القسم الأول

شخصيات السير والملاحم والبالادا في المأثور الشعبي

سمة عامة في الفولكلور العالمي، التمثُّل بالشخصيات من أسطورية الملحمية التاريخية، من ذلك صبر كل من أيوب ونوح، وعدالة سليمان، وجمال يوسف، وحقد سارة، وعشق عزيزة.

فكثيرًا ما تفيض هذه الأشعار الغنائية، في التمثُّل بالشخصيات التاريخية والأسطورية والخرافية، سواء حينما تستشهد بجلدهم وصبرهم على الشدائد والكوارث والمحن، مثل أيوب وزوجته المحبة ناعسة، ومثل نوح وزوجته برها التي انساقت لغواية الشيطان، بل هي توحدت به في تخريب فلك نوح ٣١ مرة، والنبي صالح الذي كان غريبًا مضطهدًا من قومه ثمود، كما ذكر المتنبي «غريب كصالح في ثمود» إلى أن دمر ثمود انتقامًا هي وقراها الخمسة.

وهو ما يمكن أيضًا تواجده في الفولكلور الأوروبي بعامة، منها أغاني الملك كنوف على ضربات المجاذيف للماء وأغاني الكهنة المنشدين، وأغاني عمل النساء، اللائي يطحن بالرحى، كما اتفق على تسميتها كتاب العصور الوسطى، وأشهرها أغنية تحكي معاناة الملك بيتاكوس الذي قضى عليه بأن يمضي بقية عمره يطحن بالرحى مبعدًا مهانًا عن عرشه وعن سطوته.

ومثل أغاني «سعدة» ابنة الزناتي خليفة قائد جيوش تونس حين اغتاله خصمه الحميري القحطاني دياب بن غانم الزغيبي، وكان يعشق سعدة، التي كانت تحب بدورها مرعي فكان أنْ سجنها دياب تطحن الرحى وترتدي ثياب الخيش حين رفضت حبه.

ولعل السيرة الهلالية هي من أبرز السير والملاحم العربية، التي استقلت عنها أعمال قصصية وشعرية من نوع البالادا، كعالم يخلو الأمر من المواويل التي استقلت بدورها عن هذه البالادا، تصوغ مدى عشق عزيزة ليونس، وسعدة لمرعى، وعالية لأبي زيد الهلالي — انظر مادتي الملاحم والبالادا.

منها الموال التالي الذي يتحدث عن عزيزة ابنة سلطان تونس معبد بن أبديس التي عشقت عدو أبيها وبلادها، يونس ابن السلطان حسن بن سرحان الهلالي سلطان الهلالية الغازين، حين تحايل فرسان الهلالية الثلاثة «مرعي ويحيى ويونس» أثناء ريادتهما لاستكشاف تونس مع خالهم أبي زيد الهلالي واضطرارهم لبيع عقد ثمين من الجوهر، لعزيزة عن طريق دلال ظل يفاخر بجمال يونس وفضائله أمام عزيزة:

آه يا ستي لو شفتيه
وشفتي طولو مع معانيه
تفوتي قصرك باللي فيه
واسمك الغالي نبوه

فكان أن تحركت لواعج عزيزة نحو يونس، كما يصفها هذا المأثور التالي:

وقفت عزيزة في ريح القصر وريحانه
وقالت يا دلال صاحب العقد روح هاته
يا بخت من حدي يوصلك يا يونس في السنة مرة
يِسودّ شعره، وتحلى عيشته المرة
ولما قالوا لعزيزة دا يونس في الصجر بره
نزلت تهز إليك وتقوللوا كنت فين سلامات
ومن ابتلي بك يا يونس، طج١ وانسلى مات
خدتو على الصدر جوا القصر ورحاته

وفي بالاد «يوسف وزليخة» يذكر المأثور الشعري التالي، مدى جمال يوسف الصديق:

بكيت زليخة وقالت:

عشقت في الذب لمتوني!
في حب يوسف يا بني يعقوب لمتوني
عملت عزومة زليخة
ودبحت ميتين كبش
ومن الغزال ستين
إلا رجولها البيض في أوان عصر
ومالوا وقالولها، فين يا زليخة
اللي عليه البيان ستين!
ما فتحت زليخة الباب ليوسف خرطت يدهم سكين
قالت آهو يا مساكين، اللي عليه لمتوني!

وزليخة هي امرأة العزيز، ويوسف، هو النبي يوسف، والموال هنا يدور حول جمال يوسف وحسنه، ويؤكد الخرافة الراسخة عند الفلاحين التي تقول إن الخطوط المتقاطعة الموجودة في داخل كفة اليد هي من تأثير انبهار النساء البيض الذين عزمتهم وأحضرت لهن التفاح، والسكاكين، وعندما شاهدن يوسف بُهرن من حسنه، فنسين أنفسهن ومضين يقطعن بالسكاكين من كفات أيديهن، بدلًا من التفاح!

فقالت لهن زليخة شامتة:

آهو يا مساكين اللي عليه لمتوني!

درغام يقول للخفاجا:

يوم غرب النجع ياما بكى درغام
وقال بيض الليالي مضت، واللي بقى صار غام٢
رايح تغرب يا بو داويه،٣ وفايت لصطبل والخيل فيه

بكى درغام وقال:

بيض الليالي مضت، واللي بقى صار غام
بكر الصجر راح، ما عادت تنفع الخليفة٤
ظهر سبع في الغرب سموه الرجال خليفة٥
ساعة يسمع الطبل، بيجي مالوب كما درغام

بكيت بنته دوايه وقالتلو:

يا با أنا شايفه عينك ع السفر هتزول
درغام أبوك بكر، وأمك شوله عقلها عيزول
الغربه تربه يابا، تقل الأصول وتزول
ما قال يطلع يا دوايه، مع الناس دول هنروح
زيدان عمل فيه طوله،٦ وصاحبي بالروح
مكتوب على باب تونس، قايمة في اللوح
تفنى الخلايق، وكل العباد هتزول

(١) الملك التبع سيف بن ذي يزن الحميري

ويمكن القول إنه إذا كانت هناك سيرة متعددة المستويات مركبة داخل رقعة الأدب الشعبي العربي بلا استثناء، فهي هذه السيرة التي نحن بصددها «الملك سيف بن ذي يزن الحميري»٧ فهي ليست أبدًا مجرد سيرة أنساب قبائلية عربية تؤرخ لحياة وحرب ذلك الملك التبع، آخر من عرفوا بالملوك اليمنيين التباعنة مكتفية بمثل هذا الدور والغرض في حفظ البنية القرابية القبائلية الحاكمة وأحداثها وحروبها على عادة ما هو متبع ومتمثل في سير الأنساب بلا استثناء.
بل إن هذه السيرة للملك سيف، يمكن — من أحد الوجوه والزوايا — اعتبارُها سيرة ذات صبغة قومية؛ ذلك أنها تستفيض مؤرخةً للصراع والحروب بين كلا الساميين والحاميين، أو بين عرب جنوب الجزيرة في اليمن والجنوب العربي،٨ ومتاخميهم الأفريقيين، ذوي البشرة السوداء في الحبشة والسودان وأفريقيا عامة.

ومن هنا يحق للقارئ التساؤل عن دلالات هذه التسميات ذاتها من ساميين وحاميين.

والإجابة هنا ترد على لسان الوزير الأول المقرب للملك سيف وهما يستعدان لبدء حروبهما في مدينة البعل وملكها بعلبك وهو الوزير الكاهن المسمى «يثرب»، والذي هو في موقع الكاهن والحكيم صائب البصيرة الذي يشكل جانب المشورة بالنسبة لرأس التحالف الحميري القحطاني اليمني الملك سيف، ذاكرًا عن الأسطورة النوحية، وابني نوح سام وحام «أن نوحًا نام مرة وكان سام قاعدًا عند رأسه، وحام تحت رجليه، فهب الهواء وكشف عن عورة نوح، فضحك حام وغضب سام وتشاجر الاثنان، فاستيقظ نوح واستطلعهما الخبر، فقص عليه سام ما فعله حام، فغضب والدهما غضبًا شديدًا، ودعا على حام بسواد البشرة وتمنى لذريته استعباد نسل سام لها.»

وفي موقع آخر تُورد لنا السيرة، كيف هاجر حام إلى أفريقيا مؤرخة بالطبع لأسطورة أرض ميعاده، وزواجه ومصاهرته من ابنة أحد ملوكها حين تزوج قمر شاهق، ومن ذريتهما انحدر العنصر الحامي الأسود الذي لحقتْه لعنة الأب السلف الطريد حام بن نوح الأسود.

وفي عديد من النصوص والمأثورات تفسر لنا أساطيرُ ما قبل العلم هذه، السبب في أن جلد الحاميين أسود مبلورة وملخصة ذلك التفسير الأسطوري في المأثور الشائع عن كيف أن الكذب يسوِّد الوجوه.

وهو المأثورُ الشفهي المتواتر الذي قد يرجع مولده لما قبل ستة آلاف عام على أقلِّ تقدير، والذي يرد في ثنايا مأثورات الأدب العربي الكلاسي منتسبًا إلى حام بن اللعنة الطريد، الذي — خلال الطوفان — عصا أباه نوحًا خلال حجهم للبيت بمكة، وجامع امرأته عقب مجيء الطوفان داخل فلك نوح، فكان أن لعن نوح حامًا: «اللهم سود وجهه ووجه من عصا ووطئ امرأته.»

وعندما٩ ولدت امرأة حام غلامًا، جاء أسود اللون، وسموه كوشا، وولد لكوش الحبشة بن كوش.

أما الشقيق الثاني لكوش — الذي لحقتْه بدوره لعنة أبيه أيضًا، وهو ماريع بن حام — فولد ثلاثة أولاد أو أجناس هم، كنعان بن ماريع، وبرير بن ماريع، والنوبة بن ماريع.

فعلى هذا النحو يجيء التفسير الأسطوري للعبودية والتسيد، متسقًا بالطبع مع البنية الجنسية Racism — الشوفينية — لصراع الساميين العرب والحاميين السود الأفارقة، وما يمكن أن ينتظم تحت هذا المنطلق بالضرورة من منطلقات عبيدية أو عبودية، للدور العربي السابق للإسلام في أفريقيا، وهو ما توليه هذه السيرة عنايتها القصوى.

بل وبحسب ذكر أبرز الرواة العرب عبيد بن شريه الجرهمي؛ فإن قارة أفريقيا ذاتها، تنتسب تسميتها إلى واحد من تباعنة اليمن والجنوب العربي، أسلاف ملكنا سيف بن يزن.

فالتسمية ترجع إلى الملك الحميري، «أفريقيس بن أبرهة الذي يقال إنه عندما غزا المغرب — شمال أفريقية — متجهًا إليه من أرض البربر،١٠ فرأى بلادًا كثيرة الخير، قليلة الأهل فنقل البربر من بلادهم فلسطين إلى مصر، فلما بلغ أفريقيس؛ حيث بلغ من فتوحات أمر ببناء مدينة بتلك الأرض من أفريقيا وبنيت مدينتها وإنما سميت باسم الملك أفريقيس وأما العرب فأسمتها أفريقيا.»١١

والملفت هنا تأكيد الكثير من المصادر، من أن هذه القبائل السامية العربية، هي ما أعطت لقارة أفريقيا اسمها منذ منتصف الألف الثانية قبل الميلاد، حين غزا هؤلاء اليمنيون في عدن وحضرموت والجنوب العربي بعامة، والذين عرفوا بفنيقيي البحر الجنوبي، بلاد الحبشة، ونشروا لغتهم الحجرية التي ما زالت سارية يمكن تلمسها في بقايا الطقوس الدينية للكنيسة الأثيوبية، بل ومتداخلة إلى أقصى حد في لغات ولهجات الكثير من الأقوام الأفريقية، التيجرية والتجرانية والأمهرية والهرورية.

وبالطبع جاء ذلك الغزو العربي السامي الأفريقي، مسوقًا ببقايا مأثورات الإدانة الأُسطورية للأجناس الأدنى، استنادًا إلى هذه الفابيولا النوحية، وابنيه سام وحام، والأخير بسببه أصبح وجه الحاميين أسود، وهي في هذا تلتقي مع أسطورة الكنعانيين أو الأجناس المضطهدة، وترد هذه المأثورات بكثرة في تراث القحطانيين اليمنيين على النحو التالي: فبعد أن عم الطوفان الأرض، قذفت الرياح بسفينة نوح إلى البلد الحرام؛ أي مكة — أم القرى — فطاف بالبيت أسبوعًا ثم قال نوح لبنيه، إنكم في حج فاعتزلوا النساء، فجعل نوح النساء بمعزل وجعل دون النساء رمادًا وإن حام جاء إلى زوجته المسماة «أذنق نشا» ليلًا فوطئها، فلما أصبح نوح ورأى الأثر في الرماد قال: من جاء إلى النساء قالوا لا نعلم من جاء وكتمه حام، فقال نوح: «اللهم سَوِّدْ وجهه، ووجه ذرية من عصى ووطئ امرأته»، فولدت امرأة حام غلامًا أسود، فسماه كوشا، فعلم أن الدعوة أدركته، وما يزال المعتقد الشعبي يحفظ هذه الفكرة أو المقولة التي مؤداها أن الكذب يحيل الوجه أسود؛ أي أن حامًا عندما كذب على أبيه أو كتم عنه أنه هو الذي عصى ووطئ امرأته جاء ابنه على غير لون آبائه وقبيلته.

وهي فكرة أو موتيفة تواترتْ بعد ذلك في ملحمة عنترة بن شداد وسيرة بني هلال أو الهلالية؛ إذ إن كلًّا من هذين البطلين عنترة العبس وأبا زيد الهلالي جاءا على غير لون آبائهما، فكان لونهما أسود، كما أن خطيئة كل منهما واسمها خضرة الشريفة في كلا النصين، هي أنها توهمت خلال حملها بابنها البطل الموعود المرتقب عنترة وأبي زيد، بطائر أسود يضرب على مجموع من الطير ويغلب عليه، وكان أن اضطُهد الطفل الموعود المرتقب وانتُزع من بين قبيلته وتربَّى غريبًا عند قبيلة أخرى كما حدث مع الملك سيف؛ إذ إنه تساوى مع الحاميين الذين طاردتهم اللعنة، مثلهم مثل الكنعانيين الذين قدم — أول ما قدم — الملك سيف بجيوشه الجرارة من اليمن وحضرموت لقتالهم في بعلبك والبقاع.

ومما لا شك فيه أن الطائر الأسود في كلا النصين طائرُ الغراب، والغرابُ طائرٌ مقدس عند كل الشعوب السامية بل الآسيوية.

ومن هنا فإن فكرة الطوفان نفسها المتوارثة من مصدرها الأم عند السومريين والكلدانيين ثم التراث البابلي، إلى أن اكتملت في أسطورة نوح التي جاء بها العهد القديم للطوفان كعقاب والبحث عن أرض جديدة، وإرساء أولى معالم التفوق الجنسي القبلي العنصري.

فلعل أبرز ما تؤرخ له هذه السيرة الملحمية التي يتعاقب فيها الشعر والنثر، هو الامتداد بالصراع بين ابني نوح سام وحام أو بين العرب الساميين، والأفارقة الحاميين، في تلك الحروب القبائلية الطاحنة التي اتخذت من الشام، وبالتحديد منطقة بعلبك والبقاع بلبنان، مرورًا بفلسطين ومصر، إلى حيث أفريقيا الوسطى والحبشة والسودان؛ مسرحًا للحروب القبلية بدءًا من اليمن والجنوب العربي، بهدف إرساء الأفضلية والسيادة للعرب الساميين، على ذوي البشرة السوداء، المتعارف عليهم بالحاميين، انتسابًا إلى «حام» بن نوح، ابن اللعنة أو الابن الأسود الأفريقي الطريد.

ولأمر ما تبدأ السيرُ حوادثَها بالكلام عن المَلك اليمني التبعي ذي يزن، الذي ذاع صيته، واشتهر أمره، ودانتْ له بلاد العرب الجنوبية، واتخذ له وزيرًا حكيمًا عاقلًا تصفه السيرة بأنه لا نظير له في مشرق الأرض ولا في مغربها، وكان اسمه «يثرب»، وكان مُلِمًّا بكثيرٍ من الكتب القديمة والملاحم العظيمة بما فيها التوراة، والإنجيل، وصحف إبراهيم الخليل، وقد علم «يثرب» من تلك الكُتُب أن نبيًّا اسمه محمد سيُظهر الإسلام ويبطل سائرَ الأديان السائدة، ومن ثم تأخذ السيرة في عرض العلاقات بين جنوب الجزيرة وشمالها منذ أقدم العصور.

فالصراعُ بين العرب الساميين الغازين بقيادة الملك سيف وبين الأفريقيين السود الحاميين هو جوهر هذه السيرة الكبرى.

كما تذكر شامة بنت الملك الأفريقي أفراح:

عسى الصفو يهدي إلى نسل حام
ينالون عِزًّا بقدر مهاب
عسى بطشة الدهر في نسل سام
يصيرون في الناس مثل الكلاب

فالحربُ الطاحنة التي قامت بين الساميين من ناحية وبين الحاميين من ناحية أُخرى، أعني: بين العرب الحبش والسودان؛ تؤكده المصادر التاريخية، من إسلامية أو غير إسلامية، تحدثنا عن كثير من هذه الحروب التي اتخذتْ أشكالًا مختلفة، فهي طورًا دينية، وطورًا استعمارية، وطورًا تقتصر على الساميين والحاميين، وطورًا تتعدى العنصرين إلى الزنوج والأوروبيين، وإن كانت السيرة حريصة الحرص كله على ألا تتعرض للنوع الأخير؛ لعدم اتصاله بالعصر الذي يميل إلى تصويره لنا، أعني: العصر الجاهلي.

فالسيرة في حديثها عن هذه الحروب، تستطرد في عرْض الحياة وأعمال البطولة، وهي صادقةٌ في هذا العرض، فسيف بن ذي يزن الذي ولد لأبيه في أفريقيا، والذي تربى في الفلاة، والذي أتى في صباه بأعمال كثيرةٍ تدل على بطولته وشجاعته، كشخصية تاريخية ماثلة محقَّقة، فهو الأمير اليمني الذي قاد الجيوش العربية الجنوبية وطرد الجيش من بلاده بمساعدة الفرس عام ٥٧٠م وقد تحدث ابن هشام عنه وذكر لنا الكثير من الأشعار التي تنسب إليه أو قيلت فيه، ولم تقف شهرة هذا القائد العظيم عند هذا بل نراه جدًّا للأسرة الحاكمة في «بورنو» وبطلا من أبطال ملاحم سكانها.

ولكن بينما نجد راوي السيرة يختار سيف بن ذي يزن قائدًا للساميين؛ إذ به يسند زعامة الحاميين إلى ملك حبشي يدعى «سيف أرعد» مع ملاحظة امتداد الحروب والصراع بينهما رغم أن كليهما تلحقه اللعنة، أسود اللون، وعلى هذا النحو لا تقتصر أيضًا تركيبة هذه السيرة الكبرى عليها لذاتها، بل هي تمتدُّ مشتملةً أيضًا على شخصية بطلها المحوري ذاته، الملك سيف، كيف أنه جاء إلى الوجود على غير لون بني جلدته الساميين، ليحارب الحاميين، وهو الذي وُلد بأفريقيا وتَرَبَّى بها، برياف الفلاة … كأنكيدو، إلى أن عاد إلى أصله العربي وموطنه ليعاودَ بدء حروبه ومخاطراته منطلقًا من الجنوب العربي؛ حيث فيه وفي خصاله تبدت خصائصُ وسمات بقية الأبطال المحوريين الملحميين العرب، حسان اليماني، عنترة، أبو زيد الهلالي، دياب بن غانم، وبقية الشخصيات الملحمية.

ففي الملك سيف بن ذي يزن يتبدى تفوق حمير كقبائل مختارة مكانها بين العينين: «ما حمير في أهل الدنيا إلا كالأنف من الوجه أو قُلْ بين العينين»، وهو ما تنازعتْه بعد ذلك القبائل العبرية، ففي بعض كتبهم الخرافية «إن الله قال لبني إسرائيل من تعرض لكم فقد تعرض لحدقة عيني.»

وكثيرًا ما يرد في هذا التراث وصف الحبشة وسكانها بالأشرار؛ ذلك أن اليمن كانت في صراع لا ينتهي مع الحبشة آخرها ذلك الاغتيال الدامي الذي اغتيل فيه الملك سيف بن ذي يزن الحميري ذاته بأيدي خدمه وتوابعه من الأحباش، حين اختلوا به في أعالي الجبال خلال رحلة صيد ومزقوه بحرابهم واختفوا في الشعاب.

ومن الأقوال المنسوبة إلى النبي هود عن ابن عباس: «إن جهنم في أرض المغرب يسكن عليها شرار خلق الله، وهم الحبشة.»

أما ما يرد عن وصف العرب بالأحرار، فمرجعُه تلك الصلات الموغلةُ في القدم بين هؤلاء الملوك التباعنة اليمنيين، فيقال: إنهم حكموا فارس واليمن منذ انتهاء الألْف الثالث قبل الميلاد مثل الضحاك وأفريدون وذا الأذعار وتشابكتْ أساطيرُ الملوك اليمنيين بملوك الفرس الأُوَل، فيقال إن العرب القحطانيين أخوال ملوك الفرس، وكان آخرها بالنسبة لسيرة الملك سيف، التجائه إلى كسرى ملك الفرس، حين غزا الأحباشُ اليمن وطلب منه نصرته، فأمده كسرى بمن في سجونه ليحاربوا إلى جانبه قائلًا: «إن ظفروا فأبناؤك، وإن قتلوا فأعداؤك» وكان أن انتصر الملك سيف وتوج على اليمن إلى أن وقع حادث اغتياله بيد الأحباش أو الكوشيين أو الحاميين أبناء اللعنة.

