الفصل الخامس

قواعد الفن الآن

من المعتقدات التقليدية الأساسية بعالم الفن، وما يتردد في كل مكان تقريبًا، أن الفن المعاصر معقد ومتنوع على نحو يتعذر فهمه. إن تنوع الأنماط والأساليب والموضوعات المعاصرة في الفن محير بالطبع؛ فالوسائط التقليدية للرسم والنحت والطباعة زاد عليها فن التجهيز في الفراغ و«الوسائط الجديدة»، التي يمكن أن تشتمل على أي شيء بدءًا من فن الإنترنت إلى البيئات الصوتية حاسوبية التحكم. يرسِّخ الفنانون لأنفسهم صورًا تبدأ من المعلم الروحي أو الديني التقليدي إلى الشخص الانتهازي الوصولي ذي النوايا غير الصادقة، وشخصيات تتضمن الفتيات المراهقات المهووسات بالشهرة أو الأفراد المضطربين المتعالين. إن اهتمامات الفن متنوعة أيضًا، فتتطرق إلى الحركة النسائية وسياسات الهوية، والثقافة الجماهيرية، والتسوق، والصدمة. لعل الشرط الجوهري للفن هو أن يكون لا سبيل إلى معرفته (يمكن أن تنطوي تلك المفاهيم المتجسدة في صورة مرئية على تناقض)، أو لعل هؤلاء الذين يعتقدون في هذا الرأي يساهمون في إخفاء تماثل مختلف.

ثمة أسباب عديدة تدعو للارتياب في أن الآراء التقليدية تخفي شيئًا ما؛ أولًا: معظم الأعمال الفنية تُعرف على الفور لكلٍّ من المبتدئين والمطلعين على حد سواء، وليس فقط لأنها معروضة في المعرض. ثانيًا: إن العشوائية التامة هي شكل من أشكال التماثل التام؛ فكل عنصر من المجموعة المتنوعة للفن يمتزج مع غيره في عملية تقود إلى تجانس أوسع. ثالثًا: (وهي في تضارب مع الفكرة الثانية)، كما رأينا، فإن الإباحية بعيدة تمامًا عن المجموع، وقدر كبير من الإنتاج الثقافي يُستثنى على نحو صارم من عالم الفن المعاصر. أخيرًا: ثمة أعمال حالية (على غرار الإعلان) تستخدم رموزًا مرئية بطريقة تقليدية إلى حد بعيد؛ لذا لعل قابلية الفن على التعريف آخذة في الازدياد، جنبًا إلى جنب مع التصريحات التي تتباهى بغير قابليته جوهريًّا للتعريف.

بالطبع لا يمكن أن يكون هناك ادعاء بالموضوعية العلمية في أية رؤية من الرؤى الفنية، فلا يمكن أن يكون تحليل ما موضوعيًّا على غرار دراسة لخنفساء مثلًا؛ نظرًا لأن أية رؤية لها تأثير على المشهد عينه الذي تفحصه. ساهم التأثير الساحق لرؤية جرينبرج عن تطور الفن الحديث بوصفه تقدُّمًا هيجليًّا نحو التجريد الرسمي في تحفيز الفن الشعبي الذي يمثل تفنيدها الصريح.

منذ ظهور الفن الطليعي، لم يبدُ سوى الفن الذي يُنظر إليه من بُعد تاريخي أنه يتسم بالتوجه والترابط، فيما يبدو الحاضر دومًا غامضًا ومشوشًا. إن فقدان التوجيه في الحاضر الذي يبدو أننا نشعر به حين نتأمل الماضي شعور راسخ منذ زمن بعيد. في واقع الأمر، إن هؤلاء الكتاب الذين تبينوا دون غموض، وبقطع النظر عن الظرف، حافزًا في الحاضر (على غرار جرينبرج) كانوا الاستثناء. لعل النمط التاريخي في النظر إلى الفن يبسط ما نراه، فيختزله فيما له أهمية للحاضر، لكن لعله ببساطة هذا هو الواجب الضروري للأعمال الفكرية التي لا بد فيها أن تكون الظواهر المتنوعة منظمة، وموضوعة في تراتبات هرمية حسب الأهمية، والكثير يطويه النسيان أو التجاهل، بغية تحقيق منظور هادف حول مشهد ما. تتجلى هذه الأعمال في فترتنا الراهنة، فالفن الذي اعتبر في السابق أنه يقع على الأطراف الهامشية انتقل إلى مركز انتباه الساحة الفنية.

أحيانًا ما يُنظر إلى الفن في التسعينيات على أنه توليف بين فن الثمانينيات المتسم بالعظمة والإدهاش وبعض من اهتمامات الفن المفاهيمي. وتمثَّلت النتيجة في ربط اللهو اللغوي والمفاهيمي مع الأشياء المبهرة من الناحية المرئية. ملأ توبياس ريبيرجر في «تخوم العالم السبع»، على سبيل المثال، غرفة بمجموعات من البالونات الزجاجية تتوهج بأضواء مختلفة الألوان في مشهد جميل يتغير ببطء، تعد الأضواء داخل البالونات تمثيلًا لأحوال الإضاءة المحلية في أماكن مختلفة حول العالم، المنقولة عبر الإنترنت.

fig21
شكل ٥-١: توبياس ريبيرجر، «تخوم العالم السبع».1

إن هذا العمل الفني من الناحية التقنية هو عمل بارع ومدهش وجذاب، وكذلك تجسيد لفكرة.

