القسم الثاني

القِيَم الموسيقية لهذا التراث الشعري الملحمي العربي

من المفيد إعادة الالتفات بشكل أكبر لتراثنا الملحمي الإنشادي الموسيقي، المنتشر على رقعة بُلداننا العربية، وما يزال إلى أيامنا هذه يعاني كل اندثار نتيجة للإهمال والتجهيل الذي ما يزال يسود مزالقَنا الثقافية.

فالاندثارُ المتجه إليه هذا التراث من موسيقي وشعري ملحمي مرجعُه بالطبع الاتساع المتزايد لأجهزة الراديو والترنزستور وبقية أجهزة الإعلام الإلكتروني.

فيلاحظ أن حملة هذا التراث المتوارث من مداحين ومنشدين ومغنين يعرفون ﺑ «صييتة» وكانوا في موقع أكثر نجوم مجتمعات ما قبل المعرفة بالراديو؛ أي منذ أقل من ربع القرن الأخير، من حيث شهرتِهم وذيوع صيتهم، وتحقُّقهم الجماهيري.

ولعلنا ما زلنا نذكر طلائع مداحينا ومغنينا المرموقين، بعيدًا عن استديوهات وميكروفونات الإذاعة أو البث، يحوزون كل إعجاب وهم ينشدون ويتغنون بسير بالاد وملاحم الملك سيف بن ذي يزن، أو عنترة التي تجري أحداثها في اليمن، ويوسف وزليخة ما بين مصر وفلسطين، وملحمة «خيزران» التي تجري أحداثها ما بين مدينتي دمشق وحلب؛ حيث إن بطلها تاجر حراير أو أرجوان حلبي، معتاد على التنقل ما بين المدينتين، بالإضافة إلى القاهرة العربية.

وهي واحدة من أشهر الملاحِم الغنائية السورية التي عثرتُ عليها في ريف مصر، ولا أعرف بالدقة مدى انتشارها ومتنوعاتها، وما طرأ عليها في ريف سوريا.

كذلك تجري أحداث ملحمة «الملك فاضل» أو «سعد اليتيم» في بادية الشام والأردن، وبشكل أكثر دقة بين أعراب — قبائل — الفضل والنعيم بالجولان المغتصبة.

وقد عثرتُ عليها بإقليم الفيوم عام ١٩٦٥، وهي واحدةٌ من أهم وأعرق ملاحمنا؛ حيث إن عمرها أكثر من ألف سنة، فهي تؤرخ للعصر الفاطمي، وتتبدى شخصية بطلها سعد اليتيم، مشابهة ومتطابقة مع شخصية هاملت في تراجيديا شكسبير الشهيرة؛ حيث إن كليهما «هملت وسعد» يصارع عمه قاتل والده ومغتصب عرشه، فسعد أو البطل الشعبي لهذه الملحمة المتكاملة وشخصيتها المحورية، تصاحب مولدَه الخوارق التي تصنفه مع بقية الأطفال الموعودين أو القدريين مثل إبراهيم ويوسف وكرونس وإيل، وموسى. بل إن أمه تضعه في صندوق وتلقي به في البحر بنفس ما حدث مع أوزويريس وموسى، ويحيا «سعد» ويكبُر على اضطهادٍ من عمه الملك الشرير بدران، مغتصب عرشه، بعد أن سبق أن اغتصب أباه الملك فاضل بالاغتيال، إلى أنْ يتحول في الجزء الأخير من الملحمة إلى منتقم إيجابي لأبيه من عمه الشرير بدران.