كما قد يوصف الفرس بالأحرار نسبة إلى الإيرانيين الذين قَدِمُوا مع الملك سيف بن ذي يزن «وهم إلى اليوم يسمون بالأحرار بصنعاء ويسمون باليمن عامة بالأبناء، وبالكوفة الأحامرة، وبالحيرة الأساورة، وبالجزيرة الحضارمة، وبالشام الجراجمة، كما يروي الأصبهاني.»

فالمُلاحَظ أن الأسطورة النوحية ومأثوراتها المتواترة في ملكها تجيء مسايرة لمسرح أحداث هذه السيرة وحروبها.

فتبدأ السيرةُ أحداثها والملك سيف بن ذي يزن يُعد العدة ويُجهز جيوشه وقوافله، مقررًا السير على رأسها إلى الشمال لمحاربة الملك بعلبك، لكن قبل أن تصل جيوشه الزاحفةُ من اليمن إلى مكة إلا ويُظهر الملك سيف رغبته في هدم الكعبة ونقلها إلى اليمن.

وتتداخل فابيولاته هنا مع ملك سالف يمني آخر، هو أبرهة؛ ذلك أن قوًى غيبية تتسلط عليه، وتعييه وجيشه بمختلف الأمراض والكوارث، إلى أن يعتنق دين إبراهيم وبكره إسماعيل باني البيت.

فتحت حكمة وبصيرة وزيره الكاهن «يثرب»، الذي كان يَدين بدين الكعبة ورب البيت وهو الإسلام، يسلم بدوره الملك سيف ويكسو الكعبة، ثم نجدُ الوزير يثرب يرجو الملك أن يبني المدينة التي حملت اسمه «يثرب» إلى أيامنا.

وما أن ينتهي الملك سيف من مهمته السياسية بأرض الحجاز ويثرب وشمال الجزيرة العربية أو السعودية اليوم، حتى يتجه شمالًا إلى بعلبك بلبنان، وتدور حروب طاحنة في عاصمة البقاع التي اعتبرها الساميون — على الدوام — أقدم مدينة في العالم، والتي لا تبعد الأسطورة المصاحبة لإنشائها كثيرًا عن الأسطورة النوحية؛ إذ إن قابيل — القاتل — ابن آدم عندما اعتراه الارتعاش أمر ببنائها ولقبها باسم ابنه أخنوخ — النبي إدريس — وأسكن فيها الجبابرة والمهترجية، ولكثرة فواحشهم أرسل الله عليهم طوفان الماء أو طوفان نوح.١٢
بل إن الملفت أن وادي البقاع ذاته المتاخم لبعلبك كان يطلق عليه سهل نوح، وأن ملكًا هو الملك الظاهر عام ١٢٥٨ ميلادية أعاد بناء قبر نوح فجعله «واحدًا وثلاثين مترًا.»١٣

فما أن بسط ابن ذي يزن سلطانه على بعلبك والبقاع أو النفوذ العربي الجنوبي اليمني، وهو ما توثقه بالفعل النقوش الحفرية الأركيولوجية التي عثر عليها علماء اللغات السامية، سواء في بلاد اليمن أو على طول الطريق التجاري الممتد من جنوب الجزيرة العربية إلى شمالها، مرورًا بمكة ويثرب ومدائن صالح وتيماء وتبوك ومعان ودمشق حتى أفريقيا الوسطى وبلاد الحبشة، مؤكدة تاريخية النفوذ التجاري والثقافي والسياسي اليمني على هذه الكيانات والبقاع.

لكن في الحبشة والسودان نرى السيرة تستطرد مطولًا في استغلال إدانة الحاميين عبر تلك الحروب والصراعات وبحث الملك سيف عن كتاب أو منابع النيل، مستكشفًا وفاتحًا معتليًا أمجاده التي عبر عنها وزيره الخير الحكيم يثرب:

وجلَّلت بيت الله خزًّا مزركشًا
يُحِيرُ عيونَ الناظرين مرقما
وساعدتني حتى بنيت مدينتي
يهاجر فيها سيد الأرض والسما
ويظهر دين الحق شرقًا ومغربًا
فيا فوز ذاك العصر من كان مسلما
فإن مليكًا يملك الأرض كلها
يكن حميريًّا تُبَّعِيًّا ومسلما
بدعوة نوح داعيًا كل أسود
لأولاد سادة تابعين وخدما

وفي شعر الحكيم يثرب يتضح جليًّا بينة الدعوة للسادة العرب، على مستعبديهم الأفريقيين، أو الساميين للحاميين أبناء اللعنة.

بل إن راوي السيرة، لا يغفل أبدًا عن الدعوة والتبشير بالنوحية، وكأنه دين جديد متكامل البنية يجري نشره في أفريقيا الوسطى — خاصة الحبشة.

بل إن هذا الصراع والنزاع بين الحاميين والساميين انتقل إلى مصر بعد أن كاد يكون قاصرًا على الجزيرة العربية، والقارة الآسيوية، ولعل من الأسباب القوية التي نقلتْ هذا النزاع إلى قارتِنا وخاصة إلى وادي النيل، إلى جانب الخلافات الجنسية والدينية؛ العوامل الاقتصادية، وقد أشار إليها مؤلف السيرة وعبر عنها تعبيرًا لا يقل طرافه عن أحاديث الأخصائيين من رجال وزارة الأشغال، فقد ذكر في الصحيفة التاسعة عشرة من الجزء الأول، طبعة القاهرة سنة ١٣١٠ﻫ، ما نصه:

واعلم يا ملك الزمان أن هؤلاء الحبشة والسودان لا بد أن تنفذ فيهم دعوة نوح عليه السلام؛ لأنه مُجاب الدعوة بين الأنام، ولا شك في ذلك وأنهم يخافون على مجرى النيل من نزوله إلى الأرض الوطيئة خوفًا أن ينزل إلى مصر فهم جاعلونه على قدر أرضهم، وإذا فاض يجعلون له تصاريفَ ينصرف فيها إلى الربع الخراب، وأنهم لا يعملون عملًا إلا بإذن الحكماء، وهذا هو الصحيح، والأمر الرجيح، وما زال الوزير يثرب يتحدث مع الملك في مجرى النيل ووادي الأمصار وفي شأن الحبش.

ويتفق المقريزي مع مؤرخي الحبشة على أن خصومات قوية قامت بين سيف أرعد وبين المسلمين، وأن هذه الخصومات كانت سيئة جدًّا حتى إن مصر اضطرت إلى التدخل لوقف هذا العدوان، وكان تدخل مصر هذا إلى جانب الأسباب الأخرى؛ من العوامل التي جعلت الأمتين في سلام حينًا وعداء حينًا آخر، كما أن شخصية سيف أرعد أصبحت بغيضة إلى مسلمي مصر وموضعًا للقصص والسخرية، وكتابة هذه السيرة التي يرجح أن التراكم الملحمي لَحِقَها بشكل أفسد الكثير من أصولها التاريخية والتراثية.

ويبدو أن راوي السيرة خبيرٌ بمصر وجغرافيتها، لغتها وعاداتها؛ فهو يذكر لنا كثيرًا من بلادها وشوارعها، وقد جاء في السيرة ذِكْرُ أسوان وإسنا، وأخميم وأسيوط، ومنفلوط، وملوي، وأهناس وحلوان، والجيزة ومصر، وحارة بين الوطاويط، وقلعة الجبل، والروضة، وبولاق، كما ذكرت كثيرًا من مدن الوجه البحري كدمنهور، وفوة، وفارسكور، وإسكندرية، ورشيد، ودمياط، وسمنود.

وقبل أن نختم حديثنا عن هذه السيرة نحب أن نشير إلى ملاحظة هامة وهي تعرُّض هذه السيرة للإضافات المقحَمة عليها أو ما يعرف بالتراكم الملحمي أو الإضافات والحذف التي اضطلع بها الرواةُ ونَسَّاخُو السير عبر العصور، مما أفسدها تاريخ حياتها وتأريخها ذاته، وأوقع بالكثير من الباحثين والمتعاقبين على دراستها في متاهات الغموض، إن لم تكن المغالطات المتعمدة.

(٢) عنترة بن شداد

يحق لكثيرين من الباحثين الذين تعاقبوا على دراسة أشهر سيرة ملحمية عربية — عنترة — اعتبارها بحق «إلياذة الصحراء» ذلك أنها واحدة من عيون سير البطولة الشعبية العربية التي ما تزال أشعارها ومعلقاتها ماثلةً منذ العصور الجاهلية الأولى وحتى أيامنا.

وهي أشعار البطولة ضد الأخطار ببلداننا العربية خاصة من الدولتين الكبيرتين، المصدر الدائم لهذا الخطر الداهم، وهما الدولتان الإيرانية الفارسية، والرومانية البيزنطية فيما بعد.

ومن هنا ظل هذا الخطر المحدق الجاثم على بلداننا العربية مصدر قلق شعبي دائم متصل في حقلي السير والملاحم الشعبية العربية، منها سيرة الأمير حمزة البهلوان، وعمر النعمان، وفيروز شاه، ثم عنترة بن شداد ومعلقاته الشهيرة عن حروبه ضد الفرس.

سلي يا ابنة العبسي رمحي وصارمي
وما فعلا في يوم حرب الأعاجم

لذا ما تزال أشعار عنترة ورسومه واسمه ماثلة متواترة على طول الوجدان الشعبي العربي، فالشخص القوي يدعى «عنتر» والحمل الثقيل الذي لا يقوى على حمله إلا من أوتي قوة عنترة هو حمل متعنتر، ولباس النساء الذي يبرز ثدي المرأة ويقويه سمي «عنتري»، وأكبر مقبرة عرفتها أسيوط القديمة هي «اصطبل عنتر».

فشخصية عنترة هي إذن من الشخصيات التي تغلغلت في صميم الحياة العربية، وهي الشخصية التي تتمثل فيها الرابطة السامية الحامية أجلَّ تمثيل؛ فنحن هنا لا ندري نزاعًا بين هذين الفرعين بل نلمس صفاء ومودة وسلامًا، فأم عنتر «زبيبة» حاميَّة وأبوه ساميٌّ، ويفخر بطل القصة بنسبه هذا ويقول:

يقدمه فتًى من خير عبس
أبوه، وأمه من آل حام
عجوز من بني حامِ بنِ نوح
كأن جبينها حجر المقام

فهذه السيرة التي تشغل بضعة آلاف من الصفحات المتوسطة الحجم تتحدث عن نجد بن هشام، وجهينة اليماني، وأبي عبيدة، والأصمعي وسعيد بن مالك، وغيرهم؛ أهملت أسماؤهم كرواة لها، والتي حفظ لنا التاريخ منها روايات بينها شيء يسير من الفروق، ونسب إلى الأقطار الحجازية والمصرية والشامية والعراقية سجل حافل لحوادث وقعت في الجزيرة العربية والعالم الإسلامي، في الفترة بين القرنين السادس والحادي عشر الميلاديين.

ففي نجد — قلب الجزيرة العربية — سكنتْ في منتصف القرن السادس الميلادي بطونٌ كثيرة من قبيلة قيس عيلان، كما نزل في المنطقة الواقعة بين مكة ويثرب والحجاز وجبال طي بنو سليم وهوزان، وشرقي هوزان نجد بني غطفان الذين حل من أفخاذهم بنو بغيض بين عبس ونبهان وكانت منازلهم الأولى الشرية الواقعة بين النقرة ومكة.

وفي ذلك الوقت الذي تتحدث فيه السيرة كان زهير بن جذيمة قد بسط سلطانه على غطفان، وما كاد يستقر له الأمر حتى نجد الغارات تلو الغارات بين العدنانيين والقحطانيين، وفي إحداها سبى العبسيون كثيرًا من بني جديلة غلمانهم وجواريهم وعبيدهم وعددًا كبيرًا من جمالهم التي كانت ترعاها أمة حبشية تدعى «زبيبة» وهي أم بطل السيرة.

ثم بعد أن ينتهي الحديث عن العدنانيين والقحطانيين، نجد أن السيرة تنتقل بنا إلى أرض العراق إلى بلاد الحيرة؛ حيث يدور قتال بين عنترة والنعمان بن المنذر؛ وذلك لأن الفارس العبسي يريد مهر عبلة، وهو ألف من النوق العصافير التي لا توجد إلا في العراق، ثم نقرأ وصفًا جميلًا لبلاد العراق والعصافير والعلاقات السياسية التي كانت تربطهم بالفرس.

وكما أن السيرة وصلت نجد والعراق بمهر عبلة إذا بها توقع عنترة في الأسر ليتخذ المؤلف من ذلك قنطرة يعبر عليها إلى إيران، ومن ثم ينتقل بنا إلى الدولة البيزنطية ويبسط لنا السياسة الفارسية تجاه الدولة الرومانية الشرقية، وهو في عرضه هذا لا ينسى العرب وموقفهم من هذا النزاع القائم بين كسرى وقيصر، وهذه الخصومة التي اهتم بها حتى القرآن وأشار إليها في سورة الروم.

وفي الصحيفة الثانية والأربعين بعد المائة نرى الراوي يحدثنا عن الحرب التي قامت بين ملك الحيرة والمنذر ملك لعرب عبدة الأحجار وكسرى ملك الفرس عبدة النار، وينتصر العرب بفضل عنترة الذي سجل بطولته في قصيدته المشهورة التي مطلعها:

سلي يا ابنة العبسي رمحي وصارمي
وما فعلا في يوم حرب الأعاجم

لكن المنذر يعلم أن الفرس سيعاودون الكرة، وأدرك هو أن سلامته وسلامة بلاده تتطلب منه أن يكون جبهة قوية ضد العجم؛ أعني: لا بد وأن ينادي بوجوب تعاوُن العرب واتحادهم في سبيل الوقوف في وجه العدو الخارجي، وهنا نرى السيرة تحدثنا عن الدولة العربية حديثًا لا يقل طرافة عن أحاديث اليوم؛ ففي الصحيفة الثامنة والأربعين بعد المائة نرى المنذر يخاطب عنترة ويقول: ولكن يا ولدي مِن الرأي أن أكتب إلى سائر القبائل، وأجمع العرب من الأحياء والمناهل، وأتأهب لحرب الملك كسرى؛ فإنه لا بد أن يعود إلينا ويسطو بعساكره علينا، وأول ما أرسل إلى قومك بني عبس وعدنان وفزارة ونبهان وسائر بني غطفان، ولا أزال إلى أن أقيم دولة العرب وأذل عباد النار واللهب.

لكن بينما المنذر يعمل لجمع شمل العرب إذا بعمر بن نفيلة يظهر على المسرح كوزير للمنذر ويعرض عليه خير التوسط بينه وبين كسرى لإزالة أسباب النزاع، ثم تقفز السيرة إلى القرن الحادي عشر الميلادي حيث الحروب الصليبية، وتحدثنا عن بطريق جبار وفارس من كبار الفرسان يدعى «بضرموت» الذي هو بوهيمند والذي هزم سائر فرسان إيران، ولم ينقذ كسرى منه إلا البطل العبسي عنترة، وبعد حفلات الوداع والتكريم نراه يعود إلى عبلة ومعه المهر والكثير من الهدايا لكن عمه مالك يرفض زواجه بها؛ لأن السيرة تلح في خلق خصوم لعنترة يشاطرونه حب عبلة والهيام بها وعنترة يكافح ضدهم بإخلاصه للعبسيين حينً.

وفي أثناء هذا النزاع بين الفارس وقبيلته نقرأ وصفًا لمعركة نشبت بين بني عامر تحت إمرة خالد بن جعفر والعبسيين بزعامة زهير بن جذيمة الذي قتل في هذه المعركة ونبا سيف ابن ورقاء عندما هوى به على خالد يريد قتله وإنقاذ والده، وإلى هذه الحادثة أشار الفرزدق معرضًا بأخوال سليمان بن عبد الملك:

إن يك سيفٌ خَانَ أو قدرٌ أبى
وتأخير نفس حتفها غير شاهد
فسيف بني عبس وقد ضربوا به
نبا بيَدَي ورقاء عن رأس خالد

ثم تعرض السيرة للغسانيين وتتحدث عنهم وعن المسيحيين وتصل بينهم وبين نصارى نجران، ثم تصف زواج عبلة بعنترة وتنتهز هذه الفرصة وتذكر لنا حلفاء العبسيين ومنهم العدناني ومنهم القحطاني، وبعد أن تفرغ من ذلك تواصل سرد أعمال عنترة، فتخلع عليه ثوبًا إسلاميًّا، وتنسب إليه حرب النبي ليهود خيبر ثم تنتقل بنا من قبيلة إلى أُخرى حتى نرى عنترة في «بلاط قيصر الذي وهبه جارية» تسمى مريم والتي وضعت لعنترة ابنه «جوفران»، ومن المرجح أنه أحد فرسان الحروب الصليبية المسمى «جودي فروي» أوائل القرن الحادي عشر، وتختتم السيرة بالحديث عن الفتوحات الإسلامية وعن مصر وشمال أفريقيا والأندلس.

والآن بعد هذا العرض نوجه إلى أنفسنا السؤال الآتي: ما هي حقيقة السيرة؟ وأين ومتى أُلفت؟ ليس من العسير الإجابة على هذا السؤال؛ فالقارئ المثقف يقرأها دون كبير عناء، وأن يخرج منها بأنها عرض موقف للقبائل العربية وعاداتها وتقليدها وحروبها في تلك الفترة التي سبقت الإسلام أو مهدت لظهوره، فهنا نرى العدنانية تنتصر على القحطانية، بل وتخالف السنن والأوضاع المعروفة عند العرب من قبل وتُلحق بنسبها عنترة ابن الأَمَة الحبشية، تزوجه عبلة بنت مالك أحد سادة بني عبس، فتمحو بذلك الفوارق الجنسية وتحطم الحواجز القائمة بين أفراد القبيلة الواحدة.

فإن عابوا سوادي عند ذكري
وجاروا من عناد في ملامي
فلي قلب أشد من الرواسي
ولوني مثل لون المسك نام
وما أسمو بلون الجلد يومًا
ولكن بالشجاعة والكلام

وغير هذه المبادئ الجنسية التي تعترف بها السيرة ويقرها الإسلام نجد فيها الشيء الكثير من عادات العرب وأخلاقهم في الحرب والسلم كما نعلم شيئًا عن تقسيم الغنائم وحظ الحر وحظ العبد منها، ونقرأ بعض صيغ للقسم تدل على شيء كثير من الافتخار بالجنس العربي والخلق العربي، وكقولهم «وذمة العرب» التي استعمل الإسلام منها أو عوضًا عنها وذمة الله، وإلى جانب كل هذه المعلومات يجد القارئ مئات من القصائد المنسوبة لعنترة وغيره من الشعراء الفحول وكذلك بعض المقطوعات الخاصة بالندب، والمعلقات وحتى قصيدة الأعشى والتي يقول مطلعها:

ودِّعْ هريرة إن الركب مرتحل
وهل تطيق وداعًا أيها الرجل

وغير الشعر نجد مناظرة لغوية بين عنترة وامرئ القيس نعرف من خلالها كثيرًا من أسماء السيف والرمح والدروع والخيل والنوق والخمرة.

وأخيرًا … فلعل سيرة عنترة هذه هي أكثر سيرة تعرضا لما يعرف بالتراكم الملحمي الذي عادة ما يضاف ويلحق بالسير عبر العصور.

وليس من المتيسر عمل مجرد إلمامة لملحمة عنترة ومأثوراتها، لكثرة ما يتناثر عنها في ثنايا الأدب العربي الكلاسي، وسنكتفي هنا بإيراد هذه الفابيولات التي ساقها صاحب كتاب الأغاني:

تزوج شداد أمة حبشية سوداء يقال لها زبيبة، وكان لها ولد عبيد من غير شداد، ثم ولدت من شداد عنترة، فجاء مثلها أسود، ولقب لذلك بالغراب، وكانت شفتاه متشققتين.

