الفصل التاسع
جون ستيوارت مِل: النصير الليبرالي
لم تكن الممارسات التي تُؤكِّد معتقداتٍ عامة بخصوص البشر؛ حقوقهم وحاجاتهم، وإنكار
إمكان تطبيقها على قطاعٍ عريض من الجنس البشري، لم تكن هذه الممارسات على الإطلاق محصورة
في نطاق القدماء وحدهم؛ فروسو، كما سبق أن رأينا، يُقرِّر معظم مبادئه الأساسية بألفاظٍ
كلية عامة ثمَّ يتقدَّم ليستبعد النساء من مجال هذه المبادئ، وما هو مذهب أكثر أنَّه
على الرغم من أنَّ التوجُّه الفردي للفكر الليبرالي، فإنَّ جون ستيوارت مِل هو الفيلسوف
السياسي الليبرالي الوحيد الذي شرع، صراحة، في تطبيق مبادئ الليبرالية على النساء، وقبل
أن نبدأ بمناقشة مناصرة جون ستيوارت مِل للمرأة فسوف يكون المفيد أن نُلقي الضوء على
الطريقة التي أخذ بها بعض المنظِّرين الليبراليين المبكِّرين يتخلَّصون من النصف الأنثوي
للجنس البشري.
١ وسوف يكون هوبز، ولوك، وجيمس مِل النماذج التي سوف ندرُسها بالرغم من أنَّ
كانط أو هيجل — فيما عدا أنَّ الزعم بأنَّ هيجل ليبرالي قد يكون إلى حدٍّ ما موضع شك
—
سوف يخدمان غرضنا الحالي جيِّدًا أيضًا.
تقوم فلسفة هوبز السياسية بأَسْرها على حجة تقول: إنَّ الموجودات البشرية متساوية
بالطبيعة. ولمَّا كانت هذه الموجودات متساوية فإنَّها بالمثل قادرة على أن يقتل بعضها
بعضًا. وهذا هو السبب في أنَّ الطبيعة لا تزوِّدنا بأي أساسٍ للتفاوت أو انعدام المساواة
في الحقوق والميزات؛ وبالتالي فإنَّ أيَّة سلطة لا بُدَّ أن تقوم على أساس الرضا والقبول
٢ ويُدرج هوبز النساء صراحة في حُجة المساواة هذه في كل كتبه بما في ذلك
التنين
Leviathan وهو يُنكر الدعوى التي تقول إنَّ السيطرة على الأطفال في حالة الطبيعة
تكون للأب «بوصفه الجنس الأكثر امتيازًا» — وهو يُطبِّق حُجته في المساواة في القدرة
على
القتل: «ليس هناك باستمرار مثل هذا الاختلاف في القوة، أو الفطنة بين الرجل والمرأة،
كما أنَّ الحقوق لا يُمكن حسمها بدون حرب.» وفضلًا عن ذلك كان هوبز في جملة كتاباته
يعترف بأنَّه ما دام الميلاد يلي البطن فإنَّ الأم هي السيد الأصلي لأطفالها في حالة
الطبيعة
٣ وعندما يُواجه بالحاجة إلى تبرير سيطرة الآباء المنتشرة على أسرهم داخل
الدول، فإنَّه يُفسِّرها من منظور العرضية: «لأنَّ الجانب الأعظم من الدول قد أنشأه
آباء الأسر لا الأمهات» …
٤
ومن الواضح أنَّ هناك شيئًا مفقودًا في استدلال هوبز؛ ذلك لأنَّ تفسيره لا يُجيب
عن
السؤال الإشكالي: لماذا حدث أنَّ نصف البشر — وهم جميعًا متساوون بالمعنى الذي يراه
هوبز بالغ الأهمية — قد وصلوا إلى وضعٍ تتأسَّس فيه دولة يُسيطر فيها أعضاء النصف الآخر
على الجميع. وبعبارةٍ أخرى: لو كانت السيادة الأصلية للنساء على الأطفال، فكيف حدث أن
أصبح الرجال آباءً «بطرياركية» بينما لا يزالون في حالة الطبيعة؟ في كتابَيْه «في المواطن
De Cive» و«التنين
Leviathan» بعد بضع كلماتٍ عن النفاق الكاذب للفكرة التي تقول إنَّ
الأم أو الأب يُمكِن أن يكون منطقيًّا، وهو السيِّد في الأسرة
٥ إنَّنا نجد الأسرة الأبوية — من هذه النقطة فصاعدًا — هي الوحدة السياسية
والاجتماعية الأولى التي اهتم بها هوبز؛ فالأم بسيادتها الأصلية — على نفسها وعلى
أطفالها في وقتٍ واحد ولا مبرِّر مقبول لنبذهما معًا — قد اختفت من القصة. والمرة الوحيدة
التي نسمع فيها عنها من جديد من هوبز هي عندما ظهرَت باختصارٍ في «حوار حول القانون
العام». فهو يُؤكِّد أنَّه ليست الأسرة وحدها، وإنَّما الأسرة الأبوية البطرياركية، هي
أساسًا مؤسسةٌ طبيعية. و«أنَّ الأب في الأسرة بحسب قانون الطبيعة، هو السيد المطلَق على
زوجته وأطفاله.»
٦ وهذا الحل للمأزق أو الإحراج المطلَق لا يتسق مع أن تمسُّكه بمسألة السيادة
بين الجنسَين لا يُمكن حسمها بدون إمكان حربٍ متصلة، ولا مع المبدأ الأساسي للنظرية
السياسية — ولا مع المبدأ الأساسي لنظريته السياسية — فالسلطة ليست طبيعية، وإنَّما هي
تنشأ عن طريق التراضي والموافقة.
والمشكلة التي تُؤدِّي إلى كل هذا التناقض تنشأ من واقعة أنَّ هوبز ليس مستعدًّا لحسم
موضوع المساواة بين الجنسَين بطريقة أو بأخرى، فإذا ما أراد ترسيخ فرديته فإنَّه بحاجة
إلى أن يقول إنَّ النساء فُرادى متساويات مع الرجال فُرادى تمامًا مثلما أنَّ الرجال
الضعاف متساوون مع الرجال الأقوياء. أمَّا زعمه بضرورة سيطرة الذكور في كُلٍّ من الأسرة
والمجتمع على نطاقٍ واسع، فقد جعلَه عاجزًا عن أن يدعَ هذه الحجة تسير إلى نتائجها
المنطقية.
فإذا ما اتخذنا الخطوة القاتلة بالسماح للنساء بتلك المساواة الإنسانية الأساسية
التي
بنى عليها مذهبه في السياسة، فالطريقة الوحيدة التي يستطيع بها هوبز تبرير استبعادهن
من
الحياة السياسية وانعدام المساواة الواضحة في المجتمع المعاصر هو استبدال رأس الأسرة
الذكَر بفرد كموضوعٍ أولي.
٧ غير أنَّ هذا الحل ينطوي على مفارقة وهذا أقل شيء، ما دام التراث الذي
كان هوبز مؤسسًا له يعرف — فرضًا — تأسيس الساسة على خصائص وحقوق الموجودات البشرية
الفردية والذرية، ونبذ التصاعدية أو الهيراركية الطبيعية أو الجماعات، بوصفها الكائنات
الأساسية التي تعالجها السياسة، غير أنَّه أسوأ من المفارقة الحل المفترض الذي هو في
الواقع ليس حلًّا، فإذا أخذنا مقدماته المبدئية؛ المساواة البشرية ومذهب الزنا
Egoism
فلن نجد ثمَّة طريق يصل منه هوبز منطقيًّا إلى مؤسسة الأسرة الأبدية البطرياركية التي
تقوم
عليها البنية الأساسية؛ إذ إنَّ هذه المؤسسة تعتمد على افتراض انعدام المساواة الجذري
بالنسبة للنساء.
والمأزق — أو الإحراج المنطقي — عند «جون لوك» شيءٌ مُماثل؛ فهو كذلك يعرض النساء
على
أنَّهن متساويات مع الرجال لأغراضٍ معينة، لكنَّه تراجع عن هذا الالتزام؛ فجون لوك لكي
يفنِّد حجة «فلمر» في الحكومة الأبدية يذهب إلى أنَّ الأبوَين الذكر والأنثى هما «اسمان
متساويان» في سيطرتهما على الأطفال.
٨ وإذا كان في استطاعته أن يفرض الأساس الأسري للحكم الأبوي بالتشديد على
أنَّ الأبوَين لهما نصيب متساوٍ عزاه «فلمر» إلى الأب وحده، فقد سار بعيدًا في سبيل
تدمير أُسس النظام الملكي المطلَق. والواقع أنَّ جو لوك يستخدم «اللقب المُتساوي» للأم
على أنَّه «قياس خُلف» لدحض اشتقاق السلطة السياسية من السلطة الأبوية؛ فلو مات الأب
فمن الطبيعي أن يُطيع الأطفال الأم وحدها، ويتساءل «لوك»: «هل يقول أي لسانٍ إنَّه كانت
للأم سلطةٌ شرعية على أطفالها؟» عندما تُسهِم في قضيته ضد الحكم المطلَق عندئذٍ يعالج
لوك
الأزواج والزوجات على أنَّهم متساوون.
٩
ويبدو الامتداد المنطقي لمثل هذا الاستدلال مُتضمِّنًا نبذًا للبطرياركية «النظام
الأبوي» داخل الأسرة، والاعتراف بحقوق النساء في وقتٍ واحد، إلَّا أنَّ لوك لا يُعرف
عنه
أنَّه نصيرٌ مُبكِّر للمرأة والسبب لا يخفى؛ فعلى الرغم من أنَّه يستخدم مساواة الأبوية
لمحاربة السيادة المطلَقة في المجال السياسي، فإنَّه ينتهي في فِقراتٍ أخرى، على نحوٍ
قاطع
ونهائي، أنَّ هناك «أساسًا في الطبيعة» لخضوع الزوجات المشروع والمألوف لأزواجهن؛ وعلى
الرغم من أنَّ الحقوق الطبيعية للأفراد تتحوَّل إلى سيادةٍ مطَلقة غير مشروعة في نطاق
الحكومة، فإنَّه بمقدار ما يتعلَّق بحكم الأسرة له ما يُبرِّره تمامًا؛ حيث إنَّه
بمقدار ما يتعلَّق الأمر ﺑ «الأشياء ذات المصلحة العامة والملكية العامة»، فإنَّ لوك
يذهب
إلى أنَّه إذا ما اختلف الزوج والزوجة «فمن الطبيعي أن يكون الحكم من نصيب الرجل بوصفه
الأقدر والأقوى.»
١٠
وهكذا حيثما لا يناسب الأمر قضيته أو الأحكام المُبتسَرة في عصره لتنمية مساواة النساء
مع الرجال، فإنَّ لوك يلجأ إلى الطبيعة ليُبرِّر خضوعهن المشروع للرجال. وهكذا مع
استعادة الأسرة الأبوية البطرياركية وضعها السابق فإنَّ استبعاد الحقوق السياسية للنساء
يُبرِّره بوضوحٍ الافتراض القائل إنَّ الأب وحده — بوصفه رأسَ الأسرة — هو الذي يستطيع
أن
يُمثِّل مصالحها في المجتمع الكبير، وإذن مثلما كان الأمر عند «هوبز» تمامًا، فإنَّ
الوضع الأساسي في فلسفة لوك السياسية ليس هو — كما يبدو للوهلة الأولى — الفرد البشري
الراشد وإنَّما الذكَر رأس الأسرة.
كانت مقالة جيمس مِل عن «الحكومة» مؤثِّرة كنسخةٍ مقروءة نسبيًّا من قضية بنتام «لمد
حق
الاقتراع الذي يقوم على المذهب الفردي — على أقل تقدير — عند «هوبز» و«لوك» مع القضية
النفعية أنَّ غرض الحكومة هو أن تزيد اللذات إلى أقصى حد وأن تنقص من الآلام إلى أقصى
حد التي يُسبِّبها الناس بعضهم لبعض، وأساس قضية مِل الخاصة بالحكومة النيابية هو
التأكيد الذي عرضه على أنَّه «القانون العظيم الذي يحكم الطبيعة البشرية» وأنَّ جميع
الموجودات البشرية ترغب في ممارسة السلطة على رفاقها من البشر، وأنَّه إذا ما أُعطيَت
لهم
الوسائل ليفعلوا ذلك، فإنَّهم سوف يستخدمونها دون ندم أو شعور بوخز الضمير لزيادة
لذَّاتهم الخاصة.
١١ وينتهي من هاتَين المقدمتَين إلى أنَّه ما لم تُخْتَر الهيئة النيابية
بواسطة ذلك القسم من المجتمع الذي لا تعارُض لمصالحه مع مصالح المجتمع، فإنَّ مصلحة
المجتمع سوف يُضحَّى بها لا محالة على مذبح مصالح الحكام.
