الفصل الثامن

مصير بطلات روسو

كان روسو على وعي تام — ربما أكثر من أي فيلسوفٍ سياسي آخر — بصراع الولاءات في حياة الشعوب، وبالحاجات المتضاربة التي تخلُقها العلاقات الشخصية والجماعية المختلفة التي يُشارك فيها الناس. والدرجة المتواضعة من حب الذات وحب الآخر، وحب الفرد لأسرته، وحب المواطن لإخوانه في الوطن، وفي الإنسانية ككل — ذلك كله أدرك روسو أنَّه ليس من السهل على الإطلاق التوفيق بينه. غير أنَّه أضفى أهمية عليها جميعًا بطريقتها الخاصة، ولقد كان مقتنعًا اقتناعًا مطلقًا بتعارضها وتنافرها، وذلك ما أدَّى به إلى نتائجَ تشاؤمية عميقة جدًّا. وبعد أن قمتُ بتلخيص الحلول التي قدَّمها في «إميل» و«المُتوحِّد» (التي لم تكتمل نهايته)، و«هلويز الجديدة» سوف أتجه نحو دراسة مصير شخصيات روسو، لاستجلاء صدى أفكاره ونتائجها على النساء في المطالب المتضاربة بالفعل للوضع البشري كما أدركه روسو.

اتفاقًا مع خطته التعليمية، فقد رفض «إميل» عندما بلغ مرحلة المراهقة جميع الحكومات القائمة واختار أن يعيش مُسْتَقِلًّا.١ فكل ما يريده — فيما يقول — هو زوجة وقطعة من الأرض يملكها ملكيةً خاصة. والقيد الوحيد الذي يفخر دائمًا بارتدائه هو ارتباطه ﺑ «صوفي». غير أنَّ روسو يُشير إلى أنَّه ليس من السهل أن يكون رجلًا مستقلًّا، ما دام أنَّه على الرغم من أنَّه يدرك أنَّ حاجته إلى رفيق وصاحب مسألةٌ طبيعية، عندما يصبح رب أسرة، فإنَّه يُصْبِح بالضرورة مواطنًا في دولة.٢ وبمجرد ما يحتاج المرء إلى رفيق فإنَّه لا يعود كائنًا منعزلًا، ولم يعُد قلبه وحيدًا؛ فجميع علاقاته بالنوع الإنساني، وجميع انفعالات نفسه موجودة في هذا الشخص. وأول انفعالاته الطاغية سرعان ما يجعل الانفعالات الأخرى تتطوَّر …»٣ وفضلًا عن ذلك فإنَّ المواطنة في الدولة لا تعالَج، حتَّى في حالة إميل، على أنَّها شرٌّ ضروري؛ لقد أقنع روسو إميل أنَّه مدينٌ بالكثير لقوانين البلاد التي يُقيم فيها، بالغًا ما بلغ قصورها عن القانون الأصلي الذي نشأ في العقد الاجتماعي والسيادة الشعبية. وهو مدينٌ لهذه القوانين لا بسبب الحماية فحسب، بل أيضًا بسبب ما هو ثمين عند الإنسان؛ أخلاقية السلوك وحب الفضيلة …»٤ وعلى الرغم من أنَّ الرجل في أغوار الغابة يُمكن أن يعيش أكثر سعادة، وأكثر حرية: «لا شيء أمامه يُصارعه لكي يعيش متبعًا ميوله ورغباته … وإلَّا لما كان فاضلًا.» أمَّا في المجتمع المدني، من ناحيةٍ أخرى، فإنَّ الإنسان يُمكن أن تُحرِّكه دوافع المصلحة المشتركة أو الصالح العام «فيتعلَّم أن يُصارع نفسه، وأن يظفر وأن يُضحِّي بمصلحته الخاصة من أجل مصلحة الجميع.»٥ والقوانين لا تمنع المرء من أن يكون حُرًّا، بل هي بالأحرى تُعلِّمه أن يحكم نفسه.
بهذه المقدمة عن الفضيلة والواجب المدني كمُثل عليا «لإميل» — لا مجرد ضروريات — فإن المرء يعجَب ما الذي حدث للرجل الطبيعي الذي شرع «روسو» في تربيته. في الجزء الأخير من الكتاب الخامس، يبدو أنَّه يُحاول أن يفعل ما قال إنَّه مستحيل — ليجعل من «إميل» رجلًا طبيعيًّا ومواطنًا في وقتٍ واحد. لقد تقرَّر أن يعيش «إميل» في المكان الذي يستطيع فيه أن يخدم إخوانَه على نحوٍ أفضل، وليس ذلك بأن تستغرقَه حياة المدنية في هذا العالم الفاسد، وإنَّما بأن يُقدِّم مثلًا على بساطة الريف.٦ والنقطة المهمة هي أنَّ حياة الريف لم تتقرَّر ببساطة بسبب أنَّها ليست هي الأفضل لشخص «إميل» وصوفي نفسها، بل بسبب النموذج الذي سوف تُقدِّمه للآخرين. وفضلًا عن ذلك فبينما أنَّه من غير المحتمل أن يُستدعى لخدمة الدولة، ما دام العالم الفاسد ليس بحاجة إلى مثل هذا الرجل، فإذا ما تمَّ استدعاؤه، فإنَّ عليه مثل «سينسيناتوس Cincinnatus»٧ أن يترك محراثه ويذهب.٨ وهكذا حاول «روسو» بوضوح أن يجعل من إميل مواطنًا كما يجعله طبيعيًّا ومستقلًّا سواء بسواء.
واستحالة هذه المطالب — أنَّ الرجل المتعلم من الطبيعي أن يشغل كذلك دور الزوج والأب والمواطن — أمر يُؤكِّده «روسو» بوضوح في رسالتَين هما كل ما أكمل به «المُتوحِّد». وسرعان ما أصبح واضحًا أنَّه من خلال السلطة الخفية للمُعلِّم وحدها وتلاعبه المستمر بالبيئة يتأكَّد نجاح إميل كرجلٍ طبيعي في المجتمع. والواقع أنَّ «إميل» الراشد لا يزال يعتمد في يأسٍ على معلِّمه، وعندما يتركه المعلم لكي يقود حياته يفشل كزوج، وكأب، وكمواطن. ولا يشعر بأنَّه حر إلَّا عندما يخلع من نفسه جميع هذه الارتباطات والمسئوليات ويُصبح منعزلًا عاطفيًّا. والنتيجة التي يستخلصها في النهاية من تجربته هي التصديق الكامل لعدم التوفيق بين القسمة الثنائية؛ الرجل المواطن يقول: «عن طريق تحطيم الروابط التي تربطني ببلدي، فإنَّني أمد هذه الروابط عبر الأرض كلها، وأصبح إنسانًا أكثر كلما توقَّفتُ عن أن أكون مواطنًا …»٩ وكما لاحظَت جوديث شكلار «ما هو مستحيل بالنسبة لإميل الذي تربى تربية كاملة، الذي يحوز كل فضيلة ما عدا الصفة التي يضبط بها الناس والأحداث ليست، بالقطع، ممكنة لأناس أقل منه.»١٠ ولا يُمكن أن تكون نتائج روسو عن الإنسان والمواطن أشد وضوحًا من ذلك.
غير أنَّ تربية إميل هي نجاح وفشل في آنٍ معًا؛ لقد فشل في أن يجعله رجلًا طبيعيًّا ومواطنًا في آنٍ معًا، غير أنَّ روسو قد أخبرنا بالفعل في بداية الكتاب أنَّ ذلك مستحيل.١١ وكما يعترف إميل نفسه فإنَّه لا يستطيع أن يقوم بواجباته كزوجٍ وأبٍ دون مساعدةٍ مستمرةٍ من المُعلِّم فهو لا يصلح للتقارب العاطفي أو الاعتماد، ولا للولاء الذي يكون للوطني كلما أصبح هجره لأسرته ووطنه واضحًا. ومن ناحيةٍ أخرى فإنَّ نهاية قصته تُبيِّن أنَّ تربيته قد نجحَت في تكوين الرجل الحُر داخليًّا — بمعنى تكوين استقلال الإرادة. وعندما يُصبح مستعبدًا، بالمعنى الحرفي، فمن المهم أهميةً قصوى بالنسبة له — رغم أنَّ عمله ويدَيه يُمكن بيعهم من سيدٍ إلى سيدٍ آخر — فإنَّ إرادته، وعقله، وماهيته الحقة لا يُمكن أن تُنتهك، أو تُمس حرمتها.١٢ وابتهج لأنَّه نال حريته الداخلية — بسبب تربيته الفريدة — كما كان يقصد «روسو» التي لا يستطيع أحدٌ أن يحرمه منها. إنَّ استقلاله الشخصي والأخلاقي جعله حُرًّا أساسًا، حتَّى إذا ما كان جسده مستعبدًا، ولقد فشلَت تربيته في صنع المستحيل، وإن كان روسو ينتهي إلى أنَّها قد نجحَت في تشكيل «إميل» في صورة رجلٍ كلي يتكيَّف مع أي موقف، مُتحرِّر من جميع الارتباطات التي تُقيِّده.
لكن ماذا عن صوفي؟ إنَّ تربيتها الأنثوية المثالية، كما رأينا، مُخصَّصة لأن يهبَها تلك التركيبة المؤلَّفة من السحر الجذَّاب والتواضُع المحتشم التي تتناسب مع الأب البطرياركي. وهي — مثل «إميل» — «ليس لها سوى الخير الطبيعي للنفس العادية. وإذا كانت من جميع الجوانب هي أفضل من النساء الأخريات، فإنَّ ذلك يرجع إلى تربيتها.»١٣ والمحصِّلة النهائية ذكَرها في «المتوحد» وهي شهادةٌ لا يُمكن إنكارها على فشل المثل الأعلى للتربية الأنثوية، بمقدار ما هي شهادة على فشل محاولة جعل الرجل الطبيعي يتناسب مع الحياة الاجتماعية.