ويومًا حرشت١٤ عليه امرأة أبيه، وزعمت أنه راودها عن نفسها، وغضب من ذلك شداد غضبًا شديدًا، وضرب ابنه ضربًا مبرحًا، وحاول ضربه بالسيف، فوقعت عليه امرأة أبيه فكفته عنه، فقال عنترة فيها قصيدة تفيض بالحنان والتذلل.
وكانت العرب في الجاهلية، إذا كان للرجل منهم ولد من أمة استعبدوه، إلا إذا أنجب،١٥ فيعترفون به، وقد أغار بعض أحياء العرب على حي بني عبس قومه، فأصابوا منه واستفاقوا ليلًا، فتبعهم العبسيون وقاتلوهم عما معهم وعنترة يومئذ فيهم، فقال له أبوه: «كر يا عنترة» فقال عنترة: «العبد لا يحسن الكر، إنما يحسن الحلاب والصر»١٦ فصاح أبوه: «كر وأنت حر»، فكر وهو يقول شعرًا، وقاتل قتالًا حسنًا جعل أباه يدعيه١٧ ويلحق به نسبه.
وظل عنترة فارس قومه بلا منازع، يخوض معهم المعارك ويدافع عنهم، وقد غزت بنو عبس بني تميم يومًا، فانهزمت عبس وطلبتهم تميم، فوقف عنترة وحده لهم، ولحقتهم من بعد كبكبة١٨ من الخيل، فحامى عنترة من الناس حتى لم يصب مدبر،١٩ فعير رئيس تميم عبسًا بأن الذي حماهم هو ابن سوداء، حينئذ قال عنترة:
بكرت تخوفني الحتوف كأنني
أصبحت عن غرض الحتوف بمعزل
فأجبتها إن المنية منهل
لا بد أن أسقى بكأس المنهل
فاقني حياءك، لا أبا لك، واعلمي
إني امرؤ سأموت إن لم أقتل
وأسن عنترة، واحتاج، وعجز عن الغارات، وكان له على رجل من غطفان بكر،٢٠ فخرج يتقاضاه إياه، فهاجت عليه ريحٌ من صيف وهو في الطريق، فأصابتْه وقتلتْه.
وما زالت الرياحُ تحمل أنباء بطولاته، حتى غدا رمز الفارس العربي، وحتى قال محمد : «ما وصف لي أعرابي قط فأحببت أن أراه إلا عنترة.»٢١

(٣) سيرة الأمير حمزة البهلوان «الملقب بحمزة العرب»

تؤرخ هذه السيرة الكبرى التي تقع في أربعة أجزاء لسلسلة متعاقِبة من الحروب القارية بين العرب والفرس، امتدت منذ مطلع القرون الجاهلية على طول آسيا الصغرى.

اتسعت رقعتها فشملت الجزيرة العربية، والشام وفلسطين، ومصر، والمغرب العربي بعامة حتى طنجة، ومداخل أوروبا الجنوبية متضمنة شبه جزيرة أيبريا التي تعارف عليها العرب بالأندلس.

ومن منطلق قنوات الاتصال الحضارية التي مدخلها التنازُع والحرب بين كل من العرب الساميين، ومتاخميهم الفرس الإيرانيين الآريين؛ يمكن الجزم بأن سيرة الأمير حمزة البهلوان واقعةٌ بكاملها تحت تأثير الخصائص، محددة السمات للتراث الفارسي المجوسي،٢٢ بدءًا — بالطبع — من أخص هذه السمات، وهي الثنائية أو الانقسامية التي موجزها انقسام العالم والإنسان إلى خير وشر مباشرين أو مطلقين، وهو ذات انقسام العالم إلى نور وظلمة، وكذا حكايات ومأثورات وأشعار ومواويل الأصيل والخسيس.

وعلى هذا فالثنائية ومأثوراتها تتبدى بكثرة كمؤثر آري فارسي من تراثنا العربي منذ بذورها الأولى من تراثهم الأسطوري الذي جاءت به «الأيفستا» أو الشرائع، ومن رحمها تواترتْ إلى شهنامات الفرس، وسير ملوكهم القياصرة أو الأكاسرة.

إنه ذلك الصراع الأزلي المتصل بين إله قوى الخير المطلق أهورامزدا، وخصمه ونقيضه الشرير المتآمر أهريمن أو الشيطان.

وبالنسبة لسيرتنا عن حمزة العرب، يرد ذلك الصراع المحكم التضاد بين الخير المطلق ونقيضه السالب، موجودًا ماثلًا على طول سيرة الأمير حمزة البهلوان، ويتمثل في وزيري كسرى أنوشروان، الذي تسوق هذه السيرة وتؤرخ لعصره.

فالوزير الأول بزر جمهر خير محب للعرب المكيين إلى حد التحالف الكلي معهم، بينما زميله وخصمه الوزير بختك شرير متآمر معادٍ للعرب إلى حد المقت والمذلة والتآمر المتصل الحلقات لحمزة والعرب.

بل إن الصراع القتالي الحربي بين العرب والفرس، يتبدى من موقع المعادل الموضوعي لصراع وزيري كسرى هذين على طول أحداث ومنازعات هذه السير العربية التي تحفظ لنا سيرة بطل عربي، فيما قبل الإسلام بقرون وهو حمزة، الملقب بالبهلوان، وهو لقب ملكي فارسي.

ففي فضائل ذلك الفارس المكي العربي المحرر، تتبدى أسمى القيم العربية، المتجاوزة لواقعها الرعوي الصحراوي، متناطحة مع أعتى إمبراطوريات العالم القديم، وهي الإمبراطورية الفارسية وعبر أزهى عصور تراثها المتأجج المعجز لعصر كسرى وكرسيه الذي تصفه السيرة بأنه «يجمع تسعمائة ألف نفس من العجم، ما عدا الغرباء وقيل إنه كان للملك الأكبر ألف من الحجاب يقفون بين يديه مشمرين السيوف، من حين وجوده في ديوانه لحين خروجه، فيسير بين يديه غيرهم، وعند وجوده بقصر منامته يحرس بابه ألف أيضًا، وكان السرير الذي يجلس عليه من الذهب الإبريز الخالص، يبلغ ثقله عشرين قنطارًا وجمع ما حواليه من الكراسي المعدة لرجال دولته ووزرائه هو من الذهب أيضًا، فكان كسرى أنوشروان أغنى ملوك العالم.»

إلى أن تبدأ السيرة — على عادة ما هو متبع في شهنامات الفرس المجوس — بالحلم، حين لازم كسرى في منامه حلمٌ واحدٌ متكررُ الإيقاع والوحدات، وموجزه «أن كسرى شعر بالجوع عظيم فقدم إليه منضدة من الذهب عليها صحن من العاج منقوش بالنقوش الفارسية به وزة كبيرة مقلية شهية ما أن قاربها حتى هجم عليه كلبٌ هائلُ المنظر، كشر عن أنيابه، واختطفها وإذ بأسد يدخل عليه من الباب، يلقى الكلب ميتًا ويخطف الأوزة، فيعيدها إليه دون كره … فاستيقظت.»

وهكذا تعاقب الوزيران، بختك الذي لم يعر الأمر اهتمامًا يذكر، سوى أن مثل هذه الأحلام تحدث من قبيل الطعام، وبزر جمهر الذي أعطى الحلم دلالات، ذات صبغة سياسية جوهرية، ذلك أن الأوزة الشهية والمائدة الذهبية، ما هي سوى الإمبراطورية الفارسية التي سيختطفها حين يظهر فارس يهودي خيبري٢٣ من حصن خيبر ببرية الحجاز، يملك الكرسي ويحاصر عاصمة الملك ويطرد كسرى، إلى أن يأتي الأسد أو الفارس من برية الحجاز، والذي ليس سوى الأمير حمزة، فيستخلف الملك ويقتل العدو الخيبري.

ونظرًا لحرص ذلك الوزير الخير برز جمهر على مصلحة العرب، فقد أخفى عن كسرى المغزى الحقيقي لحلمه ذاك، فالفارس الذي يظهر من الحجاز، يجيء ليرفع نير الفرس المذل وحكمهم الظالم للعرب، فيهدم معابد النيران المجوسية ويقع بينه وبين الدولة الكسروية حروب طويلة.

وعندما آنس كسرى إلى وزيرة ذاك وسأله عن مكة أجابه الوزير حليف العرب، هي البلد التي تأتي إليه العرب في كل عام، قياما بواجبات الزيارة.

وفي الحال حمَّل كسرى وزيرَه بالهدايا والجواهر؛ بحثًا عن الغلام المنتظر «حمزة» وأن يعتني بتربيته، وهكذا وصل الوزير إلى مدينة تلقبها السيرة ﺑ «الحمزة»، فخرج لملاقاته الملك النعمان مُرَحِّبًا، ثم واصل سيره بحثًا إلى أن وصل مكة، وكان حاكمها يسمى إبراهيم يخاف الله وعرف منه أن امرأته حامل في الشهور الأخيرة، إلى أن جاء المبشرون يبشرون الأمير بولادة زوجته، طفلًا جميلًا كبير الجسم، أسماه الوزير الحكيم من فوره بحمزة أو حمزة العرب.

وهكذا جاء إلى الوجود حمزة — بطل سيرتنا هذه — كطفل موعود تسبق الأحداث الجلل والنبؤات مولدَه، ونموه المدهش وانتصاراته المظفرة على عادة ما هو متبع مصاحب لولادة جميع الأبطال الملحميين والأسطوريين والخرافيين والمقدسين، بلا استثناء وعبر سلسلة من الرحلات والتحولات يمر البطل بمرحلة اتفق عليها الأثنوجرافيون بمرحلة قتل الأم، أو التخلي عنها في اتجاه المزيد من الذكورية التي لا بد وأن تصل به في النهاية إلى ما يعرف بالبطرقية، أو شيوخ القبائل ليصبح بدوره أمة وقبيلة، ورأس سيرة كسيرتنا الماثلة، تمتد حروبه القارية على طول غرب آسيا، ومصر والشمال الأفريقي بعامة حتى مداخل أوروبا الجنوبية.

فقد صاحب مولد حمزة، ولادة ثمانمائة غلام، أهمهم هنا هو مولد صديقه وأخيه — في الرضاعة — ومخلصه، عمر العيار، العصا التي سيتوكأ عليها الأمير حمزة عبر حروبه وفتوحاته، وكما تصفه السيرة كان وجهه صغيرًا مستديرًا وعيناه صغيرتان مستديرتان كأنهما الثقوب ويداه ورجلاه صغيرة دقيقة أشبه بالخيطان، وهو الذي لعب أهم الأدوار وأخطرها في رعاية حمزة ذاته وتخليصه من الأسْر مرات والحفاظ على انتصاراته عبر آسيا الصغرى أو المغرب العربي، إلى أن أصبح حمزة الكسري العربي، أو حمزة ملك العرب والعجم — كما تُلقِّبه نصوص السيرة.

وهكذا ما أن تمت مهمة وزير كسرى حليف العرب بزرجمهر بمولد الطفل المخلص المرتقب حمزة، حتى عاد إلى المدائن، عاصمة الحيرة٢٤ مملكة النعمان الذي رحب به، وأخبره بمولد الحمزة المرتقب منقذ العرب من جور الفرس إلى حد إبادة الدولة الكسروية وتعزيز الدولة العربية.

واهتم الوالد بالتربية الحربية لولده، حمزة، فأنشأ له مرمحًا أو سوق طراد، فواصل مغامراته الحربية بصحبة تابعه عمر العيار، فشرب من ماء الحياة، من يد الخضر، وهو ذلك الماء الذي لا يعطش من شرب منه، وحين اختفى الخضر هتف حمزة أنه الغوث.

وهكذا بدأ حمزة سلطانه بمحاربة القبائل المناوئة لقبيلته المكية، ومنهم «بنو الأجدل» وساقهم كالأغنام، وعندما سمع بأن العرب وعلى رأسهم الملك النعمان بن المنذر، يدفعون الجزية إلى كسرى والأعاجم فأبادهم وشتتهم وواصل زحفه إلى الحيرة لمحاربة الملك النعمان وإرجاعه عن عبادة النار، وترك معتقدات آبائه العربية.

ومثل حمزة مثل كل الأبطال الشمسيين، جلجاميش البابلي العراقي، وشمشون الفلسطيني الذي استعارته الأساطير العبرية في عصر القضاة أو شيوخ القبائل، وكذلك الزير سالم، من حيث تعقُّب النساء له لمجامعته ومعرفة سره ومصدر قوته، وباتجاه هدمه لصالح قبيلتها، المريين أو الموارنة.

ذلك أن السيرة تزوجه من الأميرة الجميلة مهر دكار، وحيدة كسرى الذي أنجب منها ابنًا، قطع فيما بعد رأس جده كسرى أنوشروان واعتلى عرشه.

ومن المرجح أن المخطوطة الأصلية أو الأم لهذه السيرة ما تزال إلى أيامنا محفوظة بإحدى المكتبات الألمانية، مثلها مثل سيرة عمر النعمان بمكتبة جامعة توبنجن، والسيرة الفلسطينية العريقة «الأميرة ذات الهمة» التي يفوق حجمها العشرين ألف صفحة.

فإذا ما تجاوزنا النمو المدهش المصاحب لولادة وفروسية حمزة العرب في مكة، هو وتابعه الملازم له على طول حروبه، عمر العيار؛ نجد أن العرب بدورهم كان لهم حلمهم الكبير في التخلص من جشامة كابوس الحكم الفارسي لهم.

الأمير حمزة وتابعه العيار يجمعان جيوشهما العربية

ذلك أن الأمير إبراهيم والد حمزة كان يتملكه حلم عربي كبير، بأن يجعل الفرح للعرب على أيديهم وردع ملوك الفرس وغيرهم من كبار ملوك العالم بواسطة ولده هذا حمزة الذي لا يجمع تحت رايته إلا شرذمة قليلة، وفي الحال أحضر الشبان المذكورين وكانوا لا يزالون مرادنًا؛ أي لم ينبت الشعر قط بوجوههم، ودفعهم إليه فأخذهم إلى خاصته وعقد لنفسه عليهم، وجعل يمتحنهم في ميدان الحرب والطعان ويدريهم على الثبات ومن كان منهم ناقص المعرفة أثناء القتال مال إليه وعلَّمه ما يحتاجه حتى خرج الجميع أبطالًا أشداء.

وتبدت أُولى بطولات حمزة في هجومه على حاكم كسرى من العجم والامتناع عن دفع الجزية لهم.

برغم أن الأعجام كثيرة العدد أكثر من العرب وكلهم يجتمون إلى ملك واحد لا تتفرق كلمتهم ولا يقوم منهم قوم ولا قبيلة على قبيلة كما تفعل العرب الذين دأبهم على الدوام التفرق، فيغيرون على بعضهم، ومن ذلك لا تقوم لهم قائمة لا سيما وأن ملكهم النعمان ملك العرب إنما يجاري الأعجام، فيكرم النار ويقدم لها مزيد الاعتبار، فلما سمع الأمير حمزة كلام عمر العيار لعب به الغيظ والغضب وقال لأخيه: هيا بنا نضرب هؤلاء الأعراب والأعجام ونوقعهم ونمنعهم مرة ثانية أن يعودوا إلى الإتيان إلينا ويخطر لهم أن يجبوا مالا منا لأننا أحرار لا نقبل الإذلال، وإذا أغاظ عملي هذا كسرى ملك الأعجام أو النعمان ملك العرب سرتُ إليهما وحاربتهما وخربت بلادهما.

وأما الأمير حمزة فإنه بقي مصرًّا على عزمه بالمسير إلى الحيرة ومحاربة الملك النعمان، وأعلم بذلك قومه وقال لهم كونوا على استعداد للرحيل.

وركب حمزة وخرج من مكة وركب لركوبه سائر رجاله، هم الثمانمائة فارس شبان مرادن من سنه، وسار بين يديه عمر العيار كأنه عفريت، ينطلق في ذلك البر فيغيب عن الأبصار ثم يعود بأسرع من هبوب الرياح إلى أن أبعدوا عن تلك البلاد وتبطنوا البراري والقفار والسهول والأوغار، والأمير حمزة يتمنى أن يصل إلى الحيرة ليدهمها بغتة ويُوقع فيها ولا يمسك إلا الملك النعمان مسك الأيدي ويجازيه على فعله.

وعلى هذا عمل جاهدًا على توحيد صفوف القبائل العربية واختيار أفضل الشباب المحاربين وتجميعهم في مواجهة الخطر الأكبر المحدق بالعرب، المبدد لقواهم وتوحدهم عن طريق عيونه من الحكام السلطويين التابعين.

حمزة يعتلي عرش الملك النعمان

وعبر طريقه إلى مملكة الحيرة، ظل الأمير حمزة يجمع الجيوش الخارجة وقطاع الطرق وأصحاب القلاع مثل أصفران الدرينذي من حوله، إلى أن تمكن من أسر «القناصة» ابنة الملك النعمان، الذي خرج لملاقاته فهزمه حمزة وفرَّق جنوده، وانتهى بهما الحال، إلى أن تصالحا ومن ثم تم التصالُح أو التحالف بينهما في مواجهة الأعجام أو الفرس المجوس.

وما أروع وصف السيرة ذاتها للكيفية التي اقتحمت بها جيوش حمزة مدينة الحيرة عاصمة الملك النعمان بن المنذر، المتحيز للفرس ضد قومه وبني جلدته العرب.

وكان الأمير حمزة قد وصل إلى الملك النعمان وهو طالب الهرب، فانقض عليه ومسكه وسلمه عمر، وعند ذلك رجع الأمير حمزة من ساحة القتال وهو مغموس بالدم من رأسه إلى قدمه، فاغتسل ونزع ثيابه ودخل ديوان النعمان وجلس مكانه وجمع قومه، وأمر أن يؤتَى بالنعمان إلى بين يديه، واندفع يشرح له أغراضه في تجميع العرب المبددين، والوقوف في وجه الفرس طلبا للتحرر إلى أن أقنعه.

خارتين اليهودي الخيبري يعتلي عرش كسرى

وبالطبع علم كسرى من وزيريه خروج وتمرد حمزة عليه.

ولم تطل الحيرة بكسرى أنوشروان، وأي القرارين يقدم عليه، رأي وزيره الشرير المعادي للعرب بختك الذي أشار بغزو مكة، أم رأي وزيره بزرجمهر صديق العرب، الذي لا يحبذ الغزو والتأديب.

إلى أن بلغ كسرى خبر اقتحام خارتين صاحب حصن خيبر اليهودي، وكيف أنه خرج بعسكره وعددها أربعمائة ألف فارس من الفرسان المنتخَبين، ودخل حدود البلاد وهو يظلم وينهب ويقتل ولا يراعي حرمة أحد قط، وأنه يواصل التقدُّم إلى جهة المدائن؛ ليستولي عليها، ويجلس عوضًا عنه على كرسي العجم ليجعل نفسه كسرى الجديد.

حمزة يخلص عرش كسرى من خارتين اليهودي

وعلى هذا دفعت الهزيمة والانكسار بكسرى أمام عدوه اليهودي الخيبري خارتين؛ لأن يرسل بوزيره حليف العرب «بزرجمهر» إلى مكة لإنقاذه من الغزاة الخيبريين اليهود بقيادة خارتين.

فخرج الوزير من فوره من طهران إلى مملكة الحيرة بالعراق، فدخل على الملك النعمان وسلم عليه، فلاقاه النعمان ورحب به وعرض عليه رسائل خارتين، وأنه يدعوه للطاعة والانقياد، وأنه يسير إليه في الحال، وأخبره كيف لم يجبه ولا التفت إلى كلامه، وأنه أخذ في أن يجمع الجيوش العربية ليسير بها إلى قتال الخيبريين، فشكره بزرجمهر وقال له: لا يجب أن تسير إلا والأمير حمزة في مقدمة الجيوش؛ لأنه هو وحده الذي عليه المعول.

ثم إن الوزير حكى للأمير إبراهيم وولده الأمير حمزة كل ما كان من أمر خارتين وكسرى، وكيف أنه استولى على عاصمة المملكة وجلس على كرسي العجم، وفي ظنه أنه يمتلك البلاد ويكون الحاكم بالعباد، وكيف أن كسرى بعثه إليه بالهدايا والتحف يرجوه المسير إلى خلاص بلاده.

وكان أن أعد حمزة الجيوش وزحف لملاقاة الخيبريين، فقتل خارتين واسترد إيوان كسرى الذي طالبه من فوره باعتلائه، ولبس تاجه إلى أن وقعتْ مشادة بينه وبين الوزير الشرير الحاقد، حين حاول أن ينزع عن الأمير حمزة سلاحه حين دخوله على الملك الأكبر أو ملك الملوك كسرى أنوشروان، فكان أن لكمه حمزة وداسه بحذائه، فحقد عليه بختك أكثر وأكثر.

خاصة وأن كسرى أجلسه إلى جواره على ذات كرسي عرشه، حتى إذا ما رأتْه ابنة كسرى «مهردكار» عشقتْه وراسلته طويلًا طيلة إقامته وجنده في معسكراتهم خارج المدائن العاصمة، وكانت جميلة وهي لابسة ثوبًا أصفر عليه عروق سوداء وعليها من الحلي والجواهر، وعلى رأسها إكليل من الزهر الأبيض فوق إكليل من الإلماس والجوهر.

حمزة العرب يفتح القسطنطينية وبلاد اليونان

وتحفل سيرة حمزة العرب بالكثير من المعلومات الوصفية لأدب الرحلات وعادات وممارسات الشعوب والأقطار التي حارب فيها العرب بقيادة حمزة، إلى أن تملكوها.

من ذلك الوصف الدقيق الرائع الذي تسجله السيرة للقسطنطينية وبلاد اليونان، والذي لا يغفل وصف المدن وتقاليد السكان، ووضع المرأة وسفورها، وآداب الحديث والمائدة، وعبارات الحب والغزل والخمر، والأعمال الفنية والطرز المعمارية.

فما أن اقتحمت الجيوش العربية القسطنطينية حتى تقدم ملكها «إسطنانوس» فاستقبلهم ورحب بهم. ويرد بالسيرة أعذب الوصف للمدينة الهلينية، حين تركوا خيولهم خارج أسوارها ودخلوها؛ لأن أسواق المدينة كانت مبلطة بالرخام الأبيض المشغول بالنقش الروماني بعروق سوداء مصنوعة على نسق جميل مما يدهش العقول، وكذلك جدران الأسواق وأغطيتها كانت مغطاة بألواح من خشب الجوز المدهون، وبين كل لوح ولوح خط أصفر ذهبي يلمع كالذهب، فداوموا السير وكلما مشوا في سوق يروا شيئًا جديدًا إلى أن وصلوا سراية الأحكام، فوجدوا بابها من الرخام وأعلاه من النحاس الأصفر المنقوش وعليه رسومٌ وتماثيلُ عجيبةٌ تأخذ الأبصار لم ير النعمان ولا غيرُه مثلها، وعند جانبي الباب أَسَدان من النحاس الأصفر، كل واحد منهما بقدر الأسد الكبير، وأعينهما متجهة على الدوام إلى كل من ينظر إليهما، وبعد أن دخلوا باب السرايا نظروا هناك العجائب من كثرة التحف والتماثيل المصنوعة من عمل قدماء اليونان٢٥ المجلوبة.

