تلك الثقافة وأحكامها المُبتسَرة، في حين أنَّ خير الرجل الذي لا ينظر إليه من زاوية وظيفته، يُحدِّده على نحوٍ مستقل الأحكام المُبتسَرة لذلك المجتمع. وعلى حين أنَّه تُوجد طرقٌ عدة مرادفة، إنْ قليلًا أو كثيرًا، يُثبت بها الرجل أخلاقه وجدارته فإنَّ محافظة المرأة على عفَّتها وطهارتها هو هدفها الأخلاقي الأول والأكثر أهمية.

ونتيجةً لذلك فإنَّ تربية «صوفي» الأخلاقية هي عكس تربية إميل، والواقع أنَّه لو لم يكن موقف «روسو» واضحًا من النساء على هذا النحو — سواء في كتاب «إميل»، أو في كتبه الأخرى — لمال المرء إلى تفسير وصفه لتربيتها على أنَّه تعليقٌ هجائي على الثقافة المعاصرة، وطرق التربية السائدة التي يُوجِّه ضدها الكتاب كله.

وهكذا نجد أنَّ كل ما تفعله «صوفي» وتُشجِّع على عمله هو من أجل المظهر؛ فالفتاة على خلاف «إميل» الحر تهتم اهتمامًا لا حدَّ له بزينتها (حتَّى تحقِّق «النظرة الطبيعية»)؛ فهي تتعلَّم العزف لكي تظهر يدها البيضاء في مقابل ظلام المفاتيح، وكل شيء تقوله مُقدَّر ومُقاس، لا طبقًا لمعناه ونفعه، على نحو ما يحكم على مناقشات إميل، بل طبقًا لتأثيره على السامع. وعلى الرغم من أنَّها تُعوِزها الأصالة: «فإنَّها تقول دائمًا ما يسُر الناس الذين يتحدَّثون معها» (إميل، ص٧٤٩)؛ فتربيتها الأخلاقية مكرَّسة لتدعيم ميولها الفطرية في أن تكون خاضعة ومشكومة، وهي تتعلَّم لتُحقِّق بالضبط ما يتوقَّعه المجتمع منها؛ لأنَّ البنات، في مقابل البنين:

«لا بُدَّ من شكمهن من الصغر … ولا بُدَّ أن يخضعهن طوال حياتهن لقيودٍ قاسية ومستمرة؛ فلا بُدَّ أن توضع عليهن قيودٌ منذ البداية، حتَّى لا يشعرن بثقلها أبدًا، فإنَّما الخضوع من شأن النساء بحكم الطبيعة، حتَّى لتشعر الفتيات أنَّما خُلقن والطاعة أول واجباتهن، وإذن فلا حرج على المُربِّي في إكرامهن وقمع حريتهن، ولا جناح عليه إذا عاقبهن. وإنَّ من نتائج هذا القمع ما نرى في النساء من مرونة هُنَّ في حاجة إليها في حياتهن؛ فهُنَّ دائمًا في قوامة رجل، وهُنَّ دائمًا طوع حكم الرجال، وليس لهن أن يضعن أنفسهن فوق حكم الرجال …» (إميل، ص٧٠٩-٧١٠)

وترجع إحدى المفارقات الكبرى في تربية «صوفي» إلى المطلب الذي يقول إنَّه على حين أنَّها لا بُدَّ أن تسلك بأقصى قَدْر من ضبط النفس سواء قبل الزواج ونحو جميع الرجال، إلَّا زوجها بعد الزواج، فلا بُد أن تكون مُتمرِّسة جيِّدًا في جميع فنون الإغراء والجاذبية لتُؤكِّد استمتاع زوجها الجنسي بها. ويلوم «روسو» تعاليم الكنيسة بسبب واقعة أنَّ النساء كثيرًا ما يفقدن جاذبيتهن ويُسبِّبن عدم اكتراث أزواجهن بهن، ولحل هذه المشكلة يقول: «تُهذِّب الشابة الإنجليزية من مواهبها، بعناية، لتروق لزوج المستقبل، كما تُهذِّب الشابة الألمانية مواهبها من أجل دائرة الحريم. ولا شكَّ أنَّ هذه الرغبة تُضيف السعادة إلى حياة زوجها، وتمنعه، بعد أن يترك عمله وهمومه، من أن يبحث عن المتع خارج البيت» (إميل، ص٦٩٠، و٧١٦)؛ ولهذا فتحقيقًا لهذه الرغبة فإنَّ تربية المرأة المثالية تشمل نصيحةً لها كيف تتقدَّم وترفع من المتعة الجنسية لزوج المستقبل، جنبًا إلى جنب مع التحريمات الدقيقة ضد أي شكلٍ آخر من أشكال التعبير الجنسي. والواقع أنَّ «صوفي» تُربَّى لتكون محظيةً وراهبة في آنٍ معًا.