١٢
وبعد أن وضع «مِل» هذه القضية شَرَعَ في رؤية ما إذا كان يُمكن وضع بعض القيود على
حق
الانتخاب، بل حتَّى على بعض الامتيازات، فقال:
«شيء واحد واضح تمامًا هو أنَّ جميع أولئك الأفراد الذين تندرج مصالحهم بلا جدال،
في
مصالح غيرهم من الأفراد يُمكن حذفهم دون انزعاج، وبناءً على هذه القاعدة فإنَّنا نستطيع
أن ننظر إلى جميع الأطفال حتَّى سنٍّ معينة الذين تندرج مصالحهم في مصالح
والديهم.»
«وبناءً على هذه القاعدة أيضًا، فإنَّ النساء يُمكن أن يُنظر إليهن على أنَّ معظم
مصالحهن تندرج إمَّا في مصالح الآباء أو ضمن مصالح أزواجهن.»
١٣
وبعد أن يقيم قضيته بأسرها الخاصة بالحكومة النيابية على اهتمام الرجل الذي لا مندوحة
عنه، ومن أجل مصالحه الأنانية الخاصة، تجاهل «مِل» تمامًا مذهب اللذة الأناني عنده لكي
يُدرج «مصالح النساء» بطريقةٍ مناسبةٍ في مصالح الرجال.
وهنا — كما هو الحال عند هوبز ولوك — نجد أنَّ المضامين الفردية للمذهب الليبرالي
قد
أُجهضَت بقسوة عن طريق الزعم بوجود مشروعٍ لا مندوحة عنه للأسرة الأبوية البطرياركية؛
فهناك إذن تضاربٌ أساسي ينتشر ليس فقط في كتابة هؤلاء الفلاسفة الثلاثة، وإنَّما معظم
الفكر الليبرالي؛ فعلى حين أنَّ التراث الليبرالي يبدو أنَّه يتحدَّث عن الأفراد بوصفهم
يُكوِّنون النظم السياسية، فإنَّه في الواقع يتحدَّث عن «الذكَر» رأس العائلة.
وعلى حين أنَّ مصالح الذكَر في عالم السياسة تُدْرَك على أنَّها منفصلة. وكثيرًا ما
تكون مُتصارعة، فإنَّ مصالح أعضاء الأسرة عند كل أبٍ تُدْرَك على أنَّها تتفق تمامًا
مع
مصالحه هو الخاصة؛ وبالتالي تختفي النساء من موضوع السياسة. وعلى نحو ما سنرى في الفصل
القادم فإنَّ جون ستيوارت مِل لم يُؤيِّد أو يُناصر «الحل» الليبرالي السابق بالنسبة
لمسألة حقوق ومصالح النساء.
وعلى الرغم من أنَّ جون ستيوارت مل لم يكُن فيلسوفًا تجريديًّا من طراز أفلاطون؛
فقد
كان فيلسوفًا يُعنى بالمسائل الواسعة والعميقة المؤثِّرة في الحياة البشرية في المجتمع
السياسي؛ ومن ثمَّ كانت القيم التي يهتم بها هي الحرية والعدالة والفردية والديمقراطية.
وفي جذور فلسفته كان يُمكن اقتناعه بأنَّ الهدف النفعي، وهو تحقيق أعظم قدْر من السعادة
لأكبر عدد من الناس، هذا الهدف لا يُمكن تحقيقه دون تقدُّم عقلي وتقدم أخلاقي كبيرَين
للجنس البشري. وهكذا نجد أنَّه عند مِل — على خلاف بنتام وجيمس مِل — فإنَّ أحد الأغراض
الرئيسية للمؤسَّسات الاجتماعية والسياسية لا بُدَّ أن يكون تطوير الإمكانات البشرية
إلى
أقصى حدٍّ ممكن. وأحد الأمور المُحيِّرة بالنسبة لكتاباته المناصرة لقضية المرأة هي
أنَّها تطبيقٌ واضح لمبادئه الأثيرة لديه على قضيةٍ خاصةٍ أدرك أنَّه قد تمَّ تجاهلها
بطريقةٍ فاضحة
١٤ فلم يكن تأييده لقضية المرأة بالتأكيد خطأً ثانويًّا، بل كان على العكس
بالنسبة لدارسي مِل فرصةً ثمينة لكي يروا كيف طبَّق أفكاره المركزية … لم يكن تحرير
النساء إلى حد المساواة مع الرجال بالنسبة لمِل يستهدف فقط زيادة سعادة النساء أنفسهن
رغم أنَّ ذلك يُشكِّل جانبًا مهمًّا من هذا الهدف، بل كان مطلبًا بالغ الأهمية لتحسين
أحوال البشر.
ومعارضة مل للمعتقدات والأحكام المُبتسَرة التي أبقت النساء في مركزٍ ثانوي في جميع
جوانب الحياة الاجتماعية والسياسية — كانت تقوم على قناعاتٍ تشكَّلت في فترة مُبكِّرة
من
شبابه. ثمَّ عبَّر عنها في عديدٍ من كتاباته عن الموضوعات السياسية والأخلاقية. يقول
في
كتابه «استعباد النساء» الخضوع المشروع من أحد الجنسَين للآخر، هو خطأ في حد ذاته وهو
الآن إحدى العقبات الرئيسية أمام تحسين أحوال البشر — وتلك فكرة اعتنقتُها منذ حداثة
سنِّي. منذ اليوم الذي بدأتُ أُكوِّن فيه أفكارًا عن المسائل السياسية والاجتماعية، ثمَّ
نمت باستمرار وقويَت كلما تقدَّم التفكير وكثرت تجارب الحياة.
١٥ ولقد أبرز كُتَّاب سيرة حياته مدى الاهتمام المستمر بوضع النساء، وهناك
شواهد أيضًا على ذلك من رسائله «فهو كثيرًا ما يحكم على الناس والمذاهب الفلسفية،
وفترات التاريخ طبقًا لمواقفهم من النساء ودورهن في المجتمع»،
١٦ ولا يكفي أن نحصر المناقشة المثالية في كتابه «استعباد النساء» وهذه،
ما دامت هناك مجموعة أخرى من كتبه المنشورة ورسائله تُعالج بشكلٍ كامل أفكارًا مشوهة
للأفكار التي لخَّصها ذلك الكتاب فمثلًا لكي يُحافظ على سمعته هو الشخصية وسمعة «هاريت
تايلور»
١٧ الشخصية، ولكي يتجنَّب تعريض الحركة الأولى لحقوق النساء للخطر، فإنَّه
هوَّن — أو حذف — أفكاره الراديكالية عن الطلاق وتحديد النسل.
١٨ وعندما يحدث ذلك فإنَّني سوف أُشير إلى مناقشاته التفصيلية لهذه الموضوعات،
كما سوف أُشير أيضًا إلى نماذج كانت فيها أفكار «هاريت تايلور» — على نحو ما عبَّرت
عنها في كتاباتها في موضوع النساء — تختلف اختلافًا ذا مغزًى عن أفكار زوجها جون ستيوارت
مل.
١٩
على الرغم من أنَّ أفكار «مِل» الراديكالية عن النساء كانت غريبة في منتصف القرن
التاسع عشر عن جو الأفكار بصفةٍ عامة، فمن السهل أن نجدها مُثيرة لتطوُّر قناعاته المؤيِّدة
لقضية المرأة ضمن جماعاتٍ مُتعدِّدة من المُفكِّرين الذين كان على اتصالٍ بهم إبَّان
سنوات
تكوينه؛ فالنفعيون الذين تربَّى بينهم كانوا بغير شك مهتمين بالقضية؛ فبنتام مثلًا على
الرغم من أنَّه كان يعتقد أنَّه من السابق لأوانه السماح لموضوع حق النساء في الاقتراع
والتصويت أن يشغل الانتباه أو يعرِّض أغراضه الأوسع للخطر — كان يُسلِّم بأنَّ النقاط
الحاسمة الموجودة في الفروق بين الجنسَين ليست، بالتأكيد، فطرية، كما أنَّها ليست ضرورية
أو لا مندوحة عنها.
٢٠ وتبعًا لمبدأ المنفعة فإنَّ النساء لا بُدَّ أن يكون لهن حق التصويت على
نفس الأسس التي للرجال، أمَّا جون ستيوارت مِل فهو — مثل والده — في كتابه «سيرة حياتي»
يتطلَّع … إلى زيادةٍ ملحوظةٍ للحرية في العلاقات بين الجنسَين دون أن ندَّعي تحديدًا
بالضبط ما هو على وجه الدقة، أو ما الذي ينبغي أن تكون عليه شروط الحرية هذه،
٢١ غير أنَّ جيمس مِل في موضوع حق النساء في الاقتراع والتصويت — في كتابه
«مقال عن الحكومة» — قد أهان الأفكار الفلسفية الثورية الأخرى باقتراحه استبعاد النساء
من حق التصويت دون أن يترتَّب على ذلك أيَّة نتائج سيئة، ما دامت مصالحهن مدرجة في
مصالح رجال أسرهن. ولقد أدَّى إلى مجادلاتٍ عنيفة في حلقات المذهب النفعي؛ فهذه العبارة
لا يُمكن قبولها من «مِل» الشاب الذي يُخبرنا أنَّه وأنصاره — بما في ذلك بنتام —
«عارضوها معارضةً تامة».
٢٢ ومن الواضح من استخدامه للجملة في كتبه التالية عن المرأة أنَّ مِل اندهش
من المبالغة في هذه العبارة في الهجوم النقدي ﻟ «ماكولي» لكتاب «مقال عن الحكومة» أنَّ
مصالح النساء لم تعُد بعدُ متحدةً مع مصالح أزواجهن أكثر من اتحاد مصالح الرعايا مع ملوكهم.
٢٣ ولا بُدَّ أن تكون المناظرة كلها قد استثارت اهتمام «جون ستيوارت مل» بقضية
المرأة، وبالإضافة إلى ذلك فإنَّ جريدة «وستمنستر» الناطقة بلسان المذهب النفعي قد
نصَّبت نفسها كنصيرٍ ومُدافعٍ مبكِّر لقضية حقوق المرأة. وفي فترةٍ مُبكِّرة (عام ١٨٢٤م)
نشر
مِل نفسه مقالًا في هذه الجريدة هاجم فيه العادة المنتشرة، وهي عادة النظر إلى الخصائص
الأخلاقية والشخصية في أضواءٍ تختلف أتمَّ الاختلاف بالإشارة إلى الجنسَين.
٢٤
إنَّ مناصرة «مِل» هي الأخرى استمدَّت إلهامها كذلك من الاشتراكيين الفرنسيِّين والإنجليز
المبكِّرين؛ فهو يَذْكُر لقاءً مع «وليم طومسون» أحد أتباع «أوين»
٢٥ الذي نشر بحثًا مُطوَّلًا في عشرينيات القرن التاسع عشر تأييدًا للمساواة
بين الجنسَين. يقول إنَّه يراه: «الشرف البارز لمذهب أوين»، والمذاهب الاشتراكية الأخرى،
أنَّها وافقَت على حقوق النساء متساوية مع الرجال، ومن جميع الجوانب، مع ذلك الجنس الذي
لا يزال مسيطرًا حتَّى الآن …
٢٦ ونحن نعرف كذلك من خطاباته أنَّه كان مهتمًّا جدًّا بأفكار «إنفانتين
Enfantin» وغيره من أتباع سان سيمون — الذين وصلوا إلى لندن في أوائل ١٨٢٠م
٢٧ ولمَّا كان معتدلًا في تفكيره فقد واصل إعجابه — رغم وساوسه التي تلت ذلك
وكان لها ما يُبرِّرها في تعصُّبهم ودجَلِهم — واصل الاعراف بدَينه لهم في قضية المساواة
بين
الجنسَين كتب في سيرته الذاتية، يقول: «إنَّ إعلان المساواة التامة بين الرجال والنساء،
ونظام جديد تمامًا للأشياء بالنسبة لعلاقاتهم الواحد بالآخر فإنَّ أتباع سان سيمون،
بالاشتراك مع أوين وفورييه، قد تأهَّلوا لذكرى عطرة من أجيال المستقبل.»