فتح مصر وبلاد الشام وفلسطين

وعادت الجيوش المنتصرة إلى بيروت، وملكها كسروان وتحركوا إلى طرابلس، ثم صيدا، ثم عكا يجمعون الخراج لكسرى.

ذلك أن حمزة والملك النعمان بن المنذر بن ماء السماء واصلوا تقدمهم وهم يفتتحون المدن والقلاع عبر العواصم السورية والفلسطينية، لحين دخولهما مصر، وعليها ملكان عظيمان أحدهما «سكاما» والآخر «ورقة» وهما أخوان.

والملفت أن راوي السيرة لا يغفل تساؤلات حمزة، لتابعه ورفيقه الأقرب عمر العيار فما أن سأله على مشارف مصر حتى أجابه عمر بكل المعلومات التي يكون قد جمعها هو وأتباعه من العيارين، مستكشفًا — على الدوام — الطريق، جامعًا دقائق البلد، الذي يزحفون إليه.

ففي مصر أخبر العيار الأمير حمزة، حين سأله: أي إله يعبدون؟ فقال هم مختلفو المذاهب؛ فبعضهم يعبدون الأصنام، وبعضهم النار، والبعض الآخر العِجْل،٢٦ وما أن وصلوا إلى القاهرة، وبانت لهم وهي مزدحمة البنيان عامرة الأسوار حتى نصبوا مخيماتهم خارج القاهرة.
وفي مصر حدثتْ لحمزة خديعةٌ من جانب سكاما وورقة، حين أظهرا لرسوله عمر العيار الود، إلى أن أمن لهم الأمير حمزة وقبل لقائهما، فأكرماه ورحبا به في قصورهما الهائلة الحجم وبعواميدها الرخامية وطولها وضخامتها٢٧ وهي مع كبرها العجيب قطعةٌ واحدةٌ من النقش والحفر والنتوء وكل صنعة عجيبة، حتى كاد يؤخذ عقله وأخيرًا جاءوا قلعةً في آخر المدينة، وهي من الحجر الأحمر الناعم، ونجحتْ خطتهما في أسر حمزة داخل تلك القلعة ومعه الأمير معقول البهلوان.

جرح حمزة العرب وحصار مكة

وتكثُر مآزقُ هذه السيرة التي تروج بين خصائص وسمات التراثين المتزاوجين أو المتآخيين منذ أقدم العصور العربي السامي، والفارسي الآري، بجرح الأمير حمزة، وحصار كسرى أنوشروان للكعبة، وألاعيب عمر العيار للجيوش الشاهنشاهية بسلب مؤنها وذخائرها ومراعيها من خيول ونوق، لفك الحصار الضاري حول مكة وكعبتها.

لحين تماثل حمزة للشفاء وصراعه عبر حكاية خرافية استطرادية مع فرخ جان هائل في جبل قاف، انتهى به إلى الجنوب والعبور بفيالقه إلى الحبشة، وكسر الجيوش الفارسية، بل هو عاد فوصل بجيوشه إلى مراكش وطنجة ومداخل الأندلس وجمع قواته وطاقاته للعودة إلى منازلة الفرس وردهم حتى الحدود الإيرانية.

فمن جديد تجمعتْ جيوشه في حلب الشهباء لسوريا العليا، وزحفت إلى مطاردة جيوش كسرى، ومُنازلتها داخل إيران وعلى حدود المدائن العاصمة، لحين إيقاع الهزيمة بها وحيازة شارة الإمبراطورية، وطوطمها المجمع ويدعى «علم بيكار لوشتهار» الذي نصبه على بابه وصيوانه.

إلى أنْ تمكن أحد قادة التحالف الفارسي ويعرف ﺑ «زوربين» من إصابة٢٨ الأمير حمزة بحربة غادرة مسمومة، لزم الفراش إثرها، إلى أن تولى الوزير الخير صديق العرب بزرجمهر شفاءه.

إلا أن السيرة تخلي أحداثها قليلًا؛ لأنه عمر اليوناني الذي جاءته الإمدادات اليونانية العسكرية لمساعدته على الصمود في وجه حصار الجيوش العربية للمدائن عاصمة الفرس المجوس، كذلك لا يغفل الوزير الشرير المعادي للعرب من تدبير المكائد والمؤامرات للنيل من عمر اليوناني وإيقاعه في الأسر، دون جدوى.

إلى أن يشفى الأمير حمزة من جروحه ويروح يواصل مغامراته، ما بين مداخل إيران أو مكة وحلب، وتحدث له حكاية جانبية استطرادية مع الجان وعوالمهم في جبال قاف مرة وأخرى مع الأسفار البحرية، ليصبح كالملاح الغريق لحين إنقاذه على يد تابعه وصفيه «عمر العيار».

إلى أن يجمع حمزة من جيوشه نحو عشرين ألف مقاتل حارب بهم الصقالبة.

ومن خضم هذه الحروب والمنازعات الجانبية، يتمكن كسرى من اختطاف ابنته «مهردكار» وأسرها هي وابنها من الأمير حمزة، لكن سرعان ما يتوصل صاحب الألاعيب عمر العيار وعيارته من إعادة إنقاذهما والعودة بهما إلى حلب.

لكن لا يفتقد الراوي على الدوام ربط مستمعه بأحداثه؛ ومنها هنا اختفاء عمر اليوناني من إحدى مخاطراته … وافتقاده، أو افتقاد الجواد المركزي للأمير حمزة المسمى ﺑ «اليقظان»، أو أن يتمكن ذلك الفارس الفارسي — البين أو ذو بين — من جرح عمر العيار خلال مخاطراته التجسسية، للوقوف على الاستعدادات العسكرية المستجدة الفارسية، عبر تلك الهدنة التي طالت.

ويعرج حمزة بجيوشه إلى مصر فيمضي بها سبعة أيام مواصلًا فتوحاته عبر مصر العليا والصعيد إلى السودان وأفريقيا؛ بحجة البحث المضني عن جواده «أبو اليقظان»، لكن في ربوع السودان يتعرض لخديعة من جانب ملكها «مزهود صاحب التكرور» ينقذه منها كالعادة عمر العيار.

ومن جديد تتلاقى روافدُ الجيوش العربية في حلب الشهباء تمهيدًا للزحف على فارس.

وفي الطريق يتمكن الوزير الخبيث بختك من اختطاف «قباط» بن حمزة من زوجته مهردكار، ومن جديد يعيده العيار، إلى أن يواصل قباط نموه المدهش كطفل قدري، لحين أن يعين سلطانًا على الحجاز والعرب والمصريين والأحباش.

ومرة جديدة يعود الأمير حمزة إلى مصر، ويلحق به حليفة «الأندهوق» مزودًا بجيوش من سرنديب الهند والتركمان والأكراد، وتجتمع مشورتهم على إرسال عمر العيار ليواصل تلصصه داخل بلاد الفرس لجمع أخبار الجند ومواقعها وأحجامها، بل وتسليحها.

حتى إذا ما زحفت الجيوش العربية وعلى رأسها الأمير حمزة، دار قتال مرير على تخوم العاصمة المدائن وتبرز فيها شرور الوزير المعادي بختك، إلى أن أصيب حمزة بجرح في رأسه أقنعهم على إثره الوزير الصالح بزرجمهر بفك الحصار وعودة حمزة الجريح وجيوشه إلى مكة.

حتى إذا ما عادوا بالفعل إلى نقطة انطلاقهم — مكة — سبقتهم الرسائل المهينة من الملك الأكبر كسرى أنوشروان سلطان سلاطين هذا الزمان، إلى الأمير قباط ابن الأمير حمزة البهلوان، يطلب الخال كسرى، من ابن ابنته مهردكار الاستسلام غير المشروط.

ذلك أن الأعجام توهموا موت حمزة الذي سرعان ما تماثل للشفاء، فازداد من جديد تصميمهم على مطاردتهم والعودة إلى حصار مكة.

إلى أن تستعيد السيرة بطلا، هو في حقيقته فارسي المنبت والجذور يدعى «رستم» يلتقي به عمر العيار، عبر جولاته التجسسية من بلد روماني يدعى قيصرية.

وعلى الفور تعرَّفه عمر العيار؛ فهو ابن مريم بنت الملك قيصر التي جازفت بإنقاذهم من خديعة أبيها لاغتيال حمزة وبقية الأمراء القادة العرب تحت أنقاض أكوام الملح.

إلا أن رستم هذا يجيء كمنقذ لأبيه وقومه، على ذات خصائص رستم الفارسي الذي لا يهزم.

حمزة العرب يحاصر عاصمة الفرس

وعلى نحو رتيب تواصل هذه السيرة الملحمية، التي لا يخرج موضوعها عن الدوران المتلاحق لكلا الحرب والحب، والتي تبدو محملة إن لم تكن مثقلة بخصائص وسمات التراث الفارسي الإيراني وجذوره الآرية الضراية — كما ذكرنا.

فالثنائية — التي موجزها هنا الصراع الضاري بين الأخيار والأشرار — تبدو متمثلة من ألِف سيرة حمزة البهلوان حتى يائها؛ متجسدة في صراعي الوزيرين بزرجمهر حليف العرب المعادي لقومه الفرس المجوس عبدة النار ومحارقها، وبختك الشرير الذي قادتْه أحقاده إلى حد التآمر لاختطاف ابني كسرى، الشرير بدوره، «خرسف» والخير «فرمزتاج» لولدي حمزة العرب، رستم فرتم، وأخيه عمر اليوناني.

وفي كل محاولة يحيطها من منبتها الذكاء المتوقد لعمر العيار، إلى أن انتهت هذه المحاولات بقتل خرسف، وأحزان كسرى وتمزيقه لثيابه عليه؛ حيث كان يبكيه ليلًا حين يستقدمون له رأسه على طبق من ذهب.

ولا تغفل السيرة عن رصد البطل القادم رستم ومغامراته في ربوع خوارزم وتعشقه في النساء باهرات الجمال إلى أن تمكنت إحدى الأميرات المقاتلات، التي يذكرنا ملمحها بشجاعة وفروسية النساء الأمازونيات الليبيات، وتدعى «حسانة»، وجيشها من النساء المحاربات؛ تمكنت من أسره إلى أن ينقذه العيار وأتباعه من العيارين بألاعيبهم.

وكما ذكرنا فقد اتخذت هذه الجيوش المتحالفة بقيادة الأمير حمزة، من حلب الشهباء نقطة انطلاق وتجمُّع باتجاه مداخل شط العرب للهجوم على إيران، ومحاصرة عاصمتها «المدائن»، ويتم ذلك بالفعل عقب سلسلة من الحروب المتقهقرة، في مواجهة، التحالُف الفارسي بقيادة كسرى، ومجموعته من القادة، أهمهم «رعد المنقش» الذي كان يعود منتصرًا عقب كل حرب كشقائق النعمان مما سيسيل على جسده من أنهار الدم العربي المراق.

مأساة حمزة العرب بانتحار مهردكار

ويؤرخ الجزء الرابع والأخير لهذه السيرة، التي — كما ذكرنا — تجيء كنتاج طبيعي لكل الأحداث التاريخية والوقائعية للفرس المجوس الآريين، ومتاخميهم العرب الساميين، بالإضافة — طبعًا — إلى التزاوُج الفكري الأقرب إلى التوحد الذي قاسِمه ومحصلته هنا هو: التراث، من تقليدي كلاسيكي وشعبي فولكلوري.

ولنا — هنا — أن نتصور أن الطبعة الأخيرة من قاموس لاروس للأساطير التي قدم لها الشاعر عالم الأساطير روبرت جريفز، فإنه يورد التراث الإسلامي في أعقاب إن لم يكن في ذيل التراث الفارسي الأسطوري، وليس هنا مجال الرد على مثل هذا الادعاء والتهوين، بيد أن هدفنا هو تأكيد مدى التقارُب التراثي والمُزاوَجة، بين العرب والعجم وهو ما تنبض به هذه السيرة، التي لا تبعد بنا كثيرًا عن نمطية التراث الآسيوي بعامة، وميزبوتامي أو غرب آسيا أو آسيا الصغرى بخاصة.

أما المجلد الرابع لسيرة الأمير حمزة البهلوان يقتصر على التاريخ والسرد لأبناء حمزة وأحفاده، بديع الزمان ومخاطراته الجغرافية في الأقاليم أو بلاد الظلمات الست، منتقلًا منها إلى المغامرة في عوالم المَرَدة والجان، لحين تجدُّد الاشتباكات بحروب العرب مع أقوامٍ آسيويين يُعرفون بالخوند وسلطانهم الملقب ﺑ «بهرزاد» الذي لجأ إليه كسرى أو القيصر الجديد ووزيره المتسلط بختيار المعادي للعرب.

كذلك تتعقب السيرة النمو المدهش وصبوة وفروسية الأمير قاسم، ابن رستم، مشيرةً إلى العداء الضاري بين بديع الزمان وقاسم، الذي انتهى بهما إلى تحالُف بديع الزمان مع ملوك الظلمات الستة لمحاربة عمه حمزة، ثم فاجعة موت رستم واغتياله في محاربته لطهماز والخوند.

ولا تغفل السيرة مواصلة النمو والتصاعد بتلك الأحزان الدفينة والمخاوف التي حلت بحمزة العرب، عقب طرده واستعدائه على زوجته مهردكار التي حارب من أجلها لحين انتحارها على عتبات عرش أبيها الإمبراطور كسرى.

وتضاف لهذه الأحزان — التي أفضت إلى الوساوس فالجنون: الموت، القتل، في ساحات الحروب الطاحنة، الذي حل بأبنائه وأحفاده، عبر زيجاته الخارجية السياسية للبلاد المفتوحة.

لذا يتبدى ذلك المحارب العربي حمزة، الذي لا تخبرنا السيرة عن مماته، بقدر ما هي تمادت في تصوير اهتزازه المقارب للجنون، سواء بالنسبة للأحداث والعلاقات من سياسية لإنسانية، والتي كثيرًا ما كان ينهره عليها صديق طفولته وحارسه، الذي أصبح الوزير الأول في الهيكل الصبابى لدولته، عمر العيار، بل إن العيار كثيرًا ما تَخَلَّى عنه وتركه عبر رحلات في ربوع البلدان الأسيوية المفتوحة لسنوات.

تضاعف جنونُ حمزة عقب إصابته في رأسه إبان منازلاته الحربية، حتى وصل به إلى حد تعشقه في غلام كان يجنح به إليه حصانه المسمى باليقظان ليداوي جروحه.

ثم يعود الراوي لينسج فابيولا حول ذلك الغلام الوسيم الملثم، وأنه هو بذاته زوجتُه مهردكان التي لم تمت — كما سبق أن أخبرته بهذا تلك الكائنة الخرافية «اسما بري».

إلى أن تنتهي هذه السيرة، بانتقام العنقاء من حمزة ومطاردتها له، لحين تمكن حمزة من أسر الوزير الشرير المتآمر على الدوام ضد العرب بختيار أو بختك وملك الخوند المتحالف مع الفرس، وصلبهما، ثم نصب كسرى الوريث على عرش الأكاسرة، ثم اصطحب الوزير الصديق بزرجمهر بكل التكريم، وبجنوده وعتاده وعاد إلى مكة.

(٤) الزير سالم الملحمة العربية الكبرى

تعد سيرة الأنساب العربية الملحمية، الزير سالم أبو ليلى المهلهل التي تؤرخ لحرب البسوس الشهيرة أو حرب الأربعين عامًا؛ في موقع الإلياذة العربية بحق إن لم تَفُقْها من حيث كلا العراقة والمواقف الأكثر صعوبة وتراجيدية.

ونطرح عبر هذه الإلمامة عن الزير سالم، عدة تساؤلات وقضايا، في محاولة لتجاوُز الكثير من الدراسات أو الاجتهادات الأدبية التي تعاقبتْ عليها، دون فهمٍ كافٍ أو إضافةٍ ملحوظة.

من هذه القضايا: كيف أننا بإزاء سيرتين شبه مختلفتين، إحداهما فُصحى — أو عربية كلاسيكية — والأخرى شعبية فولكلورية، تجيء بها الطبعات المتعددة واسعة الانتشار متواترة، ربما منذ دخول الطباعة والمطبعة بلادنا عقب الاستعمار الفرنسي؟

فالملفت أنه حتى أيامنا لم نتمكن بعدُ مِنْ حصر جسد هذه السيرة، ونصوصها المتعددة — من فُصحى لعامية، وما داخلها من سير أسبق وأخرى لاحقة أو تالية، وكذا كل ما يتصل بشخصياتها، التبع حسان اليماني، الذي غزا سوريا ولبنان والأردن وفلسطين بألف سفينة حربية ومائة ألف مقاتل، إلى أن اغتاله بمؤامرةٍ كليب بن ربيعة، الذي اغتاله بدوره جساس بن مره. فكانت حرب البسوس الشهيرة، التي قادها البطل الفلسطيني المنشأ بوادي بئر سبع الفلسطينية، الزير سالم أبو ليلى المهلهل، والذي ستشغل حروبه المعروفة بحرب البسوس التي امتدت أربعين سنة؛ الجسدَ الأعظم لهذه السيرة الملحمية الأُسطورية الطوطمية.

والغريب أن الزير سالم يتبدَّى في النصوص والطبعات الشعبية كتجسيد للبطل الشعبي المقاتل الخارق، متحليًا بكل فضائل وقيم البطل الشعبي، الذي يرفض أن يَطعن من الظهر أو يتآمر، أو يغتصب أو يتسلط، حتى ولو كان الأمرُ متصلًا بتصرف أو موقف أخلاقي إزاء حيوان، أسد جائع صادفه في بير سبع، أو إنسان ذليل، بعث به عدوه ومغتاله أخيه كليب؛ ليرقد في قبره، حتى إذا ما جاءه المهلهل، ليستشير جثمان أخيه، يتصنع صوت أخيه الملك كليب، ويطالبه بالاكتفاء ووقف القتال، وعندما يكتشف المهلهل خدعته، ويصارحه الرجل الواجف، بالخدعة وبحاجته لأكل العيش يضحك ويعفو عنه، ويعطيه حصانًا ومائة دينار — مُطَمْئِنًا.

ناهيك عن أشعاره ومعلَّقاته ومواجعه، التي وَجدتْ صداها على طول العصور، لِمُستمعي السير والملاحم في الأسواق والموالد والمنتدبات الشعبية، في عصور ما قبل المعرفة بالتليفزيون ومسلسلاته الملفقة إياها.

حين ينشد راوي السيرة متوجعًا:

ما تجيش بلا طب
لو وصل درهمي دينار٢٩
إياك تلوم المبالي يا خـ
ـلي دي نار
قوم شد على بكر شامي
في دجى الأسحار
اسمع وهاتلي دوا يقـ
ـطب عليه جرحى
دانا جرحى حير
جميع الطب والأسحار

والملفت أن المهلهل أو الزير سالم، لم يَتَبَدَّ أبدًا في موقف سلطوي أو متسلط، باستثناء حروبه ومنازلاته، وتجبُّره القبلي الانتقامي، وتعشقه الدموي بالحرب وأخذ الثأر، حتى إن الزير سالم قَطَعَ على نفسه أنْ «لا يهم بصلح ولا يشرب خمرًا ولا يلهو بلهو ولا يحل لأمته؛ أي ما يربط أو يلأم درعه الحديدي، ولا يغتسل بماء، حتى كان جليسه يتأذى منه من رائحة صدأ الحديد.»

كل هذه المحرمات واللاءات إلى أنْ يحقق انتقامه، من مغتالِي أخيه كليب، وقبيلته.

فكان لا ينسى القتال لومضة، حتى إنه عندما انكسر الكلبيون أو التغلبيون بقيادته ذات غزو، وأحاط بالمهلهل عقب عودته من الحرب النساء والأبناء يسألونه عن آبائهم، قال مترفِّعًا قولته المأثورة:

ليس مثلي يخبر الناس عن
آبائهم قتلوا، وينسى القتالا

وإذا ما تجاوزنا دوره القتالي القبلي؛ نجد مواقف الزير سالم وعلاقاته عادة أقرب إلى بسطاء الناس، في كلا منبته ومنفاه الاختياري بوادي بير سبع بفلسطين، فحتى عندما توسل إليه أخوه الملك كليب، حين زاره ببير سبع وطالبه بالعوده معه إلى دمشق عاصمة ملكه المتناهي «من مكة لأرض الروم» لينصبه ملكًا على العرب، رفض الزير سالم الملك وحتى بعد مصرع كليب، ظل طويلًا يبكيه وينعيه في واديه الانعزالي الموحش؛ يسكر عن أحزانه، إلى أن هاجمه قومه وبنات كليب بريادة اليمامة، وانتزعوه انتزاعًا من منفاه ببئر سبع، وعادوا به إلى عاصمة ملكه الجديد، دمشق.