أولًا: كيف يمكن ﻟ «صوفي» التي لم تكن تربيتُها مثل إميل أن تقبل الشرور الضرورية؛ ولهذا فإنَّ حالها ينقلب رأسًا على عقب عند وفاة ابنتها، فيُضطر «إميل» إلى أن يصحبها إلى باريس كي يذهبَ عنها حزنها. ولا بُدَّ أن تُبرهن باريس التي هي حامية الحضارة على سقوطهما. فيُحطم إميل، الذي أفسدَته المدنية، بأن يتهاوى في حبه وإخلاصه لصوفي. أمَّا هي التي تربَّت على أن تدور حياتها كلها حول الحب، والتي يعتمد تقديرها لنفسها كله على ما إذا كانت محبوبةً عند الرجال، فلا تستطيع أن تتحمَّل مشاعر الرفض؛ فتقترف جريمة الزنا، وتجد نفسها مع طفل من رجلٍ آخر. ومع ذلك فقد كان إميل مقتنعًا بإخلاصها وندمها حتَّى إنَّ قلب صوفي ظل نقيًّا على الدوام. كما أنَّه كان على وعي بأنَّ الإغراءات التي واجهَتها كانت أعظم من أيَّة إغراءات توقَّعَت مقاومتها. ولم يجد بديلًا عن أن يتركها مع طفلها الذي ظلَّ على قيد الحياة. ولم يكن من المُتصوَّر أن تستطيع قبول اعتذاره الذي كان عليه أن يُقدِّمه، ووجدَت نفسها بعد عملية الزنا إنسانة لا يُمكن علاجها. لقد سقطَت في عيون نفسها، وعيون إميل، وعيون روسو — في وقت واحد، من قاعدة تمثال المادونا «مريم العذراء» إلى حمأة البغي. وما دامت قد سقطَت مرة وفقدَت عفتها، فليس هناك ضمانٌ ممكن يمنعها من ألا تفعل ذلك مرةُ أخرى؛ فلم يعُد لها فضيلة تُحافظ عليها: «فالخطوة الأولى نحو الرذيلة هي وحدها الخطوة المؤلمة»، وكان إميل يتدبَّر نفسه أهو حقًّا الرجل المستقل، كان عليه أن يتجاهل ذلك التعصُّب الاجتماعي الذي يتمسَّك بحرية الزوجة ضد شرف زوجها.
وينتهي إلى أنَّه في الواقع تعصُّب معقول يستحق الانتباه؛ لأنَّ أي جريمة من هذا القبيل هي غلطة زوجها؛ إمَّا بسبب اختياره السيئ للزوجة، أو لأنَّه حكمها بطريقةٍ سيئة. وهكذا يعترف إميل أنَّه الشخص المُلام، إلى حدٍّ كبير، فيُقرِّر أنَّه يستحيل عليه أن يُعيد صوفي زوجة له مرةً أخرى. ويتخذ القرار النهائي عندما يُفكِّر في الرعب في أن تكون أُمًّا لطفل من رجلٍ آخر لأنَّه يعني مشاركة طفلَين عواطفها، ابنه والابن المغتصب، ولا بُدَّ لها بالمثل أن تُقسِّم مشاعرها بين اثنَين من الآباء، ومشاعر الاشمئزاز عنده، ضد هذا الموقف، هي التي جعلَته يصرخ: «إنَّني أتمنى أن أرى ابني ميِّتًا قبل أن أرى صوفي أُمًّا لطفل من رجلٍ آخر.»١٤
نحن هنا أمام حالةٍ واضحةٍ غاية الوضوح نرى فيها مشاعر الرجل الطبيعي ومصالح أسرته ووطنه في صراعٍ مباشر. وعندما تسود مشاعره فإنَّ إميل بالطبع لا يكون في وضعٍ يُمكِّنه من تحمُّل نتائج انهيار أسرته أكثر من صوفي، مع مسئولية طفلَين تابعَين له، ولمَّا كان حزينًا ومكتئبًا لمَّا رأى أنَّه خسارةٌ لا تُعوَّض أن يفقد المرأة التي يحبها، فإنَّه يترك أسرته ووطنه ويرحل، مستقلًّا، ومكتفيًا بنفسه، ليكون «مُتوحِّدًا حقيقًا. وسرعان ما يمرح في استقلاله الجديد الذي وجده، فلا يدين لأحدٍ بشيء فيجد نفسه في بيته، يدعم ذاته أينما ذهب ويروي لمعلِّمه «قلتُ لنفسي حيثما أعيش، وفي أي موقفٍ أجد نفسي فيه، سوف أجد مهمتي التي أقوم بها كرجلٍ باستمرار، ولا أحد يحتاج إلى غيره لو أنَّ كل إنسان عاش لنفسه بطريقةٍ سائغة.» «لقد شربتُ من مياه النسيان، فانمحى الماضي من ذاكرتي …»١٥ غير أنَّ صوفي لم تكن في وضعٍ يسمح لها أن تنسى الماضي؛ فلها طفلان سرعان ما تُوُفِّي أحدهما، وليس ثمة وضع في المجتمع ولا وسائل محترمة لمساعدتها سوى أن تعتمد على إميل. ويقينًا لا احترامها لنفسها ولا العار الذي تشعر به ولا افتقاره الواضح للمسئولية يجعل ذلك حلًّا مُمكنًا. ولم يكن أمامها بديلٌ سوى الموت الذي تقبَّلَته بطريقةٍ لطيفةٍ سعيدة بالنهاية.١٦
وتنشأ أهمية هذا الحل الخيالي للعقدة، بالطبع، من واقعة أنَّ كتاب «إميل» وعاقبته ليسا مجرد روايةٍ قصصية، وإنَّما كشف عن مصير رجل وامرأة تعلَّما ليكونا مثالًا يُحتذى لجنسَيهما. إلَّا أنَّ زنا «صوفي» مع رد فعل «إميل» الضروري نحوه دمَّرا هذه الأسرة المثالية، ولهذا أهميةٌ قصوى لأنَّ عدم ارتكاب الزنا هو الهدف الأساسي من تربيتها بأَسْرها. وكما يعترف إميل: «لو أنَّ صوفي دنَّسَت فضيلتها، فمَنْ من النساء تجرؤ أن تثق في فضائلها؟!»١٧
«إنَّ فشل صوفي مؤشِّر على فشل المجتمع في عصر روسو، عن أفضل تربيةٍ ممكنة يمكن للمرأة، في رأيه، أن تتلقاها؛ وهي مُهيَّأة لأن تكون على وعيٍ كامل بمفاتنها «تستهلكها حاجة مفردة للحب».»١٨ ويحكمها حكم الرأي العام. وكما أشارت «برجلين» أنَّ «يوخارس Eucharis» حورية الماء الفاتنة — التي وحَّدت «صوفي» نفسها معها عندما كانت تتخيَّل «تليماخوس»، وليس الزوجة العفيفة «أنتيوب Antiope».١٩ ونحن لن نندهش إذن من أنَّ صوفي عندما أهملَها زوجها في مدينةٍ صاخبة أن تسلك تبعًا لقاعدتها الأخلاقية المستهترة. إنَّ ضيق ما يُسمَّى بدائرتها المناسبة، والآمال المتضاربة المفروضة عليها؛ بحيث تجعل واحدة، هو على الأقل أن تسلك كالمحظيات مع زوجها والكراهيات مع غيره من الرجال. هذا الضيق يجعل من المحتم عليها أن «تسقط» على نحو ما حدث. ومن المُؤكَّد أنَّ المدينة الفاسدة مزجت المشكلات التي نتجت من تربية «صوفي»، غير أنَّ فحص مصير جولي Julie التي لم تترك أبدًا جو الريف الشاعري، يكشف عن أنَّ المسألة أكثر تعقيدًا من ذلك.
و«جولي» هي المرأة المثالية عند روسو، هي ذلك الطراز من الناس الذي كان هو نفسه سيحبه٢٠ فهي حساسة إلى أقصى حد، عاطفية إلى أقصى حد، وهي تزخر بصفات مثل: التواضع، الرومانسية، الجاذبية الجنسية، التي يعتبر روسو المرأة التي لا تملكها بغير قيمة. والموضوع الرئيسي ﻟ «هلويز الجديدة» هو الصراع بين مشاعرها وواجبها، الذي يعتقد «روسو» أنَّ أيَّة امرأة حساسة لا بُدَّ أن تواجهه؛ فقد تمزَّقت «جولي» بين مشاعرها العاطفية نحو معلمها سان بيرو Saint-Preux وبين إحساسها القوي بالواجب نحو أمها ونحو أبٍ مستحيل ليس لديه شيء يعمله مع عامة الناس، ويُريد أن يُزوِّج ابنته إلى صديق من عائلة نبيلة٢١ وعندما قهر حب جولي العنيف ﻟ «سان-بيرو» وتغلَّبت على واجبها في الاحتفاظ ببكارتها، فقد شعرت — كما يتوقَّع المرء من مثل هذه الشخصية العاطفية — أنَّها دُمِّرت تمامًا. وفي رسالة يائسة إلى ابنة عمها وكاتمة أسرارها كتبت تقول: «دون أن أعرف ما الذي أفعله اخترتُ أن أقوم بتدمير نفسي؛ فقد نسيت كل شيء ولم أتذكَّر سوى حبي فحسب. وهكذا في لحظة عارمة تحطمتُ إلى الأبد؛ فقد سقطتُ في أعماق العار التي لا يُمكن لفتاة أن تَشفي نفسها منه، ولو أنَّني عشتُ فسوف أكون أشد بؤسًا …»٢٢ فبعد أن فقدَت بكارتها شعرَت أنَّها لم يعُد لها قيمة كشخصٍ بعد الآن وغمرها الإحساس بالألم فصرخَت على معلمها: «كن وجودي كله، فأنا الآن لا شيء …»٢٣