٢٨
هناك عامل آخر يميل إلى تأكيد اقتناع «مِل» الراسخ والموجود بالفعل لمناصرة قضية
المرأة، وهو ارتباطه ﺑ و. ج. فوكس
W. J. Fox والمجلة الشهيرة النفعية المُسمَّاة وفي وقت
مبكر من عام ١٨٢٣م عندما أسهمت هاريت تايلور في
Monthly Repository موضوع المساواة في
تربية وتعليم النساء ولا سيما في عام ١٨٢٠م — عندما كان «فوكس» رئيسًا للتحرير — نشرَت
هذه المجلة عدة مقالات دفاعًا عن حقِّ النساء في الاقتراع والتصويت، وموقفًا عقلانيًّا
أكثر تجاه الطلاق، وتصحيح عددٍ آخر لا حصر له من الأحكام الظالمة في معالجة النساء. وفي
تاريخ كتابته للمجلة يقول فرانسيس ميتكا «إنَّ سجلات المجلة في تحرير النساء هي سجلاتٌ
مُشرِّفة على نحو مُتميِّز؛ فمنذ أن بدأت فقد سارت بعيدًا عن الرأي العام الشائع، ولن
تجد مجلةً دوريةً معاصرة قد دافعَت باتساق عن خطةٍ مستنيرة على هذا النحو.»
٢٩ ولقد كتب مِل لهذه المجلة في أوائل ووسط ثلاثينيات القرن التاسع عشر،
ومراسلاته المتكررة مع «فوكس» طوال هذه السنوات تبين لنا أنَّ الأخير كان مهمازًا
واضحًا لمبادئه التي تُناصر المساواة بين الجنسَين.
٣٠
وأخيرًا فإنَّنا لا نستطيع أن نتجاهل التأثير المباشر على أفكار «مِل» عن النساء الذي
مارسته عليه الحلقات الثقافية التي كان يشترك فيها. ونساء موهوبات وذكيات ومثقفات
ومنتجات، من أمثال «هاريت مارتينو»، و«سارة أوستن» و«هاريت جروت»، و«جيني كارليل» أو
«إليزا وسارة فلور» — لا يُمكن أن يفشلن في التأثير على أفكار بصدد جنسهن، والطريقة
التي ينظر بها المجتمع المعاصر إليهن، ولقد كانت «هاريت تايلور» أعظم النساء أهمية من
هذه الزاوية.
لقد كانت هناك مجالاتٌ طويلة حول مدى الأثر الذي تركَتْه هاريت تايلور على «مِل»
ومدى
أصالة إسهامها في مؤلَّفاته
٣١ ولقد نشأَت هذه المجادلات من الخلاف بين عبارات «مِل» المفتونة بعبقريتها
التي لا حدَّ لها، من ناحية، ومزاعمه بأنَّ قدْرًا كبيرًا من مؤلَّفاته يقوم في الواقع
على
أفكارها هي.
٣٢ ومن ناحية أخرى الانطباع السيئ الذي أحدثَته عامدةً في نفوس معاصريها ونوعية
الكتابات الخاصة التي تركَتها لنا. وأنا أميل إلى الاتفاق مع «ﻫ. أ. باب» الذي انتهى
من
فحصه للدلائل والشواهد إلى القول بأنَّ الانطباع المشوَّش لمِل عن قدراتها هو وحده الذي
يُوحي بأنَّها عبقريةٌ رائعة، غير أنَّه ليس من الضروري في سياق عرض أفكار «مِل» المؤيِّدة
لقضية المرأة أن نخوضَ بعمقٍ في هذه المجادلات لسببَين:
-
أولًا: لقد تركنا مِل مع إفادةٍ بالغة الوضوح عن
تأثير زوجته على معتقداته المؤيِّدة لقضية المرأة، لقد شدَّد على أنَّها ليست هي مصدر
قناعاته عن حاجتنا إلى المساواة بين الرجال والنساء، وهذه الإفادة أقرَّتها عدة خطابات
وعدة نشرات في موضوع يُؤرِّخ له قبل أول لقاء بينهما. وهو في الواقع يقول إنَّه ربما
كانت آراؤه القوية في الموضوع هي التي جذبَتْها في البداية إليه. غير أنَّه يُضيف أنَّها
في مجرى علاقتهما الطويلة التي انتهت بالزواج لعبَت دورًا في تشكيل ما قد كان: «أكثر
قليلًا من مبدأ مجرى» في تقديرٍ حقيقي للآثار اليومية العملية لامرأة تنقصها الحقوق
والفرص. وهو يقول أيضًا إنَّها جعلَته يدرك «النمط الذي فيه تغزل نتائج الوضع المتدني
للنساء مع كل شرور المجتمع القائم ومع كل عقبات الإصلاح البشري»٣٣ على الرغم من أنَّ «مِل» كان واحدًا من الذين يُؤيِّدون قضية المرأة في
استقلالٍ عن تأثير «هاريت تايلور»، ولا بُدَّ أن تكون الظروف الصعبة لعلاقتهما قد عملَت
على زيادة قوة قناعاته، وعزمه وتصميمه على أن يفعل ما يستطيع في سبيل علاج ألوان «العجز
الخطير عند النساء».
-
ثانيًا: من المستحيل أن نقول إنَّ الأفكار التي
عبَّر عنها «مِل و«هاريت» عن موضوع النساء أيُّها نشأ أصلًا في ذهنه وأيُّها نشأ في
ذهنها، مع إمكان استثناء تلك الأفكار التي عبَّر عنها كلٌّ منهما للآخر في مقالَين قصيرَين
عن الزواج والطلاق، في فترة مُبكِّرة جدًّا من علاقتهما، وتلك الأفكار التي ظهرت في
مقالَين مُبكِّرَين «حق النساء في التصويت والاقتراع» و«استعباد النساء» تبنَّاهما «مِل»
بعد
وفاة «هاريت تايلور». ويُمكن للمرء أن يستمدَّ من هذا الشاهد انطباعًا مُتميِّزًا هو
أنَّ
أفكارها كانت إلى حدٍّ ما أكثر راديكاليةً من أفكاره؛ فهي مثلًا تقترح أنَّه ما إن تحصل
النساء على حقوقهن السياسية والمدنية كاملة، حتَّى تُلغى كل قوانين الزواج دون أي نتائج
ضارة، في حين أنَّ «مِل» كان يقف إلى جانب التخفيف الملحوظ لقوانين الطلاق، ولم يقترح
قط إلغاء الأساس الأساسي التعاقدي للزواج. غير أنَّ أفكارهما قد أصبحَت فيما يبدو قد
وقعَت في شَرك هذا الموضوع الذي كان مُهمًّا بالنسبة لهما معًا؛ فكثيرٌ من الحُجَج التي
اشتمل عليها كتابه «استعباد النساء» قد ظهرت أولًا في مقال «حق النساء في التصويت
والاقتراع» غير أنَّ ذلك لا يكفي شاهدًا ودليلًا على أنَّها كانت كلها في الأصل أفكارها
ما دام أنَّه على الرغم من أنَّ المقالة المنشورة باسمها قد أشار إليها مِل نفسه ذات
مرة
بأنَّه كتبها بنفسه، وربما كان ذلك لتجنُّب أحكام الناشر المُبتسَرة. ومن المُرجَّح أنهما
عملا معًا فيها طويلًا، أو على الأقل كانا على اتصالٍ مُستمر بصدد الأفكار التي
تتضمَّنها. وكما يقول مِل نفسه إنَّها أتت من «ذخيرة الفكر التي كانت مشتركة بيننا، عن
طريق محادثاتنا ومناقشاتنا التي لا نهاية لها في موضوعٍ يظل يشغل هذه المساحة الواسعة
في أذهاننا.»٣٤
وهكذا فإنَّ قناعات مِل المناصرة لقضية المرأة التي اعتنقها في فترة مُبكِّرة من حياته
قد أضافت المؤثِّرات لعددٍ من جماعات المفكِّرين الذين اختلط بهم أو على الأقل كان على
اتصالٍ
ملحوظ بهم، من أمثال: أصحاب مذهب المنفعة العامة، والنقابات الاشتراكية المُبكِّرة،
وأتباع سان سيمون، وأتباع فورييه، والراديكاليين النفعيين. كما كان على اتصال بعددٍ من
النساء اللاتي تتناقض قدراتهن بقوة مع الأنماط الرتيبة من النساء المعاصرات، كما كانت
له علاقة حميمية وطويلة مع امرأة عانت على نحوٍ مباشر من نتائج التفرقة والتمييز لجنسها
لا سيما في صورة قوانين الزواج، وحجب فرص التربية والتعليم فلا يدهشنا إذن أن يُقرِّر
استخدام معظم مبادئه الأساسية في معركة تحرير النساء.
وفي كتابه عن «الحرية» يتجنَّب «مِل» أي لجوء إلى «الحق المُجرَّد كشيءٍ مستقل عن
المنفعة». وهو يشعر في «استعباد النساء» أيضًا أنَّه مضطرٌّ للرد على أولئك الذين ربما
اتهموه بالدفاع عن «ثورة اجتماعية باسم الحق المُجرَّد».
٣٥ وفي بعض الأحيان على الرغم من احتجاجه على الحقوق الطبيعية، فإنَّه يقترب
جدًّا ليُصبح أشبه بمُنظِّر لهذه الحقوق، بدلًا من أن يكون فيلسوفًا نفعيًّا بسيطًا؛
فهو مثلًا يُشير إلى أنَّه ليس من الإنصاف ولا من الأخلاق أن نُنْكِر حق النساء في
المساواة مع باقي الموجودات البشرية في اختيار العمل الذين يقمن به (ما لم يكن فيه
إضرار بالآخرين تبعًا لما يُفضِّلنه على مسئوليتهن).
٣٦
وعلى الرغم من «زلات» بعض الفلاسفة غير النفعيين — كهذه — فإنَّ الحُجَج الأساسية
في
«استعباد النساء»، وكذلك في كتابه «عن الحرية»، قد صيغَت باسم المنفعة، أو بدقة باسم
صورة
المنفعة عند جون ستيوارت مِل، فالالتجاء في «استعباد النساء» هو أيضًا للمنفعة بالمعنى
الواسع، المؤسَّس على المصلحة الدائمة للإنسان كموجودٍ تقدُّمي.
٣٧
يرفض مِل «بقوة» التصوُّر البنتامي الضيق للطبيعة البشرية، صراحة في مقال عن بنتام
٣٨ كما أنَّه يرفضه، ضمنًا في كل كتبه الأخرى، يقول عن كتابه عن الحرية:
«الطبيعة البشرية ليست آلة تُبنى على غرار نموذجٍ مُعيَّن … وإنَّما هي شجرة تحتاج إلى
أن تنمو وتطوِّر نفسها من جميع الجوانب طبقًا لمنحى القوى الداخلية التي تجعلها موجودًا
حيًّا.»
٣٩ وسواءٌ أكان تصوُّر «مِل»، غير الآلي تمامًا، للطبيعة البشرية يعني أنَّنا
لا نستطيع أن ننظر إليه كفيلسوفٍ نفعي حقيقي، فذلك موضع نزاعٍ وجدالٍ كبيرَين؛ فقد ذهب
البعض إلى أنَّ التشيُّد الذي وضعه على تطوُّر الملَكات البشرية، بدلًا من اللذات أو
المباهج التي يخْبُرها عددٌ من الناس قد أخذَته بعيدًا عن المبدأ الشهير «أعظم قدْرٍ
من
السعادة لأكبر عددٍ من الناس» فلم يعُد يمكن النظر إليه على أنَّه فيلسوفٌ نفعي بالمعنى
البنتامي.
ومن المُؤكَّد أنَّه لم يكن يؤمن أنَّ «الدبوس العريض الرأس ليس جيِّدًا مثل الشعر»
غير
أنَّه لم يتنازل قط عن مبدأ أعظم قدْر من السعادة. والمُبرِّر الأساسي لذلك هو أنَّ «مِل»
كان مقتنعًا بأنَّ التقدُّم العقلي والأخلاقي للجنس البشري سوف يُؤدِّي إلى سعادةٍ أعظم
من اللذات الدنيا للحواس،
٤٠ وأنَّها تُؤدِّي بالتالي إلى الأنانية، وذلك سببٌ رئيسي يجعل الحياة غير
مقنعة هو نقص التثقيف الذهني …
٤١ إنَّه يستطيع فقط أن ينتهي إلى أنَّ الوسائل الجوهرية المؤدية لأعظم قدْر من
السعادة هي التي تكشف لكل إنسانٍ عن مُتَع الشعر، وعن اللذات العليا الأخرى. إنَّ التطوُّر
الأخلاقي للبشرية لا بُدَّ أن يؤدي هو الآخر إلى سعادةٍ أعظم؛ ذلك لأنَّ الفضيلة
الأخلاقية ليست مجرد وسيلة للسلوك الجيد، بل إلى شعور يُؤدِّي إلى سعادته — أو سعادتها
الخاصة
٤٢ وكذلك بسبب أنَّ انهيار الأنانية لا بُدَّ أن يعني أنَّ الناس لا بُدَّ أن
يصبحوا متحدين في هدف الوصول إلى أعظم قَدْرٍ من السعادة للجميع، ومن هنا فمن المُؤكَّد
أنَّ مذهب المنفعة العامة عند مِل يختلف عن مذهب المنفعة عند بنتام، من حيث إنَّ مِل
لم
يكن يأمل أن يجد جوابًا على السؤال: «هل خير الناس، حاليًّا، هو مبدأ أعظم قَدْر من
السعادة؟» ببساطة عن طريق سؤال كل فرد: ما شعوره؟ كما أنَّه أوضح بصفة خاصة في القدرة
الخاصة «بسقراط والخنزير»
٤٣ لم يرَ على الإطلاق أنَّ الناس قادرون على معرفة ماذا يمكن أن تكون السعادة
العظيمة والعميقة لو أنَّ إمكاناتهم العقلية والخلقية قد تطوَّرت تطوُّرًا
كاملًا.