بل وحتى عندما أجبروه، على قبول المُلك والجلوس على عرش الإمبراطور اليمانيِّ التبع حسان، الذي ورثه أخوه كليب بالمؤامرة والمكيدة الطروادية؛ ظل الزير سالم كما هو فلم يغيره ملكٌ، بل هو ظل أقرب في كل حالاته إلى بسطاء الناس، من مهانين ومضطهدين.

حقًّا ما أشبه هذا البطل الشعبي الفلسطيني المقاتل «المهلهل» بشعبه الذي نبت من صفوفه، في افتقاده لأرضه، وتراثه.

وتتضح ذروة مواقفه التي يخالط فيها الزهد الثوري، قيم الفارس المقاتل رمحًا وكلمة حين أسلم من فوره، عرش الملك كليب، إلى ابنه «الجرو» — حَالَما التقى به في ساحة القتال وتَعَرَّفَه — سمحًا راضيًا منزويًا كأوديب عقب عقابه وعمائه، إلى أن اغتاله خادمه غريبًا معوزًا، في صعيد مصر؛ حيث دُفن هناك، كأوزريس وجاء مدفنه بالعرابة المدفونة.٣٠

وتختلف النصوص حول موت المهلهل واندثاره على عادة الأبطال الآلهة أو المؤلهين؛ فالنصوص العامية ترى أنه اغتيل في صعيد مصر، والنصوص الكلاسيكية ترى بأن حدث موته وقع بالبحرين، وأُخرى باليمامة، ورابعة بفلسطين موطنه.

كما أنه لم يُعرف له قبرٌ ولا مدفن مهيب، صيغت قبابه من الذهب الخالص والفضة كأخيه كليب ملك العرب.

ولعل الغموض والاختلاف حول موت المهلهل واختفائه، أن يمتد ليشمل مجيئه ومولده، أمذى لا نعرف عنه كثيرًا في أي من منظومات هذه السيرة الملحمية ونصوصها المتعددة من شعبية لفُصحى.

والمفترض هنا بالتالي أن نكون بإزاء أكثر من شخصية للمهلهل أو الزير سالم، إحداها عربية فصحى كلاسيكية، تتبدى في تراث الأدب العربي، مجهلة للزير باهتة، وفي معظم الأحيان بغيضة — إن لم تكن سالبة شريرة — حتى إن العرب لقبوه ﺑ «الداهية»، يمارس الحرب على أنها خدعة، وكثيرًا ما يقع في أسر أعدائه، مثلما حدث له في حرب «الحرث»٣١ الذي حاربه مرة؛ انتقامًا لابنه «البجير» الذي قتله المهلهل، ولم يكن الملك الحرث أو الحارث يعرف الزير سالم حين احتضنه غيلة وعاد به إلى قومه، أسيرًا، وسأله: دلني على المهلهل.

– ولي دمي.

– ولك دمك.

– أنا المهلهل، خدعتك والحرب خدعهْ.

ولما أطلقه الحرث، طالبه بأن يدله على فارس مهيب يقتله انتقامًا لولده البجير، فكان أن دله على أعز أصدقائه المقربين «امرئ القيس».

فجز الحرث ناصية٣٢ المهلهل وأطلقه، وقصد الحرث امرأ القيس فشد عليه وقتله.

وعلى هذا النحو من الخسة، يتبدى المهلهل في أدبنا العربي الرسمي، كشخصية ميكيافيلية داهية، كثيرًا ما يقع في الأسر والمهانة، وما الحرب سوى جزء من جلده الأقرع، بل تفسر النصوص والمأثورات العربية الفصحى «الوسطوية» تسمية المهلهل بأنه كان أول من «هلهل» الشعر العربي، وهو أبعد ما يكون عن شعره التراجيدي الرصين، الذي حرصنا على إيراد معظم نماذجه في هذه الدراسة عنه وعن سيرته.

وهو بالطبع ما يتعارض بالكامل مع اختفاء النصوص الشعبية الفولكلورية بشخصية الزير سالم، كبطل شعبي خارق، مكتمل الفضائل بل هو أبدع «أنموذج» للفارس المقاتل المتسق مع ما يهفو إليه ويتمثله بسطاء الناس، من مهانين ومضطهدين وواجفين.

ودون عزلة عما أسدتْه هذه الاتجاهات النظرية لحقول البحث الفولكلوري الأثنوجرافي، ودون عزلة أيضًا عن جدلية الربط بين الماضي العربي الطموطمي الأقل ذاك، والذي تبدى كل التبدي، طافحًا على الحاضر العربي الماثل، وعلى اعتبار أن الماضي يفسر الحاضر الذي ما هو سوى صورة متطورة منه «كما يشير آرثر تيلور».

فلعل ما يعوزني رصده وتسجيله هو في المحل الأول توصلي المضني إلى التعارُض الكبير بين النصوص الفولكلورية للزير سالم، ونظيرتها من مأثورات الأدب العربي على طول تاريخه المغلوط بما يشير إلى أننا بإزاء اكتشاف أكثر من سيرة أو ملحمة للزير سالم أبو ليلى المهلهل، إحداها عربية أدبية كلاسيكية، والثانية شعبية فولكلورية.

ومما يعمق هذا الانقسام والتعارُض، بالنسبة لشخصية المهلهل أو الزير سالم — خاصة — والمتبدي واضحًا في النصوص الأم Version العربي الفصيح، والعامي الفولكلوري، هو أولًا — وقبل كل شيء — يجيء من اختلاف موطن وجغرافية هذه السيرة الملحمة الزير سالم؛ أي مجرى الأحداث ومسرحها، حيث تجري في النصوص العربية الكلاسيكية، في مكة وما حولها، وبشكل محدود — متقوقع — بدوي قبائلي هزيل.

بينما تتخذ النصوص الفولكلورية من بئر سبع بفلسطين موطنًا ومنفًى للزير سالم، يتسع ليشمل سهول سوريا ولبنان والأردن وفلسطين ومكة، أما مركز أحداث هذه السيرة وعاصمتها فهي دمشق؛ حيث تجري حروب قبائلية، قارية، لمئات الألوف من المتقاتلين، وحصار بحري قوامه ألف سفينة، يتقدمها تبع أو إمبراطور يمني غازي.

ومن هنا يمكن طرح التساؤلات على النحو التالي، هل نحن إزاء سيرة واحدة، أم سيرتين، إحداهما للمهلهل — نرجح أنها الفصحى — تجري أحداثها بين عرب الشمال الجاهليين، والثانية فولكلورية للبطل البئر سبعي الفلسطيني المنتقم لمصرع أخيه الملك كليب، تجري أحداثها ما بين الشام ولبنان وفلسطين، ولا بأس من أن تمتد الأحداث الرافدية الجانبية لتشمل مكة وما حولها؟

وإذا ما عرفنا أن «المبكى» أو الضريح للملك المغتال كليب، يشير مباشرة إلى أنه سلف أو هو شارة سلفية، للقبائل «الكلبية»٣٣ التي عرفت منذ ما قبل الألف الثانية قبل الميلاد٣٤ بشعوب البحر أو الشعوب البحرية، الذين تعرف إليهم الأنثروبولوجيون، حين وصلت هجراتهم وغزواتهم إلى إنجلترا وأيرلنده، ومعظم دول الشمال الأوروبي، منذ مطلع الألف الثانية قبل الميلاد — ٤ آلاف عام — وهم من لَقَّبَهم اليونان فيما بعد بالفينيقيين أقدم شعوب العالم القديم البحرية اقتحامًا للبحار والمحيطات، من سوريين وفلسطينيين، والآخرين — كما يقول جريفز٣٥ وهم الفلسطينيون، هم بذاتهم الذين أسروا القبائل الإسرائيلية في عبرون٣٦ وجودا أو اليهودية بالضفة الغربية، وكانوا يضمون داخل تحالفهم القبلي عشائر أدومية٣٧ من أردنيين وسوريين، المعروفين بالكلبيين.

وظل الإسرائيليون في أَسْرِهم لمدة مائتي عام، وهو ما يعرفه التراث العربي بالأسر الفلسطيني الأول، إلى أن تحرر الإسرائيليون، بعد أن اكتسبوا الجانب الأعظمَ من الدين والتراث الفلسطيني، ومنه بالقطع هذه السيرة الملحمية، التي تُشير بعضُ حلقاتها إلى فابيولات شمشون ودليلة، والكثير من الفابيولات والمأثورات العبرية المغتصبة مثلها مثل الوطن.

ويلاحظ أن هذه القبائل العربية المتحالفة منذ ٤ آلاف عام تحت اسم أو شعار طوطمي — كالب Caleb، ظلوا يحتفظون بتسميتهم هذه «الكلبية» حتى أواخر الدولة الأُموية، التي كانت تسمى بالدولة الأموية الكلبية.

فلعلنا بإزاء ملحمة فلسطينية مُوغِلَةٍ في القدم، بطلُها الزير سالم أو سلم، الذي يشير اسمه إلى تسمية القدس أو أورشاليم «سالم» أو مدينة سالم، كما أنه نبت وتَرَبَّى في وادي بير سبع، أو بئر سبع، قبل تواجُدها التاريخي الفلسطيني الحالي، واتخذها — كما ستخبرنا السيرة — موطنًا ومنفًى.

ولعلها دراسة يجيء توقيتُها من مواجهة الادعاءات الصهيونية الملفقة حول التهويد، وتغيير المعالم الفلسطينية العربية داخل الأرض المحتلة، تضفيها وتضيفها هذه السيرة الفلسطينية شديدة القدم والعراقة، والتي لم تسلم أيضًا من عبث وتلفيق النُّسَّاخ اليهود من القرون الوسطى بها فالزير سالم أبو ليلى المهلهل — والتي تشمل رقعة أحداثها المركزية فلسطين والأردن وسوريا ولبنان؛ من حيث المنبت الجغرافي الذي على أرضه وموطنه — تندلع أحداثها وسيرةُ حروبها فيما بين فلسطين ودمشق وبيروت والبقاع، ودون إيغال — بالطبع — لبعض الأحداث الجانبية في الجزيرة العربية، بكامل أوطانها وكياناتها، بدءًا من عدن، وحضرموت، والبحرين، وانتهاء بمكة والطائف.

بالإضافة إلى هذه السيرة أو الملحمة «الزير سالم» والتي حفظت بالتدوين — ربما للمرة الأولى — بإحدى طبعات الصنادقية الشعبية بالقاهرة في القرن الماضي بعد أن اندثر وتلاشى الجسدُ الشفهيُّ الإنشادي الموسيقي الأعظم منها، هذه السيرة تؤرخ لهجرات وحروب ومنازعات قبائلية عربية حقيقية، مركزها الجوهري هنا، هو أرضُ فلسطين وشعبها العربي منذ عصور مُوغِلة في القدم؛ فالزير سالم — ذلك البطل العربي الفاتح — قد يكون هو منشئ مدينته التي أعطاها اسمه أورشاليم أو ساليم سالم — كما ذكرنا.

برغم أنه كان قد اتخذ من دمشق عاصمة لدولته، بل إمبراطوريته العربية المتوحدة، أو تلك التي كان يجاهد في توحيدها بحد السيف والحرب منذ حوالي ٤ آلاف عام — كما سيتضح.

فساحة أحداث هذه السيرة الكبرى — إذن — تبدأ من اليمن، بمجيء التبع حسان اليماني، أو الملك حسان، ويكنى بالتبع اليماني، وتصفه الملحمة بأنه كان أول اليمنية القحطانيين، وهم ملوكُ دول حمير وسبأ وذي ريدان وكهلان وقتيان حضرموت ومعين، والدولة الأخيرة امتدَّ سلطانُها حتى شواطئ البحر المتوسط والخليج الفارسي وبحر العرب، بالإضافة إلى الجزيرة العربية بكاملها.

وترجع أُولى ممالك وحضارات العرب الجنوبيين القحطانيين اليمنيين إلى منتصف القرن الرابع والعشرين قبل الميلاد، وبالتحديد ٢٣٥٠ق.م.

وفي سلسلة٣٨ النسب السامي، يتبدى قحطان أخًا لعابر «ولعابر وُلد ابنان٣٩ اسم الواحد فالح؛ لأن في أيامه قُسمت الأرض، واسم أخيه يقطان.»
ويقطان هو قحطان أبو القحطانيين، ومنذ جاء العربُ القحطانيون الجنوبيون سكان اليمن كما أنه أبو العرب العاربة،٤٠ وابنه يعرب بن قحطان «أول من تكلم العربية»، ومن نسله جاء ملوك سبأ، وكان أولهم الملك عبد شمس بن سبأ، الذي سمي سبأ لأنه كان يسبي أعدائه، وبحسب ما يشير به نسابة العرب، فإن من نسل سبأ انحدر ملوك حمير وكهلان.

فمن حمير ملوك بني قضاعة، وبني كلب بن مرة، وهم الكلبيون أو التغلبيون، سكان الثغور الفلسطينيين، والذي ينتمي إليهم بطلا سيرتنا، كليب وأخوه المنتقم لاغتياله الزير سالم.

أما من كهلان فقد انحدرتْ سبعةُ بطون، تضخمتْ إلى قبائل وحضارات كبيرة فيما بعد، وهم طيئ ومذحج وهمدان وكندة، ومراد، وأنمار، وكذلك انحدرت منهم قبيلتا الأوس والخزرج، ملوك يثرب، ومنهم أيضًا انحدرتْ قبائل خزاعة، سدنة أو كهنة الكعبة فيما قبل الإسلام.

فقبل أن نستطرد في التعريف بهذه السيرة العربية، التي تؤرخ لحروب وهجرات قبائلية، قادها التبع حسان اليماني؛ من المفيد التعرضُ بالتعريف للصراع الأزلي القبلي، بين كلا عرب الجنوب القحطانيين اليمنيين، ومنازعيهم العدنانيين القيسيين، ومنزلهم الشام والحجاز ونجد والعراق، وهم بدورهم ينقسمون إلى فرعين عظيمين هما، بنو ربيعة، وفارسهم هنا هو بطل سيرتنا هذه الزير سالم «أبو ليلى المهلهل بن ربيعة» ويعرفون أيضًا بالتغلبيين أو بني تغلب، أما الفرع الثاني فهو بنو مرة؛ أي بكر، وكلاهما يمتد نسبه إلى وائل، فهُمْ — إذن — أبناؤه، أو أن الملك ربيعة كان أخًا للأميرة مرة، كما يذكر راوي السيرة وتحفظ لنا السيرة بدورها.

قال الراوي: «وكان ربيعة في ذلك الزمان من كبار أمراء العربان وكان أخوه مُرة من الأمراء والأعيان، وكانت منازلهم في أطراف بلاد الشام، وكانا يحكمان على قبيلتين من العرب هما بكر وتغلب، ووُلد لربيعة خمسةُ أولاد مثل الأقمار، وهم: كليب، الأسد الكرار، وسالم، البطل الشهير الملقب بالزير، وعدي ودرعان، وغيرهم من الشجعان.

كما كان لربيعة بنت جميلة الطباع تعارك الأسود والسباع، اسمها أسمى وتلقب بضباع.

وأما أخوه الأمير مرة فله بدوره عدة أبناء شجعان منهم: همام وسلطان وجساس، وبنت نبيلة يقال لها «الجليلة»، وكعادة الزواج القبائلي المتبادل بين أبناء العمومة، تزوج الأمير كليب الجليلة وتزوج الأمير همام بأخته «الضباع».

إلى أن يقع الغزو عن طريق الحصار البحري الذي قاده التبع حسان اليماني لساحل الشام ولبنان وفلسطين على غرار الحصار الطروادي، إلى أن فتحها منصِّبًا نفسه بتجبر كمستبد عادل، والذي تنسب له الملحمة أنه كان شديد البأس، مهيب القامة، لا يعرف الحلال من الحرام، لا يحفظ العهد والذمام، وكان يحب النساء المِلاح، والمزاح، وفي كل ليلة يتزوج بصبية من أبناء الملوك، ويشرب المدام في الليل والنهار.

وذات يوم سأل وزيره «نبهان»، هل يوجد مَن هو أعظمُ مني على الأرض؟ فأجابه الوزير: «يوجد خارج البحار عربٌ من أهل الشجاعة، يقال لهم بنو قيس، وهم من أولاد مضر، وديارهم بالشام وفلسطين.»

فما أن سمع الملك حسان أن للأميرة مرة — واليه على بيروت والبقاع — بنتًا فاضلة جميلة تُدعى الجليلة، مخطوبة لابن عمها كليب بن ربيعة الذي سبق له؛ أي الملك حسان قَتْل والده الملك ربيعة؛ حتى رغب في الزواج منها.

وهنا أسقط في يد الحبيب — أو الخطيب — القيس «كليب»، إلى أن نصحه أحدُ الكهان «العابد نعمان» أن يلجأ إلى الحيلة والاغتيال، فيتظاهر بالرضا متخفيًا في زي مهرج أو بهلول الأمير جليلة، حتى ينفذ إلى القصر برفقة مائة فارس مختبئين داخل صناديق جهازها وكنوزها، فجعل بكل صندوق طابقين، طابق يحتوي كنوز الجليلة أو الزوجة — المخطوفة أو المغتصبة — وطابقٌ اختفى فيه فارسٌ شجاعٌ بكامل سلاحه وعدته.»٤١

ونفَّذ كليب بن مرة كل هذا باتفاق الجليلة وقبيلتها وأبيها، بالطبع، بما يعني استعدادهم — المتآمر — لاغتيال وقتال التبع، على المستوى القومي، في كل من سوريا ولبنان والأردن وفلسطين.

«وهكذا أعطى الكاهن نعمان، أو عمران، سيفًا خشبيًّا لكليب، وتقلد هو بسيفه الفعلي تحت ملابسه، وأرخى له سوالف طوالًا من أذناب الكبش والبغال، وركب قطعة قصب، وحمل دبوسًا من خشب، ولبس فروًا من جلود الثعالب والذئاب، ومضى يقود زمامَ قافلة الجليلة أمام فرسان القبيلة، وعندما تساءل وزير الملك حسان، المسمى نبهان عنه، أجابوه بأنه مهرج الجليلة بنت مرة، واسمه قشمر بن غره.»

وهكذا تنكر الأمير «كليب» الذي يشير اسمه، وكذا موطنه، إلى أنه كان كلبيًّا؛ أي منتمٍ — طوطميًّا — إلى قبائل كالب، ونجح بمساعدة الجليلة في اغتيال التبع الغازي وأصبح بدوره التبع الجديد، وتسمى بكليب «ملك العرب والعجم».

وباغتيال الملك حسان، ليلة عرسه داخل مخدعه، تكون قد انقضتْ الحلقةُ التمهيدية، لملحمتنا، والتي هي في موقع ملحمة أو سيرة مستقلة، نلحقها هنا في نهايتها، مجسدة في مصرع الملك التبع المتجبر، مختطف الزوجة أو الخطيبة، والحمى أو الوطن؛ حسان اليماني، بما يوحده من جانب بجَوٍّ أو مناخ شبيه بالإلياذة الهومرية واغتصاب باريس الطروادي هيلانة الإغريقية زوجة منيلاوس، كذلك يتوحد بأجاممنون عقب عودته منتصرًا من حرب طروادة لتتلقاه زوجته كليتمنستر، وعشيقها إيجست، بغزوة أُخرى داخل مخدعه، ويصرعاه داخل حَمَّامه، عبر احتفالات العرس الدامي، بعودة ملك الملوك الفاتح المنتصر.

كما أن الأمر لا يبعد بنا كثيرًا عن محصلة الأساطير الفلسطينية والعبرية للإله — الشمس — شمشون الذي خدعتْه دليلة الفلسطينية، داخل مخدعها ليلة عرسه بمساعدة شيوخ قبيلتها، وعرفتْ سره وصرعتْه.

والاشتقاق اللغوي بين اسم دليلة وجليلة أو الجليلة، قد يُسهم في الإيضاح، بالإضافة طبعًا للتوحُّد المكاني؛ حيث إن كلتيهما عربية فلسطينية.

بل إن الملك التبع حسان، يُمكن توحُّدُه، مع فرعون إبراهيم مختطف سارة زوجته «وابنة عمه وأخته في الرضاعة»،٤٢ حين دخل الخليل إبراهيم مصر ووشي بحسن سارة امرأته إلى فرعون، فسأل إبراهيم عنها، فقال: هي أختي من أبي لا من أمي، ولم يكذب في قوله، فاختارها فرعون لنفسه مختليًا، حتى حقق أنها زوجته، فاستبشع كبيرة الكبائر هذه، اختطاف الزوجة، التي أدانها العالم القديم. وردها إليه مع هدايا كثيرة، من جملتها هاجر المصرية جارية سارة، التي من رحمها جاء إسماعيل، وابنه قيدار أبو العرب.

ويبدو أن رذيلة خطف الزوجة واغتصابها «كالأرض أو الوطن» كانت كبيرة الكبائر فيما أدانها العالم القديم، فكانت السبب الرئيسي لحرب طروادة التي استمرتْ عشر سنوات متصلة، حين أقدم باريس الطروادي على اختطاف هلينا زوجة البطل الإغريقي منيلاوس — كما ذكرنا منذ سطور.