ومن جميع الوجوه يذهب روسو إلى أنَّ القيود المفروضة على النساء لا بُدَّ أن تكون أشد بعد الزواج، وهو يُؤكِّد أنَّ النساء المتزوجات هُنَّ وحدهن اللائي يُسمح لهن بحرية أكثر من الفتيات الشابات في مجتمعٍ فاسد، وبين أناسٍ فاسدين، أمَّا اللائي يحتفظن بأخلاقهن فيتبع معهن التطبيق المضاد. وتصف «جولي» الوضع الصحيح للمرأة المتزوجة وهي تتحدَّث عن ابنة عمها «كلير» فتقول:

«كانت حرة قبل أن تتزوج؛ فهي وحدها فقط المسئولة عن سلوكها. أمَّا الآن فقد تغيَّر كل شيء؛ فلا بُدَّ أن تعمل حسابًا للآخرين في سلوكها، بل إنَّها تنازلَت عن حريتها … إنَّ المرأة الفاضلة لا تستحق فقط تقدير زوجها، بل لا بُدَّ أن تحصل عليه، فإذا لامها، فإنَّها تستحق اللوم، وإذا ما سلكَت ببراءة، فإنَّها سرعان ما تكون آثمةً إذا ما وُضِعَت موضع ريب؛ فحتَّى المحافظة على المظاهر هو جزء من واجبها» (هلويز الجديدة، ص٢٥٧)١٦

وهكذا نجد أنَّ المرأة عند «روسو» عند الزواج «تنكشف كأنثى» بالنسبة للأخلاق وبالنسبة للإحساس القانوني، وعندها تفقد كل استقلال لإرادتها الذاتية سواء بالنسبة للحكم أو الضمير.

والحد الأقصى الذي مدَّ إليه «روسو» للاستقلال الشخصي للنساء هو رفضه السماح للمرأة أن تصوغ معتقداتها الدينية؛ فعلى حين أنَّ «إميل» عندما شبَّ بقدرٍ كافٍ، يُشجع على التفكير لنفسه في المسائل الدينية: «كما أنَّ سلوك المرأة يخضع للرأي العام، فكذلك يخضع إيمانها للسلطة» (إميل، ص٦٩٦، و٧٢١) فالابنة ينبغي، بغير نقاش، أن تعتنق دين أمها (الذي هو بالطبع دين والدها أيضًا) كما تعتنق الزوجة ديانة زوجها. ويُؤكِّد روسو لقُرَّائه أنَّه لا توجد امرأة، تجعلنا نُعاني من ذلك. ولو أنَّ هذا الدين الذي تعتنقه كان لغوًا، فإنَّ خضوع الأم والأسرة طائعين لحكم الطبيعة يمحو ما في الخطأ من ذنبٍ عند الله (إميل، ص٦٩٧، و٧٢١).

فمن الواضح أنَّ الإيمان والعقيدة ليس لهما أهميةٌ كبيرة بالنسبة للمرأة، فهي تستعبدها من خلال الخضوع والاستسلام، وهذا الإعلان يُشبه عقيدة الإسلام التي ترى أنَّ المرأة لا روح لها.١٧

وعلى الرغم من أنَّ «روسو» لم يستطع أن يتصوَّر أي بديل للقاعدة الصارمة المُبتسَرة التي تقوم عليها الأخلاق التي وضعها للنساء، كما أنَّه لم يكن مرتاحًا لهذا البديل. وبعد أن وضع «روسو» نموذجًا لسلوك «صوفي» يتفق تمامًا، مع الأحكام الاجتماعية المُبتسَرة، منتهكًا كل مبدأ من مبادئ تربية إميل الذي يُصرِّح بإيجازٍ بالصورة التي يُريد أن تتشكَّل فيها المرأة:

«ومن المحتمل أن أكون قد أفضتُ في الحديث أكثر مِمَّا ينبغي حتَّى الآن، ما الذي يُمكن أن ترتدَّ إليه النساء لو لم يكن لديهن قانونٌ سوى الأحكام العامة المُبتسَرة؟ دعنا لا نهبط بالجنس الذي يحكمنا إلى هذا المستوى. ذلك الذي يشرفنا إذا لم تزدرِه … ويوجد لكل النوع البشري قانونٌ أساسي أقدم من الرأي العام … وهذا القانون الأساسي هو ضميرنا الداخلي» (إميل، ص٧٠٦-٧٠٧، وكذلك ص٧٣٠)

ما دام رأي المجتمع ينبغي ألا يُطاع إلَّا عندما يتفق مع أوامر الضمير، فإنَّ «روسو» ينتهي إلى أنَّه على حين أنَّه ينبغي على النساء أن يبذلن أقصى ما في استطاعتهن للتوفيق بين الاثنَين (أي قوانين المجتمع من ناحية، وقوانين الضمير من ناحية أخرى)، فإذا لم يستطعن ذلك، فإنَّ عليهن اتباع ضمائرهن، وهو يُصرِّح بأنَّه «إذا لم يتفق هذان القانونان في تربية النساء، كانت هذه التربية ناقصة ومعيبة»؛ «فلا الضمير بدون الرأي العام يُعطيهن طاقة الروح، ولا الرأي العام بدون الضمير يُؤدِّي إلى شيءٍ سوى إنتاج نساءٍ فاسدات» (إميل، ص٧٠٧). وعندما يعرف المرء أنَّ الصراع بين الصواب والخطأ والأحكام المُبتسَرة للرأي الفاسد هو الذي يدور حوله كتاب «إميل» وبقية مؤلفات «روسو» فإنَّه يستطيع أن يحدُس نتائج تربية «صوفي»؛ إذ يظهر أنَّه لا يوجد سوى أملٍ ضئيل في اتفاق الرأي العام مع الضمير، مع أنَّ «روسو» يعتقد أنَّه لا بُدَّ أن يحدث ذلك إذا ما أردنا أن تكون تربية النساء ناجحة. وإذا ما تدبَّرنا مُحصِّلة قصص «إميل» و«صوفي»، و«جولي»، ونتائج نوع تربية النساء التي يُدافع عنها «روسو» بوصفها النوع الوحيد الصالح والمناسب من التربية، لانتهينا إلى نتيجةٍ مؤداها أنَّ مشكلة النساء عنده تظل إحراجًا منطقيًّا لا حل له.