ولا شك أنَّ هناك شعورًا نخبويًّا (بأنَّه ينتمي إلى النخبة أو الصفوة) عقليًّا
قويًّا يجري في فكر «مِل» وعلى حين أنَّه انتقد بنتام لأنَّه أقام تصوُّره للطبيعة
البشرية على شخصه الضيق غير المتخيل، فإنَّ «مِل» تقدَّم ليستدل على برهانه بنفس
الطريقة. ولقد افترض نموذج البشرية هو الزاهد العقلاني المُحب للجمال الذي يتجسَّد في
شخصه هو … وما إن نعترف بهذا التحيُّز، فإنَّه لا يُمكن أن نُؤكِّد أنَّه رفض مبدأ
أعظم قدْرٍ من السعادة لصالح مبدأ أعظم دورٍ من التطوُّر البشري. والمهم أنَّه كان مقتنعًا
تمامًا بأنَّ المثقف هو وحده الذي يستطيع أن يصل إلى أعظم قدْر من السعادة المتاحة للجنس
البشري.
إنَّ الغرض من هذا الاستطراد في موضوع النساء هو أن نستكشف أهمية صورة مذهب المنفعة
الخاصة ﺑ «مِل» وتصوُّره للإنسان بوصفه موجودًا تقدميًّا قابلًا للتحسُّن من الناحية
العقلية والأخلاقية؛ ففي كتابه «استعباد النساء»، وفي تلك الأجزاء من مؤلفاته الأخرى
التي ناقش فيها الحاجة إلى تحرُّر النساء، يتكرَّر موضوع التقدُّم البشري كثيرًا. ولقد
لخَّص هذا التشديد في فِقرة من «مبادئ الاقتصاد السياسي» يقول فيها: «الأفكار والمؤسسات
التي جعلتها مصادفة الجنس، القاعدة الأساسية لتفاوت الحقوق المشروعة، وانعدام التشابه
في الوظائف الاجتماعية، لا بُدَّ أن تُدرك معنى أنَّها كانت من قبلُ ولفترةٍ طويلة العقبة
الكبرى أمام الإصلاح الأخلاقي والاجتماعي حتَّى العقلي.»
٤٤ وهناك مبدآن آخران يظهران بوضوحٍ كامل في كتابه «استعباد النساء». وعباراته
الأخرى المُؤيِّدة لحقوق النساء عن الحرية، أو فرص التحديد الذاتي، والعدالة، بمعنى
المساواة وعدم التحيُّز، وهذان المبدآن الآخران يرتبطان صراحة بالتقدُّم الأخلاقي
والعقلي للجنس البشري. بقَدْر ارتباطهما بسعادة النساء أنفسهن.
ولقد كان «مِل» مهمومًا بعمق — كما يتضح من كتابه عن «الحرية» — بقيمة الحرية الفردية،
ناظرًا إليها على أنَّها وسيلةٌ مهمة للسعادة، وللتطوُّر الذاتي، وأنَّه يُمكن التضحية
بها على نحوٍ له ما يُبرِّره فقط إلى الحد الذي كان ضروريًّا، على نحوٍ مُطلق لصيانة
الأمن والتعاون الاجتماعي؛ فهو يُؤكِّد «أنَّ الحرية هي أثمن وأقوى حاجات الطبيعة
البشرية بعد الضرورات الأولية من غذاء وكساء.»
٤٥ وهو يسترجع المُتَع التي تنبثق من إرشادات الطفولة إلى مسئولية النضج في سن
الرشد كمؤشِّر على الشعور بالحيوية الذي يُمكن أن يزوِّدنا به التحديد الذاتي، وهكذا
نجد
أنَّ الحرية جوهرية كجزء من السعادة البشرية حتَّى إنَّ مِل ينتهي إلى أنَّ الغرض الوحيد
الذي تُستخدم فيه السلطة بطريقةٍ مشروعة ضد الفرد أو العضو في مجتمعٍ متمدن، أعني ضد
إرادته، هو أن نمنعه من الإضرار بالآخرين.
٤٦
لم يكن لدى مِل أيَّة شكوك — على خلاف روسو بتصوُّره البطرياركي الصارم للحرية —
في
وجود مجالاتٍ كثيرة لتطبيق هذه القيمة التي يعتنقها، بقوة، بالنسبة للوضع الاجتماعي
والقانوني المعاصر للنساء. إنَّ الحرية والتحديد الذاتي والموضوعات المُتكرِّرة في
براهين «مِل» ضد التفاوت الفظيع في قوانين الزواج والتفرقة والتميُّز الحاد الذي يُعاني
منه النساء في مجالات التعليم وفرص العمل. وهو يُقرِّر أنَّ المنفعة المباشرة التي يرى
أنَّها تنتج من تحرير النساء سوف تكون إضافة السعادة إلى النساء أنفسهن نتيجة للفرق بين
«حياة خضوع الإرادة للآخرين وحياة الحرية العقلية.»
٤٧ على حين أنَّ المرأة في الوقت الذي كان يكتب فيه لم يكن لها فرصة — من
الناحية العملية — لشغل أيَّة وظيفة، الزوجة في علاقةٍ زوجية هي مضطرة فيها، قانونًا،
أن
تطيع زوجها، وليس لها حقوق في المِلكية الخاصة. ولقد كان واضحًا لمِل أنَّ سعادة لا تقدَّر
من السعادة سوف تنتج من إعطاء المرأة اختيارًا حقيقيًّا للطريقة التي تعيش بها. كما كان
مقتنعًا أنَّه «إذا كان هناك شيءٌ بالغ الأهمية بالنسبة لسعادة الموجودات البشرية، فهو
أن يتقبَّلوا برضًا عملهم المألوف.»
٤٨ وهكذا يكون من الضروري أن تكون جميع أبواب العمل المتاحة للرجال مفتوحة —
بالتساوي — أمام النساء، فقط عندما يكون اختيار الزواج أو عدمه له معنًى، بدلًا من أن
يكون الوسيلة الوحيدة للفرار من التبعية المحتقرة للعنوسة.
ومن الأمور المهمة أيضًا أنَّ أولئك الذين يختارون الزواج لا بُدَّ أن يُسلِّموا
بنصيبٍ متساوٍ من الحقوق القانونية والمسئولية المشروعة في هذه العلاقة. وعلى الرغم من
أنَّه لم يُعبِّر صراحة عن أفكاره الأكثر راديكالية في موضوع الزواج في كتابه «استعباد
النساء»، فإنَّه يقول في مكانٍ آخر إنَّه ينبغي أن يكون تعاقدًا حُرًّا بمعنى أن ينحل
بناءً على رغبة الأطراف المتعاقدة شريطة أن يُعنى بالأطفال عنايةً تامة — إذا أثمر هذا
الزواج عن وجود أطفال … ولقد عارض النظرة المعاصرة له، التي ترى الطبيعة الملزمة لعقد
الزواج — ولقد لخَّص هذه المعارضة في عبارة، تقول: «من المُؤكَّد أنَّه خطأ، خطأ من كل
وجه … أن يكون هناك دافع للزواج سوى السعادة لشخصَين يُحب كلٌّ منهما الآخر، ويشعران
أنَّ
وجودهما يكمن في هذا الارتباط …»
٤٩ وأي إنكار للحرية التي لم تكن من أجل حماية طرف ثالث من الأذى فلعنة الله
عليه.
ولم يكن دفاع «مِل» عن إعطاء المزيد من الحرية للنساء ولاختيار الطريقة التي يعشن
بها
يعود إلى رغبته في إضافة السعادة للنساء أنفسهن، وإنَّما يعود كذلك إلى «رغبته في
تقدُّم المجتمع ككل». وكما يقول في كتابه عن «الحرية»: «المصدر الدائم المُؤكَّد
للإصلاح هو الحرية ما دام يُوجد — عن طريقها — عدة مراكز دائمة ممكنة للإصلاح بقَدْر
ما هنالك من أفراد.»
٥٠ إنَّ مدَّ التعليم إلى «النساء وفتح مجال العمل أمامهن، وتحريرهن من عبودية
الخدمة المنزلية الإجبارية، سوف يكون له كذلك «نتائج مفيدة» في مضاعفة مجموعة الملَكات
العقلية المتاحة لخدمة البشرية خدماتٍ رفيعة.»
٥١
وبالإضافة إلى هذه الزيادة الهائلة من المواهب المتاحة، فإنَّ «مِل» يرى أنَّ تحرير
النساء بحيث يُصبحن متعلمات، يعملن في وظائف — سيكون له نتائج قيِّمة جدًّا بالنسبة
للرجال؛ فاستثارة التنافس النسائي، وصحبة شريكٍ مُتعلم بالمثل سوف يُؤدِّي كذلك إلى
تطوُّرٍ عقلي أعظم عند الرجال أيضًا. ولقد تأثَّر «مِل» بقوة من واقعة أنَّه ما دام
الرجال يُصبحون أقل التزامًا بالمهام خارج المنزل، وفيما يُنظر إليه على أنَّه نشاطٌ
رجالي تحديدًا، فإنَّ حياتهم المنزلية ستكون أكثر أهمية، وسوف يزداد بالتالي تأثير
زوجاتهم بصفةٍ مستمرة، فإذا أخذنا على العكس، بوجهة النظر التشاؤمية القائلة بأنَّ أي
مجتمع أو أي فرد لا يتحسَّن فإنَّه يتدهور، فإنَّه يُشدِّد على النتائج الضارة التي
يُمكن أن تُحدثها الصحبة المثمرة لزوجة غير مُتعلمة طائشة وتافهة على الرجل، حتَّى ولو
كانت له في السابق اهتماماتٌ عقلية جادة.
وهو يتساءل: ماذا يُمكن لهذا الرجل أن يكون مفسدًا لتطوُّر الإنسان لانحصار نسبة
كبيرة من حياته مع شريك بلغ من الغباء حدًّا جعله يُركِّز ذهنه في التوافه. شريك يجهل
تمامًا المسائل التي تكون على أعلى مستوًى من الاهتمام، وهي مضطرةٌ نظرًا لتعليمها
المحدود إلى النظر إلى الاهتمامات المادية المباشرة لأسرتها على أنَّها على جانب عظيم
من الأهمية أكثر من أي تطلُّعاتٍ عقلية أو روحية عامة كان على زوجها أن يسعى إليها،
ويتساءل مِل: «مع مثل هذا التأثير في أي أسرة، أيمكن لنا أن من نعجب أنَّ الشعب بصفةٍ
عامة قد انحط إلى هذه الوسطية من الاحترام التي أصبحَت سمةً من سمات العصور الحديثة؟»
٥٢ لقد كان الحل الذي اقترحه روسو لما اعتبره تأثيرًا غير مقبول للنساء
المعاصرات، التفرقة بين الجنسَين في العالم الواسع، وحتَّى داخل المنزل — ولسنا بحاجة
إلى القول إنَّه كان بغيضًا تمامًا بالنسبة لمِل. بالرغم من أنَّ النساء في حالتهن
السائدة من الاستعباد وانعدام الفرص، كُنَّ يعملن في نظر مِل، كقوةٍ مستمرةٍ تعوق
التقدُّم، فقد كان مقتنعًا بأنَّ تحرُّرهن سوف يعكس تأثير هذه القوة.