كذلك يُلاحظ أنه في حالة ملحمتنا، حين اختطف الملك التبع حسان اليماني أو هو اغتصب الجليلة بنت مرة من خطيبها القيسي الأمير كليب، تمهيدًا لاندلاع حرب البسوس، التي هي موضوع هذه الملحمة والتي امتدت أربعين عامًا، كما تَذكر هذه الملحمة؛ الذي يرجح أنها فلسطينية عربية من حيث إن ساحات أحداثها ومعاركها الحربية الكبري تدور في «بير السباع» أو«بير سبع» أي بيت شيبا أو بيت سبأ (٢ صموئيل ١٢ / ٢٤) بالإضافة إلى يافا وحيفا، والكثير من المدن والمعالم الفلسطينية، ومثل «النهى» والذنيب أو «الذنائب»، كما يذكر الزير سالم في شعره:

ولقد شفيتُ النفسَ من سرواتهم
بالسيف في يوم الذنيب الأغبس

كما أن من هذه المعالم والأماكن الفلسطينية ما يُعرف برملات «حزازي» و«الرغام» و«ماء فضة» و«التحالق» ووادي الشعاب، بالإضافة إلى أحداثها المركزية المصاحِبة لبطلها: الزير سالم أو ساليم أو سلم، وعلاقته بالمدينة المقدسة من جانب، ومن جانب مكمل «لجغرافية» مركز أحداثها المركزية، المصاحبة لبطلها المحوري الزير سالم أو المهلهل، ما بين دمشق الشام، إلى بير سبع فلسطين وحيفا، بل والقدس ذاتها، حين حارب الزير سالم معتليًا أسوارها، دفاعًا عنها.

بل تحتفظ هذه الملحمة السيرة، للزير سالم بأنه هو الذي أنشأ أو عمر مدينة بئر سبع، أو بير سبع، حين اتخذها موطنه ومنفاه عبر صراعاته مع زوجة أخيه الجليلة بنت مرة.

لحين مجيء أخت التبع المغتال حسان محملة بالانتقام وزرع الفتنة بين قبيلتي بني مرة والكالبيين التغلبيين، إلى أن حققت البسوس «المتعددة الأسماء» انتقامَها الدامي عبر إشعارها ومونباتها بتحريض البكريين من بني مرة — وفارسُهم هنا هو الأمير جساس والي بيروت والبقاع — ضد رأس التغلبيين كليب «هذا الباغي الذي حرم عليكم الماء والكلاء.»

إلى أن اغتال جساس صهره وزوج أخته الجليلة الملك كليب بوادي الحصا والجندب.

وهنا يجيء دور الأخ الأصغر الزير سالم في الانتقام منه لأخيه، مواصلًا حروبه الانتقامية التي تمتد لأربعين عامًا، منشدًا مرثيته الكبرى:

كليب لا خير في الدنيا ومن فيها
إن أنت خليتَها في مَن يُخلِّيها

وقال:

ليس مثلي يخبر الناس عن
آبائهم قتلوا وينسى القتالا

وواضح — إذن — أننا بإزاء «أشلاء» ملحمة فلسطينية موغلة في القدم، قد يرجع العمر التخميني لها إلى ما قبل الأسطورة المصاحبة لإبراهيم وابنه إسماعيل وبناء الكعبة؛ ذلك أن بلدة بئر السبع الفلسطينية ترتبط — للمرة الأولى — بنزول هذه القبائل العبرية إلى فلسطين، وزيارة إبراهيم لأهلها، وحفره لبئرها، حين أشهد «أبا مالك الفلسطيني على أنه هو الذي حفرها» سبع نعاج تأخذ من يدي؛ لكي تكون لي شهادة بأني حفرتُ هذه البئر، ودعى الموضع بئر سبع، بل وكما ذكرنا فإن بئر سبع هذه كانت منفى إسماعيل وأمه هاجر، وليست مكة، حين أعطاها إبراهيم قِربة ماء، فمضت وتاهتْ في برية بئر سبع، إلى أن كَبِرَ إسماعيل وسكن في برية فاران؛ أي مكة.

بينما يُستشفُّ من هذه الملحمة أن بئر سبع وواديها كانت موحشة مهجورة غير مأهولة بالسكان حين نزلها الخليل إبراهيم وحفر بئرها، كمكة قبل أن ينزلها إسماعيل ويتخذها مأوًى ومسكنًا، ويصبح أُمة وتنبع له بئر زمزم، بالمقابل.

وإذا ما عرفنا أن هجرة قبائل إبراهيم إلى فلسطين، وارتباطه بزيارة بئر سبع، ترجع إلى مطلع الألف الثانية قبل الميلاد؛ يصبح عمر ملحمتنا هذه «الزير سالم» ما قبل أربعة آلاف عام، وعلى أقل افتراض عمر بطلها الزير سالم ذاته «الإله» المحلي لبئر سبع.

يرجح هذا أن لقب «الزير» — الملكي — لا يرد بكثرة إلا في حالتين على طول التاريخ العربي سواء العلمي الأركيولوجي الحفري، أو الأسطوري الفولكلوري، الحالة الأولى باكتشاف ملوك ما قبل التاريخ المصري الفرعوني، الذين تسموا ﺑ «زير» في تاسا والبداري؛ أي ما قبل الألف الرابع ق.م كما يذكر عالم ما قبل التاريخ الماركسي، جوردن تشايلد.

والحالة الثانية في السير والملاحم والفولكلور العربي بعامة، هي حالة بطلنا هذا الفلسطيني سالم، الذي لقب «بالزير» سالم، يضاف إلى هذا أن «ملوك» بني الزيري بالأندلس، يرجح أنهم فلسطينيون بأكثر منهم أنباط أردنيون أو فينيقيون لبنانيين.

بالإضافة إلى سند أو استشهاد أخير، يتصل بتسمية «كليب» الملقب الأخ — الملك — الأكبر، الذي رُزق إلى جانب بناته السبع ومنهن يمامة أو اليمامة التي أصبحت مدنًا ومأثورات بدورها — كما سيرد — بابن ذكر من زوجته الجليلة أسماه «الجرو» أو العجرس؛ أي كلب الصيد، فكليب هذا يشير اسمه الطوطمي إلى العشائر الفلسطينية المُوغلة في القدم التي غزتْ إنجلترا وأيرلندة مهاجرة، منذ مطلع الألف الثانية قبل الميلاد كشعوب بحرية، واستوطنتْها وخلفت فيها تراثها هذا الأُسطوري الذي يستدل به على أيامنا.

وأسوق هذا الاستناد للشاعر الأنثروبولوجي، عالم الأساطير المقارنة الذي يعيش اليوم بجزيرة ماريوكا الإسبانية، عن كتابه «الإلهة القمرية» حيث يقول: «أنا لست إسرائيليًّا إنجليزيًّا بل إن قراءاتي وأبحاثي أوصلتْني إلى أن ما يعرف بشعوب البحر هذه وصلت إنجلترا وأيرلندا في الألف الثانية قبل الميلاد، فأنشئوا قنوات بحرية وتجارية، وبعضهم وصل عن طريق غرب أفريقيا وإسبانيا، وهم الفينيقيون البحريون من سوريين ولبنانيين وفلسطينيين، والبحارة الفلسطينيون هم الذين أسروا القبائل الإسرائيلية في عبرون٤٣ وجودا — الضفة الغربية — من العشائر الأدومية من أردنيين وسوريين، وكان أولئك الفلسطينيون يُعرفون بالكلبيين، وظل الإسرائيليون في أسرهم، إلى أن تحرروا بعد أن اكتسبوا من أسريهم — الفلسطينيين — الجانب الأعظم من الدين والتراث الفلسطيني.»٤٤
مع ملاحظة أننا هنا بإزاء محاولة البحث في افتراض عمر — تخميني — لهذه السيرة الملحمية العربية الفلسطينية، الذي يصاحب بطلها إنشاء مدينة بير سبع، كما هو الحال مع جلجاميش ومدينته أو مديريته بالعراق، وإسماعيل ومكة، وكذا — الملوك — الآلهة الشمسيين الأسد Lion مثل هرقل، والبطل الأسطوري الأيرلندي «ليولياو» الذي من اسمه — الأسد — تسمتْ عديدٌ من المدن الأوروبية lion, layen, leden وهي كلمة سومرية في أصلها.

وليولياو معناها ابن الأسد، وكان يُصور على هيئة أسد شاهر الذراع، ممسكًا في حالات أخرى بالسيف، تطالعنا صورة في الرسوم الحفائرية والوشم، وتشير يده الممدودة كإله شمس إلى أنه ذا يد أو ذراع طُولى، إزاء أعدائه.

ويُلاحظ أن في الفصول القادمة لملحمتنا هذه، أنه حين يجيء الرسل، للزير سالم بقصره ومنفاه في بئر سبر — وهو ثمل — بخبر اغتيال الأمير جساس بن مرة لأخيه الأكبر كليب، هو أنه لن يصدق قائلًا: «يد جساس أقصر من أن تطول كليب»، بما يشير إلى أننا إزاء إله شمسي ذي يد طولى.

فما من إله شمس، رغم أن حيوانه المقدس هو الأسد، لم يقتل الأسد، هو قل أن قتل الأسد، وجلجاميش، وإله الشمس الأشوري سامسون، أو شمشون الفلسطيني، قتل الأسد، يضاف إليهم الزير سالم.

فكما يشير جريفز، فإن شمشون كان — في منشئه المبكر — إله الشمس الفلسطيني، لكنه دخل — وأسطورته — الجسد الديني الأسطوري العبري، في العصور المتأخرة، «القضاة»، وهي أسفار دونت متأخرًا جدًّا، فتبدى فيها كبطل إسرائيل، في مواجهة دليلة الفلسطينية،٤٥ بل هو ظل منتميًا إلى قبيلة دليلة الفلسطينية بعد الزواج، و«دان» هو اسم قبيلته الفلسطينية ويلاحظ أن قبيلة «دان» هذه الفلسطينية، هي ما انحدر منها ملوك دانية أو الدانيين بالأندلس، منذ ما قبل الفتح العربي للأندلس، وحتى القرن الحادي عشر الميلادي.

والملفت أن «فابيولات» شمشون المدونة بسفر القضاة، ترد أيضًا في فترة أسر الفلسطينيين للإسرائيليين، حين عملوا الشر فدفعهم «الرب ليد الفلسطينيين أربعين سنة» (قضاة ١٣) فولد شمشون لامرأة عاقر، وأب اسمه منوح، زارها كالعادة ملاك الرب فولدت ابنًا ودعت اسمه شمشون، وابتدأ ملاك الرب يحركه في محلة «دان» الفلسطينية، بين صرعة وأشتاول، إلى أن نزل تمنة ورأى امرأة في تمنة من بنات الفلسطينيين فأراد أن يتزوجها «وفي ذلك الوقت كان الفلسطينيون متسلطين على إسرائيل.»

ومع ملاحظة أن الحزورة والأحجية، التي كان شمشون يُطلقها، خصيصةٌ فولكلورية عربية، بأكثر منها عبرية، ولعل أهمها حزر أو فزورة، قتل شمشون للأسد، حين شقه كشق الجدي وليس في يده شيء، بنفس ما فعل الزير سالم، حين قتل الأسد بيديه العاريتين؛ وذلك حين طالبتْه الجليلة بإحضار «لبن السباع» فكان أن طلب سيفًا يُنازل به الأسد، فطلب الملك كليب بدوره من زوجته، إعطاءه سيفه، فكان أن سخرتْ منه الجليلة، فكان أن اندفع الزير سالم منازلًا الأسد بيديه العاريتين إلى أن صرعه.

بل إن في «أحبولة» قتاله مع الأسد وأسرته، وتعرفه على اللبؤة وحلب لبنها في حق رجع به إلى زوجة أخيه الجليلة لكي تحبل؛ ما يقرب بنا من فزورة شمشون.

وكيف وجد شمشون عسل النحل داخل جيفة الأسد، فأكل منه «من الأكل خرج أكل ومن الحافي خرجت حلاوة.»

فتوحد الزير سالم بشمشون، يرجِّح أن الزير سالم هو الأصل المبكر جدًّا، الذي عدل أو حور في سفر قضاة (١٣، ١٤، ١٥، ١٦، ١٧) لفابيولات شمشون وجليلة.

من ذاك أن كُلًّا منهما تسلطت عليه امرأةٌ — فلسطينية — شمشون دليلة الفلسطينية التي التقى بها عقب سلسلة من المغامرات الغرامية مع عدة نساء فلسطينيات في تمنة ووادي سورق وغزة.

بما يشير إلى أنه كان «زير» نساء بدوره، مثل زيرنا، ومن أحد جوانبه وزواياه.

كما أن كليهما تسلطت عليه وطاردتْه امرأة؛ بهدف استنزافه وهدمه وقتله، دليلة الفلسطينية مع شمشون، وجليلة العربية مع الزير سالم.

يضاف إلى هذا: ارتباط كليهما «شمشون والزير سالم» بهزيمة أعدائه بفك حمار، وهو ما حدث لشمشون حين هزم أعداءه بلحي الحمار، الذي حين فرغ رمي به، فسمي المكان «رمت لحي»، والزير سالم مع سبوعة الصريعة في بير سبع، الذي حين نزل إلى بئرها تاركًا حماره على بابها، وما أن نهق الحمار حتى استيقظ سبع كان نائمًا، ورفض الزير قتله، فقتل حماره فكان أن صرع الأسد المعتدي بلحي الحمار، وظل يحارب الأسود طلبًا لثأر حماره، وكان كلما قتل واحدًا صرخ متهكمًا «يالثارات الحمار».

من هنا يرجح أن بطلنا الأسطوري الفلسطيني هذا، الزير سالم هو الأنموذج الأمثل، الذي استعارتْه الأساطيرُ العبرية، زمن الأسر الفلسطيني «الثاني» للإسرائيليين، ودون نصه متأخرًا جدًّا في عصر القضاة، أو شيوخ القبائل، ومنه تواترتْ فابيولات شمشون ودليلة، والعديد من الموتيفات الأسطورية العبرية.

كذلك يلاحظ بالنسبة للعلاقة بين تسمية الزير سالم — أو سلم — وبين تسمية القدس — أورشليم — أن التسمية تشمل أهم الوديان والمعالم الطبيعية المحيطة بالقدس، وترد في تاريخ المؤرخ اليهودي «يوسيفوس» باسم سلوام Silcam، وفي بعض النصوص الشعبية لهذه السيرة يرد أن الزير سالم بعد أن خرج من أرض كنعان سار وحده إلى مرج بني عامر أو قبائل بني عامر الهلالية التي يُنسب لها هلال بن عامر رأس بني هلال، وسيرتهم.

وذلك عقب اعتكافه ببئر سبع، بل إن الزير انتسب إلى هذه القبائل ومرجها القريب — نسبيًّا — من مدينة حيفا الساحلية التي نزلها عقب أسره أو حروبه الغامضة مع حكمون اليهودي.

خلاصة القول أننا بصدد سيرة ملحمية، لمقاتل شاعر فلسطيني المنبت والمنفى — بئر سبع — تتسم أجواؤها وأحداثها بطابع فينيقي بحري؛ حيث نرى كلا القيسيين بن مرة، والكلبيين — الحميريين — بني ربيعة؛ يقيمون ويتربصون ويتجسسون على شاطئ البحر المتوسط؛ حيث المدن الفسلطينية، حيفا، ويافا، وبئر سبع.

يقول القلقشندي:٤٦
ومن بني عامر بن صعصعة، بنو كلاب، وهم بنو كلاب بن عامر بن صعصعة، وكان لهم في الإسلام دولة باليمامة، وكانت ديارهم حمى ضربة وهي حمى كليب حمى الربذة في جهات المدينة النبوية، وفدك والعوالي، ثم انتقلوا بعد ذلك إلى الشام، فكان لهم في الجزير الفراتة، صيت، وملكوا حلب ونواحيها وكثيرًا من مدن الشام»، ثم يذكر القلقشندي بعد ذلك «أنهم ينتسبون إلى عبد الوهاب بن بخت، المذكور في سير البطل،٤٧ وأنه كانتْ لهم غاراتٌ عظيمةٌ على بلاد الروم، وأن بنات الروم وأبناءهم كانوا يُباعون في سباياهم.

ولعل هذه السيرة الملحمية الزير سالم، أنْ تقودنا إلى فاتحة — إعادة — التعرف على الجسد الأهم للتراث الفولكلوري والأسطوري الفلسطيني الذي يستحوذ جانبه الملحمي خاصة، على عيون الأعمال الكبرى العربية من سير وملاحم، عمت فأصبحت مع توالي العصور تراثًا عامًّا للأمة العربية.

ويلاحَظ هنا دور ذلك التراث الفلسطيني الأبعد رؤية — كطليعة بحرية — في التبصر بالأخطار الضارية دومًا والمحدقة بمنطقتنا الشرق الأدنى القديم أو الأوسط المعاصر، أو أمتنا العربية منذ أقدم العصور، سواء في هذه السيرة — الزير سالم — أو في سيرة الأميرة ذات الهمة،٤٨ وهي أيضًا سيرة فلسطينية تتصدى للأخطار الخارجية التي تصدى لها الكالبيين الفلسطينيين.
وتسموا بالكلبيين حين عممت إحدى تسميات عشائرهم الأدومية «كالب Caleb وCalabites وDogmen»، فتسموا بالكلبيين كما أنهم خلال هجراتهم البحرية وفتوحاتهم لليونان وجزر بحر إيجه، أدخلوا ديانتهم وآلهتهم وتقويمهم ومنه الإلهة — الأم — القمرية Leucathia أو الآلهة الفضية «القمر»، وهي ما أسماها اليونانيون ﺑ «إينو أو فلسطين» Ino or Plastene، وما تزال آثارها الحفرية باسمها الفلسطيني بمدينة Tantaius، وهي ما أصبحت أم هرقل مليكارت أو هرقل ابن الإلهة الفسلطينية Melkarth.٤٩
ويلاحَظ هنا أن تسمية الإلهة ميلكارت هذه يشير إلى ذات الحما الذي يحدده الكلب أو نباح الكلب، وهو — كما هو معروف — هدف العالم القديم برمته — بل والحديث — وهو الدفاع عن الحما والكلأ، أو الملك — بكسر الميم — والإرث «ملكارت» أو ملك: إرث، فاسم هذه الإلهة الفينيقية بعامة، والفلسطينية بخاصة، والتي عادة ما تصور في ملايين الصور والتماثيل، برفقة كلبها الحارس Canis mayor والذي يُشير إلى أنه يعني: نجم الشعرى اليمانية، أو ما كان يطلقه العرب من مسميات على اسم القمر لإخفاء الاسم الحقيقي لرب الأرباب، ومن أسمائه عندهم: السلطيط والتغرور والساهور.

فمن حمير انحدر الكلبيون، أو الشعوب البحرية العربية، بفلسطين وسوريا ولبنان، وظلت طلائعُهم البحرية الفلسطينية، ممثَّلة في تحالُف قبائل بني كلاب وبني عامر، التي ذكرنا مرارًا معاوَدة الزير سالم لها.

•••

فالأميرة ذات الهمة من سلالة الزير سالم، فلسطينية، بل ومن بني كلاب، فذات الهمة هي أيضًا أميرةٌ وهبتْ نفسها للدفاع عن الأمة العربية، فاختارتْ منطقة الثغور لكي تكون موطنها؛ ذلك أنها المنطقة التي يتحدد فيها موقف الدين الإسلامي، والشعب العربي ضد الروم المغبرين — كما تذكر سيرتها.

فانتقلت ذات الهمة على رأس الجيش العربي المتطوع والممثل في قيادة التحالف القبلي لبني كلاب إلى منطقة الثغور؛ حيث اتخذت من ملطية عاصمة لها.

فلولا إشارة من القلقشندي عن هجرة ذلك التحالف الكلبي الفلسطيني لبني كلاب إلى منطقة الثغور، والدور الذي لعبوه في الحروب العربية البيزنطية لَما تعرفنا على جذور ومنشأ هذه السيرة الفلسطينية، للأميرة ذات الهمة وسيرتها التي تحفظ لهذا التحالف الكلبي الفلسطيني دوره الطليعي والمقوم للدولة العربية، من أُموية لعباسية خارجيًّا وداخليًّا.

فالسيرة — مثلًا — تذكر أن نكبة البرامكة حلت بهم لعلاقتهم ببني كلاب كطلائع غيورة على الأمة العربية. وإذا ما اكتفينا بهذا القدر، وعاودنا الالتزام بسرد سيرتنا «الزير سالم» حيث توقفنا عند عودة شيبون بن الضباع من حروبه من بلاد الروم، فعقب إهانات شيبون ذاك، لم يجد الزير سالم بُدًّا من منازلته وقتاله، وهكذا «ضربه على رأسه فشقه، إلى تكة لباسه.»

ولما رآه المهلهل مجندلًا ندم وتحسر، وأنشد أعظم مراثيه الاجتماعية الثورية، التي كان لها أكبر التأثير وأرسخه، في شعر الشعبي الفولكلوري، خاصة المَوَّال الأحمر، على امتداد الوطن العربي؛ حيث يقول «المال يبني بيوتًا لا عماد لها»، وأن «العز بالسيف ليس العز بالمال»، والتي فيها يواصل دوره كبطل شعبي ثوري، حتى في تصديه للنسب والأنساب التي تصل في تلك الأيام — وإلى أيامنا — إلى حد التقديس حين يقول: «العم من أنت مغمور بنعمته، والخال من كنت من أضراره خالي»:

الزير أنشد شعرًا من ضمايره
العز بالسيف ليس العز بالمال
شيبون أرسل نار الحرب يطلبني
يريد حربي وقتلي دون أبطالي
نصحته عن قتالي لم يطاوعني
بارزته فهوى للأرض بالحال
المال يبني بيوتًا لا عماد لها
والفقر يهدم بيوتًا سقفها عالي
دع المقادير تجري في أعنتها
ولا تبيتن إلا خالي البالي
ما بين لحظة عين وانتفاضتها
يغير الله من حال إلى حال
فكن مع الناس كالميزان معتدلًا
ولا تقولن ذا عمي وذا خالي
العم من أنت مغمور بنعمته
والخال من كنت من أضراره خالي
لا يقطع الرأس إلا من يُركِّبه
ولا تَرُدُّ المنايا كثرةُ المال

ذلك أنني أسوق هنا افتراضًا تاليًا حول تسمية الزير سالم — أو سلم — البطل الإلهي المحلي الذي نشأ واستقدم من وادي بئر سبع — مدينة بئر سبع الحالية — بفلسطين، وبين تسمية القدس، أو «أور» سالم، انتسابًا إليه.