والملفت أن الملحمة تحفظ لهذين الملكين الأخوين، أنهما كانا مداحين و«حكواتية» تأكيدًا لتقليده الملك الكاهن المداح في التراث السامي مثل «اللاويين» في التراث العبري، وعمرو بن لحي الجرهمي، وأمية بن أبي الصلت عند الجاهليين:

كان الملك فاضل وبدران أخوه
يحكو كلام كل العرب يسمعوه
بكرة نموت ومالنا ينهبوه
راجل بلا خلفة قليل ذكرتُه

وتبدع هذه البالادا الملحمية في تصوير لحظة اغتيال الملك الشرير بدران لأخيه الملك فاضل بحربته ذات الأربعة وعشرين مسمارًا من الخلف، على النحو التالي:

الجوقة :
ضربو بها وتمكنت في حشاه
نفد الخشب قراطين من سرته
قاموا عرب فاضل ومن كان حداه١
مسكوا الأمير بدران وطلبوا أذاه
ولما صحي الملك وفاق من دماه
الملك فاضل :
قال اتركوه إياك تطول مدته
لما صحي الملك وشافو أخوه
الجوقة :
ووقتها العرب كانوا كتفوه
الملك فاضل :
قال دا أخويا يا رجال سيبوه
دا وعد من الرحمن وآدي حكمته
دا وعد من الرحمن عليه انكتب
دي كل موتة لابن آدم سبب
كلام أقولكم عليه يا عرب
تعا سندوني بس أنا أحدثه
تعا سندوني بس أن أكلمه
أقوللو كلام إياك يسمعو!
يا خويا حبل الود ما تقطعو
سعد ابن أخوك بعدي تطول يتمتو
سعد ابن أخوك بعدي يقاسي الهموم
يبات بطول الليل يعد النجوم
غرورة يا دنيا تاريكي لم تدوم
آمنتها خانت وآدي حكمته
كدب الذي يضحك في هذا الزمان
يا ذلنا بعد الهنا، ذقنا الهوانْ

وتستطرد الملحمة في وصف طقوس غسلة الملك فاضل، وتكفينه بالسندس الأخضر ودفنه في جامع متحف «قليل وصفته».

وهنا تبدأ سلسلة اضطهادات العم المغتصب بدران، لسعد اليتيم نتيجة لمخاوفه فيأمر الملك عَبِيدَه بانتزاع سعد من أمه الأميرة فوز وقتله في شعاب الجبال، لكن العبيد يرقون للأم الثاكلة، فينتزعون الطفل منها ويلقون به في البحر أو اليم أو النيل بحسب متنوعات الملحمة في البلدان والبيئات العربية.

وكالعادة يعثر عليه صياد ويتبناه ويربيه في الكتمان، وتتعرف إليه ابنة عمه الأميرة الجميلة «صبيحة» خطيبته منذ الصغر، وتفتن به وبمحاسنه وخلقه، وأصبحت لا تجلس إلا وركبتها على ركبته، وعادت صبيحة لتنقل أحاسيسها الجياشة نحو ابن عمها سعد إلى أمها وكيف أنه «يشبه لعمي الملك فاضل وآدي جلسته.»

ثم ما تلبث الابنة المحبة صبيحة أن تنقل أحاسيسها إلى أبيها الملك بدران الذي تستبد به المخاوف من أن يكون هو بذاته سعد، وأنه لم يمت، وفعلًا تتحقق هواجس الملك، وتبدأ سلسلة جديدة من الاضطهادات لسعد، تنتهي بهربه وفراره من وجه عمه الشرير الحاقد بدران من بادية الشام إلى أرض مصر، ثم كيف التقى بالمعز لدين الله الفاطمي، فساعده المعز في الانتقام من عمه بدران، وقتله واسترداد عرشه، والزواج من ابنة عمه صبيحة.