ربما أن هذا التوليف هو نتيجة لجدل سلبي، والذي لم يفرض على الفن إدراكًا بل تحجيمًا للنقد الراديكالي للفن المفاهيمي، في مصالحة زائفة مع أكثر ما يمقته. هذا بالتأكيد مغزى عمل تجهيزي لفنانين مفاهيميين متمرسين من جماعة «الفن واللغة» بمعرض ليسون عام ٢٠٠٢. وهناك أعادوا صنع عملهم الشهير «الفهرس» — وهو في الأصل قطعة فنية تهدف إلى تشجيع التفاعل والحوار — كتمثال بلا جدوى ملون بألوان قطع الحلوى، يجاور نصًّا إباحيًّا بلا معنى، وهو إشارة إلى السلوكيات الغريبة لشباب الفنانين البريطانيين.

يتألَّف نطاق فني من العناصر المتفاوتة لهذا التوليف، أحد طرفي هذا النطاق — الطرف الأكثر تقليدية والأكثر عرضة للارتباط بالأفكار الرجعية الخاصة بعبقرية الرجال — يمزج أكثر العناصر وضوحًا بإطار عمل مفاهيمي مع كميات كبيرة من العاطفة أو الروحانية أو النزعة الإنسانية ليضمن إنتاج أعمال ملحمية. ربما يتبادر إلى أذهاننا هنا بيل فيولا، أو أنيش كابور، أو أنتوني جورملي، و(مؤخرًا) ماثيو بارني. وعند الطرف الآخر — وهذا الآن ممارسة عامة أكثر كما شاهدنا — تدفع المفاهيم إنتاج أشياء مادية أو وسائطية منتقاة لتلائمها. يقاوم كلا الطرفين تغلغل وسائل الإعلام؛ فالطرف الأول يقدم للمشاهد مشهدًا مهيبًا أو جليلًا يصور الكميات الهائلة للمادة أو (لاحقًا) البيانات، وفي الأداء، يشكل جسد الفنان — وأحيانًا دماؤه — تأكيدًا لحضور حيوي وفريد، كمقابل لكل ما يُنسخ ويُنقل. وعند الطرف الآخر، توضع العناصر العادية من البيئة أو الوسائط في تلاعب غير عملي، يمكننا تبين هذا بوضوح في أعمال تأخذ مشهدًا من وسائل الإعلام وتحذف المشهد ببساطة، مثال واضح على هذا التغيير الرقمي لبول فايفر في فيلم عن مباراة الملاكمة بين محمد علي وجورج فورمان، «هدير في الأدغال»، ليحذف فيه الملاكمين. لقد كان بالطبع هذا العبث بالصور والمواد والوسائل المستعارة سمةً مميزةً للفن منذ انتهاء الحرب الباردة، والتي وهنت مع فن العباقرة العميق والجاد حتى بدا ممارسوه — وهم قلة الآن — كناجين غرباء من عصر سابق، فيما لا يسع المتمسكون بالفن التقليدي سوى العويل بسبب هيمنة «الفن المفاهيمي» و«فن التجهيز في الفراغ».

fig22
شكل ٥-٢: بول فايفر، «العد الطويل (هدير في الأدغال)».2

إن ما يميز هذا الإنتاج الجديد دون غيره هو تحريك الرموز والأشياء الجاهزة (أو على الأقل الأشياء التي تُميز بسهولة) من مكان إلى آخر، وتجميعها في تشكيلات جديدة. فكر في تناول الفنانين لذلك الشيء الذي يحظى بأكبر تقدير بين الأشياء الاستهلاكية، ألا وهو السيارة: في عمل أوروزكو الشهير «لا دي إس» (١٩٩٣)، تُقسم سيارة سيتروين دي إس طوليًّا، ويُؤخذ جزء من منتصفها، ثم يُلصق النصفان معًا مرة أخرى ليخرج موديل أنحف، أو عمل جابينيته أوردو أموريس عن سيارة أجرة من طراز لادا المطول (ثلاثة أجزاء جمعت معًا) ليصنع سيارة أجرة ليموزين كوبية، منتقدًا على نحو جميل غرائب ظهور طبقة الأثرياء الجديدة على الجزيرة الكوبية؛ أو عمل داميان أورتيجا الذي يظهر سيارة فولكس فاجن منفجرة، وتتدلى مكوناتها الداخلية كمخطط ثلاثي الأبعاد لقطع الغيار المجمعة معلقة بأسلاك (ثمة الكثير من الأمثلة الأخرى، من ريبيرجر، وفلوري، وتشارلز راي، وغيرهم). إن هذه العناصر القابلة للتحريك ربما تكون صفات وأشياء أيضًا، كما في عمل باولا بيفي لطائرة نفاثة مقاتلة مقلوبة، وأوروزكو «طاولة بلياردو بيضاوية» (١٩٩٦)، أو عمل موريزيو كاتيلان «الاستاد» (١٩٩١)، وهو عبارة عن طاولة ممتدة للعبة كرة القدم يمكن أن تستوعب اثنين وعشرين لاعبًا في وقت واحد.