يعترف «روسو» من خلال جولي — التي رغم تقواها المبالغ فيها أبعد ما تكون عن الشخصية الذكية الحقيقية أكثر من صوفي — يعترف إلى القارئ أنَّ محنتها محنة مرعبة، لم يستطع إنسانٌ قط أن يتحمَّلها. وتكتب جولي إلى حبيبها قائلة:

«تأمَّل وضع جنسي وجنسك في تعاستنا المشتركة، ثمَّ احكم مَنْ منَّا مدعاة أكثر للشفقة؟ أن تضع انعدام الإحساس وسط اضطراب الانفعالات العنيفة؛ لكي تبدو مرحًا راضيًا في حين أنا كفريسة آلاف من الأحزان، والتظاهر بأنَّك هادئ في حين أنَّ نفسك حزينة جزعة. تقوم باستمرار ما لا تُفكِّر فيه، وأن تُخفي مشاعرك، وأن تضطر أن تكون زائفًا، وأن تكذب أثناء التواضع — ذلك هو موقف جميع البنات في مثل سني. وهكذا انقضت أجمل سنوات عمرنا تحت طغيان السلوك اللائق والاحتشام الذي ينضاف في النهاية إلى طغيان الوالدين الذي يُجبرنا على زواجٍ غير مناسب، غير أنَّ محاولاتهم كبت مشاعرنا تضيع أدراج الرياح؛ فالقلب لا يعمل إلَّا وفقًا لقوانينه الخاصة ويهرب من العبودية، ويهب نفسه تبعًا لإرادته.»٢٤
وبغضِّ النظر عن الزواج بالإكراه فإنَّ روسو يرى كل هذه التعاسة نتيجة حتمية لكونها وُلِدَت أنثى. وعلى حين أنَّ «سان-بيرو» قد تأثَّر كثيرًا بانفصالهما الإجباري، فإنَّه لم يهبط العار بمكانته — مثل جولي — ولم يضطره إلى إخفاء مشاعره؛ فهو لم يُضطر إلى الزواج من امرأة لم يُحبها بل يستطيع على العكس أن يقوم ببعض الرحلات والاستثمارات، وأن يستمتع بوجوده المستقل بقَدْر ما يستطيع بدون المرأة التي يحبها. ولمَّا كانت «جولي» لم تكن متزوجة عندما ارتكبت جريمتها البشعة. كما أنَّ الطفل الذي حملَت فيه أُجْهض، فإنَّ الأمل الذي لا يزال قائمًا هو التكفير الأخلاقي. أيًّا ما كان السلوك الذي تختاره فإنَّها هي نفسها لا يُمكن أن تكون سعيدة ولم يُوضع الاختيار قط في المنظور الذي أرادته هي، وإنَّما هي باستمرارٍ كنزاع بين ثلاث إرادات لثلاثة رجال حولها — حبيبها، ووالدها، وأخيرًا زوجها. وتتساءل «مَن الذي أُفضِّله بعيدًا عن حبيبي ووالدي؟» وهي تُحاول أن تُقرِّر هل تفر من البيت أم تتزوَّج الرجل الذي اختاره والدها؟ «أيًّا ما كان الطريق الذي اختاره فلا بُدَّ أن أموت بائسة وآثمة.»٢٥ ومن ناحية أخرى فعلى حين أنَّها لا تستطيع أن تتزوَّج سان بيرو Saint-Preux دون موافقة والدها، فقد وعدَت حبيبها أنَّها لن تتزوَّج شخصًا آخر دون موافقته٢٦ وبمناسبة زواجها غير المرغوب فيه، تصف «جولي» مصيرها في هذا العالم الذي تعيش فيه ويحكمه الرجال. «مُقيَّدة بأصفاد لا يُمكن فكها بمصير الزوج أو بالأحرى بإرادة الأب. لقد دخلت إلى طريق جديد في الحياة، الذي لا بُدَّ أن ينتهي بالموت فحسب.»٢٧
وعندما تضع «جولي» واجب والدها قبل حبها ﻟ «سان-بيرو» وتتزوَّج الرجل الذي أجبرها عليه والدها، فإنَّها — في نظر روسو — قد كفَّرت عن ذنبها واستردَّت نفسها. غير أنَّ القصة كلها تعتمد على عدم انتهاء الصراع ضد مشاعرها، ومحاولاتها المُتكرِّرة لإقناع نفسها أنَّها تغلب على عواطفها. وشيئًا فشيئًا تستعيد شرفها وفضيلتها في دور الزوجة والأم «ارتقي يا نفسي وساعديني ضد تأنيب الضمير الناتج عن حالتي الأخرى …»٢٨ ومع ذلك فهي لم تكن من جانبها سعيدة رغم أنَّ زوجها «فولمار Walmar» المحترم كان يُعاملها كطفلة مُدلَّلة، ورغم أطفالها الأصحاء، ودينها، واتحادها الجديد (على مستوى غير مادي تمامًا) مع سان بيرو. رغم أنَّ الوضع المنزلي الريفي الذي تعيش فيه، قد وُصِفَ بأنَّه أسعد حياةٍ ممكنة على الأرض،٢٩ وأنَّ جولي نفسها وُصِفَت بأنَّها الأم الكاملة، وربة منزل حسنة الذوق، فإنَّها تعترف ﻟ «سان-بيرو» قرب نهاية حياتها بتعاستها التي لا تفسير لها. رغم أنَّها رأت فحسب مُبرِّرات للسعادة من حولها، تقول: «أنا لستُ راضية، وعندئذٍ «فأنا في منتهى السعادة، بل إنَّ السعادة تغمرني».» ولمَّا كان «الندم الخفي يُمزِّقها فإنَّها تندب حظها» «روحي الفارغة تشتاق إلى شيء يملؤها.»٣٠ والحل النهائي هو موت جولي، فيما يُشبه الحادثة.٣١ وجاء اعترافها بعد الوفاة أنَّها لا تزال غير قادرة على قهر عاطفتها تجاه «سان-بيرو»، يمكن أن ترى فقط كتعليقٍ مأساوي على إحساسها المُضلِّل بانتصارها على مشاعرها.٣٢ «فهي أخيرًا قد تحقَّقت من أنَّ العواطف العظيمة يمكن أن تختنق، ومن النادر أن يكون من الممكن إزالتها.»٣٣
لقد تصرَّفت «جولي» كما كان ينبغي عليها أن تفعل، منذ خطيئتها الكبرى الأولى؛ فاحتفظت بفضيلتها دون أن تُمسَّ طوال زواجها، رغم أنَّها انخدعَت في اعتقادها أنَّها شُفيَت من حبها؛ ومن ثمَّ فعندما تحقَّقت من أنَّها كانت على الدوام، ولا تزال، في خطر الخضوع للغواية، فقد كان موتها هو الطريق الوحيد للخروج من المأزق أو الإحراج المنطقي؛ فأي اتحادٍ جديد بينها وبين «سان-بيرو» سوف يكون من هذه الزاوية بالغ الخطورة حتَّى إنَّه سوف يأخذ الموضوع من أيديهم. ولقد فقدَت جولي إرادة الحياة عندما مرضَت بعد انتشال ابنها من الغرق. وهكذا نجد أنَّ عاطفتها هربَت من تحطيم أسرة «فلمار» المثالية لكن عن طريق تدمير نفسها بدلًا منها فحسب.
وكما أكَّدت «جوديث شكلار» فإنَّ جولي بوصفها ضحيةً بشرية هي أشبه بشخصية المسيح.٣٤ ما دامت المرأة المثالية، التي تُحِب وتُحَب، اللطيفة، الجديرة بالاحترام، التي تُكافح باستمرارٍ لكي تكون فاضلة، وواقعة أنَّها ضحية لها مضامينُ عميقة في نظرية روسو كلها عن النساء. و«جولي» هي البطلة عند روسو، ولا بُدَّ لنا أن نعترف أنَّها رغم صرامتها وتربيتها المكبوتة وحبها للفضيلة، فهي عاطفيةٌ جدًّا؛ فهي مثل هلويز الأصلية «مخلوقة للحب». ولمَّا كانت لها هذه الشخصية فقد كُتب عليها أن تقضي حياتها الناضجة كلها تصارع مشاعرها الطبيعية، من أجل عفَّتها البالغة الأهمية، واجبها نحو والديها وأن تُطيع الأحكام المُبتسَرة في عالم يحكمه التفاوت وعدم المساواة. ويُؤكِّد روسو في كتابه «إميل»: «إنَّه في أوضاعنا التي لا معنى لها فإنَّ حياة المرأة الصالحة هي صراعٌ دائم مع نفسها.»٣٥ غير أنَّ أفكاره الخاصة عن تربية النساء ووضعهن المناسب في المجتمع، إذا ما أُخذَت مع معتقداته عن الحب والزواج، تجعل من الواضح أنَّه في أي وضعٍ يجد نفسه على استعداد أن يتصوَّر أو يتخيَّل؛ فإنَّ طراز المرأة التي يُقدِّسها ليست فقط المرأة المحكوم عليها بالصراع الدائم، بل التي يكون مطلوبًا منها أيضًا (لا في جو المدينة الفاسد فحسب، بل حتَّى في جو الريف النقي أيضًا) أن تُضحِّي بحياتها من أجل الفضيلة. المطالب القديمة المزدوجة المطلوبة من المرأة — أن تكون في آنٍ معًا ملهمة الحب الرومانسي والجنسي، والحارس المخلص للزواج — موجودة بشكلها المأساوي عند روسو.

هناك ثلاثُ مجموعاتٍ مهمة من المزاعم المتضاربة عن الفرد البشري يُناقشها روسو في مؤلفاته. ولا بُدَّ من النظر إليها في ضوء نظرياته عن النساء والأمثلة التي ابتكرها عن المرأة المثالية.

  • أولًا: الصراع بين دوافع الفرد ومطالب الدولة الجمهورية. ويقول روسو: إنَّ الرجال لا بُدَّ من تربيتهم كأفراد أو مواطنين. غير أنَّ تربيته للنساء لا تُناسب أن يكنَّ هذا أو ذاك.
  • ثانيًا: الصراع بين الالتزام المستغرق بعلاقة الحب الثنائي وحاجات المجتمع الأوسع — سواء أكان الأسرة أم الدولة أو الجنس البشري ككل.
  • ثالثًا: المجموعة الثالثة من المزاعم التي درسها روسو، لكنَّه لم يعترف تمامًا أنَّها في صراع، تعتمد على مطالب الأسرة ومطالب الجمهورية المثالية. وما أُجادل فيه هو أنَّه أيًّا ما كانت صراعاتُ الولاء في المجموعة الثانية والثالثة إشكالية بالنسبة للرجل، فإنَّ المرأة التي تربَّت وتحدَّدت كما أراد لها «روسو» — هي التي يختارها لتكون أقلَّ قيمة في كل زوجٍ من الالتزامات البديلة، والتي سيكون ميلها الضروري نحو تقويض كلٍّ من مؤسساته المثالية، والأسرة الأبوية، والجمهورية الوطنية الديمقراطية.
إنَّ الموضوع الرئيسي في النظرية الاجتماعية عند «روسو» هو الصراع بين المثل الأعلى للرجل الطبيعي المستقل، والمثل الأعلى للرجل الذي هو جزء من كلٍّ أوسع؛ أي وطنه، بين الإنسان والمواطن. وهو في بداية كتاب «إميل» يضع صراحة المأزق أو الإحراج المنطقي الذي هو بالنسبة له نقطة البدء الضرورية لأيَّة نظرية اجتماعية أمينة؛ لا يمكن لأي شخص أن يكون إنسانًا ومواطنًا: «الرجل الطبيعي هو دائمًا لنفسه فهو وحده، كلٌّ مطلق، ليس له علاقة بأي شخصٍ آخر إلَّا بذاته وبأولئك الذين يشبهونه.»٣٦ والشيء الجوهري في تربية الرجل الطبيعي هو أن نترك الطبيعة تأخذ مجراها «التربية كلها تعتمد على ألا تفسد الرجل الطبيعي بأن تجعله يتوافق مع المجتمع …»٣٧

لكن التربية المفروضة للمواطن تختلف عن ذلك أتمَّ الاختلاف. ولقد تصوَّر «روسو» أنَّه برهن من خلال بنائه للحالة المفترضة للطبيعة، أنَّ الميل الطبيعي للإنسان هو نحو الخير، بمعنى وجد أنَّه مِمَّا يُسعده أن يكون كريمًا مع رفاقه، ما داموا لم يحبطوا حاجاته أو رغباته، لكن مطلوب من المواطن أن يكون نسيجًا أخلاقيًّا أكثر من ذلك؛ أن يعيش في تقاربٍ وثيق مع الآخرين وفي اعتمادٍ متبادل معهم، وسيكون مطلوبًا أن يُؤدِّي واجباته التي ربما كانت غير مقبولة عنده، وأن يقوم بتضحياتٍ لها اعتبارها. وهكذا نجد أنَّه بالنسبة له لا يكفي أن يعتمد على ميوله الطبيعية ليكون كريمًا ورفيقًا؛ لأنَّه لكي يشعر بالسعادة لا بُدَّ له باختصارٍ أن يتعلَّم أن يكون فاضلًا:

«ليس المواطن سوى صورة الكسر أو البسط الذي ينتمي إلى مقام، والذي تكمن قيمته في علاقته بالكل — الجسم الاجتماعي، والمؤسسات الاجتماعية الجيدة هي تلك التي تعرف كيف تُفسد الصفات الطبيعية، أن تنزع عنه وجوده المطلق وتُعطيه وجودًا نسبيًّا، وأن تُدخل الذات الفردية في الجماعة؛ بحيث لا يعود كل فرد يُفكِّر في نفسه على أنَّه واحد، بل كجزء من كل، وتُصبح مشاعره هي فحسب مشاعر عضوٍ في هذا الكل.»٣٨
إنَّ تربية المواطن الحقيقي، في نظر أرسطو، مثل تربية الإسبرطيين والرومان، تنطوي على أقل تقديرٍ على تدمير معظم الميول الطبيعية عند الإنسان وتغيير شكل شخصيته، وهو يسوق أمثلة: بروتس Brutus الذي حكم على أبنائه بالموت لأنَّهم خانوا الجمهورية «بيدارتس Pedaretes»٣٩ الذي رُفِضَ من عضوية «المجلس الإسبرطي»، وابتهج عندما علم أنَّ هناك ثلاثمائة مواطن هم أكفأ منه. والأم الإسبرطية التي جرت إلى المعبد لكي تشكر الآلهة لانتصار إسبرطة رغم أنَّ أبناءها الخمسة قُتِلوا لكي يبلغ الوطن هذا النصر.٤٠ «إنَّ المواطن صاحب النشأة الاجتماعية الذي يُدافع عنه روسو لا بُدَّ أن يعيش لوطنه؛ فلا هو يُفكِّر في نفسه كفرد، ولا هو يُفكِّر في الإنسانية ككل، بل يُفكِّر في رفاقه في الوطن فحسب؛ فهو لا بُدَّ أن يكون وطنيًّا وعن طريق الميل مع العاطفة بالضرورة …»٤١
كان روسو يعتبر جمهورية أفلاطون المثل الرائع للتربية العامة الحقيقية، ولدينا في «مقال عن الاقتصاد السياسي» و«ملاحظات حول حكومة بولندا» معالجته لهذا الموضوع. وهو يُؤكِّد في «خطاب إلى دالمبير» أنَّ الطريقة الوحيدة للبرهنة على أنَّ التربية قد تحسَّنت هو أن نُبيِّن أنَّها أنتجَت مواطنين أفضل. غير أنَّه يُقرِّر في «إميل» أنَّه لا يوجد وطن ولا مواطنون في عصره، ويذهب إلى أنَّه لا يُمكن أن يكون هناك — من ثَم — تربية عامة، وأنَّه سوف يُناقش البدائل الأخرى؛ التربية الخاصة، والتربية المنزلية.٤٢ والنقطة الجوهرية عنده هي أنَّ الخيار لا بُدَّ أن يُتخذ، ولا بُدَّ لعملية التنشئة الاجتماعية أن تُكافح إمَّا المجتمع، لكي تصنع الرجل الطبيعي، وإمَّا الطبيعة لكي تصنع المواطن الحقيقي:
«إنَّ من يرغب في الاحتفاظ بصدارة المشاعر الطبيعية في الحياة المدنية لا يعرف ما الذي يريده. إنَّه دائمًا يتناقض مع نفسه، إنَّه يتأرجح باستمرار بين ميوله وواجباته، وهو لن يكون أبدًا رجلًا أو مواطنًا، ولن يكون صالحًا لنفسه ولا لغيره …»٤٣
وعند هذه النقطة من حُجته يطرح «روسو» مشكلة كيف يُمكن للإنسان أن يُربِّي نفسه، كما ربَّى هو «إميل» ويعتاد أن يعيش مع الآخرين. يقول: «ربما إذا اقترح هدفًا مزدوجًا أن يُعاد توحيده في هدفٍ واحد بالتخلُّص من تناقضات الإنسان لاستطاع إزاحة عقبةٍ رئيسية من طريق سعادته.»٤٤
وإنكار «روسو» لإمكان عودة مثل هذه الوحدة بين الهدفَين يُعبِّر عنه بما أصبحه «إميل»؛ لأنَّ تربية إميل لم تكن تستهدف على الإطلاق أن يكون منعزلًا بل بالأحرى: «أن يكون إنسانًا طبيعيًّا يعيش في مجتمعه المتوحش الذي يربَّى ليعيش في مدينة.»٤٥ فلا بُدَّ أن يعرف كيف يعيش إن لم يكن مثل غيره من السُكَّان، فعلى الأقل أن يعيش معهم واختياره أن يكون زوجًا وأبًا يعني أنَّ عليه أن يتقيَّد بالتزامات المواطن.٤٦ وفشل «إميل» في القيام بهذه الأدوار الثلاثة دليلٌ على صراع لا يُمكن حلُّه بين الرجولة والمواطنة. لقد جعلَته تربيته صالحًا لأن يكون هذا الرجل المعيَّن، لا أن يتحمَّل أيَّة ارتباطاتٍ شخصية أو وطنية. وحل العقدة في قصة «إميل» هو ببساطة تصديق على ما سبق إقراره في بداية الكتاب الأول — على المرء أن يختار أن يُربَّى كإنسان أو كمواطن لكن ليس كالاثنَين معًا.

هناك منهج واحد ممكن فحسب لتربية المرأة عند روسو؛ فهي ليست مثل «إميل» تُربَّى لكي تكون شخصًا ذا حكمٍ مستقل، وكفايةٍ اقتصادية ذاتية، وقدرةٍ مكتسبة لقبول الضرورة، والتكيُّف مع أي موقف تجد نفسها فيه؛ فلا هي مثل الأطفال البولنديين لتكون المواطنة الأولى في وطنها؛ بحيث تنشأ اجتماعيًّا وهي تُفكِّر في الوطن الأم في كل لحظة وتجعل رغباتها تابعةً دائمًا للصالح العام. وليس ثمَّة ذِكْر للبدائل من أمثال تربية «صوفي» و«جولي». لقد تربَّوا بدلًا من ذلك ليكونوا ذيولًا إضافية للرجال — بنات وزوجات وأمهات خاضعات ومطيعات — لرجال سوف يعتمدن عليهم في معيشتهن وحتَّى يكون لهن احترامٌ ذاتي. والعلاقات اللائي تمَّ إعدادهن لها هي علاقاتٌ شخصية تمامًا؛ لأنَّ وسائلهن الوحيدة المناسبة للسلطة والتأثير هي من خلال الرجال القريبين منهن. وقد تعلَّمن استغلالهن لأغراضهن الخاصة.

ومن ثمَّ يبدو من غير المألوف أن يتوقَّع «روسو» من «نساء جنيف» أن يستفدن من وسيلتهن الوحيدة للسلطة في العالم أن يُعجِّلن من إيجاد الفضيلة المدنية والمصلحة العامة؛ بالنسبة لهن أو أي نساءٍ أخريات تعلَّمن بالطريقة التي يعتبرها مناسبة — لم يتلقَّين أيَّة تنشئةٍ اجتماعية، ولم يُشاركن في أيَّة حقوق أو واجبات للوطن — أن يضعن المصلحة العامة قبل مصلحتهن الخاصة أو مصلحة الأشخاص القريبين منهن، لا بُدَّ بالقطع أن تكون ملحوظة تبعًا لاستدلال «روسو». وفي كتابه «العقد الاجتماعي» ينسب اقتناعه بأنَّ من واجبه دراسة الحكومات والمسائل العامة، إلى واقعة أنَّه وُلِدَ مواطنًا في دولة حرة وعضوًا له حق التصويت في السيادة.٤٧ ولا يُمكن له أن يتصوَّر امرأة تُحرِّكها مثل هذه الدوافع؛ ولا شيء في التربية التي فرضَها على الفتيات يُؤدِّي إلى توقُّع أن يكون للولاء الوطني مكان الصدارة على الولاءات الشخصية أو الأنانية.
وصراع الولاءات الثاني الذي واجهَته النظرية الاجتماعية عند روسو هو الصراع بين خصوصية الحب الحميم وخير العالم الخارجي — سواء أكان هذا العالم الخارجي هو: الأسرة، أو الوطن، أو الإنسانية. وعلى الرغم من إعجابه بالحب الرومانسي الذي يتوق إليه، ويُصوِّره على أنَّه يتأسس على وهمٍ محض.٤٨ فهو يخلق موضوعات حبه بأن يُغطي هذه الموضوعات في العالم الواقعي بغِلالة من الخيال. وكما تقول جولي: «إنَّنا غارقون في الحب بالصورة التي نستحضرها أكثر من الموضوع الذي نلحق به، فإذا ما رأينا موضوع حبنا على نحو ما هو بالضبط، فلن يكون هناك حب بعد ذلك في العالم»؛٤٩ وفي المرة التي وقع فيها روسو نفسه في حب «مدام دوتو»، كان ذلك نتيجة لأنَّه ألبسها صفات «جولي» التي ابتكرها. وبالمثل فإنَّ «إميل» كان يُعدُّ مقدمًا للقائه مع زوجته المقبلة بأن تكون لديه «صوفي» المثالية حاضرة بالتفصيل في خياله، لكنَّا نُلاحظ أنَّه لم يقع في غرامها في اللقاء الأول، بل عندما سمع اسمها، وتحقَّق أنَّ هذه الفتاة هي بالفعل التي تُجسِّد خيالاته.٥٠ ولمَّا كان هذا الحب مُؤسَّسًا على وهمٍ فلا بُدَّ بالضرورة أن يكون عابرًا سريع الزوال. وكما كتبت «جولي» إلى «سان-بيرو»: على الرغم من أنَّ المرء قد يشعر بالحب بعنف حتَّى يبدو أنَّه لا يفنى، فإنَّه لا مندوحة له عن الذبول، والملل والضجر، ثمَّ تأتي التخمة، الحب «يبلى مع الشباب، ويذبل مع الجمال، ويموت مع برودة الشيخوخة ما دام أنَّه في بداية العالم لم يرَ أحدٌ أبدًا حبيبَين بشعرٍ أبيض يتنهَّد الواحد منهما من أجل الآخر.»٥١ (وليس حب جولي و«سان-بيرو»، بالطبع، استثناء من ذلك، وما دام قد بدأ في مرحلة مُبكِّرة فلا يُمكن أن يكون هناك تساؤل عن التخمة. والواقع أنَّ نغمة الرسائل بينهما توحي بقوة أنَّ عاطفتهما ظلَّت حيَّة عن طريق إحباطها).
إذا استمر الحب فإنَّ روسو لا يسأل عن شدته؛ أمَّا إلى أي حد ينظر «روسو» إلى خصوصية علاقة الحب بين اثنَين، وكيف أنَّه يستهلك الاثنَين، فذلك ما يُعبر عنه صراحة في كتاب «الاعترافات» — كما يُعبر عنه «في كتاباته الأخرى».٥٢ «ويُشار إلى أفلاطون على أنَّه فيلسوف المحبِّين الحقيقي، لاقتناعه أنَّه من خلال العاطفة لا يكون لديهما أبدًا شيء آخر …»٥٣ وبالمثل الواضح للطبيعة الخصوصية للحب هو الثورة المثيرة ﻟ «سان-بيرو» الذي عاش لعاطفته وحدها؛ فبعد أن احتال — هو وجولي — أخيرًا لقضاء الليلة معًا، كتب إليها يقول: «آه! فلنمُت يا حبيبتي! فلنمُت يا حبيبة قلبي! ما الذي يُمكن لنا أن نفعله من الآن فصاعدًا بشبابٍ لا طعم له، لقد استنفدنا الآن جميع مباهجه …»٥٤ لقد وضع نفسه وإرادته تمامًا تحت تصرف «جولي»، مسقطًا من حسابه أيَّة علاقة — أي علاقته بها. وعندما انفصل عن حبه استنجد بابنة عمها «كلير»: «آه: ماذا تكون حياة الأم، وماذا تكون حياتي الخاصة، وحياتك وحتَّى حياتهن، ماذا يكون وجود العالم بأَسْره بعد المشاعر الجميلة التي تربطنا؟!»٥٥ ولقد أشار «لورد بومستون» الصديق الحميم ﻟ «سان-بيرو» إلى الميول الفوضوية للحب الخصوصي، المقصور على شخصٍ واحد، عندما نتحدَّث عن الرابطة التي تربط بين العاشقين فقال: «جميع القوانين التي تمنعه هي قوانين ظالمة، والآباء الذين يُصدرون هذه القوانين أو يحطمون هذا الحب هم طغاة؛ فهذه الرابطة العفيفة الطبيعية لا تخضع لقوة السيادة ولا سلطة الآباء، وإنَّما لسلطة الأب المشترك وحده الذي يحكم القلوب …»٥٦ ويرى «بومستون» أنَّ حقوق الأسرة والدولة ليس لها الصدارة على حقوق الحب.
إنَّ المطالب المطلَقة التي يفرضها الحب، كما يتصوَّره روسو، وكما وصفها «بومستون»، والمُتجسِّدة في استسلام سان-بيرو بالكامل، الذي قاده إلى أن يرى الحب على أنَّه تهديدٌ للولاءات الأخرى المطلوبة منَّا؛ إنَّ قيمة الرجل الذي يتحدَّث بالطريقة التي يتحدَّث بها سان-بيرو واقتبسناها فيما سبق، بوصفه عضوًا في عائلة ووطن أو حتَّى عضوًا في الجنس البشري، هي يقينًا لا يُمكن الشك فيها. وكل ما يستطيع التفكير فيه هو عاطفته نحو جولي، لكن على الرغم من أنَّ روسو يتصوَّر أنَّ الحب الجنسي-الرومانسي على هذا النحو يذبل ويذوي، فإنَّه يبدو أنَّ النتيجة التي انتهى إليها هي أنَّ الحب، مثل جميع العواطف الأخرى، يكون جميلًا لو أنَّنا سيطرنا عليه ولم نتركه يُسيطر علينا. وهو يُخبر «إميل» أنَّ الرجل لا يكون آثمًا إنْ هو أحب امرأة جاره، ما دام أنَّه يُسيطر على عواطفه ويُؤدِّي واجبه، لكنَّه يكون آثمًا لو أنَّه أحب زوجته لدرجة أن يُضحي بكل شيءٍ آخر في سبيل ذلك الحب.٥٧ وفي أحد الخطابات يُلخِّص أفكاره على النحو التالي:
«إنَّنا نُعاقب، بحق، على تلك الارتباطات الخاصة التي تُعمينا وتجعلنا ظالمين، وتحدُّ من عالمنا ليُصبح هو عالم الأشخاص الذين نُحبِّهم فحسب. وكل تفضيلٍ للأصدقاء هو سرقة تُرتكب في حق الجنس البشري، والوطن؛ فالناس جميعًا هم إخوة لنا وينبغي أن يكونوا جميعًا أصدقاءنا.».٥٨
وإذا كانت الصداقة سرقة، إذن سيكون الحب والولاءات الأوسع عرضة للتصادم، حيثما تكون هناك فرصة لأن يُكرِّس المرء نفسه للجماعة، وأن يخرج من دائرة الخصوصية الضيقة إلى الوطن الأم أو الإنسانية، إذن الحب المقصور على اثنَين، لا بُدَّ من تجنُّبه بوصفه تهديدًا للولاء المدني والإنساني. وهذا هو السبب الذي جعل «روسو» يرفض تقديم الحب الرومانسي على المسرح في «جينيف»، ما دام «يعتقد أنَّ المدينة لديها قَدْر من الأخلاق والمشاعر المدنية، وأنَّ هذا القَدْر يهبط برعايتها للخصوصية الجنسية والشخصية …٥٩ إذ على الرغم من أنَّه من الأفضل كثيرًا أن تحب سيدة من أن تحب نفس وحدها في العالم كله … وأفضل من ذلك مَن يُوزِّع عواطفه بالتساوي مع ما يملك من رقة …»٦٠
ولمَّا كان يدرك الحب الرومانسي على أنَّه أمرٌ خاص تمامًا. كما يدرك الزواج على أنَّه المؤسسة الاجتماعية الجوهرية، فإنَّ روسو لم يكن متأكدًا مطلقًا من أنَّ استمرار العاطفة الشديدة يتنافى مع الزواج؛ ومن المُؤكَّد أنَّه يُعبِّر أحيانًا عن رغبته في أن يكونوا على هذا النحو، وهو يأسف أسفًا شديدًا على واقعة أنَّه على الرغم من أنَّه إذا ما طالت سعادة الحب أثناء الزواج لكان لدينا جنة على الأرض، فإنَّ ذلك لم يُرَ أبدًا أنَّه قد حدث. ولسوء الطالع: «على الرغم من جميع الاحتياطات، فإنَّ الامتلاك يقضي على سعادتنا، وعلى الحب قبل أي شيءٍ آخر.»٦١ وهو ينصح «صوفي» بإحباط ذبول علاقة «إميل» الغرامية بها، بقَدْر المستطاع، بأن تُواصل الإغراء والفتنة وأن تمنحه عطاياها الجنسية باقتصادٍ شديد. لكن رغم ذلك سيأتي الوقت بالضرورة، كما هي الحال في أي زواج، الذي سوف تبرد فيه حرارة الزوج الملتهبة. وهكذا فإنَّ المشاعر التي أُقيم عليها الزواج لا بُدَّ في النهاية أن تُصبح رقيقة، وموضع ثقة وتقدير متبادل، وفضيلة، وتلاؤم بين الوالدين، تدعمه وتقويه الرابطة الهامة إلى أقصى حد، الرابطة التي يُشكِّلها الأطفال بين الوالدين: «وهي رابطة كثيرًا ما تكون أقوى من الحب ذاته.»٦٢