•••

وبالنسبة للجانب الإنشادي الموسيقِي لهذه الملاحم والمدائح العربية، يلاحظ أنه كان يؤدَّى — قديمًا — بأسلوب أقرب إلى الأداء الغنائي الأوبرالي، وهو القاسم المشترك لهذه النصوص الشعرية والشعائرية العربية مجهولة المؤلف؛ ذلك أن من خصائص النص الشعري بعد تدوينه أنه أشبه بالبيرتو المتعارف عليه في الأوبرا الكلاسيك، وبدايات أوبرا القرن ٧ وما يلي؛ فهناك مساحات شعرية وموسيقية للجوقة أو الكورس، ومساحات لكل شخصية مفردة على حدة من شخصيات الملحمة، ومعنى هذا أن هذه الملاحم والقصص الدينية كانت تقدَّم وتروى على مستمعيها بطريقة أقرب إلى الأداء الأوبرالي، فالجوقة معلقة على الأحداث ورواية لها دورها ومكانها، كما أن لشخصيات الملحمة أو أبطالها سواء كانت فردية أو دويتو أو جماعية أدوارها المحددة شعرًا وإيقاعًا.

وهذه هي أول خصيصة أو ملمح لهذه النصوص.

كما أنها — على ما يبدو — كانت تقدم قديمًا وقبل اندثارها وتآكلها كنصوص مهجورة بالأسلوب الصحيح، وهو أن يكون لكل مغن ومنشد دوره الثابت المحدد في النص المروي، لكن مع التدهور الذي أصاب فنوننا وآدابنا الفولكلورية، وأخصها فنون الملاحم والسير والمدائح؛ تدهور فن المداحين، وبالتالي أداؤهم لهذه الملاحم أو الأوبرات الغنائية الموسيقية، فتبددت فرقهم، وأصبحت الفرقة والجوقة اليوم — على أحسن الفروض — تتكون من ثلاثة أو أربعة مغنين وعازفين، وبالتالي لم يعد المجال يسمح لاحتفاظ أبطال الملحمة وشخوصها بأدوارهم المفردة، بالإضافة إلى الجوقة، بل إن التدهور أصاب أيضًا الأداء الموسيقي، فأصبح رتيبًا، لا يستقيم في معظم أحواله مع متطلبات النص الشعري وخصائصه الدرامية والتراجيدية.

ولعلها تكون بدايات لأوبرات قومية عربية، لو أننا تَمَكَّنَّا من إعادة جمع هذا التراث الملحمي الموسيقي وتسجيله بحسب الوسائل التقنية، إلى أن تجيء مراحل تطويره واستلهامه وإعادة صياغته وتوزيعه موسيقيًّا، وهو الحلم الدائم لعديد من موسيقيينا ومغنيينا الأوبراليين.

فلعل الملمح الجوهري للتراث السامي بعامة، والعربي بخاصة، هو التميز بازدهار السير والملاحم والشعر المدائحي والمعلقات، منذ أقدم ملاحم العالم القديم، وهي ملحمة جلجاميش، التي تعارف عليها العرب الجاهليون باسم «قلقاميش» والتي تسبق، نظائرها الهيلينية — الإلياذة والأوديسة — بحوالي ألفي سنة، كذلك سبقت هذه الملحمة العربية، الملحمة الآرية الهندية «المهابهارتا» التي يقال بأنه اشترك في كتابتها مائة شاعر، وتُعتبر أطول ملحمة في التاريخ، فيصل طولها إلى ١٠٨ ألف بيت شعر من أبيات الشعر الثمانية المقاطع.

وكما هو معروف فإن للملاحم وظائفها منذ عصور ما قبل المعرفة بالكتابة على المستوى الجماعي أو الشعبي؛ لذا فهي وعاءٌ حافظ، سواء للأبنية الأسطورية والطقوسية والشعائرية، كما هو الحال مع معظم الملاحم، ومنها الإلياذة والأوديسة كما قد تؤرخ لحروب وهجرات جماعية، كما يتبدَّى في المهابهارتا، وملاحم أو سير الملك سيف بن ذي يزن، والزير سالم، والهلالية، وعنترة وغيرهم.

كذلك قد يكون من أغراض الملحمة الاحتفاء بالأعياد الدينية والتقويمات، كما هو الحادث مع «سارة وهاجر» التي تؤرخ لبناء الكعبة واستبدال الضحية البشرية بالضحية الحيوانية، أو خروف العيد الكبير، أو عيد اللحم، أو الضحية.

١  عنده وفي حضرته.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