fig23
شكل ٥-٣: صورة جابرييل أوروزكو، «لا دي إس».3
fig24
شكل ٥-٤: باولا بيفي، «بلا عنوان (طائرة)».4

أنتجت مجموعة واسعة من الأعمال الفنية التي تشمل مثل هذه التركيبات البسيطة من العناصر. إن استقصاء عدد كبير من هذه الأعمال يعني حصولنا على انطباع (مخادع) عن وجود آلة في الساحة الفنية تأخذ عناصر من أماكنها الوظيفية في العالم وتعيد تدويرها وتجميعها، بحيث يُدرك — بوجه عام — أي تجميع لرموز وأشياء في نهاية المطاف. يعد الإبدال تقنيةً رئيسيةً في الإعلان، على غرار الفن، والذي يتحتم أن يسبب صدمة أو يقدم تسلية أو على الأقل يثير اهتمام المشاهد، والاستخدام وتعيين المكان هما العنصران الرئيسيان اللذان يفصلان الفن عن الإعلان، وبخلاف ذلك يظلان متقاربين ويسرقان بصورة متكررة أحدهما من الآخر.

fig25
شكل ٥-٥: زبجنيف ليبيرا، «معسكر الاعتقال بمكعبات الليجو».5

ثمة سبب هيكلي لهذا الاستكشاف المنهجي لمثل هذه التركيبات يتمثل في تنافس الفنانين على العثور على مكان مميز داخل عالم الفنون. فعلى حد تعبير هاورد سينجرمان: «إن مهمة طالب «الفنون»، على غرار تلك الخاصة بأعماله، أن يجد — ويميز — مكانه.» ومع امتلاء المزيد والمزيد من الأماكن، يبدو كما لو أنه ليس هناك إثم في أي جمع بين العناصر. هناك حالة متطرفة وهي عمل زبجنيف ليبيرا «ليجو» (١٩٩٦)، وهو عبارة عن سلسلة من معسكرات الاعتقال بنيت بمكعبات الأطفال، وعرضت جنبًا إلى جنب مع أعمال استفزازية مشابهة عن الهولوكوست بالمتحف اليهودي في نيويورك في معرض بعنوان «انعكاس الشر» عام ٢٠٠٢.

لدى تأمل هذه الأعمال الفنية من منظور المشروعات الفردية لكل فنان نجد أنها متنوعة ومتميزة وذاتية، وكل منها يحمل معنى خاصًّا. ولدى تأملها من وجهة نظر العالم الفني بوصفها نظامًا، تبدو كأنها أجزاء لآلة تماثلية، تنتج نطاقًا ضخمًا من التركيبات الجديدة يجري اختبارها أمام جماهير مختلفة لمغزى تسويقي.

مخافة أن يعتقد القارئ أن رأي هيوم — بأن خيال البشر أجمع لا يعدو كونه دمجًا لعناصر موجودة — ينطبق هنا، يجدر ذكر أن هذه التركيبات قد أضحت أبسط مقارنة بالممارسات الحداثية وحتى بعد الحداثية، وعناصرها موجودة بوضوح أكثر، وإعادة دمجها أضحت أكثر عشوائية، والمغزى الذي تولده أضحى سريع الزوال ومقتضبًا أكثر. لعل هناك ارتباطًا بين التلاعب السريع بالصور وتطور التجارة الحرة، وتدمير الحواجز، والذكرى التاريخية، والهويات لصالح قابلية الأشياء والرموز والأجساد للاستبدال والتحريك.

إن هذا الارتباط برأس المال غالبًا ما يُنكر لصالح فهم آخر أكثر توافقًا، في حين أن المؤرخين الفنيين رأوا أن التناقض أو التنافر الأسلوبي في الماضي هو تعبير لاشعوري عن التناقضات الاجتماعية (الاقتباس الكلاسيكي هنا هو تحليل ماير شابيرو عن المنحوتات في سوياك)، يُستخدَم الآن أداء متعمد تمامًا لهذه المتناقضات للتأكيد على الوعي بانحطاط الثقافة المعاصرة. بطبيعة الحال، إن هذا الوعي ذاته وتمثيله في الأعمال الفنية يسمح للمشاهدين بالاستمتاع بمشهد الانحطاط، ويضمن لهم أن مجرد الوعي به كافٍ ليحملهم إلى مستوى أسمى.