غير أنَّ روسو في «هلويز الجديدة» يجعل «جولي» تناقش لا فقط أنَّ الحب الرومانسي لا يُمكن أن يستمر أثناء الزواج، بل إنَّه لا مكان له في الزواج الجيد كما كتب:

«يصاحب الحب قلقٌ متواصل بسبب الغَيرة أو الحرمان، وقليلٌ منه يتلاءم مع الزواج الذي هو حال من الفرح والسلام؛ فالناس لا يتزوجون لكي يفكر كل واحدٍ منهم في الآخر فحسب، وإنَّما لكي يُحقِّقوا معًا واجبات الحياة المدنية، أن يسيطروا على بيوتهم بحكمة، وأن يُربوا أولادهم تربيةً جيدة، أمَّا المحبون فهم لا يرَون أبدًا سوى أنفسهم، ولا يهتم الواحد منهم إلَّا بالآخر فحسب. والشيء الوحيد الذي يستطيعون عمله هو أن يُحب الواحد منهم الآخر. وليس ذلك كافيًا بالنسبة للمتزوجين، الذين لديهم العديد من الاهتمامات التي لا بُدَّ أن ينتبهوا إليها.»٦٣
الزواج، إذن، هو مؤسسةٌ اجتماعية جادة لا يُمكن لها أن تنجح بسهولة، ولا بُدَّ له أن يقوم على أساس الشرف، والفضيلة، والملاءمة، وهو في الواقع يكون أفضل إذا لم تزعجه الانفعالات الطاغية. وعلى حين أنَّ «سان-بيرو» كان مثلًا أعلى للمحب العاشق، فإنَّ «جولي» كانت تشك في إمكان أن يكون زوجًا صالحًا؛ لأنَّ روسو كان يعتقد أنَّ الجمع بينهما بالغ الندرة.٦٤ ولم يكن بين جولي وزوجها «فولمان» — وهو رجل بلا انفعالاتٍ تمامًا — ذلك الوهم الذي يدعم تلك الحالة من التوتُّر الحاد بينها وبين «سان-بيرو». وفضلًا عن ذلك فقد كان «فولمار» هو الذي صُنِّف على أنَّه زوجٌ وأب، ورب منزلٍ مثالي، كما أنَّ زواج «فولمار» يُوصف بأنَّه منظم وجدير بالإعجاب، وأنَّ الأسرة التي كوَّناها هي نموذج يحتذيه الآخرون. غير أنَّ إنجاز هذا النموذج يتأسَّس على الأغلب على الحب الشديد الانفعال، الذي يستلزم التضحية بمشاعر «جولي»، وفي النهاية التضحية بحياتها.

وهكذا فإنَّه على حين أنَّ وضوح جولي المستحيل ربما كان من الممكن تخفيفه من ناحية — لو أنَّ القوانين والعادات التي تُعطي الآباء مثل هذه السلطة على بناتهم — مختلفة؛ وبذلك لا يمكن حل الصراع الذي يقوم بين الحب والزواج. ولقد كان يُمكن ﻟ «جولي» أن تتزوَّج حبيبها لو لم يكن هناك استبداد الآباء، ومتطلبات نظام المِلكية، لكن لا يكون لدينا انطباع بأنَّ مثل هذا الحل كان سيُصبح إمَّا حلًّا سعيدًا أو حلًّا اجتماعيًّا مُفيدًا. ولقد كان ما يُفكِّران فيه — وهما في ذروة الانفعال — هو أنَّ اللحظة الحاسمة في العلاقة بينهما أن يموتا معًا أكثر من أن يعيشا معًا.

ولقد كان «روسو» يشك كثيرًا في مصير هذا الحب بينهما، لو أنَّه خضع للتجارب والتحرُّر من وهم عددٍ من سنين الحياة اليومية؛ ويُصبح واضحًا جدًّا لنا أنَّه على الرغم من أنَّ سان-بيرو الذي كانت «جولي» تُحبه على الدوام حُبًّا شديد الانفعال، فإنَّ «فولمار» كان بغير شك أفضل رجل ليكون زوجًا لها، وأبًا لأطفالها. والواقع أنَّ المرأة المثالية البديلة الوحيدة عند روسو — من أجل الفضيلة والواجبات الاجتماعية — هي المرأة التي تفعل بالضبط حتَّى دون إكراه من والدها؛ فلا بُدَّ لها أن تتزوَّج، بدون حب، من رجل يخلو من الانفعالات العنيفة، وتجعل البيت منظمًا وسعيدًا له ولأطفاله، ومع ذلك فقد كانت طوال الوقت تتعذَّب، وفي النهاية، كانت وسيلتها الوحيدة للانتصار على الحب هي الموت.