ثانيًا: بالنسبة للحرية وحدها بالحُجج المُقدَّمة في
كتابه «استعباد النساء» هي مبدأ العدالة. وينظر إلى مثل هذه المعالجة على أنَّها جوهرية
في آنٍ واحد بالنسبة لظروف تقدُّم البشرية. ومناقشة «مِل» الشاملة للعدالة إنَّما توجد
في الفصل الأخير
٥٣ من كتابه «مذهب المنفعة العامة»؛ حيث يُعالج المفهوم الأساسي للنزاهة أو عدم
التحيُّز؛ أي ضرورة معالجة الحالات المتشابهة بطريقةٍ واحدة، ثمَّ يستطرد ليُبيِّن لنا
السبب في أنَّ المجتمعات المختلفة كان لديها تصوُّراتٌ مختلفة عمَّا يُشكِّل الدراسة
العادلة، هي أنَّهم اعتبروا أنَّ هنا كيفياتٍ مختلفة هي التي تُشكِّل أُسس التحيُّز أو
الابتعاد عن النزاهة. وكما قلنا في الفصل الرابع — فيما سبق عند مناقشتنا لنظرية أرسطو
في العدالة — إنَّ المواطنين، والنساء والحرفيين والعبيد تكون لهم معالجةٌ مختلفة أتمَّ
الاختلاف تبعًا لما اعتقد أرسطو أنَّه الخصائص الداخلية الذاتية لهم ولوظائفهم، بينما
يكون أمرًا حاسمًا لفكرة العدالة … فيما يقول مِل: «فجميع الأشخاص يعتقدون أنَّ لهم
حقًّا في المساواة في المعاملة إلَّا عندما تقتضي الضرورة الاجتماعية غير ذلك.»
٥٤
وهناك تصوُّراتٌ مختلفة مِمَّا يُشكِّل المصلحة الاجتماعية التي تبحث عن قبول بعض
المجتمعات لنظام الرق، ونظام الطبقات المُغلقة، وغيرها من التنظيمات التي لا تنطوي على
مساواة، ويُنظر إليها الآن على أنَّها ظالمة تمامًا، وأنَّ تبريرها هو متطلبات الظروف.
فقط عندما يتوقَّف التفاوت الاجتماعي عن أن يكون نافعًا … وعندما يُنظر إليه ليس فقط
على أنَّه غير نافع، بل على أنَّه ظالم أيضًا لدرجة أنَّ الناس لا بُدَّ أن يعجَبوا كيف
كان بإمكانهم تحمُّل هذا التفاوت، ولكنَّهم ينسَون أنَّهم ربما تحملوا ألوانًا أخرى من
التفاوت بسبب فكرةٍ خاطئةٍ مماثلة عن النفع
٥٥ والحالة النموذجية لذلك هي استعباد النساء. «روسو» بالطبع هو مثالٌ كامل
لمثل هذا التفكير، رغم أنَّ التفاوت بين الجنسَين «فلن يشعر أحدٌ أن يتضارب مع الحضارة
الحديثة إلَّا بالقَدْر الذي كان الإغريق يشعرون معه أنَّ فكرة «رقيق المنزل كانت تتضارب
مع فكرتهم عن أنفسهم كشعب حر …».»
٥٦ ويرى مِل أنَّ العبودية مثالٌ منعزلٌ شاذ في عالم مبدؤه الرائد هو المساواة
البشرية. وهو يُؤكِّد «أنَّ الزواج هو بالفعل العبودية الوحيدة التي يعرفها القانون
عندنا؛ فلم يعُد هناك عبيد من الناحية القانونية سوى ربة كل منزل.»
٥٧
وكما كان التفاوت في الماضي مُحصَّنًا فقد نُظر إلى وضع النساء الذي يخلو من المساواة
على «أنَّه طبيعي». ويتساءل «مِل»: «هل كانت هناك سيطرة في أي وقتٍ من الأوقات لا تبدو
طبيعية في نظر من يقومون بها؟»
٥٨ إنَّ أكثر العقول ثقافة في العالم القديم بمن فيهم أرسطو كانوا على يقينٍ من
أنَّ الرق مسألةٌ طبيعية، ولقد ادَّعى مُنظِّرو الحكم الملكي المطلَق أنَّه الصورة
الطبيعية الوحيدة لنظام الحكم. وإعطاء الأجناس الغازية حق الأقوياء الذي كان طبيعيًّا،
والنبلاء في عهد الأقنان، وسيطرتهم على الأقنان كانت طبيعية. وما دام استعباد
النساء من جانب الرجال كان عادةً كليةً عادة، فإنَّنا لا نندهش من شعور المجتمع بأنَّه
على يقينٍ أنَّها طبيعية. لقد كان إدراك «مِل» للمدى الذي تُستخدم فيه كلمة الطبيعة لجعل
العُرف مشروعًا كان مُدهشًا؛ فهو يقول مُعلِّقًا: «ومن ثمَّ فقد كان تعبير «من غير
الطبيعي» يعني من غير المألوف أو المعتاد؛ أي إنَّ كل ما هو مألوفٌ أو معتادٌ هو أمرٌ
طبيعي.»
٥٩ وما دام يعتقد كما يقول مرارًا أنَّ المجتمع في أعلى صورة هو مجتمع
الأنداد أو النظراء، فقد كان من المهم بالنسبة له منازلة الادعاءات المنتشرة عن
«طبيعية» التفاوت الصارخ بين الجنسَين، وقد كان يتطلَّع لرؤية اليوم الذي تتبع فيه
التميُّزات على أساس الجنس ما حدث لمميزات النبلاء على أساس المولد من التجاهل
والنسيان.
ولقد كان مِل يعتقد أنَّه لكي يبني قضيته الخاصة بمساواة المرأة على أساس مبدأ
المعاملة العادلة، فإنَّ عليه أن يُبرهن على أمرَين:
-
أولًا: عليه أن يُعارضَ الزعمَ القائلَ بأنَّ النساء
أدنى بالفطرة — يقول الاعتراض الذي نلتقي به الآن بصفةٍ أساسية هو «أنَّ النساء لا
يناسبهن، أو غيرُ قادراتٍ على هذا أو ذاك من الإنجازات العقلية.»٦٠ وبالتالي فقد صمَّم على أن يُبيِّن في معارضة قوة الرأي المعاصر القوية
أنَّ المبررات — التي كثيرًا ما تُذكر كأساسٍ لمعالجة النساء على نحوٍ مختلف عن الرجال
—
أنَّهن أدنى من حيث «الطبيعة» ناقصات عقل، وأشد عاطفة، لا تقوم على أدلة مقنعة وربما
كانت كلها زائفة.
-
ثانيًا: وحتَّى عندما برهن على ذلك إلى الحد الذي
يستطيعه أي إنسانٍ في ذلك الوقت، فإنَّ مِل رأى من الجوهري، بوصفه فيلسوفًا نفعيًّا،
أن
يُبيِّن أنَّ التخلُّص من المعاملة غير المتساوية سيكون نافعًا، بمعنى أنَّه سوف يُسهِم
في الرخاء العام للمجتمع.
لقد كان على مِل — وهو يُناقش الادعاء الأول من هذَين الادعاءَين — ليس فقط أن يفقد
الرأي المُبتسَر الشائع، بل أيضًا ردة الفعل العنيفة التي عبَّر عنها عددٌ كبير من
المثقفين في منتصف القرن التاسع عشر ضد مذهب البيئة؛ فلقد رأى كثيرٌ من مُعاصري مِل أنَّ
المُنظِّرين التربويين الفرنسيين في عصر التنوير من أمثال «هلفتيوس» و«هولباخ» قد
نسبوا لعوامل البيئة أهمية مُبالغًا فيها في تكوين الشخصية الإنسانية والمقدرة العقلية.
وكان مِل يرى على العكس أنَّ من المُؤكَّد أنَّ معظم، ومن المحتمل أنَّ كل الفروق
الموجودة في الشخصية وفي العقل بين الرجال والنساء ترجع إلى مواقفَ مختلفة تمامًا في
المجتمع نحو أعضاء الجنسَين ابتداءً من طفولتهم المبكرة، والأنواع المختلفة بشكلٍ هائل،
وصفات التربية التي قُدِّمَت لهم. ولقد أنكر مِل بشدة في شذرة عن الزواج كتبها عام ١٨٣٢م
أي تفاوتٍ فطري بين الجنسَين بمعزل عن القوة البدنية وحتَّى ذلك مشكوك فيه أيضًا — فيما
يقول
٦١ ولقد عارض المذهب الدجماطيقي بقوة حتَّى إنَّه عدَّل موقفه فيما بعدُ من
الادعاء بأنَّه لا يوجد شيءٌ من الفروق المزعومة بين القدرات الذهنية الأخلاقية بين
الجنسَين قد تمَّت البرهنة عليها على أنَّها نتيجةٌ ضرورية للعوامل الفطرية على الرغم
من
أنَّ بعضها يُمكن أن يكون كذلك بالفعل،
٦٢ والتأكيد الوحيد الدجماطيقي هو أنَّه لا شيء حتَّى الآن معروفٌ على سبيل
اليقين في هذا الموضوع: «وإذا قيل إنَّ مبدأ المساواة بين الجنسَين لا يقوم إلَّا على
النظرية فحسب، فلا بُدَّ لنا أن نتذكَّر أنَّ المبدأ المُضاد لا يقوم أيضًا إلَّا على
النظرية وحدها فحسب.»
٦٣
وما أعتقد فيه المبدأ المضاد لعدة آلافٍ من السنين هو — في الواقع — سلسلة من
التأكيدات المتعلقة بطبيعة النساء وصفاتهن الطبيعية. ويُشير مِل إلى أنَّ هذه التصوُّرات
عن المرأة الطبيعية كثيرًا ما تختلف اختلافًا تامًّا من ثقافة إلى أخرى؛ فالمرأة في
الشرق شهوانية «بالطبيعة»، وفي إنجلترا باردة «بالطبيعة»، أمَّا في فرنسا فهي «متقلبة»
بالطبيعة.
٦٤
وإذا كانت مستقرة في إنجلترا، وهذا وحده كافٍ لأن يجعل المرء يتشكَّك في هذا المعتقد،
فمن الواضح أنَّ المرأة قد تحدَّد لها نسخٌ مختلفة من الدور النسائي في هذه الثقافات
المختلفة، وتتحدَّد «طبيعتها» بالتالي تبعًا لهذه الثقافات. ومن هنا فإنَّ مِل يذهب إلى
أنَّ المرء لا يستطيع في أي مكانٍ أن يقول في «برهان عقلي»: «إنَّ طبيعة كلا الجنسَين
تجعله يتكيَّف مع وظيفته، ومركزه الراهن، وتجعل هذه الأمور مناسبة له …»
٦٥ وهو يُؤكِّد في حسم: «أنا أنكر — معتمدًا على أساسٍ من الحس المشترك، وعلى
تكوين العقل البشري — أن يكون في استطاعة أي شخصٍ أن يعرف طبيعة الجنسَين. ما دام لم
يرَها إلَّا في علاقتهما الراهنة فحسب؛ فلو أنَّ الرجال وُجِدُوا في مجتمعٍ ما بغير نساء
أو كان هناك مجتمعٌ بلا رجال أو مجتمعٌ من الرجال والنساء، لم تكن النساء فيه خاضعاتٍ
لسيطرة الرجال — فربما كنَّا قد عرفنا شيئًا مُؤكَّدًا عن الاختلافات العقلية والمعنوية
التي قد تكون مُتأصلة في طبيعة كل جنسٍ منهما …»
٦٦
وحتَّى تُوجد شروط المساواة فلا يستطيع أحدٌ أن يُحدِّد الاختلافات أو الفروق الطبيعية
بين النساء والرجال؛ إذ لا يُمكن اكتشافُ ما هو طبيعي بين الجنسَين إلَّا بالسماح لهما
معًا بالنمو والتطوُّر واستخدام ما لديهما من ملَكاتٍ بحُرِّية. ومن هنا فقد رفض رفضًا
جذريًّا التعريف الوظيفي بطبيعة النساء الذي سبق أن رأينا أنَّه كان مُنتشرًا في مؤلَّفات
أرسطو وروسو.
ولكي يُحلِّل مِل أثر البيئة على النساء في المجتمع المعاصر، عاد إلى المجاز عن
الطبيعة البشرية بوصفها «شجرة تحتاج إلى أن تنمو وتُطوِّر نفسها من جميع الجوانب»، إنَّ
ما يُسمى «طبيعة المرأة» هو أبعد ما يكونُ عن أن يكونَ نتيجة لتطوُّرٍ حر شبيه بشجرة
ينمو
نصفها في حمام بخار ونصفها الآخر في الثلج. «إنَّه ليس شيئًا فطريًّا» بل هو شيءٌ مصطنع
وهو ثمرة الكبت في بعض الاتجاهات وإثارة غير طبيعية في اتجاهاتٍ أخرى.