ينعكس هذا التماثل في صنع الأعمال الفنية على رؤى نقدية شهيرة عن الفن المعاصر في منتصف التسعينيات، وهو ما ينبغي ألا يدعو للدهشة، لأن إنتاج الأعمال الفنية والكتابات التي تدعمه غير منفصلين. مع ذلك، ثمة تباين صارخ بين الكثير من الكتابات الأكاديمية الخاصة بالفن والنقد الفني؛ فقد نزعت الكتابة الأكاديمية إلى التعلق بالهيمنة المستمرة للتفكيكية، والنماذج الفرويدية واللاكانية العتيقة (وهي غير موثوق بها على نطاق واسع في المجالات الأخرى)، والرؤى القائمة على الهوية. من جانب، تعد الكتابات الأكاديمية التي تتكون من قراءات متعمدة على ما يبدو، وتذخر بالاتحادات الشعرية والقفزات الاعتباطية، انعكاسًا للحرية التي توجد على نحو مثالي في الفن نفسه. إن أداء الكاتب عمل إبداعي شأنه شأن أداء الفنان، وقدر كبير من الكتابة الفنية الأكاديمية أيضًا يظهر تماثلًا خفيًّا أفرزته الضغوطات المؤسسية، يكمن أسفل أسطحها المتنوعة في الظاهر. تتمثل الميزة الخاصة في الكتابات التفكيكية والنفسية التحليلية المهيمنة في أنها يمكن أن تطبق عشوائيًّا على أقل الأعمال من حيث الملائمة ومع ذلك يمكن توقع الخروج بنتائج «خطيرة»؛ فما إن يُتقَن المنهج، فإن أية مادة يمكن إدخالها في الآلة. اكتُشفت مؤخرًا فراغات صادمة حتى في الأسطح الملساء المصقولة بأعمال سام تايلور وود، وهكذا تُلبَّى حصص النشر التي تطلبها المؤسسات من الأكاديميين الذين أمامهم وقت بحثي محدود.

إن هؤلاء الكتاب ممن يساهمون إلى حد بعيد في العالم الفني، ولديهم جمهور عريض من القراء، لهم اهتمامات مختلفة تمامًا. في النقد الفني إبان التسعينيات كان هناك إحياء في الكتابة عن موضوع كان مهملًا في السابق وهو الجمال، والذي عكس ظهور الفن الزخرفي القابل للبيع مع انتعاش الاقتصاد. يمكن أن ننظر إلى هذا الأمر بصورة جزئية باعتباره سبيلًا للتغاضي عن قضايا السياسة والمال والاختلاف والنخبوية التي مارست ضغوطًا (أكثر مما ينبغي بالنسبة للبعض) على الفن في الولايات المتحدة في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات.

بغية فهم لهذه التطورات، سنتحدث عن ثلاثة من الكتاب الأمريكيين المهمين — وهنا سنعود إلى المركز المهيمن لاستهلاك الأعمال الفنية — وهم يتقاسمون سمات مشتركة، رغم مواقفهم المختلفة بدرجة كبيرة: آرثر دانتو، وتوماس مكافيلي، وديف هيكي. ثلاثتهم ذكور بيض ليبراليون (لذا نستثني هنا المحافظين البارزين المتذمرين من حالة الفنون، على غرار روبرت هيوز وهيلتون كرامر)، وثلاثتهم لهم قاعدة عريضة من القراء. ارتبط دانتو وهيكي بالتركيز المجدد على الجمال في الفن المعاصر.

يكتب آرثر دانتو للمجلة الليبرالية اليسارية «ذا نيشن»، وهو فيلسوف ومُنظِّر ذائع الصيت عن الفن المعاصر، لا سيما ما يعتبره وقفة في الإنتاج الفني بدأه آندي ورهول. وعلى حد زعمه، إذا كانت عبوات سلك الجَلي ماركة بريللو التي صممها آندي ورهول لا يمكن تمييزها من الناحية المرئية عن عبوات بريللو الحقيقية، فهذا يترتب عليه أن الفن لا يمكن أن يُعرَّف من منظور التمييز المرئي، ولا بد عوضًا عن ذلك أن يُعرَّف من الناحية الفلسفية. أما مكافيلي فهو محاضر متميز في تاريخ الفن بجامعة رايس، وحاصل على الدكتوراه في الفيلولوجيا الكلاسيكية، كما أنه محرر مشارك في مجلة آرت فورم، وقدَّم الكثير في سبيل تعزيز فهم الفن المعاصر غير الغربي، كما أنه حاز اهتمامًا واسعًا بنقده المنهجي والمتشدد للفرضيات التي انطوى عليها معرض متحف نيويورك للفن الحديث لعام ١٩٨٤ «البدائية في فن القرن العشرين»، والذي أدى إلى جدال مطول وغاضب مع مشرفي المعرض. أما ديف هيكي، فهو أستاذ نظرية الفن والنقد الفني بجامعة نيفادا بلاس فيجاس، وهو كاتب ذائع الصيت للغاية يملك أسلوبًا نثريًّا مشوقًا، وقد حصل على «جائزة النبوغ» من مؤسسة ماك آرثر. جلب كلٌّ من هؤلاء النقاد الثلاثة مجموعة من الاهتمامات المحددة والغريبة إلى النقد الفني، مثلما فعل الكثير من أفضل كتاب الفن؛ بالنسبة لدانتو، فقد جلب الفلسفة، وبالنسبة لمكافيلي الأنثروبولوجيا والكلاسيكية، ولهيكي الأدب والموسيقى الشعبية.