وعادة ما يتوارى التاريخ في ثنايا مثل هذه السير والملاحم الأسطورية العربية، ذلك أنه تاريخٌ أسطوريٌّ أو طوطمي، تُخالط الخرافة فيه التاريخ العيني أو الأركيولوجي …

بل والغريب أن مُخالطة الأساطير للتاريخ — والعكس — كانت على الدوام أحدَ سمات حضارات شرقنا «الأدنى» القديم، أو الأوسط المعاصر؛ من ذلك تاريخ ما بين النهرين في كلدة وبابل وآشور، الذي تعرف إليه الباحثون من مدونات «ستيزياس» وكان طبيب إغريقي يعمل في بلاط أحد ملوك بابل، واسمه نيمون الثاني، وكذلك كاهن كلداني٥٠ اسمه بيروز، دَوَّنَه على هيئة سير أُسطورية قد لا تبعد بنا كثيرًا عن سيرتنا هذه؛ حيث يَكثر الإفراط في نظم الأشعار الملحمية والمعلقات، التي غالبًا ما تدور حول الإغارات والحروب القبائلية، وهذا ما أفضى إلى ظهور ملاحم البطولة والمعلقات — في العصور الجاهلية — ومن هنا دلفت هذه الملاحمُ وسير الأنساب العائلية والمعلَّقات إلى معظم المؤرخات التاريخية الأولى.
وعلى هذا النحو ذاته تعرف المؤرخون على تاريخ منطقتنا، من ذلك قائمة جمعها أيضًا كاتب مجهول، في ٢٠٠٠ قبل الميلاد، بادل تاريخه هذا بقصة الخليفة وأسماء الأسر الملكية، ثم الطوفان وأسماء الملوك الذين أسماهم٥١ بملوك العرب، والذين حكموا العراق الأسفل (بابل فيما بعد).

يذكر جوردون تشايلد، أن الأشعار الهومرية ذاتها قد اعتبرت فصولًا تاريخية برغم إغراقها في الخوارق وعوالم الآلهة واتخذها الكتاب المتأخرون نموذجًا لهم «إذ اعتقدوا أن التاريخ رواية مترابطة تتم داخل إطار فني.»

وعلى هذا النحو أيضًا نهج تاريخ «توكتيدس»٥٢ أعظم مؤرخي الرومان للحروب البلوبونزية بين أثينا وأسبرطة عام ٤٣١ق.م.

وعلى هذا فالبحث في إطار سيرتنا الملحمية هذه «الزير سالم» حول الملامح التاريخية والتراثية ليس بالأمر الجديد، كذلك لا جديد في استخلاص حقائق التاريخ من ثنايا هذا التاريخ الأسطوري الخرافي، المهمل إلى حد الاندثار من جانب الباحثين العرب.

والجديد، الطريف، هو: أن تظل سيرة عالية الهامة، كالزير سالم مهدرة تعاني الافتقاد والاندثار إلى أيامنا، مضافًا إليه عدم الفهم والتقدير، لدرة قد تصمد لأي سيرة أو ملحمة، في كل ما جاء به العالم القديم، من السيرة الهومرية «الإلياذة» ومرورًا بالملحمة الهندية الآرية «الماهابهاراتا» التي تسمى بها الهنود والفرس الآريين والتي تتلاشى مع ملحمتنا هذه «الزير سالم» في أن كلا منهما تؤرخ لحروب وهجرات قبائلية موغلة في القدم.

كما أن ملحمتنا العربية هذه تتفوق كثيرًا على الملحمة الإسكندنافية الفلندية «كاليغالا» التي عندما احتفلت فنلندا عام ١٩٣٥ بمرور قرن على أول جمع لنصوصها الشفهية الفولكلورية؛ اكتشف أن ما جُمع منها وصل إلى ١٣٠ ألف نص مختلف لذات الملحمة «الكليغالا» ناهيك عن الآلاف المؤلفة من الدراسات والمعارك المنهجية التي شاركت فيها جيوشٌ من العلماء والباحثين، الذين تعاقبوا على دراستها على مدى القرنين الأخيرين.

لكن أين هي من إلياذتنا العربية «الزير سالم»؟

شخصية الزير سالم ما بين الأدبين «الكلاسيكي والشعبي»

لعلها أكثر شخصيات الأدب الشعبي العربي وأخصبها؛ من حيث ما أثير حولها من جدل، وتتفق النصوص والمأثورات الكلاسيكية، مع الشعبية الفولكلورية، في أن الزير سالم أو المهلهل، ظل لفترة يعاني التحول في منفاه الاختياري ببلدة بئر سبع الفلسطينية، من حالة الزير الغارق لرأسه في الخمر والنغم والشعر منعزلًا في بئر سبع، إلى الملك الفارس المنتقم لأخيه المغتال غيلة — بوادي الحصا والجندل — بالشام، كليب بن مرة، وهو يطوف أطراف ملكه وقبائله، باكيًا نادبًا، يرثي أخاه ولا يفعل شيئًا سوى التحريض على القتال والوعيد، حتى سخرت منه بنو بكر قائلين: «إنما المهلهل نايحة ليس غير.»

وما أن انتبه إلى تردده — ذاك الهاملتي — في حسم موقف الانتقام لأخيه الملك المغتال كليب، حتى توسط منتدى قومه، فجز جدائله المنسدلة، مثله مثل الأبطال الوحشيين البريين الذين تربوا مع الحيوانات، مثل «أنكيدو» وصنوه المتوحد معه — رأسًا لقدم — شمشون.

فحرم اللهو وشرب الخمر والتزين وأن لا يدهن بدهن «حتى أقتل بكل عضو من كليب رجلًا من بني بكر بن وائل.»

وهنا يحق لنا التريُّث أمام مقولة الزير سالم، التي فيها يتوعد قبائل بني بكر بن وائل، بأنه سيضربهم بكل عضو من كليب، أو قبائل كليب أو الكلبيين، أو بني كليب، بما يؤكد: أن كالب وكليب قبائل تنتمي إلى التحالف الكنعاني الفينيقي أو البحري من لبنانيين وفلسطينيين وسوريين، بأكثر من انتماء سلفهم المغتال كالب، إلى شمال الجزيرة العربية في نجد والحجاز. وبما يؤكد: العودة بمسرح أحداث هذه السيرة إلى ربوع الشام وفلسطين، وهو كما أسلفنا القول، ما يتبدى جليًّا إلى حد وثوقي في نصوصها الشعبية الفولكلورية، في مواجهة مأثوراتها المتناثرة العربية أو الفُصحى.

مع الأخذ في الاعتبار أن التحالُف الكالبي — الطوطمي البحري — للفينيقيين من لبنانيين وفلسطينيين وسوريين، الذين وصلتْ هجراتُهم وأشتاتُهم منذ أقدم العصور — مطلع الألف الثاني قبل الميلاد — إلى إنجلترا وأيرلندة وبعض دول الشمال الأوروبي عامة، كذلك كان للكلبيين أشتاتهم وقبائلهم في الجزيرة العربية، كذا نجد والحجاز بالإضافة إلى تواجدهم في مصر حين التقى بهم المؤرخ بليني — القرن الثاني ق.م — حول بحيرة مريوط، ووصفهم بأنهم أغرب أقوام دينية صادفها.

وقبل العودة إلى أحداث ملحمتنا، أودُّ أن أشير إلى أن مجرى الأحداث المركزية للسيرة — عقب مصرع كليب — سيعود بنا أكثر إلى ربوع الشام وفلسطين والأنباط — الأردنيين.

فكان أول ضحايا الزير عقب مصرع أخيه الأكبر الملك كليب، هو ابن أخيه «الضباع»، زوجة صديقه الوفي الأمير همام بن مرة، الأخ الأكبر للأمير جساس مغتال الملك كليب.

ذلك أن هذا الشاب اليافع «شيبان»، فَضَّلَ البقاء مع خاله الزير سالم، حين ساءت الأمور بين القبيلتين «بكر وتغلب» متخليًا عن أبيه «همام» وقبيلته، مبقيًا على قبيلة خاله، اتساقًا مع هذه القبائل الأمومية في الانتماء إلى قبيلة الخال الكلبية أو تقديسها، بدلًا من قبيلة الأب.

وفي محاولة من شيبان الصغير لشحذ قوى خاله الزير سالم، في الانتقام من قبيلته أغضبت الزير فأمسك بابن أخته وضرب به الأرض حتى مات فقطع رأسه وأرسله إلى أهله وأخته ضباع على جواد، فشقت ثيابها ورحلت إلى الزير سالم وقالت: أتقتل ابن أختك بثأر أخيك.

وظلت الضباع منذ هذا الحادث الفاجع تضمر لأخيها الزير سالم كل حقد، بل لعل في موقف هذه الأخت «الإلهة الطوطم» ما يجيء سرطانيًّا مخالفًا عن النسيج القبائلي بعاداته وطقوسه، فكيف قدر لضباع الأخت الثالثة، لكليب والزير سالم، الانحياز لقبيلة زوجها القيسية بدلًا من قبيلتها التغلبية أو الكالبية، خاصة بعد مصرع أخيها الملك كليب؟

وهو تساؤل نرجئ الإجابة عليه إلى توالي أحداث الضباع والزير سالم.

فما أن استخرجت الضباع رأس ابنها شيبان من خرج حصانه، حتى أنشدت تقول مفصحة عن فاجعتها بفقد كل من الأخ والابن:

تقول ضباع يا سالمْ علامك
بجاه كليب ما سويت يابني
بثأر كليب تقتل إبن أختك
وتحرق مهجتي وتزيد حزني
حزنت على كليب وما جرى له
وحزني في صميم القلب مبني
ولكن قد حكم ربي مراده
وربي ما كتب لي هو يصبني

فأجابها الزير بهذه الآيات:

يقول الزير من قلب حريق
بقتل كليب زاد اليوم حزني
ألا يا أخت قلي من بكاك
ولا تخشين من أمر يعبني
فوالله ثم والله ثم والله
إله العرش مذ أدعو يجبني
فلا بد لي من حرب الأعادي
وأقتل كل جبار طلبني

وهو — كما يتضح — شعرٌ دخيل، إلا أنه يفصح عن توعُّد الزير سالم ومعاناته التي صاحبت تحوله المتردد في الانتقام.

والملفت حقًّا هنا، هو ذلك الموقف الذي اتخذته الضباع، عقب سماعها للزير، قاتل ابنها «شيبان» وكيف أنها استبشرتْ بتوعده للحرب فكان أن «زالت عنها لوعتها، وخفت الأحزان» عقب سماعها لشعره المتوعد بأخذ الثأر.

وعلى هذا عادت الأم إلى قبيلتها — أو قبيلة زوجها همام — المعادية.

والمطلوب هنا هو بذل الجهد في تصوُّر هذه المواقف القبلية، من حيث الانتماء والولاء، ليس فقط على المستوى الجسدي، بل ما يمكن أن يشكل موقفًا، مع القبيلة، وضد الأمومة، كما في حالة «الضباع» هذه وحالات أخرى مماثلة لها ذات الصعوبة ستطالعنا هنا ونحن بإزاء مقتل كليب، الذي يبدع في نثره راوي السيرة الذي يستشف من نصوصها الشعبية، مدى المؤثرات اللهجية «السورية والفلسطينية واللبنانية» بأكثر من العربية الحجازية — أو المصرية.

إن اغتيال كليب يوازي اغتيال، سلف أب، مثل اغتيال إله.

وعليه فمن واجبنا هنا التذكير بأننا لسنا بإزاء تصرفات وممارسات ومواقف وعلاقات — بالمفهوم الأنثروبولوجي — بشرية، بقدر ما نحن بإزاء مواقف وعلاقات وممارسات طوطمية، أو إلهية، فمعظم الأسماء التي توردها نصوص هذه السيرة المختلفة؛ أسماء لآلهة وأصنام وطواطم، عربية أو سامية، أو جاهلية — بحسب التسميات التلفيقية — مثل كليب، أو سالم، أو ضباع، أو البسوس سعاد (انظر: البسوس وحربها المضرمة ٤٠ عامًا) مؤنث الإله سعد الصنم الجاهلي — البعل — سعد، وكذا الجرو، ثم اليمامة، التي أصبحتْ مدنًا وقبائل ومواطن والتي إذا ما عدنا إلى دورها وأشعارها التحريضية بالثأر لأبيها كليب أبي اليمامة من قبيلة أمها وخالها القاتل «جساس»؛ حيث تتبدى أنموذجًا لآلهات الحرب — الإناث — القبائلية الأمومية، أو القمرية.

فهي تدفع بالمقاتلين إلى الاستبسال دفاعًا عن ماذا، القبيلة، بل وكثيرًا ما حثتْ أمها الجليلة بنت مرة وزوجة أبيها الملك كليب عند قدميها؛ لكي توقف اليمامة القتال، فكانت ترفض في كل مرة أو محاولة لهدنة طلب أمها، وهنا يواصل الزير سالم قتاله وبطشه بجساس وقومه، لحين وصول الجرو بن كليب، الذي كانت قد خبأتْه أمه الجليلة عند قومها، على عادة الأبطال الأسطوريين، أوريست، وأوديب، وحورس.

وتعرف عمه الزير عليه في البداية، ثم اليمامة حين لاعبتْه لعبة التفاحات الأربع — الفروسية — عقب منازلاتها له في ميدان القتال، وكان أن جذبتْه إلى قبيلته — الأبوية — ودفعتْه دفعًا هي والزير سالم، إلى قتل خاله جساس بن مرة قاتل أبيه الملك كليب.

وتنتهي هذه السيرةُ الملحمية بانتصار الجرو بن كليب، بقتل خاله جساس، وتنصيب الزير له على عرش كليب.

أما الزير سالم، ذاك البطل الشعبي — أبو ليلى المهلهل — فإنه ما إن انتهى من قتل جساس وفرض ذلك الاستسلام المتجبر المهين على أعدائه البكريين، حتى سلم عرش كليب لابنه الجرو وظل وحيدًا — لم يتزوج — ولا يعرف له ذرية كما يخبرنا النص الشعبي الفولكلوري، برغم تسميته بأبي ليلى.

فالزير سالم انتهى نهايةً غريبةً، منعكفًا في منفاه الاختياري — ببئر سبع — يقيم «في الخيام ويشرب المدام وينام وهو لابس آلة الحرب والصدام»، وكما يصفه النص العامي «أحناه الدهر وضعفت قواه، وظل على تلك الحال إلى أن برز له أسنان وصار عقله مثل عقل الولد.»

فالملفت أن المهلهل هو الشخصية الوحيدة التي تتبدى غريبة هائمة على طول هذه السيرة الملحمية الذي هو بطلها — المحجب — قاتل السباع الذي لا يقهر.

وعلى هذا تحتفي النصوص الفولكلورية العامية به كبطل خارق مكتمل الصفات يزخر بالمعاناة والأحاسيس والإنشاد التراجيدي العميق، الذي لا يفصح عنه سوى قمم المراثي والمَوَّال الأحمر:٥٣
إن في الصدر من كليب شجونًا
هاجسات فكان منه الجراحا

ولعلني أعني ما أقول، فإن ذلك الشاعر الفاجع — المهلهل — كان أكبر القوى الشعرية بالغة الأثر على مدى الأزمان التي مرت بلغتنا وفولكلورنا العربي، وبخاصة جانبه الشعري، وما تزال محفوظة تعيش متواترة إلى أيامنا.

وقد جمعتْ له الكثير من مربعات ومثمنات الشعر الشفهي الفولكلوري، الآفا مؤلفة من مواويل المراثي وأشعار التوجع، والموتيفات أو الأشعار التحريضية والبكائيات الذاتية.

ويبدو أن أبا ليلى المهلهل في آخر أيامه ضاق بعجزه ووحدته، فطلب من ابن أخيه الملك الجرو، أو العجرس، أن يسوح متنزهًا في البلاد، فأعطاه الملك هودجًا، وعبدين يحرسانه ولوازم سفره، فخرج وما زال يجول في البلاد، إلى أن هد كاهل عبديه، وكان قد واصل بهما تجواله — كما يذكر النص العامي — بلاد الصعيد،٥٤ فصمما على قتله وإعدامه ثم العودة إلى أهله، وإخبارهم بأن أبا ليلى المهلهل أدركتْه المنية.

ويبدو أن الزير، أدرك غرضهما وما ينويان، فطلب منهما الحرص على إبلاغ أمنيته الوحيدة ووصيته إلى أهله وعاهدهما فأقسما، فأنشد عليهما بيتًا وحيدًا من الشعر:

من مبلغ الأقوام أن مهلهلًا
لله دركما ودر أبيكما

وكرره عليهما، إلى أن دخل الليل، فذبحاه ودفناه، ورجعا إلى ديارهما ودخلا على سيدهما الجرو فأبلغاه بموت عمه أبي ليلى المهلهل فبكى، وطالبهما بوصيته.

وما أن أنشد العبدان وصيته أو بيت شعره، على مشهد من الجرو واليمامة وعلية القوم، حتى لطمت اليمامة ومزقت ثيابها صارخة، بأن عمها لا يقول أبياتًا ناقصة — أو مهلهلة — وأنه قتيل مُغتال، أرى أن يقول:

من مبلغ الأقوام أن مهلهلًا
اضحى قتيلًا في الفلاة مجندلًا
لله دركما ودر أبيكما
لا يبرح العبدان حتى يقتلا

ثم إنهم قبضوا على العبدين، ووضعوهما تحت العذاب إلى أن أقرا بما أشارتْ به اليمامة، التي رجحنا — فيما سبق — قدرتَها الخارقة — ككساندرا — وعلاقتها الطوطمية بأبيها كليب؛ حيث إنه تسمى بها، كإلهة أنثى أم.

(٥) السيرة الهلالية السياسية الكبرى

من المُلفت والمؤسف أن النص الأصلي المدون لهذه السيرة السياسية الكبرى للهلالية؛ ما يزال إلى أيامنا في عداد المخطوطة المحفوظة بمكتبة الدولة المركزية ببرلين، مثلها مثل مثيلتها «الأميرة ذات الهمة» ٢٦ ألف صفحة.

بمعنى أن النص الفعلي للهلالية، لم تصله إلى أيامنا يدُ المطبعة بعد، ما يزال في عداد النص اليدوي المدون، ومن هنا فالاختلافاتُ كبيرة، والمغالطات لا تنتهي، والإضافات التي أضافها الرواة والنساخ والمنشدون على مدى العصور تتبدَّى واضحة بين ذلك النص المخطوط للهلالية وبين بقية النصوص والطبعات الشعبية المتداولة على طول عالمنا العربي من محيطه لخليجه، وهي — بالتحديد — الرقعة الجغرافية التي تغطي حركتُها من حروب وهجرات أحداثَ هذه السيرة السياسية، التي لا تبعد بنا أحداثها وتحالفاتها وتناقضاتها عما نعانيه اليوم والآن على طول البلدان والكيانات العربية، حتى لَيبدو أن أحداث سيرة الهلالية كانتْ على دراية أكثر نبطًا منذ حوالي عشرين قرنًا من الزمان، في حروبها وتصديها للصهيونية، سواءٌ في خيبر والجزيرة العربية، أو في الأردن المتاخمة لفلسطين التي تدعوها السيرة ببلاد السرو وعباد، أو في فلسطين ذاتها، في القدس وغزة وعكا ويافا.

بل هي تتعقب القلاع والفلول الصهيونية — كما تدعوها السيرة وتسوقها بشكل مباشر — في حلب الشهباء، واللاذقية، التي فيها أسر دياب بن غانم، والقلاع المتاخمة لحماة وحمص ودمشق، وهكذا.

فتُلقي المخطوطة الرئيسية للسيرة المزيدَ من الضوء القوي الساطع على منابع ومكونات هذه السيرة، بالإضافة إلى حفاظها على حلقاتها الرئيسية، التي هي في عداد ثلاث سير متتابعة، تضرب أُولاها بجذورها في العصور التي تعارفْنا عليها بالجاهلية السابقة لظهور الإسلام، والتي قد تصل بنا هذه الجاهلية إلى بضعة آلاف، فالحلقة الأولى للسيرة تُغطِّي بدء تواجدهم التاريخي في الجزيرة العربية منذ الجاهلية الأولى أو العصور السابقة واللاحقة للإسلام، وهجرتهم الأولى إلى الأردن وفلسطين أو بلاد السرو.

إلى أن تتوقف بنا الأحداث مع بدء ظهور الإسلام، وكيف أن هلال بن عامر وفد على النبي على رأس قومه أو قبائله المتحالفة، ولعب أولئك الهلاليون دورًا في ترسيخ أركان الدين الجديد، حتى إن النبي أسكنه وادي العباس.