٦٧
إنَّ ما جعل النساء موجوداتٍ بشرية نصفهن معاق النمو، ونصفهن مفرِط في نموه، هو أنَّ
النمو يهدف إلى إرضاء وإسعاد الرجال. ويرى مِل أنَّ إنسانًا يأخذ على عاتقه مشقة البحث
في الطرق المختلفة غاية الاختلاف التي يتعلَّم بواسطتها البنون والبنات المُعاصرون،
وتحديد المهام المختلفة لكلٍّ منهما في حياة النضج يستطيع بسهولة أن يُفسِّر قدْرًا كبيرًا
من انعدام القدرات العقلية والكيفيات الأدبية الخاصة المنسوبة إلى النساء على أنَّها
خصائصُ طبيعية لجنسهن. إنَّ أولئك الفلاسفة من أمثال روسو الذين حدَّدوا هذه الخصائص
بإيجازٍ على أنَّها عملية، وحدْسية «بطريقةٍ طبيعية»، وعلى أنَّها قادرة بقدْرٍ ضئيل
على
شئون الحياة اليومية، لكي تنقصها القدرة على الفكر العقلي — عليهم فقط أن ينظروا إلى
الطريقة التي تتدرَّب بها الفتيات على مواجهة الأعمال المنزلية التافهة، بينما البنون
يتعلَّمون الآداب الكلاسيكية والعلوم. ومن هنا كانت أخطاء المرأة هي أخطاء الشخص الذي
يُعلِّم نفسه بنفسه، الذي يُدرك عوامل الموقف بالحس المشترك، وربما استبعد بعضها التنظير،
لكن من المرجَّح أنَّها تُعاني من نقصٍ في معرفة المبادئ العامة، وفي القدرة على إدراك
الجوانب المُجرَّدة التصورية للمشكلة
٦٨ ولا يحتاج المرء إلَّا إلى النظر أبعدَ من ذلك إلى بيئات الجنسَين المختلفة
اختلافًا واسعًا لكي تُفسِّر ما يزعمون أنَّه ثابتٌ لا يتغيَّر من الفروق الفطرية بينهما
من حيث القدرات العقلية.
ولم يكن مِل على استعداد أن يقبل السمة المُميَّزة التي تُقال لصالح شخصية المرأة
على
أنَّها فطرية أكثر من قبوله ضعفها الطبيعي المزعوم؛ فقد رأى أنَّ الدعوى المنتشرة في
القرن التاسع عشر، التي تقول إنَّ المرأة بطبيعتها أسمى من الرجل — رأى أنَّها تبلغ
حدًّا من الخُلف والعبث يُساوي القول بأنَّها أدنى منه بطبيعتها.
٦٩ فالنساء كالعبيد من الزنوج، فيما يقول، لم تُتَح لهن الفرصة لارتكاب الجرائم
… فليس شيئًا مُلفَّقًا بصفة خاصة أنَّهن لم يَكُنَّ مجرماتٍ في كثيرٍ من الأحيان، ما
دام
كان يعتقد أنَّ الامتياز الأخلاقي هو باستمرار «ثمرة للتربية والثقافة» التي يخضع
لها الجنسان على قدْر المساواة؛ ومن ثمَّ فهو يرى أنَّ جميع هذه الصفات «الأنثوية» محل
عدم الأنانية، وكبح الجماح الخلقي. وينتهي في ذلك إلى أن يقول: لستُ أعرف علامة على
العمى الذي أصاب العالم — بما في ذلك هذا القطيع من الرجال المولَع بالدراسة — فجعله
يتجاهل مرَّ الكرام على أثر الظروف الاجتماعية أكثر من حطِّهم الغبي للقدرات العقلية
الطبيعية للمرأة وارتفاع بالطبيعة الأخلاقية عندها.
٧٠
ولقد اعترض مِل أيضًا على الحكمة السائدة التي نراها في كتابات «أرسطو»، و«روسو» التي
تقول إنَّ الخصائص الأخلاقية المطلوبة من المرأة تختلف عن الخصائص العقلية المطلوبة من
الرجل؛ فلقد هاجم في المقال الذي كتبه في «مجلة وستمنستر» في سن الثامنة عشرة تطبيق
معاييرَ أخلاقية تختلف باختلاف جنس الشخص الذي نحكم عليه، ويذهب إلى أنَّ الرجال لكي
يجعلوا أزواجهم يعتمدن عليهم تمامًا، ويُخصِّصن أنفسهن لهم بطريقٍ مستسلمة، فقد وضعوا
للزوجة مجموعة من القيم تختلف كل الاختلاف عن قيمهم. وهكذا:
نجد أنَّ مِمَّا هو جدير بالثناء في الرجل أن يكون مُستقلًّا وأن يكتفي بنفسه،
وألا يكون في حالة تلمذة مستمرة، أمَّا الصفة الأساسية الجديرة بالثناء
في المرأة فهي أن
تكون عاجزة، ذهنًا وبدنًا، مغلوبة على أمرها، وما لم يكن هناك تشجيع للرجل فذلك يعني
ازدراءه، أمَّا المرأة فمن الصفات المحبوبة فيها أن تكون جبانًا … فإذا ما اعتمدَت
المرأة على زوجها اعتمادًا تامًّا في كل متعة، وفي الابتعاد عن كل ألم، وإذا ما كانت
لا
تشعر بالأمان إلَّا في حمايته، وإذا ما شعرَت بالعجز عن تكوين أي فكرة، أو اتخاذ أي قرار
بدون نصحه ومساعدته، فتلك هي الصفات المحبوبة في الأنثى ومَنْ تنتهك أيَّة خاصية من
التي يتميَّز بها الرجل، ويشعر أنَّها خاصة به، وكل مَنْ تكون نافعة أو مفيدة سواء
لنفسها أو للعالم؛ بحيث لا تكون عبدًا ذليلًا لزوجها تُسمَّى مسترجلة، وأسماء أخرى
تُعبِّر عن الاستهجان.
٧١
في مقابل هذه الفكرة الكلية عن الخصائص المناسبة لكلٍّ من الرجل والمرأة يذهب مِل
في
خطاب إلى «توماس كارليل» إلى أن أفضل الناس من الجنسَين — من تجربته الخاصة — هم مَنْ
اجتمعَت لديهم أعلى خصائص ما يُسمَّى ﺑ «الرجولة» مع أعلى خصائص ما يُسمَّى ﺑ «الأنوثة»
ويتساءل: «أهناك حقًّا تفرقة بين أعلى حالات الرجولة وأعلى حالات الأنوثة في الشخصية
الإنسانية؟ وقد لا يبدو ملحوظًا أنَّ تصوُّر مِل للأخلاق وللامتياز يطَّرد مع الجنسَين
حتَّى يتحقَّق المرء من الوزن الهائل للفكرة التاريخية التي أكَّدت العكس. ولقد كان مِل
هو أول فيلسوفٍ كبير منذ أفلاطون يذهب إلى أنَّ الخير واحد بالنسبة للمرأة أو الرجل.
ولقد شعر مِل أنَّ تخلُّف علم النفس يعوقه في محاولته لدحض الفكرة التي تقول إنَّ المرأة
أدنى في قدراتها من الرجل بفطرتها وبطريقةٍ لا علاج لها؛ فالأشغال المعاصرة كانت مع
العلوم البيولوجية، وكان هناك نقصٌ مؤسف في الالتفاف إلى تأثير البيئة في تكوين الشخصية
البشرية.
٧٢ ولقد أدَّى ذلك إلى خلافاتٍ أعظم كثيرًا من دعوى «هلفتيوس» «التربية يُمكن
أن تكون للجميع» لدرجة افتراض أنَّ الخصائص العضوية قادرة على تفسير كل شيء. وكان العدو
اللدود ﻟ «مِل» في معركة انتزاع اعترافٍ بأهمية عالم البيئة في تشكيل الشخصية الإنسانية
للمرأة هو «أوجست كونت»، وتحمل الرسائل المتبادلة بين الاثنَين، إبَّان عام ١٨٤٣م، جانبًا
هامًّا من تفكير «مِل» حول هذا الجانب من قضية تحرير النساء.
٧٣
ولقد كانت وجهة نظر كونت انعكاسًا واضحًا للثقة بأنَّ العلوم الفزيائية ليست قادرة
بإمكاناتها على حل مشكلات الإنسان. وما إن تطبق نتائجها على العلوم الاجتماعية، حتَّى
نعثر بالفعل على جميع الإجابات المهمة عمليًّا.
فقد كان كونت على يقينٍ من أنَّ البيولوجيا قد أصبحَت بالفعل «قادرة على إقامة ترتيب
تصاعدي للجنسَين بالبرهنة من الناحية التشريحية الفسيولوجية معًا — أنَّه في كل مملكة
الحيوان تقريبًا لا سيما في النوع البشري — فإنَّ جنس الأنثى يتشكَّل من أجل وضع أساسٍ
للطفولة، مِمَّا يجعله بالضرورة أدنى من جنس الذكر المناظر له.»
٧٤ وبالثقة في النوع البشري الذي سبق دارون — كتب مُؤكِّدًا أنَّ الحالة
العضوية لا بُدَّ يقينًا أن تنتشر ما دام الكائن الحي وليس البيئة هو الذي يجعلنا
بشرًا بدلًا من القردة أو الكلاب، وهو الذي يُحدِّد نوعنا الإنساني الخاص بدرجة أكثر
بكثير مِمَّا كان يُعتقد.
٧٥ وهكذا ليس ببساطة من أجل المنفعة الاجتماعية أنَّ النساء لا بُدَّ أن
يَكُنَّ خاضعاتٍ وتابعاتٍ للرجال، بل أي تنظيمٍ آخر لا بُدَّ أن يكون خُلفًا محالًا من
الناحية البيولوجية. إنَّ أسباب الخصائص الذهنية كلها إنَّما توجد في مخ الكائن
الفيزيقي، والنساء بتكوينهن الأضعف فيزيقيًّا — لا بُدَّ أن يَكُنَّ من ثمَّ — أدنى من
الناحية العقلية من الرجال، ويذهب كونت — مشكورًا — إلى أنَّ الطبيعة، قد عوَّضَتهن إلى
حدٍّ ما بأنَّ وهبتهن قدْرًا كبيرًا من رقة المشاعر والعواطف. وفي المجتمع الذي تخيَّله
كونت في المستقبل سوف يكون لهن الدلال، والعبادة، بل حتَّى الصلاة، لكنَّك إذا ما
تصوَّرتَ أنَّه سيكون لهن أي قدْرٍ من المشاركة في صنع القرار أو المشاركة السياسية التي
تتطلَّب عقلًا وفكرًا موضوعيًّا، فإنَّك في هذه الحالة تسير في طريقٍ مُنافٍ للطبيعة
وهو
لا يعود إلَّا بكارثة على النساء وعلى المجتمع ككل.
أمَّا مِل فقد كان يعترف منذ البداية بالثغرات الواسعة في معلوماته البيولوجية من
التي
حاول عبثًا علاجها، أخذ نبرة متواضعة إلى أقصى حدٍّ وتوفيقية في مواجهة القناعات المغرورة
لكونت
٧٦ فلم يكن على استعداد لأن يقبل ببساطة أنَّ البيولوجيا وصلَت إلى نتائجَ حاسمة
في هذا الموضوع. وكان يعتقد أنَّه ربما يأتي يوم يبرهن فيه على أنَّ هناك فروقًا
فسيولوجية معيَّنة بين مخ كل جنسٍ من الجنسين لكنَّه شدَّد في رده على كونت أنَّه لا
توجد
حتَّى الآن معرفة مُحدَّدة عن العلاقة الدقيقة بين الخصائص الفيزيقية للمخ والقوى
العقلية لصاحبه والاعتماد على مثل هذه المبالغة في التبسيط والذهاب إلى أنَّ الرجال
لأنَّهم أكبر حجمًا من النساء، فإنَّ المخ لديهم لا بُدَّ أن يكون أكبر حجمًا — ومن
ثمَّ فالقوى العقلية لا بُدَّ أن تكون أكبر — فإنَّ المرء يقع في تهمة القول بأنَّ
الرجال الأكبر حجمًا هم أكبر عقليًّا من الرجال الأصغر حجمًا، وأنَّ الحيتان والفيلة
أكثر ذكاءً من الاثنَين.
٧٧
ولقد كان «مِل» مقتنعًا بأنَّ الاستدلال الذي يسير عليه «كونت» من المحتمل ألَّا
يُؤدي
إلى نتائج سليمة بصدد الفروق بين الجنسين، ما دام ظلَّ إهمال تأثير البيئة على تطوُّر
الشخصية أو ما يُسمِّيه مِل — بعلم الأخلاق
Ethology (تأثير البيئة على الشخصية) على هذا
الحال، وهو يتحدَّث في كتابه «استعباد النساء» بحماس عن حاجتنا إلى تقدُّم هذا العلم.
يقول: «يُمكن أن نقول إنَّ عدم اهتمام البشر وجهلهم الفاحش فيما يتعلَّق بالمؤثرات التي
تُشكِّل الشخصية الإنسانية هما من أكبر العقبات التي تعوق تقدُّم الفكر، وتكوين الآراء
السليمة المؤسَّسة تأسيسًا جيِّدًا من الحياة والتنظيمات الاجتماعية.»