يزعم دانتو في كتاب «بعد نهاية الفن» أن طابع الفن قد تغير بصورة جذرية منذ السبعينيات ومنذ أن لفظ الفن الطليعي أنفاسه الأخيرة، وهو الآن ما بعد تاريخي على الأرجح. إن وجهات النظر الحداثية والطليعية ارتبطت بفكرة التقدم التاريخي ربما نحو التجريد الرسمي، أو امتزاج الفن والحياة. من وجهة نظر دانتو، على النقيض، «تبدأ الحياة فعليًّا عندما تصل القصة إلى نهاية.» وهؤلاء الذين يتوقعون الآن أن يتقدم الفن أغفلوا المغزى الرئيسي، ألا وهو أن التوليف النهائي قد أُدرك بالفعل. وفي حين أن دانتو لم يذكره، فإن هذا الموقف يقترب من موقف الآراء السياسية لفرانسيس فوكوياما في كتاب «نهاية التاريخ وخاتم البشر»، وهو مستمد من الادعاء الهيجلي نفسه بأن التاريخ قد بلغ النهاية، فيما تستمر الأحداث في الوقوع بالطبع، وبأننا اكتفينا للأبد بنسخة من النظام الذي يدعمنا الآن. على نحو مماثل من وجهة نظر دانتو، ما إن اجتاز التاريخ الليل الأسود للسبعينيات (والتي يقارنها، في ظل أعمالها المريعة المعنية بالسياسة، بعصور الظلام)، حتى دخل في الجنان المشرقة للتسامح العالمي، ولن يغادرها أبدًا. وفي تلك الجنان، أيُّ مزج بين الأنماط أو وصل بين القصص مقبول من حيث المبدأ كأي شيء آخر.

شاهدنا أن هذا، من منظور واحد، وصفٌ جيد ومعقول للفن المعاصر، وكان له صدى هائل في عالم الفنون، حتى إن الشخصيات التي على خلاف كبير مع دانتو في نواحٍ أخرى تردده. على سبيل المثال، في كتابه «التصميم والجريمة»، يصف هال فوستر — وهو واحد من بين أعمق الكتاب الأكاديميين عن الفن المعاصر أثرًا ونفوذًا — «انعدام الوزن الرمزي» للفن في الوقت الراهن، وانفصاله عن التاريخ:

زيادة في الإيضاح: لم يعد الفن المعاصر يبدو «معاصرًا»، بمعنى أنه لم يعد له تأثير متميز على الحاضر، أو حتى «عرضيًّا»، على الأقل بقدر يزيد عن أية ظواهر ثقافية أخرى.

يود دانتو أن يقول إن الفن المعاصر هو معاصر لكن هذا يعني ما هو أكثر من مجرد الأعمال الفنية التي تصنع الآن: «إن المعاصَرة هي، من منظور واحد، فترة اضطراب معلومات، وحالة من الإنتروبيا الجمالية المثالية، لكنها بالمثل فترة من الحرية التامة إلى حد بعيد.» تلك الحرية أفرزتها نظرة إلى الفن طرحت أسئلة فلسفية عن شروط وجوده، ولم تعد مرتبطة بأسئلة عن الكيفية التي كان عليها. يستطيع الفنانون بعد أن تحرروا من عبء التاريخ ذاك صنع أعمال «بأية طريقة يرغبونها، أو لأي غرض يرغبونه، أو دون غرض على الإطلاق.» إن هذا إنجاز يوتوبي مكتمل يتردد دانتو قليلًا في مقارنته برؤية ماركس وإنجلز عن الشيوعية التي يحقق فيها الناس رغباتهم في نشاطات من اختيارهم.

في كتاب «الفن والاختلاف» — رؤية مكافيلي عن عالم الفن المعاصر — قوَّضَ أشخاصٌ آخرون عالميون حظوا بقدر متساوٍ وكامل من التعبير، الحقائقَ اليقينية الحداثية وسمحوا للتنوع بعد الحداثي بالازدهار. أما الحداثة السيئة والعتيقة والعالمية الغائية (كما يصفها بقراءات مختلفة لكانط وجرينبرج) فقد هُزمت على يد حركة ما بعد الحداثة التعددية والتطلعية، ومن خلالها يتسنى لنا أن نلمح مستقبلًا يوتوبيًّا محتملًا. إن وصف الحداثة المبين هنا (وهو وصف ربما يحظى بمصداقية أكبر في الولايات المتحدة، حيث لا يزال طيف جرينبرج يلوح في الأفق) يتسم بالسلاسة والوحدوية، وبراء من الكثير من الاختلافات والتناقضات والنزاعات التي كانت تشتمل عليها حركة الحداثة. على أي حال، في ضوء أحكامها العابرة على الجودة — التي اعتبرت في السابق أنها مطلقة — من الممكن تطبيق النسبية عليها، وفي فعل ذلك بمقدورنا الاعتماد على أدوات الأنثروبولوجيا. ومن وجهة نظر مكافيلي:

في أوقات الحراك الاجتماعي الشديد، يمكن للفن أن يسهم في عرقلة أو إخفاء أو تشويه أرجحية المجتمع للتغيير. واليوم، رغم كل الصعاب، يؤدي الفن الدور المعاكس، وفي تتبع المستقبل، يستشعر سبلًا ربما تظهر بمحاذاتها ذات جديدة في ضوء تاريخ له معنى جديد.