غير أنَّ «جولي» كانت قدوةً استثنائيةً في الفضيلة أشبه بشخصية المسيح. وهذا هو السبب في أنَّها — رغم أنَّه لا بُدَّ من تدميرها — قادرة على أن تضع واجباتها نحو الأسرة والمجتمع، فوق مشاعر حبها. كما أنَّ صوفي، من ناحيةٍ أخرى، رغم أنَّها تلقَّت تربيةً مثالية بالنسبة لجنسها، استسلمَت لغواية حُب لا حدَّ له بعد الزواج؛ ولذلك قضت على نفسها وعلى أسرتها. إنَّ محاولة خلق امرأة في صورة الحورية المغوية «يوخاريس»، Eucharis على أن يكون لها بعد ذلك سلوك الزوجة الفاضلة «أنتيوب» هي محاولةٌ فاشلة، مثلها مثل محاولة تحويل الرجل الطبيعي إلى مواطن … إنَّ الحاجة إلى المرأة الفاضلة التي تُسعد وتُحب على الدوام واستحسان اعتمادها على الرجل لتقديرها لنفسها، وعلى الرأي العام بالنسبة للقانون الأخلاقي، جعلَتها في النهاية تكون على يقينٍ أنَّ الحب الجنسي — في ظروف الضغط — سوف ينتشر فوق مطلب الزواج الواحدي، الذي هو أساس النظام الاجتماعي كله. ما دام أنَّ «الحب هو مملكة النساء».٦٥ وفي النهاية يُمكن أن نتوقَّع مبالغتهن في أهمية وسيلتهن الوحيدة للسيطرة سواء على حساب العواطف الهادئة، التي ينبغي أن يُبنى الزواج عليها. أو بالنسبة إلى الإساءة إلى أسرهن، وإلى رفاقهن في الوطن أو رفاقهن في الإنسانية.
اقتناع «روسو» بأنَّ العلاقات الثنائية الحميمية تُهدِّد المجتمع الأكبر، أكَّده كثيرٌ من القادة الآخرين أو المنظِّرين للجماعات التي تطلب من أعضائها ولاءً غير مزدوج. وفي الدراسات الاجتماعية الحديثة التي قام بها «لويس كوزر L. Coser» للوثائق، فقد تمَّ إدراك الانطواء النفسي الجنسي على أنَّه انسحابٌ من الجماعات والنِّحَل المترابطة جيِّدًا مثل الكنيسة وتنظيماتها الدينية، والبلاشفة Bolsheviks٦٦ المبكِّرين، وعددٍ كبير من اليوتوبيات الأمريكية المُبكِّرة. وحتَّى يتم منع سحب الطاقات والعواطف من الغرض العام، فإنَّ أمثال هذه الجماعات اتجهت إلى أن تطلب من أعضائها إمَّا العزوبة أو العربدة الجنسية، التي كما أشار «كوزر»: «رغم أنَّها ضد معارضة الممارسة الجنسية فإنَّها تُحقِّق وظائف اجتماعية مماثلة تمامًا.»٦٧ ويُشير «كوزر» أيضًا — مقتبسًا المزيد من الدلائل على هذا النوع من الاستدلال من كتابات مُنظِّري الجماعات الثلاث المذكورة فيما سبق — إلَّا أنَّه اكتشف أنَّ جميع هذه الجماعات فيما عدا واحدةً من اليوتوبيات الأمريكية الناجحة في القرن التاسع عشر، مارسَت إمَّا الجنس الحر أو العزوبة في فترةٍ ما من فترات تاريخها، غير أنَّ هناك إحدى وعشرين جماعةً فاشلة؛ خمسٌ منها فقط هي التي فعلَت ذلك، وأربع منها سمحَت بالاقتران إذا ما رغب الحبيبان.٦٨ وهكذا بالنسبة لنوع المجتمع الذي يُنظر فيه إلى الولاء الكامل للأعضاء على أنَّه مسألةٌ جوهرية، يبدو أنَّ هناك مُبرِّرًا قويًّا لوضع ضوابط للعلاقات الثنائية.
ولا يُعطي روسو مثل هذه الممارسات سوى مساحةٍ ضيقة؛ فهناك انفصالٌ جنسي في منزل «فولمار» في «كلارتر»؛ السادة المعنيون تمامًا بأن يُخْدَموا خدمةً جيدةً من الخدم لا بُدَّ أن يُدْرِكوا «أنَّ العلاقات الحميمية للغاية بين الجنسين لم تُقدِّم أبدًا أي شيء سوى الشر»؛ ومن ثمَّ «فإنَّ الرجال والنساء في منزلٍ منظمٍ تنظيمًا جيِّدًا ليس بين بعضهم بعضًا سوى علاقة ضعيفة …»٦٩ وهو يُحذِّرنا من أنَّ دمار الأسر الغنية قد نشأ من وجود علاقاتٍ غرامية سرية بين رجال ونساء الخدمة، ومن هناك كان الانفصال بين الجنسَين بالإضافة إلى الاحتفاظ بعفَّة الخادمات من النساء، فإنَّ ذلك سوف يضمن أنَّ الخدم من الجنسَين معًا يقومون بواجباتهم المنزلية بإخلاصٍ ودون تشوش. وعلى مستوى الدولة فإنَّ التنظيمات مثل تنظيم نوادي «جنيف» تُؤدِّي نفس الوظيفة في منع تشويش العلاقات الجنسية الحميمية من الإضرار بالحياة المدنية الأوسع.
ومن المهم أن نُلاحظ — عند هذه النقطة — أنَّ هذه المجتمعات «النهمة» التي قام «كوزر» بتحليلها ليست مُعارضةً تمامًا للحب الجنسي الحميمي لكنَّها أيضًا من ألد أعداء الأسرة؛ فالكهانة الكاثوليكية، والميليشيات البولشفية الأولى، واليوتوبيات الناجحة في أمريكا، إمَّا أنَّها محظورةٌ بطريقةٍ فظة، أو أنَّها على الأقل محيطة بقوة، فمحظور على أعضائها أن يلزموا أنفسهم بمطالب الأسرة. عددٌ من مبتكري مجتمع اليوتوبيات الفلسفية ذكروا هذه التوصيات نفسها؛ أفلاطون في «الجمهورية»، كمبانيلا في «مدينة الشمس».٧٠ وفورييه٧١ في مشروعه الذي أطلق عليه اسم «فلانستير» وهم جميعًا يمدون تحذيراتهم من العلاقات الحميمية في الأسرة.٧٢ وعلى ضوء هذه الحقيقة عالج روسو الصراع المُمكن بين الأسرة والدولة. وانتهى إلى أنَّه لا بُدَّ من المحافظة على الأسرة بوصفها أساس المجتمع، وهي في الواقع دراسةٌ ممتعة. ولقد كان روسو، تقريبًا، هو الوحيد من بين مبتكري يوتوبيات المجتمعات الوثيقة الترابط الذي كان بعيدًا عن العدل للأسرة التي تصوَّرها بطريقةٍ مثالية.
وعلى الرغم من هذه التفرقة بين الأساس الطبيعي للأسرة، وأساس الأعراف الاجتماعية في المجتمع السياسي تصوَّر روسو مثله الأعلى، جمهورية ديمقراطية صغيرة تُشبه — في كثيرٍ من الجوانب — أسرةً كبيرة. وهو مثلًا في «خطاب إلى دالمبير» يُشير إلى الحفلات العامة التي يراها مفيدة للراحة والسلام والاحتفاظ بالجمهورية «لا على أنَّها حفلات تسلية عامة بقَدْر ما هي … تجمُّع لأسرة كبيرة …»٧٣ وهو، من ناحية أخرى، يُوصي البولنديين أن تكون «الجمهوريات من الصغر بحيث يستطيع الحكام مراقبة مواطنيهم، وهي في وصفه أقرب جدًّا إلى الأسرة منها إلى المجتمع السياسي.»٧٤ وأخيرًا في عبارة واحدة جديرة بالملاحظة في «مقال عن الاقتصاد السياسي» يُشير إلى الدولة على أنَّها الأم المحبة المغذية، كما يُشير إلى مواطنيها عندما يكونون أطفالًا على أنَّهم «إخوة يعتز كل واحد منهم بالآخر بالتبادل»، وعندما يبلغون سن الرشد يُصبحون آباءً ومدافعين عن بلدهم.٧٥ وعلى الرغم من أنَّ المجاز مُتكلف إلى حدٍّ ما فإنَّ مضمونه لا تُخطئه العين العابرة. إنَّ منهج التنشئة الاجتماعية الموجه توجيهًا عاليًا والمنظم لمواطنين في دولة مثالية كان يميل إلى إنتاج أسرة وإخوة، أكثر من إنتاج مجموعة من الأفراد.
عندما يُناقش «روسو» المأزق أو الإحراج المنطقي، وهو أنَّ أحدًا لا يستطيع أن يكون إنسانًا ومواطنًا في آنٍ معًا، فإنَّه يُقدِّم ملاحظةً سوسيولوجية، ومن المحتمل جدًّا أن يضع نفس الحُجج مُفكِّرون آخرون من أصحاب اليوتوبيا، عن وظيفة الجماعات وميلها إلى مطالبة جميع أعضائها بالولاءات والعواطف، يقول: «كل مجتمعٍ حزبي عندما يكون مترابطًا ومتحدًا اتحادًا جيِّدًا، يُعبِّر هو نفسه عن المجتمع الأكبر. وكل وطني يكون قاسيًا مع الأجانب فهم في نظره مجرد بشر وليسوا أكثر من ذلك … والمهم أن تكون خيِّرًا وصالحًا مع المواطنين الذين تعيش بين ظهرانَيهم.»٧٦ وكما أنَّ الولاء الوطني انتقاص من حب المرء للإنسانية ككل، فإنَّ روسو يعترف بأنَّ عضوية المرء وولاءه للجماعات الفرعية داخل الوطن الواحد يحتمل أن تكونَ انتقاصًا من الولاء الوطني المطلوب للمواطن الحق. وهكذا فإنَّه ما دام نفس القرار يُمكن أن يكون مفيدًا للمجتمع الصغير وضارًّا أبلغ الضرر للمجتمع الكبير «… فإنَّه ينتج من ذلك أنَّه يُمكن أن يكون قسًّا ورعًا، وجنديًّا شجاعًا، غيورًا على مهنته، وفي الوقت ذاته مواطنًا سيِّئًا.»٧٧ ومن ثمَّ ففي كتاب «العقد الاجتماعي» ما دام الهدف تطوير المواطن الحقيقي الذي ينضم إلى «هيئة اجتماعية وأخلاقية واحدة …»٧٨ مع إرادة عامة والارتفاع بالمصالح الجزئية الخاصة لتكون أعلى من المصلحة العامة هو الخطر الحاضر، واستنكار لوجود جماعاتٍ حزبية. «عندما تبدأ المصالح الحزبية في تثبيت أقدامها وفرض نفسها، وتبدأ الجماعات الصغيرة في التأثير في الجماعات الكبيرة، وتتغيَّر المصلحة المشتركة ونجد معارضين، ولا يعود إجماع الرأي يسود التصويت، فإنَّ الإرادة العامة لن تكون في هذه الحالة هي إرادة الجميع …» مع نمو المصالح الجزئية ومصالح الجماعات، كلٌّ منهما سيصل إلى التركيز على منافعه الجزئية الخاصة، وسوف يهمل انهيار الرخاء العام.٧٩
وقد يبدو واضحًا للغاية أنَّ واحدًا من تطبيقات نظرية صراع المصالح هذه لا بُدَّ أن يكون خاصًّا بالأسرة؛ فهذه جماعة تتطلَّب من أعضائها، يقينًا، أن يكون لديهم ولاءٌ قوي جدًّا لحاجاتها ورغباتها التي قد تتعارض مع مصالح المجتمع الأكبر. يقول روسو: «ما دام الهدف الأساسي للأسرة هو أن تُحافظ وتُنمِّي تركة الأب، لعلَّة يقوم يومًا ما بتوزيعها بين أطفاله دون إفقارهم، وما دام ينظر إلى الملكية الخاصة والميراث على أنَّها أكثر الحقوق قدسية بالنسبة للمواطن»،٨٠ فمن الواضح أنَّه لا بُدَّ أن تكون هناك مناسباتٌ كثيرة سوف تتعارض فيها مصالح الأسر الفردية مع حاجات الوطن ككل. وأيَّة ظروف تتطلَّب فرض ضرائب غياب عائل الأسرة بالنسبة للخدمات العامة، أو تنظيم المِلكية الخاصة للصالح العام، مثلًا، يُحمل أكثر أن تُسبِّب صراعًا بين الأسرة والولاء الوطني، لكن على الرغم من واقعة أنَّ نظرية صراع المصالح عند روسو طُبِّقَت على مستوى المشاعر الوطنية ضد المشاعر الإنسانية وعلى بعض الجماعات الحزبية داخل الجمهورية، فقد رفض صراحة أنَّه يُمكن تطبيقها على التوتُّر بين مطالب المجتمع الأكبر ومطالب الأسرة.

ومن المهم أن نُشير — عند هذه المرحلة — إلى مناسبتَين في كتاباته عندما اقترب روسو جدًّا من الاعتراف بصراع المصالح الكامن بين المؤسستَين المثاليتَين عنده؛ الجمهورية الديمقراطية، والمِلكية الخاصة للأسرة الأبوية البطرياركية.