١  يقول روسو: «في النماذج الأولى للمجتمعات السياسية، كان الزعيم يُشكِّل صورة الأب بينما يتخذ الشعب وضع الأبناء. والفرق بينها وبين الأسرة هو أنَّ الأب في الأسرة يبذل حبه لأولاده بما يقوم به من رعاية وعناية بهم، في حين أنَّ شهوة القيادة في الدولة تقوم مقام هذا الحب الذي لا يكنه الزعيم لشعبه …» (العقد الاجتماعي، ص٣٦-٣٧). (المترجم)
٢  شكلار، «الرجل والمواطن»، ص١٩، وانظر ص٣٠، وانظر أيضًا: جين ستارونبسكي، «الفكر السياسي عند جان جاك روسو»، في كتاب بود بوفي، «جان جاك روسو»، ص٨٤-٨٥.
٣  «الاعترافات – الأعمال الكاملة»، مجلد ١، ص٣١، و٥١٤.
٤  إميل، المؤلفات الكاملة، مجلد ٤، ص٥٢٤.
٥  أصل التفاوت، ص١٥٩-١٦٠.
٦  إميل، ص٥٢٤.
٧  إميل، ص٥٢٤.
٨  العقد الاجتماعي، ص٣٩.
٩  حيث إنَّه ليس لإنسانٍ سلطةٌ طبيعية على أقرانه، إنَّ القوة لا تنتج أي حق؛ فإنَّ الاتفاقات تبقى إذن هي الأساس لكل سلطةٍ شرعية بين الناس (العقد الاجتماعي، ص٤١). (المترجم)
١٠  وهو يقول في تعليقه في حاشية هذه الفِقرة: «ليست هذه المساواة في ظل الحكومات السيئة سوى ظاهرةٍ وهمية، لا تفيد إلَّا في إبقاء الفقير في بؤسه والغني في اختصابه. والواقع أنَّ سنَّ القوانين مُفيد لأولئك الذين يملكون، ضارٌّ بأولئك الذين لا يملكون شيئًا» (العقد الاجتماعي، حاشية ص٦٠). (المترجم)
١١  تأملات حول الحكومة البولندية - الأعمال الكاملة، مجلد ٣، ص٩٧٣-٩٧٤.
١٢  انظر مثلًا «ماسترز»، الفلسفة السياسية عند روسو، ص٤٢٤؛ وشكلار، «الرجل والمواطن»، ص١٨.
١٣  الفِقرات الثلاث التالية مأخوذة من مقال في «الاقتصاد السياسي»، الأعمال الكاملة، مجلد ٣، ص٢٤١-٢٤٢، ومن المُسودَّة الأولى، «العقد الاجتماعي»، ص٢٩٧–٣٠٠.
١٤  لعرض ممتع لروسو المعارض لحقوق المرأة وتفسير ذلك بأنَّه يعود أساسًا إلى خوفه من النساء انظر فكتور ف. وكسلر، «مخلوقة لمتعة الرجل: روسو عدوًّا للمرأة».
١٥  على حين أنَّ تربية جولي — التي لم يُعطِنا عرضًا نسقيًّا لها — كان أكثر دقة وأكثر عقلانية من تربية «صوفي» (انظر مثلًا هلويز الجديدة، ص٥٩) — فقد كانت «جولي» فريدة في تصوُّر روسو للمرأة المثالية نفسه تحت قناع الفيلسوف «سانت برو». ومن المناسب — فيما يبدو — النظر إلى تربية صوفي على أنَّها الرفيق أو الزوجة لرجلٍ طبيعي عادي، كما أنَّها النوع النمطي الذي وصفه روسو لتربية النساء.
١٦  من المهم أن نُلاحظ أنَّه عندما تُوفي زوج «كلير» في هذه اللحظة فقط شعرَت أنَّها شابة وجذَّابة من جديد.
١٧  هذا جهلٌ صارخ بالإسلام الذي يرى أنَّ الله خلق الرجل والمرأة من نفسٍ واحدة، وأنَّها مُساوية للرجل في كل شيء وإنْ كان للرجل في الأسرة درجةٌ عليها بما ينفق من ماله، وبما يحمله من مسئولية. (المترجم)

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