في مثل أوقات الريبة هذه، ينتج الفنانون أعمالًا قاتمة وتكهنية ومبهمة بالضرورة، وتكون انعكاسًا صادقًا للعصر. جزء من هذه الريبة سببه ظهور وجهات نظر غير غربية متعددة، وتطبيق مصاحب للنسبية على القيم الغربية، والتي رأى مكافيلي أنها انبثقت من الثمانينيات على وجه الخصوص. من وجهة نظر مكافيلي هذا لا يعني نهاية التاريخ، بل نهاية نظرة واحدة فردية ومحددة له؛ فقد أنتجت الكلية الأيديولوجية للحداثة تعددية عظيمة للمواقف، لكن هذا لا يعني أنه لن يظهر توليف جديد، بل إنه لم تظهر له بارقة بعد فحسب. وفي الوقت الراهن، لا بأس في ذلك تمامًا:

لماذا لا يتنسم العالم لبرهة دون نظريات ما وراء قصصية تحاصره داخل مساحة ضيقة يُزعم أنها نهائية؟ لماذا لا نتركه يستشعر طريقه إلى المستقبل دون تلك الخرافات الجامعة والعولمية والتعميمية والتخليصية التي تتقاسم سمات مشتركة كثيرة مع النبوءات الدينية؟

هذه الرؤية، شأنها شأن رؤية دانتو، هي رؤية مبهجة عن تنوع مشهد الفن المعاصر، وهي تحظى بالمصداقية لأنه، في حين أن الحداثة لم تكن قط بمثل هذه البساطة أو الوحدوية حسب رؤية مكافيلي، كانت هناك زيادة محسومة وإيجابية في تنوع الأصوات المسموعة في العالم الفني. في كتاباته عن بيئة جمالية محددة في أفريقيا وآسيا، عزز مكافيلي ذلك التغيير وتبين أنه أكثر تأثرًا بالمتناقضات والتعقيدات التي ينطوي عليها من المزاعم العامة التي يقدمها في كتاب «الفن والاختلاف».

يرغب ديف هيكي أيضًا في أن يسترخي المشاهد ويستمتع بالفن، وعلى وجه الخصوص أن ينسى شرور السوق. يضم كتابه «جيتار هوائي» التماسًا للسماح للفن بأن يزدهر متحررًا من التجهم في وجه ما يصفه هيكي بأنه اختراع أمريكي خاص: «سوق فنية كبيرة وجميلة» والتي تعكس ببساطة وديمقراطية الذوق العام. يزعم هيكي في كتابته عن موقف الأكاديميين بلاس فيجاس تجاه مسقط رأسهم «أنهم يرون أن كل شيء يتعلق بالمال، وهو ما أتفق دومًا على أنه أسوأ سبيل للتمييز بين الأفراد، لكني أخالفهم الرأي بشأن بقية النقاط الأخرى.» ومن ناحية بديل السوق، الذي تولَّد في كنف تمويل الدولة للفنون ويجري الترويج له في الأوساط الأكاديمية، هو ثقافة ذات إدارة حكومية، سليمة من الناحية السياسية، ومصونة من الناحية النظرية، تتألف من ««نقد للتمثيل»، ويكون في صميمه نقدًا للحكومة النيابية؛ أي تأييد صريح لشرطة ثقافية حكومية جديدة.»

استخدم هيكي أسلوبه البياني الرفيع في دعم فكرة أن «الديمقراطية» تتجسد في آليات السوق، بحيث تحدد قوانين العرض والطلب التراتب الهرمي للأسعار، الذي يعكس في الحقيقة ما يريده الناس من الفن. إن هذه الرؤية ترتبط على نحو عام بالاتجاه القياسي للفكر الليبرالي القائل بأنه لا يمكننا أن تحظى بديمقراطية في غياب السوق. إنها قضية أخرى، مع ذلك، أن تقول بأن السوق يمكنها أن تؤدي دورًا بديلًا للديمقراطية. إذا كان هذا ادعاءً مريبًا حتى عند تطبيقه على الأسواق الحرة، فتطبيقه على السوق الفنية — وهي كما شاهدنا سوق عتيقة ومحكومة ومقيدة بدرجة كبيرة — أمر سخيف.

لكي يظهر هذا الرأي معقولًا إلى حد بعيد، كان على هيكي الاعتقاد بأن التميز الثقافي ليس له أهمية، وأن النظر إلى الفن لا يتطلب مهارة أو تعليمًا خاصًّا، وأن الدخول إلى عالم الفن هو أمر تطوعي تمامًا (إذا أردت الدخول، فستدخل). إنها نظرة مثالية على نحو مؤثر ليؤمن بها شخص مطلع على أسرار العالم الفني، وبريئة على ما يبدو من آليات التميز الاجتماعي والمال والسلطة. يود هيكي أن يجعلنا نؤمن بأن:

«كل فرد» في هذه الثقافة يعي حرية تفويض الفن وإجازته، بعبارة بسيطة: «إن الفن ليس بمستعصٍ على الفهم.» وفيما وراء الميل للاستجابة والإذن لفعل ذلك، ليس هناك شروط مسبقة للنظر إليه.