٧٨ ولم يكن واقعًا تحت تأثير أي وهم بصدد صعوبة القيام بهذه الدراسة. مع
مشكلاتها في عزل العوامل المُسبِّبة في جوٍّ تكون فيه ظروف التجارب المعملية مستحيلة
—
غير أنَّه كان مقتنعًا رغم الصعوبات بأنَّ هذا المجال للعلم ينبغي ألا نُواصل تجاهله.
وهو يعرض في كتاب «المنطق» بعضَ الأفكار التمهيدية لمثل هذا العلم، رغم أنَّه لم يَسِر
به
إلى الأمام من الناحية العملية
٧٩ وإلى أن يتقدَّم هذا العلم تقدُّمًا ملموسًا فهو يرى أنَّه لا شيء من
الفروق العقلية والأخلاقية بين الجنسَين يُمكن أن يُقال بطريقة معقولة إنَّ سببها عوامل
فسيولوجية فطرية. يقول في كتابه «استعباد النساء» بطريقة فظة: «فليس ثمة شخص له حق
الأداء بآراء إيجابية في هذا الموضوع.»
٨٠
وهكذا لا يُمكن البرهنة بطريقة مُؤكَّدة — مع هذه المعرفة المحدودة — بأنَّ المرأة
عاجزة عن أن تصل إلى نفس مستويات الإنجاز العقلي مثل الرجل، ولا يُمكن أن يُنْظر إلى
مثل هذا الاعتقاد بأنَّه يصلح كأساسٍ للاحتفاظ بالنساء تابعات في المجتمع، وأن نُنكر
عليهن أيَّة فرصة ليظهرن ما يستطعن إنجازه. ويذهب مِل فضلًا عن ذلك إلى أنَّ النساء
أنجزن قدْرًا ملحوظًا من النجاح في مجالاتٍ كثيرة رغم ثقل الظروف، وقلَّة التعليم وضغوط
الأحكام المُبتسَرة التي تُمارس ضدهن، وعلى الرغم من أنَّ ذلك يعني إقامة القضية على
أُسسٍ
متواضعة للغاية «عندما نضع في اعتبارنا إلى أي حدٍّ تمَّ تدريبهن على الابتعاد عن المهن
والوظائف التي احتفظ بها الرجال، بدلًا من تدريبهن عليها
٨١ فإنَّه يستشهد بإنجازات مدام دي ستايل
٨٢ وجورج صاند
٨٣ في ميدان الأدب. ثمَّ يطبِّق حجته بقوةٍ أكثر على قضايا السياسة التي أثبتَت
فيها المرأة كفاءتها على أعلى مستوى في السلطة التنفيذية
٨٤ وها هنا لا يحصر المرء نفسه في النظر فيما تستطيع المرأة أن تنجزه إذا ما
تلقَّت تعليمًا مناسبًا؛ فما أنجزته النساء بالفعل في ميدان السياسة هو في حد ذاته دليلٌ
دامغ على ما يستطعن إنجازه. ويُشير «مِل» إلى أنَّه في قمة المستوى السياسي الذي هو
المجال الوحيد الذي سمح لهن عمليًّا بالعمل فيه «فكلما وُضعَت قدرات النساء في الحكم
موضع
الاختبار أثبتن جدارة وكفاءة …»
٨٥ وهو يستشهد بنماذج مثل «ديبوره»
٨٦ وجان دارك
٨٧ وإليزابث، ومارجريت النمساوية،
٨٨ وهو يذهب إلى أنَّ هؤلاء النساء وغيرهن اللائي اختُبرن كحاكماتٍ أو قائداتٍ
تجعل من السخف النظر إلى جنسهن على أنَّه غير صالح للمشاركة في جميع مستويات الحياة
السياسية الأخرى؛ فقدرتهن في هذا الميدان قد تمَّت البرهنة عليها بالفعل بوصفهن
متساوياتٍ على الأقل مع الرجال.
٨٩
ويُؤكِّد مِل أنَّ هناك عددًا قليلًا من جميع مجالات النشاط البشري، تلك التي أُعطيَت
فيها للنساء فرصٌ ضئيلة لإثبات أنفسهن، ولم يصل بعض النساء على الأقل فيها إلى إنجاز
مستوًى عالٍ جدًّا. والواقعة أنَّهن لم يصلن حتَّى الآن لإنجاز أعمال من الدرجة الأولى،
أعمال على مستوى العبقرية والأصالة، يُمكن تفسيره بوجود نقص في التعليم الشامل الدقيق
فيما يقول مِل الذي هو الشرط السابق للوصول إلى نتائج أصيلة إذا ما توافرت جميع المبادئ
الأولى في مجالٍ معين إنَّنا نتوقَّع من النساء، عادة، تلبيةً دائمة لحاجات الرجال
والأطفال؛ ولهذا فإنَّه نادرًا ما تكون لديهن فتراتٌ متواصلة للتركيز نظرًا لظروف نشأتهن
من حيث إنَّهن جئن بعد الرجال، مثل الرومان الذين جاءوا بعد اليونان؛ فهُنَّ تاليات
للرجال من الناحية الزمنية في جميع مجالات الفن والدراسة؛ لهذا السبب فإنَّ «مِل» يرى
أنَّ ما أنجزَتْه النساء هو برهانٌ حاسم على ما يستطعن إنجازه. لكنَّه رفض أن يعامل ما
لم
ينجزنه حتَّى الآن على أنَّه برهانٌ على شيء على الإطلاق.
لم يذهب «مِل» إلى أنَّه أغلق قضية مساواة النساء بأن يُبيِّن لمعاصريه أنَّ أُسس
تفرقتهم ضد النساء لا يُمكن البرهنة عليها علميًّا. وهي في حالاتٍ كثيرة تتناقض مع وقائع
التاريخ؛ لأنَّ الناس قد أظهروا بصفةٍ عامة — كما يشير في الفصل الأخير من كتابه «مذهب
المنفعة العامة» — عدم رغبتهم في الموافقة على الظلم في أي تفرقةٍ اجتماعية، وإلى أن
يقتنعوا أنَّه أيضًا غير مفيد. وهكذا فإنَّ مِل شعر أنَّه مضطرٌّ إلى أن يقول ليس فقط
إنَّ
معاملة النساء بطريقةٍ مُتحيِّزة ليس لها أساسٌ عقلي في طبيعة الجنسَين. وإنَّما هي ضارة
أيضًا من الناحية الاجتماعية، وإنَّ معاملة النساء كأندادٍ سوف تكون مفيدة لسعادة الجميع
وتقدُّمهم؛ ومن ثمَّ ترتبط العدالة — مثل المساواة في حُجج مِل المؤيدة لقضية المرأة
—
بموضوعٍ دائم هو إصلاح الجنس البشري.
ويذهب «مِل» في كتابه «استعباد النساء» إلى أنَّ المعاملة الظالمة للنساء، لها نتائج
ضارة منها محاولتهن اكتساب نفوذ بطرقٍ مدمرة، ثمَّ استخدامها لأغراضٍ أنانية على نحو
ما
يحدث في حالاتٍ أخرى يتم فيها إنكار وصولهن المشروع إلى السلطة
٩٠ وهو يذهب إلى أنَّ النساء تُضطر في ظروفٍ معينة داخل الأسرة إلى الالتجاء إلى
المكر والدهاء، وإلى الأساليب الخدَّاعة لتحقيق رغباتهن عندما يختلفن مع أزواجهن، وليس
ثمَّة دافع لمناقشة هذه الأمور بعقلانية وبصراحة، ما دام الأزواج يتخذون وضعًا
مشروعًا بوصفهم صُنَّاع القرار في الأسرة. ويُؤكِّد مِل فيما يتعلَّق بالتأثير السياسي
للنساء أنَّ النفوذ غير المباشر الذي يمارسنه من خلال أزواجهن أصحاب الحقوق السياسية،
المفروض أنَّه لا يهم أي شخصٍ خارج الأسرة مباشرة؛ ومن ثمَّ فهو على خلاف روسو يُدرك
أنَّ العالم الخارجي لا أمل له في أن يكسب الأسرة في صراع الولاءات التي تواجه النساء
اللائي ليس لهن حقوقٌ سياسية؛ «لأنَّ وضعهن الاجتماعي لا يسمح أن يكون لهن أيَّة مشاعر
خارج الأسرة فيما عدا الميول أو عدم الميول الشخصية، ويفترض أنَّه سوف تُسيطر هذه
الميول تمامًا على أحكامهن ومشاعرهن في المسائل السياسية.»
٩١ لكن لو كانت لهن حقوقٌ سياسية؛ وبالتالي كانت لهن وسائل مشروعة في التأثير
في المسار السياسي، لكُنَّ قد أصبحن مع مرور الزمن — فيما يرى مِل — قادرات على استعمال
هذه الوسائل بطريقةٍ مسئولة وبروحٍ إنسانية أكثر «فعن طريق أن نخلق في أذهانهن الاهتمام
بالمصلحة المشتركة للجميع، مصلحة بلادهن، وإصلاح البشر، والاتجاه نحو النظر إلى جميع
المشكلات على أنَّها مشكلاتٌ شخصية سيكون اتجاهًا صحيحًا.»
٩٢
ولمَّا كان «مِل» مقتنعًا بانطباعات «دي توكفيل» عن النتائج التربوية للمشاركة
السياسية — فإنَّه كان على يقين أنَّ النساء اللائي يُمارسن حقوقهن السياسية، سوف
يتلقَّين ما يُثير ملَكاتهن وقدراتهن. و«سوف يوسِّع ذلك ويُحرِّر الأثر على مشاعرهن
وعواطفهن التي نادرًا ما يفشل حق الاقتراع في إحداثه في أولئك الذين يخضعون له.»
٩٣ وعلى ذلك فعندما يمنح المجتمع النساء حق التصويت فإنَّه يربح ربحًا
مزدوجًا؛ فإنَّه يُقلِّل من المؤثِّرات الأنانية الضيِّقة التي تُمارسها بالفعل الكثيرات
منهن من خلال أزواجهن. كما أنَّه سوف يزيد من الغيرية والمسئولية لدى هيئة الناخبين
ككل.
ويذهب مِل أيضًا إلى أنَّ إلغاء عدم المساواة القانونية بين الزوج والزوجة سوف تكون
له
نتائجُ لا تقدَّر على قيمة الأسرة كمؤسسةٍ تربوية. ما دام يعتقد أنَّ: «المجتمع في حالة
المساواة يكون في وضعه الطبيعي» وفضلًا عن ذلك «المدرسة الوحيدة للمشاعر الأخلاقية
الأصيلة هي مجتمعٌ مُؤلَّف من أنداد»
٩٤ وهو يرى أنَّ الادعاء اليومي للرجال بتفوُّقهم على النساء يحط باستمرار من
قيمة زوجاتهم، وزوجات الآخرين أيضًا، وله نتائج بالغة الضرر على الأطفال فلا يُمكن أن
يكون هناك شيء يقترب من أعلى صحبةٍ بشرية ممكنة بين موجودَين بشريَّين أحدهما مقتنع
قبليًّا، بقدراته وقيمته العظيمة وأن تكون له السيادة على الدوام على الطرف الآخر.
ويتساءل «مِل» كيف نأمل في تقدُّم أخلاقي للمجتمع ما دام جو المنزل الذي يتلقَّى فيه
جميع أعضائه التربية الأخلاقية المُبكِّرة يقوم على أساسٍ غير عادل في توزيع الحقوق
والسلطات …؟ فقط عندما يعترف القانون والمجتمع بأنَّ الزواج مشاركةٌ تعاونية بين أنداد،
ربما أصبحَت الأسرة على الأقل بالنسبة للأطفال «مدرسة تعاطف وجداني ومساواة وعيش مشترك
في حب، دون أن تكون هناك سلطةٌ في جانب وطاعةٌ في جانبٍ آخر» «عندئذٍ فقط يُمكن إعداد
الأطفال لما يُسمِّيه «الفضيلة الحقيقية بين الموجودات» أعني «ليكون صالحًا للعيش معًا
كأنداد».»
٩٥
وعلى الرغم من هذا الإصرار والتمسُّك بالمساواة داخل الأسرة، فإنَّ دفاع «مِل» لم
يفِ
بالحاجة في مناصرته لقضية المرأة، والدفاع عن المساواة الحقيقية وحرية النساء المتزوجات
بسبب افتراضاته وقناعاته عن دور الأسرة التقليدي؛ فقد كانت كتابات مِل المناصرة للمرأة
لا تهتم — ضمنًا — إلَّا ببناء الطبقتَين الوسطى والراقية في المجتمع، وهي الأسرة
البرجوازية، وهي الأسرة النموذجية عنده
٩٦ وعلى الرغم من أنَّه رفض مشروعية التفاوت في صورته الجزئية، فقد نظر إلى
الأسرة ذاتها على أنَّها «أساسية بالنسبة للإنسانية»
٩٧ واهتم بأن يُعيد التأكيد لقُرَّائه، بأنَّه ليس ثمَّة شيء تخشاه حياة الأسرة
من المساواة السياسية والمدنية الكاملة بين الجنسَين، بل إنَّها على العكس سوف تجني
أرباحًا وفيرة «فالأسرة إذا ما تكوَّنت تكوينًا حقيقيًّا فلا بُدَّ أن تكون المدرسة
الحقيقية لفضيلة الحرية.»