  • أولًا: أكثر الأمثلة التي يقتبسها إثارة هما نموذج الولاء الوطني الإسبرطي والروماني؛ حيث نجد أنَّ المواطنين فيهما يُخْضِعون مشاعر الأسرة لمطالب الوطن. وعلى الرغم من أنَّ «بروتس» و«الأسرة الإسبرطية» لا بُدَّ أن يكونا قد حزنا حزنًا خاصة لموت أطفالهما، فلا شكَّ أنَّهما مواطنان قبل أن يكونا أبوَين. وهذان المواطنان الحقيقيان قادران بما فيه الكفاية على تجريد أنفسهما من مشاعر الأسرة واعتبار الدولة باستمرار عزيزةً عليهما أكثر من الأسرة، إلَّا أنَّ صراع المصالح والولاء كان حاضرًا في الحالتَين على نحوٍ لا يُمكن إنكاره.
  • ثانيًا: ومِمَّا له مغزًى أكثر أنَّ روسو لم ينظر إلى الأسرة على أنَّها محلٌّ جدير بالثقة للتربية التي يحتاج إليها المواطنون في الجمهورية؛ فقد نظر إلى التنشئة الاجتماعية من أقدم العصور الممكنة على أنَّها: «واحد من أعظم المبادئ الأساسية للحكم الشرعي والشعبي.»٨١ وشباب المواطنين، بهذه الطريقة، سوف يتطوَّرون بتلك الطريقة التي تجعلهم يتجاوزون تلك الفردية التي تُهدِّد الإرادة العامة. وفضلًا عن ذلك فإنَّ «روسو» في مسوَّدة «مقال عن الاقتصاد السياسي» كان أشد وضوحًا منه في النسخة النهائية بالنسبة للسؤال: لماذا كان هذا النوع من التنشئة الاجتماعية لا يُمكن أن نعهد به إلى الأسرة. والمُبرِّرات التي قدَّمها في المُسودَّة النهائية هي: كما أنَّ الواجبات المدنية لا تُتْرك للفرد ليُقرِّرها، كذلك تربية الأطفال لا ينبغي أن تُتْرك لأفكار الأب وأحكامه المُبتسَرة، ما دام ينتجها أكثر أهمية بالنسبة للدولة عنها بالنسبة للأب؛ فالأب سوف يموت وكثيرًا ما لا يخبر ثمار عمله، في حين أنَّ الدولة سوف تدوم إلى الأبد، ونتائج تربية مواطنيها هو قوام حياتها.٨٢ غير أنَّ المُبرِّر ذا الدلالة لم يكن مُتضمِّنًا في النسخة الأخيرة، بل مكتوب؛ وبالتالي حُذِف، في النسخة الأولى، وهو أنَّنا لا يُمكن أن نعهد إلى الآباء بمهمة التربية في الجمهورية بسبب أنَّهم «يستطيعون أن يجعلوا أطفالهم أولادًا صالحين للغاية ومواطنين سيئين للغاية أيضًا …»٨٣
كان روسو إذن — في هذَين النموذجَين — على اتفاقٍ مع أصحاب اليوتوبيات الأخرى الذين يدركون تهديد الأسرة لتلاحم المجتمع الكبير. غير أنَّ نظريته بصفةٍ عامةٍ في العلاقات بين الأسرة والدولة تتعارض تعارضًا مباشرًا مع هذا الاتجاه؛ فهو يُشير إلى الزواج على أنَّه «بالتأكيد أول وأقدس روابط المجتمع جميعًا …» فهو مؤسسة «لها آثار مدنية لا يمكن أن تقوم للمجتمع قائمة بدونها …»٨٤ وهكذا لا يمكن لنا أن نتصوَّر أن تترك الدولة لإكليروس وحده مهمة تنظيم الزواج.٨٥ وإيمان روسو بوجود مكانةٍ مركزيةٍ للأسرة هي المجتمع هو الذي جعله يشمئز من عَقْد المسرحية اليونانية؛ فمسرحية «أوديب» وغيرها تُصوِّر زنا المحارم وقتل أحد الأبوَين، ربما هي التي أفسدَت خيال المشاهد ﺑ «جرائم ترتعد منها الطبيعة». ولقد كانت كوميديا «مولبير» بالمثل عملًا يُرثى له، بسبب سخريتها المريرة من العلاقات المُقدَّسة؛ فهو عن طريق السخرية من حقوق الأب — التي يجب احترامها — على أبنائه، وحقوق الزوج على زوجته «يهز نظام المجتمع بأَسْره.»٨٦
وروسو — في الكتاب الأول من «إميل» — يجعل من الواضح أنَّه ينظر إلى الأسرة على أنَّها الوحدة الاجتماعية الرئيسية في المحافظة على النظام الاجتماعي. ولا بُدَّ للمرء أن يبدأ من الأمهات «حتَّى يعيد الرجال جميعًا إلى واجباتهم الأصلية.» عندما تختصر النساء حضانة أطفالهن «فلا بُدَّ أن تنصلح الأخلاق. وسوف تنتعش الأخلاق الطبيعية في كل قلب. وسوف يُعاد تأهيل الدولة، وهذه الخطوة الأولى وحدها سوف تُعيد وحدة كل مواطن.» وهو يُؤكِّد مرارًا أنَّ «أفضل وجه مُقابل للأخلاق السيئة هو جاذبية الحياة المنزلية …»٨٧ وعندما تُكرِّس الأمهات أنفسهن لأطفالهن من جديد، فسوف يُصبح الرجال صالحين في القيام بوظائفهم كأزواج وآباء وتلك مسألةٌ حاسمة؛ لأنَّ الأب عندما ينجب الأطفال ويُزوِّدهم بالغذاء، فإنَّه لا يُنجز سوى ثلث مهمته فحسب؛ فهو مدين الرجال للنوع، والرجال الاجتماعيين للمجتمع، والمواطنين للدولة.٨٨ ويرى سان-بيرو — متفقًا مع هذه الفكرة — أنَّ الواجب الرئيسي للرجل في المجتمع، هو رعاية أطفاله رعايةً جيدة وأن يُزوِّدهم بنموذجٍ جيِّد. ولا شكَّ في أنَّ أسرة «فولمار» هي نموذج من هذه الزاوية، واضعًا تأكيدًا كبيرًا على تربية صغارها.

هذا المنحى الفكري كله الذي يبدو متناقضًا مع إصرار «روسو» على أنَّ المرء ينبغي عليه أن يختار تربية الطفل لكي يكون إمَّا رجلًا أو مواطنًا، مع الاعتراف أنَّ تربيته ليكون عضوًا مُخلصًا في أسرة، لا يُمكن أبدًا أن تتفق مع جعله مواطنًا مُخلصًا، يصل إلى ذروته في هجومه في الكتاب الخامس من «إميل» على اقتراح أفلاطون إلغاء الأسرة؛ فهذا اقتراح في رأي روسو قابل لأن يعترض عليه بأنَّه عمد إلى:

«تخريب المشاعر الطبيعية الرقيقة والتضحية بها في سبيل شعورٍ مصطنع لا يُمكن أن يوجد بدونها، كما لو لم يكن ثمَّة حاجة للمرء للارتباط الطبيعي حتَّى نُشكِّل روابط للعرف. كما لو كان الحب الموجود عند المرء لأقربائه ليس هو الأساس لذلك الحب الذي يدين به للدولة. كما لو لم يكن أنَّ القلب يرتبط بالوطن الأكبر من خلال الوطن الأصغر؛ أي الأسرة. كما لو كان الابن الصالح والزوج الصالح والأب الصالح ليسوا هم الذين يُشكِّلون المواطن الصالح.»٨٩

ها هنا لا نرى أنَّه يوجد توتُّر بين مصلحة الأسرة، ومصلحة الجمهورية، وأنَّ تنظيم التربية العامة قد تمَّ تقويضه بالكامل فيما يبدو، فإذا تذكَّرنا اعتقاد «روسو» بأنَّه لا بُدَّ من تشويه الطبيعة البشرية لكي تُحيل الرجال إلى مواطنين، ودعوته للمشاعر الطبيعية لكي تُساعد في تطوير المشاعر الوطنية الاصطناعية لوجدنا أنَّ الأمر مُحيِّر للغاية؛ فالفرد يُربَّى في جوٍّ خصوصي إلى أقصى حد، مع عواطف وولاء لعددٍ قليل من الناس يصعب أن ينمو شعور بأنَّ جميع مواطنيه أو أبناء جلدته هم أشقاؤه على حدٍّ سواء، وأنَّ الدولة هي أمه، وأنَّ جميع أعضاء الحكومة هم آباؤه.

فإذا كان الرجال الذين هم أعضاء في الأسر النووية سيجدون صعوبة في أن يُصبحوا من نوع المواطنين الذين يحتاج إليهم روسو في جمهوريته، فلا بُدَّ أن يكون الصراع من أجل النساء، كما تصوَّرهن، أمرًا أشد سوءًا؛ فما دام ينظر إلى الأسرة على أنَّها مجالهن المناسب فحسب، وأنَّهن لم يتلقَّين أي إعداد للمشاركة المدنية، فليس من المعقول أن نتوقَّع منهن أن يستخدمن قدراتهن على أزواجهن لتنمية أي شيء سوى المصالح الضيقة — تلك التي تتعلَّق مباشرة بالمنزل. وما دام يُنْظَر إلى الأطفال صراحةً على أنَّهم حلقة حيَّة بالزوج الذي ربما مالت عواطفه باتجاهٍ آخر، فإنَّ من المحتمل أن يُضحُّوا بمصالح هؤلاء الأطفال — دع عنك حياتهم — من أجل الجمهورية التي لا يكون لها سوى وجودٍ حقيقي ضئيل في حياتهم المنزلية الخالصة؛ فليس ثمَّة امرأة تعلَّمت وانحصرت مثل «جولي» و«صوفي» في استطاعتها أن تتصرَّف مثل الأم الإسبرطية التي أُعْجِب «روسو» كثيرًا بوطنيتها.

وهكذا نجد أنَّ النساء عند «روسو» عُرضة أكثر من الرجال لصراع الولاءات الذي كان على وعيٍ تام بوجوده في الوضع البشري. وفضلًا عن ذلك فهم مضطَرون لأن يُقدِّموا مساعداتهم للجانب الذي يعتبره مرغوبًا أقل من غيره؛ إذ على الرغم من توقه إلى العزلة والاستقلال، فإنَّه كان يؤمن بأنَّ المرء كلما اتسعَت دائرة عواطفه كان أفضل من حيث هو شخص. وهو يُؤكِّد أنَّ: «أعظم الناس فسادًا مَن ينعزل عن ذاته، وأعظمهم هو أعظمهم تركيزًا في ذاته «وأفضلهم مَنْ يُشارك الجنس البشري كله بالتساوي.»٩٠ غير أنَّ النساء يتحوَّلن اجتماعيًّا بطريقة مُحدَّدة يراها مناسبة لهن، ويُوضعن في المكان الوحيد الذي يعتقد أنَّه مُناسبٌ لهن. ليس لديهن مُبرِّر لاختيار بلدهن قبل أسرهن، ولديهن حماياتٌ قليلة تجعلهن قادرات على تفضيل أيَّة دائرة من الولاء، أوسع من دائرة الحب الجنسي الذي يمدُّهن بوسيلتهن الوحيدة للسلطة والقوة. وهكذا نجد أنَّه بالإضافة إلى أنَّ القواعد التي وضعها «روسو» للنساء تتناقض تناقضًا صارخًا مع قيم مثل: الحرية والمساواة، التي يرى أنَّها حاسمة بالنسبة للإنسانية. وليست النساء اللائي تصوَّرهن مدمِّراتٍ لأنفسهن فحسب بل أيضًا مخربات لأعظم مؤسستَين مثاليتَين عنده وهما: الأسرة الأبوية والجمهورية الديمقراطية الصغيرة.