هناك أجزاء من الحقيقة في هذا الرأي: إن الفن بوصفه مهنة ليس محميًّا من الدخلاء على غرار الطب أو المحاماة أو الهندسة، فتقدير الفن ليس حتمًا بمستعصٍ على الفهم، وبمقدور الناس فهم أشياء عنه بمجرد التعرض للمجال العام للثقافة التجارية. مع ذلك، يعد العامل المحدد الأكبر لارتياد المعارض هو التعليم (كما رأينا)، وهذا يعود جزئيًّا إلى أن الفن على كل المستويات (من الأكاديمية إلى التجارية) يعرف نفسه في مقابل الثقافة الجماهيرية. وفي فعله ذلك، يستخدم بانتظام إشارات مرجعية معقدة لتاريخ الفن تتطلب معرفة متخصصة لدى مشاهديه. هيكي نفسه، وهو بعيد كل البعد عن كونه شخصًا عاديًّا، أمضى سنوات في تحضير الدكتوراه، ومن ثم اجتاز أكبر الحواجز المنيعة أمام الوصول إلى مجال الفن.

يعتبر هيكي نفسه معجبًا بالفن، مثلما هو معجب بالروك آند رول، ولا ينبغي أن يزعج معجب الفنون نفسه بكون الفن سلعة أكثر من قلقه حيال شراء أو بيع الأقراص المدمجة. للرد على هذا الرأي، علينا اللجوء إلى ناقد آخر شهير كتب الكثير أيضًا عن الروك، وهو ديدريتش ديدريكسون. في فحص ثاقب النظر لحالة نقد الفن المعاصر، يشير ديدريكسون إلى الاختلاف الواضح بين أدب المعجبين والنقد الفني؛ فأدب المعجبين يُكتب لهؤلاء الذين سيشترون المنتج على الأرجح، ويساعدهم في تقرير فعل ذلك أم لا، ونتيجة لذلك، فهو يتسم بالتركيز والذرائعية بدرجة عالية. أما جمهور النقد الفني أجمع تقريبًا، فليس أمامه احتمال امتلاك الأعمال التي يقرءُون عنها. تؤدي المؤلفات أيضًا — في صورها الأكاديمية المتخصصة والشعبية — وظائف أخرى تمامًا، يكون فيها الحكم على الجودة لا يُذكر صراحة على الإطلاق، أو يُذكر فقط على أساس أنه استعراض ذاتي للذوق، وبالطبع تندرج مؤلفات هيكي ضمن الفئة الثانية.

أشرف هيكي مؤخرًا أيضًا على معرض دولي في إطار حملته لإعادة الجمال إلى حالته السابقة والترويج للفن من خلال إزاحة ما يراه اهتمامًا نخبويًّا بالخطط السياسية والاجتماعية. كان المعرض — الذي افتتح عام ٢٠٠١، وهو البينالي الدولي الرابع في «سايت سانتا في» — تحت عنوان متواضع: «المجتمع الراقي: نحو كوزموبوليتانية مفتداة». في الكتالوج الخاص بالمعرض، ذكر هيكي أن ما تذكره الجماهير عن المعارض هو الأجواء (وليس الأفكار)، ولذا فقد عزم على إضفاء لمسة من الفرح والبهجة على كل شيء. تحولت ساحة تخزين «سايت سانتا في» إلى معرض بحدائق ونافذة ضخمة وتفاصيل معمارية مبهرة، وجرى ترتيب الأعمال الفنية في مشاهد جذابة. كان التقيد بالتقاليد في البيناليات الهدف المفترض للاستعادة المنشودة. زعم هيكي أن هذه المناسبات «مكرسة على نحو خاطئ لتسويق أفكار الهوية الإقليمية والصفة الاستثنائية المحلية باللغة المعيارية للممارسة الفنية ما بعد التبسيطية.» أساء هيكي فهم الغرض من مثل هذه المعارض، بالطبع، فقد رأينا كيف تأسست على فكرة الامتزاج والتبادل الثقافي، رغم أن هيكي محق بشأن اللغة الموحدة التي تنتهي فيها كل هذه الاختلافات، وسوء الفهم هذا سمح لهيكي بتزكية نزعة أممية تمتزج فيها الموارد الثقافية وتستهدف في الواقع الافتراضات الأساسية التي تنطوي عليها الدولانية التي يتذمر منها. إن التناقض الفعلي هو سياسي بصورة مباشرة أكثر، ويتضح في الادعاءات غير العادية التالية التي يقدمها هيكي، في حين أن المعارض التي تتعامل مع الهوية الثقافية تنزع إلى أن تتألف من الأعمال الفنية التي تطرح مشكلات، فالأعمال الفنية في معرض «المجتمع الراقي» يتطلع إلى حلها: «إن الحل الواضح للتنافر الثقافي له عواقبه الأخلاقية والفكرية، ومجازاته الاجتماعية، واستخداماته، ووظيفته.» (من الغريب أن البراعة العادية لهيكي مع اللغة البسيطة تخلت عنه هنا، ربما تحت ضغط سخافة الادعاء.) إن تحول البينالي في معرض «المجتمع الراقي» هو تحول تثقيفي. في سبيل الحفاظ على الاحتفاء بالامتزاج، بدَّل الاستجابة القياسية للعمل من إيجابي إلى سلبي، لكن بأثر دعائي مماثل، يحبذ البينالي التقليدي التعددية الثقافية ويتذمر من أن الحواجز العتيقة والمتحفظة للتجارة والتبادل الثقافي تعيق تقدمه، لكن معرض «المجتمع الراقي» افتخر بنجاحاته الحالية والجمال الذي تولد عنها.