٩٨
وفضلًا عن ذلك فإنَّ «مِل» يُوافق على القسمة التقليدية للعمل داخل الأسرة؛ ففي حين
أنَّه يُؤكِّد أنَّ النساء ينبغي أن يكون لهن اختيارٌ حقيقي في الاتجاه نحو العمل أو
نحو
الزواج، فإنَّه يذهب إلى أنَّ الغالبية العظمى من النساء من المحتمل أن يُواصلن تفضيل
الزواج، وأنَّ هذا الاختيار مرادف لاختيار العمل، وهو يُقرِّر:
«وعندئذ سيكون من المفهوم — بصفةٍ عامة — أنَّ المرأة عندما تتزوَّج مثل الرجل عندما
يختار مهمة. إنَّما تختار إدارة منزل، وتكوين أسرة باعتبارها المهمة الأولى التي تكرِّس
لها جهودها إبَّان عددٍ من سنوات حياتها حسب ما يتطلَّبه تحقيق هذا الغرض — وهي لا تتخلَّى
عن جميع الموضوعات والوظائف الأخرى، بل تلك التي لا تتفق مع متطلبات هذه المهمة.»
٩٩
ويُؤكِّد «مِل» اتساقًا مع هذه الطريقة في التفكير «أنَّ هناك علاقةً وثيقة بشكل
لا
متناهٍ بين الطفل وأمه أكثر من أبيه.»
١٠٠ وأنَّه «لا شيء يُمكن أن يحل محل الأم في تربية الأطفال.»
١٠١ ولم يتوقَّف ليُفكِّر في صفات الأمومة، وهي صفات ربما كانت مثل كثيرٍ من
الفروق الموجودة بين الجنسَين تُرد على الأقل جزئيًّا إلى عوامل البيئة. وربما كانت ترجع
— بصفةٍ خاصة — إلى أساليب وعادات التنشئة الاجتماعية. ومرةً أخرى على الرغم من رفضه
بصفة
عامة، لضغوط الرأي العام، فقد قَبِلَ قسمة الواجبات بين الجنسَين داخل الأسرة «إذ يبدو
لي أنَّ التنظيم الشائع بالتراضي وليس بالقانون الذي يجعل من مهمة الرجل الحصول على
الدخل ومن مهمة الزوجة الإشراف على شئون المنزل هو أفضل تقسيم للعمل بين الزوجين.» وهو
يُدافع عن «أفضل تقسيم للعمل بين الجنسَين».
١٠٢
وفي مقال مُبكِّر ﻟ «مِل» عن «الزواج والطلاق» فإنَّنا نرى هذا الوضع يُطرح بطريقة
دجماطيقية، وبمنظور لا يستطيع أن يستخدمه باتساق في كتابه «استعباد النساء»؛ فهذا مجال
يبدو فيه بوضوح أنَّ الطريقة التي استخدمها في طرح أفكاره (رغم أنَّها لا تمس جوهرها)
قد عدَّلَتها أفكار هاريت تايلور التي كانت متباعدة؛ ففي عام ١٨٣٢م، وهو العام الذي قرَّر
فيه «أنَّه لا يُوجد تفاوت طبيعي بين الجنسين» نراه يستمر ليقول إنَّه في منزل لا يوجد
فيه خدم فسوف يكون من الطبيعي، ومن الحسن … أن تقوم ربة الأسرة بنفسها بدور الخدم»
و«الأم هي المعلم الطبيعي». وينتهي — دون الالتفاف إلى ما يفضِّلانه — إلى أنَّ «العمل
العظيم للنساء ينبغي أن يكون تجميل الحياة … وأن تُضفي الجمال والأناقة والنعمة في كل
مكان» طالما أنَّ النساء بالطبيعة مزوَّدات بأناقةٍ وذوقٍ أعظم.
١٠٣
لم يكن في استطاعة «مِل» في الفترة التي كتب فيها «استعباد النساء»، أن يُؤكِّد أنَّ
الدور المنزلي للمرأة هو دورٌ طبيعي، ما دام يدرك بوضوح في هذا الكتاب ضرورة توحيد
ما هو طبيعي بالعرف والالتجاء عندئذٍ إلى «طبيعة» النساء، وذلك لتبرير وظائفهن المألوفة.
وعلى الرغم من التغيُّر في المصطلح «فما هو مناسب أكثر» و«العرف المرغوب فيه» يحل محل
الالتجاء إلى الطبيعة، فقد ظلَّ جوهر أفكار مِل كما هو لم يتغيَّر. في تلك الأيام كانت
أساليب منع الحمل، ونسبة الوفَيات العالية من الأطفال؛ وأشغال البيت المُرهِقة قائمة،
فلا
بُدَّ أن يكون أمرًا شاقًّا بالنسبة لمِل أكثر منَّا أن يتصوَّر المشاركة في رعاية الطفل
وتربيته بالإضافة إلى الواجبات المنزلية. ومِمَّا يُثير الدهشة أنَّ «مِل» لم يختر أن
يُناقش الأسرة والطريقة التي تطوَّرت بها. على أي نحو، أو أن يدرس العلاقة بين مؤسسة
الأسرة البرجوازية نفسها، والوضع المعاصر للنساء في المجتمع؛ إذ من الواضح أنَّه لم يكن
إملاءً من الطبيعة ذلك الذي أدَّى إلى تشكيل تدبيرٍ للمنزل خاص مع «عمل المرأة فيه»،
وعالم الصناعة والمهن، و«عمل الرجل» خارج المنزل، والفصل التام بين هذَين المجالَين؛
إنَّ
زعم مِل بثبات بنية الأسرة الموجودة وفشله في مناقشة انعكاساتها على حياة المرأة،
يُشكِّل هوَّة في فكره المُناصِر للمرأة، وهو ما حاول تيار الحركة المُؤيِّدة للنساء
علاجه.
فقبول «مِل» للدور التقليدي للجنسَين داخل الأسرة يضع حدودًا جادة على المدى الذي
يستطيع فيه تطبيق مبادئ الحرية والمساواة على النساء المتزوجات.
-
أولًا: على الرغم من أنَّه يسير في نقاشه لصالح
المساواة في حقوق المِلكية للنساء المتزوجات، فإنَّها حقوقها في أن تمتلك ما ورثَتْه
أو ما
تكسبه المرأة ذاتها، لكنَّها ليست حقوقًا في حصصٍ متساويةٍ من دخل الأسرة. يقول مِل:
«القاعدة بسيطة وهي: كل ما كان مِلكًا للمرأة أو للرجل إذا كانا غير متزوجَين يجب أن
يكون
تحت سيطرة كل واحدٍ منهما أثناء الزواج.»١٠٤ ومن الواضح إذن أنَّ الدخل الذي يكسبه الذكَر سيكون مِلكَه بعد الزواج على
نحو ما كان قبل الزواج. ولم يدرك مِل الخروج على المألوف. وهو أنَّ عمل المرأة في المنزل
هو عملٌ غير مدفوع الأجر … وأنَّنا سوف نجد في «منح الحقوق السياسية للنساء» وحده
تأكيدًا أنَّه ليس فقط أمرًا ضروريًّا للنساء المتزوجات ليَكُنَّ قادراتٍ على كسب قوتهن،
بل إنَّ وضعهن داخل الأسرة سوف يتحسَّن بشكلٍ ظاهر «إذا ما تمكَّنت النساء من كسب،
وامتلاك، في آنٍ معًا، جزء من دخل الأسرة.»١٠٥ وعلى الرغم من أنَّ مِل يُوافق في كتابه «استعباد النساء» على أنَّه لا
بُدَّ أن تكون النساء المتزوجات قادراتٍ على أن يدعمن أنفسهن، فإنَّه يرفض صراحة أنَّه
ينبغي عليهن أن يفعلن ذلك فعلًا، على اعتبار أنَّ ذلك قد يُؤدِّي إلى إهمال رعاية
الأسرة والأطفال. مِمَّا يجعلنا نقول إنَّه من المحتمل جدًّا أنَّ الفكرة التي ظهرَت
في
الأعمال المبكِّرة كانت فكرة «هاريت تايلور». وهذا مثالٌ على مدى توافُق فكرها مع مناصرة
حقوق المرأة في يومنا الحاضر أكثر من مِل؛ فقد أدركَت — وهذا ما لم يفعله مِل — أهمية
الاستقلال الاقتصادي المستمر للنساء، سواء داخل علاقة الزواج أو في حالة تفكُّكه.
-
ثانيًا: دفاع مِل عن الأدوار التقليدية للجنسَين داخل
الأسرة يُعادل إنكار حرية الفرصة، والتعبير الفردي عن المواهب للغالبية العظمى من
النساء اللائي افترض أن يكون لهن باستمرار حق اختيار الزواج. رغم أنَّه كان واعيًا
تمامًا أنَّ رعاية الأسرة واجبٌ لا ينقطع يستشهد به على أنَّه السبب الرئيسي للنقص
النسبي عند النساء في إنجاز أعمالٍ فنية، والواقع أنَّه يتسامح مع هذا الحاجز المستمر
لمعظم النساء.١٠٦ ورفضه للإذعان بأنَّ التفصيلات المرهِقة في الحياة المنزلية ينبغي أن تكون
مشاركةً بين الجنسَين، وفشله في مساءلة المؤسسات الاجتماعية التي جعلَت مثل هذه المشاركة
بصفةٍ خاصة مستحيلة، مدهشٌ في ضوء واقعة أنَّه أدرك أنَّ الوسائل الرئيسية التي تصل بها
النساء إلى حد الاعتراف بهنَّ كأنداد، إنَّما يكون عن طريق النجاح في مجالاتٍ كانت في
السابق حكرًا على الرجال، ولقد كتب إلى «هاريت تايلور» يقول: «إنَّ الطريق الوحيد
لتبديد معظم معتقدات الناس المُبتسَرة المُتحيِّزة حول دونية النساء — إنما يكون بأن
نُبيِّن لهم ببراهين أكثر وأعظم وبالأمثلة على ما تستطيع المرأة أن تفعله.»١٠٧ وإذا كانت الغالبية العظمى من النساء ستظل ممنوعات، عمليًّا، إن لم يكن
قانونيًّا، من مثل هذه الإنجازات، فكيف يُمكن أن تتوقَّع أن تتغيَّر هذه الأحكام
المبتسَرة المتأصلة في نفوس الناس؟
ومن هنا مرةً أخرى يكون مقال «الحقوق السياسية للنساء» وثيقة أكثر راديكالية من الكتاب
الذي كُتب بعد وفاة «هاريت تايلور». هذه المقالة التي كُتبَت بالاشتراك تُعبِّر عن رأيه
بصراحة أكثر مِمَّا كان يكتبه بمفرده، يُدافع فيها عن حاجة النساء المتزوجات في أن يكون
لهن حياةٌ وعملٌ خاص بهن، وأن يَكُنَّ «مجرد تابعات للرجل» يتعلَّقن به بغرض تربية أطفاله،
وجعل منزله مريحًا بالنسبة له.
١٠٨ وربما كانت هذه جوانبَ من فكر زوجته، وهو فكرٌ لم يشعر مِل أنَّه مُريحٌ على
الدوام.
لقد حاول جون ستيوارت مِل أن يُطبِّق، بحماسٍ مبادئ الليبرالية على النساء، وأراد
—
بصفةٍ خاصة — أن يتجنَّب البطرياركية داخل الأسرة، وكذلك التبعية السياسية والقانونية
للنساء، وتلك كانت مفارقةً تاريخية في العصر الحديث، وانتهاكًا صارخًا للحرية والعدالة،
لكن على الرغم من أنَّ نظرته كانت نظرةً مستقبليةً تطلُّعية لتأييد النساء من جوانبَ
كثيرة
فإنَّه لم يُدرك على الإطلاق الظلم المتضمَّن في مؤسساتٍ وممارساتٍ سمحت للرجل أن يكون
له
استقلال اقتصادي ووظيفي وحياة منزلية وأطفال، لكنَّها أرغمَت المرأة على أن تختار بين
الاثنَين، ورفضه لمناقشة الأسرة التقليدية وما تتطلَّبه من النساء يضع حدًّا ﻟ «ليبراليته
في الدفاع عن قضية المرأة».