ولم تكن فلسفة روسو كلها فلسفة تفاؤلية على الإطلاق؛ فما يُؤكِّده هو استحالة حل المأزق أو الإحراج المنطقي لوجود الرجل في المجتمع؛ غير أنَّه يبني في الجمهورية رجالًا نُزعَت عنهم الطبيعة فتحوَّلوا إلى مواطنين مُخلصين، ونيتُه أنَّه ينبغي ألَّا ينظر إلى ذلك ببساطة على أنَّها مباراةٌ عقلية تبدو واضحةً في كتاباته عن «كورسيكا»، و«بولندا». ومن ناحيةٍ أخرى فإنَّ نهاية قصة «إميل» ليست تشاؤمية تمامًا كذلك، «إميل» يبقى على قيد الحياة في محاولةٍ مُجهدة ليتحوَّل إلى زوج، وأب، ومواطن. ويُصبح ما يقصده دائمًا أن يكون: رجلًا طبيعيًّا مستقل الإرادة. غير أنَّ مصير نساء «روسو» يُمكن أن يكون أكثر مأساوية. على الرغم من المثل العليا لجنسهن إذ لا يُمكن أن يُسمح لهن بالعيش في مجتمعٍ أبوي، ما دام لا يوجد طريق يستطعن من خلاله تحقيق توقُّعاتٍ متناقضة تمامًا موضوعة على عاتقهن. وأخيرًا فإنَّ روسو يسمح بأن يكون الرجل إمَّا فردًا أو مواطنًا، لكنَّه لا يسمح للمرأة أن تكون أيًّا منهما.

١  «إميل»، «المؤلفات الكاملة»، المجلد الرابع، ص٨٣٥، و٨٥٥–٨٥٧.
٢  «إميل»، ص٨٢٣.
٣  «إميل»، ص٤٩٣.
٤  «إميل»، ص٨٥٩.
٥  «إميل»، ص٨٥٨، وانظر أيضًا ص٨١٨.
٦  «إميل»، ص٨٥٨-٨٥٩.
٧  لوسيوس كونتوس سينسيناتوس (٥١٩–٤٣٩ق.م.) قائد روماني، ورجل دولة، ودكتاتور ٤٥٨–٤٣٩. (المترجم)
٨  «إميل»، ص٨٦٠.
٩  «إميل»، وصوفي، الأعمال الكاملة، المجلد الرابع، ٩١٤.
١٠  الناس والمواطنون، ص١٥٠.
١١  «إميل»، ص٢٤٩-٢٥٠.
١٢  «إميل وصوفي»، ص٩١٨.
١٣  «إميل»، ص٧٦٣.
١٤  «إميل وصوفي»، ص٩٠٤.
١٥  «إميل»، ص٩١١-٩١٢.
١٦  «إميل»، ص٨٨٤. ويروي «إميل» أنَّ آخر يوم في عمرها كشف لي عن (ألوانٍ من السحر) لم أكن أعرفها عنها.
١٧  «إميل»، ص٨٨٧.
١٨  «إميل»، ص٧٥١.
١٩  تربية صوفي، ص١٢٦-١٢٧؛ وانظر إميل، ص٢٦٢. [أنتيوب حورية في الأساطير اليونانية أحبها زيوس كبير الآلهة فتخفَّى في هيئة «ساتير» وجامعها أثناء نومها. وخافت أن ينكشف عارها فهربَت إلى مملكة مجاورة … إلخ]. (المترجم)
٢٠  الاعترافات، المؤلفات الكاملة، المجلد الأول، ص٤٣٠.
٢١  مِمَّا له مغزاه أنَّ النساء في روايات «روسو» يظهرن وليس لهن سوى أحد الوالدين؛ ومن ثمَّ فإنَّ عليهن مواجهة الصراع الكامن للواجبات الأسرية مع مشاعرهن وضمائرهن الخاصة.
٢٢  هلويز الجديدة، الأعمال الكاملة، المجلد الثاني، ص٩٦.
٢٣  هلويز الجديدة، ص١٠٣.
٢٤  هلويز الجديدة، ص٢١٢.
٢٥  هلويز الجديدة، ص٢٠١.
٢٦  هلويز الجديدة، ص٢٢٦، و٢٢٧.
٢٧  هلويز الجديدة، ص٣٤٠.
٢٨  هلويز الجديدة، ص٤٠١.
٢٩  هلويز الجديدة، ص٥٢٨.
٣٠  هلويز الجديدة، ص٦٩٤.
٣١  تنتهي الرواية نهاية مأساوية إذ تخرج «جولي» مع أهلها للنزهة على شاطئ البحيرة، وفيما يجري ولدها يسقط في الماء، فتُلقي بنفسها وراءه، وتتمكَّن من إنقاذه، لكنَّها مرضت على أثر ذلك ولازمَت الفراش حتى إن الحُمى التي أصابتها وهي تنقذ ابنها من الغرق، تشتد عليها وتموت. وهذا معنى قول المؤلفة إنَّها «ماتت فيما يُشبه الحادثة». (المترجم)
٣٢  كتبت «جولي» وهي على فراش الموت إلى حبيبها سان بيرو خطابًا غير مغلق، تعترف له فيه أنَّه كان على الدوام حُبها الوحيد، وهكذا لطمَت زوجها لطمةً عنيفة، وقابلَت وفاءه وثقته بها، بهذا الرفض القاسي وهي على فراش الموت — وهذا معنى قول المُؤلِّفة «الاعتراف الذي جاء بعد الموت». (المترجم)
٣٣  هلويز الجديدة، ص٦٦٤.
٣٤  الرجل والمواطن، ص١٢٠. ويقول رينيه سكيرر أيضًا إنَّ جولي لعبَت أيضًا دور المخلص «جان جاك روسو والأسرة الكبيرة» في كتاب Baud-Bovy ص١٩٩.
٣٥  إميل، ص٧٠٩.
٣٦  إميل، ص٢٤٩.
٣٧  هلويز الجديدة، ص٦١٢؛ وإميل، ص٢٥١.
٣٨  إميل، ص٢٤٩.
٣٩  أحد الإسبرطيين تقدَّم كي يُقبل في مجلس الثلاثمائة فيُرفض وينصرف مسرورًا لوجود ثلاثمائة رجل في إسبرطة أفضل منه. (المترجم)
٤٠  إميل، ص٢٤٩.
٤١  ملاحظات حول حكومة بولندا، المؤلفات الكاملة، ص٣، و٩٦٦. وانظر الفصل الرابع؛ وانظر أيضًا خطاب ١١ دالمبير، ص١٢٥٩-١٢٦٠.
٤٢  إميل، ص٢٤٩-٢٥٠.
٤٣  إميل، ص٢٤٩-٢٥٠.
٤٤  إميل، ص٢٥١ (والتشديد من عندي).
٤٥  إميل، ص٤٨٣-٤٨٤، وانظر ص٦٥٤ «كعضو في مجتمع فإنَّ عليه أن يؤدي واجباته.»
٤٦  إميل، ص٤٨٣-٤٨٤، وانظر ص٦٥٤ «كعضو في مجتمع فإنَّ عليه أن يؤدي واجباته.»
٤٧  العقد الاجتماعي، المؤلفات الكاملة، المجلد الثالث، ص٣٥١.
٤٨  إميل، ص٤٩٣-٤٩٤. والاعترافات، ص٤١٤. وبالنسبة لمناقشتَين حديثتَين وممتعتَين عن فلسفة الحب عند «روسو» انظر جون شارفت، «المشكلة الاجتماعية في فلسفة روسو»، ص١١٤–١١٧. وكذلك اليزابيت رابابورت «حول مستقبل الحب: روسو والمناصرون الراديكاليون للمرأة»، ص١٨٥–٢٠٥.
٤٩  راجع التصدير الثاني ﻟ «هلويز الجديدة»، ص١٥-١٦، والنص٣٧٢-٣٧٣.
٥٠  إميل، ص٧٧٥-٧٧٦.
٥١  هلويز الجديدة، ص٣٧٢.
٥٢  انظر، مثلًا، الاعترافات، ص٤٢٤.
٥٣  هلويز الجديدة، ص٢٢٣.
٥٤  هلويز الجديدة، ص١٤٧.
٥٥  هلويز الجديدة، ص٦، و٣١٢.
٥٦  هلويز الجديدة، ص١٩٤.
٥٧  إميل، ص٨١٩.
٥٨  مراسلات عامة، المجلد الرابع، ص٨٢٧.
٥٩  خطاب إلى دالمبير، ص١١٨.
٦٠  خطاب إلى دالمبير، ص١١٧.
٦١  إميل، ص٨٦٦.
٦٢  إميل، ص٨٦٦.
٦٣  هلويز الجديدة، ص٣٧٢.
٦٤  هلويز الجديدة، ص٣٧٣.
٦٥  خطاب إلى دالمبير، ص٤٧.
٦٦  أعضاء الجناح المتطرف من الحزب الشيوعي، وكانت تُطلق حتَّى عام ١٩١٧م على المتطرفين في الحزب الديمقراطي، ومنذ عام ١٩١٨م على أي عضو في الحزب الشيوعي. (المترجم)
٦٧  مؤسسات نهمة، ص١٣٩.
٦٨  «مؤسسات نهمة»، ص١٤٠، نقلًا عن ر. كانتر «الالتزام والمجتمع»، كيمبردج، عام ١٩٧٢م، ص٨٧.
٦٩  هلويز الجديدة، ص٤٤٩-٤٥٠.
٧٠  توماس كامبانيلا (١٥٦٨–١٦٣٩م) فيلسوف إيطالي واشتراكي خيالي — وضع جمهورية فاضلة، ووصفها على أنَّها مجتمعٌ لاهوتي يحكمه رجال حكماء وقساوسة. (المترجم)
٧١  فرانسوا فورييه (١٧٧٢–١٨٣٧م) اشتراكي خيالي فرنسي رسم مجتمعاتِ خيالية كان يُطْلِق عليها اسم «فلانستيري» (المشرك) وهي مشتقة من كلمة يونانية معناها فيلق أو كتيبة. (المترجم)
٧٢  راجع «كوزر» الفصول السابع، والثامن، والتاسع عشر. وأفلاطون «الجمهورية»، الكتاب الخامس، وكامبانيلا، «مدينة الشمس»، ص٢٨٢–٢٩٣. وكذلك فورييه، «الرؤية اليوتوبية لشارل فورييه»، الأجزاء: ٥، و٦، و٧.
٧٣  خطاب إلى دالمبير، ص١٣١.
٧٤  قارن ملاحظات حول حكومة بولندا، ص٩٧٠-٩٧١؛ مع: «مقال عن الاقتصاد السياسي»، المؤلفات الكاملة، المجلد الثالث، ص٤١.
٧٥  «مقال عن الاقتصاد السياسي»، ص٢٦١.
٧٦  إميل، ص٨٤٨-٨٤٩.
٧٧  «مقال عن الاقتصاد السياسي»، ص٢٤٦.
٧٨  العقد الاجتماعي، ص٣٦١.
٧٩  العقد الاجتماعي، ص٤٣٨.
٨٠  «مقال عن الاقتصاد السياسي»، ص٢٨٦، و٢٦٣-٢٦٤.
٨١  المؤلفات الكاملة، المجلد الثالث، ص١٤٠ (حاشية على «مقال عن الاقتصاد السياسي»، ص٢٦١).
٨٢  «مقال عن الاقتصاد السياسي»، ص٢٦٠-٢٦١.
٨٣  «مقال عن الاقتصاد السياسي»، ص١٤٠٠.
٨٤  خطاب إلى دالمبير، ص١٢٨؛ و«العقد الاجتماعي»، ص٤٦٩ (حاشية بقلم روسو).
٨٥  العقد الاجتماعي، ص٤٦٩ (حاشية).
٨٦  خطاب إلى دالمبير، ص٣٤-٣٥.
٨٧  إميل، ص٥٨؛ وهلويز الجديدة، ص٤٦٩ (حاشية بقلم روسو).
٨٨  إميل، ص٢٦٢.
٨٩  إميل، ص٧٠٠.
٩٠  خطاب إلى دالمبير، ص١١٧.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