عدَّد الفنان رينيه جرين بعضًا من العبارات المبتذلة بالعالم الفني الحالي، والتي تجسدت في تفكير هيكي:
  • (١)

    لا حدود للفن.

  • (٢)

    إن التفكير يسبب زيادة الجدية وتناقص المرح والجمال، اللذين يعادلان المتعة الجمالية.

  • (٣)

    أن تفكر يعني أن تفكر أكثر من اللازم، وهو ما يتعارض مع التجريب (الذي يُرى بلغة ثنائية ومن ثم يرتبط بالإحساس؛ أي إن الإحساس/التجريب مقابل التفكير).

يفترض هيكي على نحو غريب أن الناس — وجماهير الفن المثقفة على وجه الخصوص — لا يمكنهم الاستمتاع بعمل مرهق، أو عمل سياسي، أو حتى تلاعب بالأفكار.

يصل النقاد الثلاثة، دانتو ومكافيلي وهيكي، عبر طرق مختلفة تمامًا إلى وجهات مماثلة: أن عالم الفن المعاصر (على حد التعبير الشائن لروبرت فينتوري ومعاونيه في كتاب «التعلم من لاس فيجاس»، والذي يضرب بجذوره في حركة ما بعد الحداثة) «لا بأس به تقريبًا». ينبغي على مشاهدي الأعمال الفنية أن يتملكهم السرور جراء التمتع بالتنوع العظيم الذي لا يمكن تطويقه للفن.

رأينا أن هناك أسبابًا عديدة وراء تحول هذا التنوع بعينه إلى تماثل محدد. يشير بورديو إلى سبب آخر: إن كلًّا من إنتاج الأعمال الفنية واستهلاكها، والتي انبثقت من تقليد مديد خاص بكسر التقاليد، يحملان معهما قدرًا هائلًا من الإشارات التاريخية، فتصير تاريخية وغير مؤرخة تمامًا في آن واحد؛ فهي تشير إلى عدد هائل من الأنماط لكنهما لا يذكران أيًّا منها، أو ظروف نشأتها؛ فيُختزل التاريخ في تاريخ خالص للأنماط، ويمتد كأنه طاولة يتسنى انتقاء أي مزيج من الخيارات منها.

إن السمة المميزة لهذا السيناريو هي التقارب بين التفسيرات الأكاديمية للفن وتلك الكتابات الأكثر شعبية التي تحبذ الاستمتاع مطمئن البال بالجمال. يحبذ كلٌّ من الأكاديميين الذين يلتزمون بتطبيق مبدأ شفرة أوكام ضد أية مشكلة ثقافية محتملة، والنقاد الذين يجتهدون من أجل وضوح عقلاني ومدروس ومسلٍّ، كلهم يحبذون التشظي، الفرد أو النفسية المنقسمة، وحدود المعرفة المولدة اجتماعيًّا وسوء النية تجاهها، والإحساس المؤثر بالدوار من المجهول، وهم يفعلون ذلك في وقت تزداد فيه هيمنة أساليب وتقنيات معقولة تمامًا على الفن.

على أية حال، تعرَّضت مصداقية هذه الآراء مؤخرًا لصفعة؛ فمنذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر على وجه التحديد، يتعارض ظهور الإمبريالية الصارخة للولايات المتحدة — باستهانتها غير المبالية والفادحة بالقانون الدولي — مع العولمة والتعددية الثقافية المثالية التي تجلَّت في رؤية مكافيلي. إن عودة المعارضة القوية للرأسمالية، ومعها الفن الطليعي، كان يجب أن تكون مستحيلة إذا كانت رؤيتا فوكوياما ودانتو دقيقتين. أما تأييد هيكي للجمال والسوق، فقد بدا مقبولًا فقط ما دام أن الاقتصاد منتعش، واستمر مستهلكو الفن في التلذذ بالأشياء الجميلة. سنرى في الفصل القادم كيف أن هذه العوامل وغيرها فاقمت التوترات الحالية في نظام عالم الفن.

هوامش

(1) © the artist. Courtesy of neugerriemschneider, Berlin.
(2) © the artist. Courtesy of The Project New York and Los Angeles.
(3) © the artist. Courtesy of Marian Goodman Gallery, New York.
(4) © the artist/photo Attilio Maranzano. Courtesy of Galerie Emmanuel Perrotin, Paris.
(5) © the artist. Courtesy of Galleri Faurschou, Copenhagen.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١