وتبدت فيما بعد فروسية وشجاعة الهلالية في جيل «المنذر» أبو العرب المناذرة، وكيف تعرف إلى الأمير «مهذب» وتزوج بابنته «هذبا»، حتى إذا مضت على زواجهما عشرة أعوام ولم يرزق منها بطفل، قرر الزواج بأخرى.

ثم رحل إلى بلاد «السرو وعباد» إلى الأردن وفلسطين؛ حيث تزوج بابنة الملك الصالح واسمها «عذبا»، وبعد ذلك نرى السيرة تحدثنا أن «هذبا» التي خلفت له «جابرا» كما وضعت «هذبا» جبيرًا، ولم يمض على ولادة الطفلين زمنٌ طويل حتى نرى الغيرة تدب بين الاثنين ونرى كلًّا منهما تريد المنذر لها ولابنها، وينتهي الأمر بطلاق «هذبا» ورحيلها مع ابنها «جبير» إلى نجد، ومن نسل جابر وجبير انحدرت إلينا بطون بني هلال ونساؤهم اللواتي قمن بالأدوار الهامة في مختلف فصول الحلقة الأولى من السيرة، فجابر وُلد له عامر، وتامر، وهشام، وحازم، ومن نسل هؤلاء انحدر «رزق» والد أبي زيد، وسرحان والد السلطان حسن بن سرحان.

أما جُبير فقد ولد رياح، وحنظل، والنعمان، ومن ذرية رياح جاء دياب، فمن سلسلة النسب هذا يتبين لنا أن أبا زيد من نسل جابر بينما دياب من ذرية جبير.

وعقب جيل جابر وجبير يرد خبر زواج «رزق» بخضراء وكيف أنه رُزق منها بفتاة تُدعى «شيحا» وفتًى يدعى «بركات»، وكان الولد أسود اللون؛ لذلك اتهمت خضراء في عرضها وانتهى الأمر إلى رحيلها وابنها إلى بلاد الأمير الزحلان عدو بني هلال، فيكرم الأمير وفادتها ويُعنَى بها وبتربية ابنها، ويوكل أمر تعليمه إلى كاهن أو معلم، فكان يعلم بركات أو أبا زيد الهلالي العلومَ والحِرَف واللغات والحيل والمكائد التي اشتهر وتفوق بها:

ولساني عبراني اليهود بينفعك
ولسان سرياني تصير مشير

وكذا الطب والرياضيات والكيمياء، والصباغة والمعادن:

والطب أيضًا دانيال أعلمك
وعلم الحساب وكل علم ظهير
وأعلمك علم الصباغات كلها
تصبغ لروحك ما تريد يا أمير

ويحدث أن يهاجم الهلاليون بلاد الزحلان فيتصدى لهم بركات ويأخذ والده أسيرًا ويعترف له الهلاليون بشجاعته ويطلقون عليه «سلامة» ويعجب به الزحلان، فيزوجه بابنته «غصن البان» وتعلو مكانة «سلامة» في أعيُن الهلاليين الذين رأوا كيف أن مهابته وذكاءه ومهارته آخذةٌ في الزيادة؛ لذلك تعارفوا عليه باسم «أبى زيد الهلالي سلامة» وبعد أن تفرغ السيرة من سرد حروب الهلاليين مع الزحلان أو قبائل بني زحلان تنتقل إلى جيل سرحان، وتُحدثنا عن خبر تعرفه بشما، ووقوعهما في أسر الإفرنج ونجاتهما بحيلة، من تلك الحيل التي اشتهر بها الهلالية، خاصة أبا زيد.

وشما أو شماء هنا في موقع الكاهنة أو الإلهة الأنثى القمرية، أو التي تتبع التقويم القمري، وتقود المهاجرين مشيرة بالحرب والسلم والمشورة، كما هو حال أولئك العرب الجاهليين، وتقويمهم القمري وليس الشمسي، وهو ما واصل تواترُه كما هو معروف بالنسبة للتقويم الهجري القمري السائد إلى أيامنا.

فالسيرةُ الهلالية تُفرط إلى أقصى حد بالنسبة لظاهرة شخصياتها الأنثوية، مثل تلك الأميرة الكاهنة شماء:

انظر لشامتها
هذي علامتها
انظر لقامتها
شبه الردينية
الشعر مثل الليل
كأنه سباسب خيل
والوجه مثل السيل
بعيون هندية

بل إن السيرة في تأريخها لأجيالها المبكرة تُضفي الكثير من الحكايات والفابيولات الجانبية والاستطرادية حول قصة الأمير سرحان والد السلطان حسن بن سرحان، قائد التحالف الهلالي، وحبه وتعشُّقه لشماء والدته:

شما تلفتيني
بحبك ضنيتيني
قومي واسقيني
من فوق شبريه
بالليل أنا أزورك
وها الوقت دا شويه

فهذه الإلهة الكاهنة شما التي كان لها وحدها ثلث المشورة عبر حروب ومنازعات بني هلال في الهند وسرنديب واليمن والجنوب العربي بعامة، تتشابهُ في الكثير من الوجوه، مع إلهات الحرب الأنثيات، وأبرزهن الإلهة أثينا في قيادتها للتحالف القبلي الهليني اليوناني في حروب وحصار طروادة.

ومثلها هنا مثل الجازية، فيما سَيَلِي من أحداث الريادة وفتوحات بني هلال في الشام وفلسطين ومصر وليبيا، لحين حصار تونس والمغرب العربي بعامة حتى الأندلس التي كان يحكمها أبو زيد الهلالي.

وهنا نكون قد وصلنا إلى الحلقة الثانية، أو المجلَّد الثاني لسيرة الهلالية، التي تبدأ أحداثُها برحلة السلطان حسن وأبي زيد من بلاد السرو التي نرجح أنها وادي الأردن وفلسطين إلى نجد، بقومهما بالطبع بنو دريد وبنو الزحلان إلى نجد؛ حيث تعيش قبائل بني زغابة المنحدرين من ذرية جبير، إلى أنْ تصل بنا إلى نسب بطل التحالف اليمني والجنوب العربي بعامة، الأمير غانم، وابنه دياب.

أما السبب الدافع وراء تلك الهجرة، من ربوع وادي الأردن وفلسطين فلم يكن سوى القحط والجفاف.

والملفت هنا أنه وعبر هجرتهم الجماعية إلى نجد، يخوضون أول حروبهم مع من؟ يهود التحالف اليهودي الخيبري، وهي حروب طويلة ومضنية تستغرق وقائعُها الجانب الأكبر من الحلقة الثانية للهلالية، لحين تحقيق انتصاراتهم على اليهود الخيبريين الذين كانوا في بعض عصورهم التاريخية يتصدون لمحاربة الأكاسرة الفرس المجوس.

ففي هذا الجزء أو الحلقة الثانية للهلالية وسيرتهم؛ تستقر تحالفاتهم من عرب نجديين أو حجازيين قيسيين وجنوبيين يمنيين — قحطانيين أو حميريين — وتجيء هذه التحالفات تحت شارة أو راية أو طوطم الهلال.

فيُقدم السلطان حسن بن سرحان على الزواج من أخت دياب بن غانم وتدعى «نافلة»، وفي ذات الوقت يقطع السلطان حسن عهدَه لقائد ورأس التحالف اليمني دياب بن غانم، على أن يزوجه أخته «نور بارق» التي تسمت بالغازية أو الجازية، والتي سترت أمها السالفة «شما» في قيادتها لحروب وهجرات بني هلال، حتى ليصبح لها ثلث المشورة.

وتحدث عبر هذه الحلقة الثانية سلسلةٌ من الحروب والإغارات القبلية تمتد ساحتها على طول الجزيرة العربية.

فتجد وصفًا للمعارك التي قامت بين الهلالية، والعقيلي، وحنظل، والهيدبي، ثم تنتهي إلى الاصطدام بين أبي زيد ودياب، ولا تنتهي هذه الحلقة إلا بعد أن تُطيل في الحديث عن بطولة العرب عامة والهلالية خاصة وانتصاراتهم على الإفرنج.

وتغريبة بني هلال أو الحلقة الثالثة من حلقات هذه السيرة تعنى بأعمال الهلاليين في الغرب، خاصة في شمال أفريقيا، وهذه الفترة من فترات التاريخ الإسلامي صحيحةٌ لا شك فيها، كما أن بني هلال عرفتْهم الجاهلية وعاشوا في الإسلام وقاموا وحلفاؤهم بنصيب وافر في سبيل العمل على تعريب تلك البلاد جنسًا وثقافة، فابن الأثير يُحدثنا في كامله بأن رسول الله تزوج في العام الرابع من زينب بنت خزيمة أم المساكين وهي من بني هلال، ثم يذكرهم مرة عند الحديث عن غزوة هوازن ومرات كثيرة أُخرى في مناسبات مختلفة، أما خروجهم إلى أفريقيا فقد ذكره أكثرُ من واحد من المؤرخين، أذكر منهم هنا ابن خلدون، فقد جاء في ص٦٢-٦٣ من الجزء الرابع من تاريخه ما نصه:

كان المعز بن باديس قد انتقض دعوة العبيديين بأفريقيا وخطب للقائم العباسي وقطع الخطبة للمستنصر العلوي سنة أربعين وأربعمائة، فكتب إليه المستنصر يتهدده، ثم إنه استوزر الحسين بن علي التازوري.

إلى أن يحل الجدب بنجد والحجاز، ولا تجد هذه القبائل البدوية الرعوية مقرًّا لها سوى الهجرة والترحال بحثًا عن الزرع والضرع.

فيستقر الرأي على ضرورة استكشاف المسالك إلى البلدان المتاخمة للجزيرة العربية، وهكذا اندفع فارسُ التحالف الهلالي، أبو زيد الهلالي، مصطحبًا الأمراء الثلاثة أبناء السلطان حسن بن سرحان، مرعي ويونس ويحيى إلى تونس، ليقعوا في أسر حاكمها خليفة الزناتي، فيأمر بسجنهم بينما يطلق سراح ابن زيد ليعود إلى نجد، وبدلًا من إحضار فدية الأمراء الأسرى فإنه يجهِّز الجيش لغزو تونس.

وهكذا يسير أبو زيد على رأس قومه بني زحلان، والسلطان حسن مع بني دريد، ودياب بن غانم على رأس قومه بني زغبة، ويؤتى بالجازية من مكة لتكون في الطليعة. ثم نقرأ قصصًا كثيرة حول هذه الجيوش والتقائها بالخفاجي عامر، والملك الغضبان، والخزاعي، وشبيب التبعي والبردويل بن راشد، وأشهرُها هي قصة بني هلال مع الماضي حاكم صعيد مصر.

وما كادت تتحرك هذه الجيوش لمُلاقاة الزناتي خليفة حتى زودها أبو زيد بخططه الحربية الخطيرة، فهو يضلل جواسيس العدو مرة، ويستولي على عيون المياه مرة أُخرى ويأتي بحيل لا تقل طرافة عن حيل قُوَّاد الحرب الحالية.

وقد أطلق مرة المنادي ينادي العرب: «كل من كان عنده ناقةٌ والدة يُبعد ابنها عنها، أو فرسٌ والدة يبعد ابنها عنها، وكل من كان عنده حصان طلوق يجيبه عند فرس شايع ويلحقونا على عين الخطيري، وتخلي العرب كلهم يدقوا طبولهم في نزولهم على العين، فيسمع الزناتي حنين المهارى، وصهيل الخيل، وحس الطبول فينكسر قلبه قبل ما يجيء لنا الحرب».

كما أنه كثيرًا ما استخدم النساء للتسرب إلى داخل البلاد والقيام بأعمال السلب والنهب لإيقاع الذعر بين الأهلين والتمهيد لدخول الجيوش، وكان تنفيذ هذه المهمة يوكل عادة للجازية التي كانت تقوم بها خير قيام، فاسمعها مثلًا تتحايل على منصور أحد بَوَّابي تونس وتمنيه وتغريه بمختلف المغريات:

افتح لا تخالف
إنك رجل عارف
وانظر د الوصايف
لرية وسارة
روحي يا صبية
ماد لا بلية
قد جتنا المنية
لعند الديار
وشوف نجلا المليحة
مع حسنة الرجيحة
حين ترخي المسيحة
مع طراف الخمار
تنصب لك علامة
ما بين الغراما
قل يالله السلامة
في هذا النهارا

وبعد حديث طويل نجد الجازية تتغلب على منصور، ويفتح لها ولمن معها من نساء ورجال الباب، ويتمكن الهلاليون من إطلاق سراح مرعي ويونس، ثم تدور الدائرة على الزناتي فيُقتل بفضل خطة وضعتْها ابنته سعدة التي شغفت بمرعي عندما كان في سجن أبيها، فهي التي أشارتْ على الهلالية بإرسال دياب إلى أبيها ومنازلته؛ لأن ديابًا أقدر الفرسان لمنازلة خليفة.

خلا الجوُّ للعرب في تونس، واستولوا على عروش الغرب السبعة، وشرعوا في تقسيمها بينهم كما أخذوا في الاستعداد لغزو مراكش، وهنا نجد النزاع الذي كان قائمًا بين العرب في الجزيرة — أعني: بين اليمنية والقيسية — ينفجر مرة أخرى في أفريقيا، فيمثل أبو زيد القيسية ودياب اليمنية، وقد مهدت السيرة لذلك أحسن تمهيد، فهي في جدول الأنساب الذي ساقتْه من قبل جعلتْ ديابًا ينحدر من فرعٍ تجري في عروقه دماءُ حمير، فهو دياب بن غانم بن رباح بن حمير بن رباح بن جبير، فذكر «حمير» هنا لم يأت عبثًا وإنما؛ تمهيدًا لسائر الخصومات التي قامت بين أبي زيد من ناحية دياب من ناحية أخرى، وهو يعلل لنا قتل دياب للسلطان حسن وأبي زيد فيما بعد.

أدت هذه القبائل القيسية رسالتها في شمال أفريقية وجعلتْه عربيًّا جنسًا وثقافة ودينًا حتى يومنا هذا. وبعد ذلك نقرأُ خبر انتقال دياب إلى السودان والحبشة، ويُقتل دياب ويتولى ابنه نصر الدين الزغبي حكم بلاد الغرب، وتنتقل بعض القبائل القيسية إلى صعيد مصر ثانية، فأعالي النوبة، فالخرطوم، فدارفور، حيث نسمع عن وجود قبائل عربية مثل الرزيقات نسبة إلى رزق والد أبي زيد وقبيلة سليم نسبة إلى بني سليم.

وهنا تؤيد السيرة أبحاث المؤرخين ورجال اللغات السامية؛ فهم مُجْمِعون على أن لهجة صعيد مصر، وعرب أولاد علي غرب الإسكندرية، ومالطة، وشمال أفريقيا، وأعلى النوبة، وكردفان، وجنوب الخرطوم، ودارفور؛ لهجةٌ واحدةٌ، لها مميزاتها الخاصة التي تميزها عن سائر اللهجات العربية.

أخيرا يمكن القول إن استقرار هذه القبائل العربية خارج الجزيرة لم يُنْسِها يومًا نجدًا، وجمال نجد، وحرية نجد، وقد عبر مرعي عن هذا الحب بقوله، يخاطب سعدة بنت خليفة:

يا سعدة نجد العريضة مريه
ربيت بها أهلي وكل جدود
بلدي ولو جارت عليا مريه
وأهلي ولو شحت عليا تجود

وهكذا حكم الجيل التالي الذي تعارفتْ عليه سيرةُ الهلالية بجيل اليتامى — من أبناء السلطان حسن ودياب بن غانم، وأبي زيد الهلالي — العالمَ العربي، مشرقًا ومغربًا حتى الأندلس ومداخل أوروبا الجنوبية.

الريادة

تعد سيرة بني هلال، وتغريبتهم ورحيلهم إلى بلاد الغرب «المغرب العربي»، وحروبهم مع الزناتي خليفة، وما جرى لهم من الحوادث والحروب المخيفة — بحسب وصف الطبعات الشعبية المتعاقبة على نصوصها من مدونة كانت أو شفاهية — أهمَّ أنموذج وأصبح لسير الأنساب القبائلية، أو لذلك التحالُف العشائري الذي لم يقتصر بحال على عرب الجزيرة، بقسميها الشمالي القيسي، في نجد والحجاز، وجنوبها القحطاني في عدن وحضرموت والجنوب اليمني العربي بعامة، فالسيرة ذاتها لا تغفل هذا الدور في التأريخ لرءوس وممثلي وشخوص ذلك التحالف، منذ الإلهة الأنثى القمرية «شما» وسليلتها الجازية أو الغازية وأخيها رأس التحالف المعدي القيسي، حسن بن سرحان سلطان الهلالية، وأبنائه، يونس ومرعي، ويحيى، وفارس بني هلال أبو زيد الهلالي سلامة.

ثم عرب الجنوب اليمنيين، وفارسهم هنا هو دياب بن غانم، الذي تعارَف عليه جماهيرُ السيرة بالزغبي.

مرورًا بمن اجتذبتْهم الهجرةُ الجماعيةُ الزاحفة لتلك القبائل المتحالفة عبر التغريبة تحت شارة أو شعار الهلال، أحد أطوار الدورة القمرية، وما يستتبعها من أخذ بالتقويم القمري أو العربي — الهجري — وليس الشمسي إلى أيامنا.

فلقد اجتذب عربُ الجزيرة عبر زحفهم من أقصى المشرق العربي بدءًا بالخليج العربي، إلى مغربه على طول الشمال الأفريقي حتى المحيط ومداخل أوروبا الجنوبية بعامة؛ الكثيرَ من التحالفات القبائلية من العراق وما بين النهرين والشام ولبنان وفلسطين ومصر، إما بالانضمام للحرب أو بالتضامن الذي يحققه — التزاوُج — والزواج السياسي — كما سيتضح.

فمنذ الأحداث المبكرة للريادة التي اضطلع بها أبو زيد الهلالي، حين حدث جُوعٌ في الأرض، بسبب انقطاع المطر في نجد ومعظم بوادي الجزيرة العربية، فاصطحب أبو زيد الهلالي ابني السلطان الهلالي حسن بن سرحان، يونس ومرعي لريادة الطريق تمهيدًا للهجرة الجماعية إلى تونس الخضراء وتملُّكها بتخومها السبع وقلاعها الأربع عشرة حتى الأندلس.

فنجد الأمراء الهلالية المقنعين على هيئة شعراء جوالين حجازية، ينزلون مضارب الخفاجا عامر حاكم بلاد العراق، الذي سيرافق الهجرة الجماعية بفيالقة المحاربة أيضًا، حتى إذا ما نزلوا حلب ثم حماه وحمص وطرابلس حتى دمشق، اجتذبوا قبائل حليفة تمدُّ يد العون لجحافل الجيوش العربية المتحالفة تحت شارة الهلال الذي سيُصبح رمزًا موحدًا للعالم الإسلامي فيما بعد.

واتخذ الرواد الهلالية الثلاثة طريقَهم إلى غزة وحاكمها السركي المُسمَّى بابن نازب، ومنها إلى مصر «العدية» وأكرمهم حاكمها «الفرمند بن بامنوح»، بل هو رافقهم بفرسانه حتى تخوم الديار الليبية حتى إذا ما حَطُّوا رحالهم بتونس احتالوا حتى دخلوا أسوارها الشهيرة ومدحوا الزناتي خليفة، فأحس واخترقوا إليهم، ثم باعوا جارية هلالية تدعى مي إلى سعدة ابنة الزناتي خليفة حاكم تونس.

إلى أن اكتشف أمرهم «العلام» ابن عم الزناتي خليفة «ونائبه في معاملات الأحكام»، فاحتال بدوره للقبض عليهم ومواجهتهم بأنهم أمراء وبُصَّاص بني هلال المتسللين أو الجواسيس.

وبعد مفاوضات طويلة، شارك فيها الزناتي خليفة ذاته؛ انتهى الأمر بتدخل الأميرة سعدة ابنته التي هددت أبيها بأن هؤلاء الأغراب لا يستحقون القتل، إلا إذا أدى مثل هذا الفعل القبيح لإذلال الغرباء وأَسْرهم أو قتلهم، بدلًا من إكرامهم والترحيب بهم في تونس، خاصة وهم شعراء جَوَّالون أو كما تدعوهم السيرة، بما يساعد على إشاعة خبر اغتيال الزناتي لهم، ليصبح مسبة في الأفواه.

ثم أشارت سعدى بحبس الشابين في قصرها المنعزل بالسجن الملحق به، وإطلاق سراح العبد أبي زيد ليعود بالإثباب والفداء:

يقول أبو سعدة الزناتي خليفة
فعقلي تراه قد غدا محتار
أتوني جواسيس من الشرق عا
جلا أماره أفاضل من فروع كبار
وحينما اقتنع الزناتي خليفة — على مضض — برأي سعدى ابنته أمر وزيره العلام بإطلاق سراح ابن زيد؛ ليعود بالفدية. أما سعدى فأودعت الأمراء الأسرى سجنها.٥٥

وحين انطلق أبو زيد الهلالي واصل من فوره استطلاعه للمدائن حتى أشرف إلى وادي الغباين وتلك الأماكن، فوجدها كثيرةَ المياه والنبات ممتعة البراري والفلوات، تَصلح للحرب والقتال ومرعى النوق والجمال، ثم صار مِن هناك إلى قابس ومنها إلى دوس فوجدها أحسن محل لامتلاك تونس، وقد تعجب من خيرات البلاد وكثرة ما فيها من الإيراد ومشاهدة من البلدان الكثيرة والمياه والبساتين الغزيرة فانشرح خاطره وطابتْ سرائره.

ويتضح من ظاهرة اهتمام أبي زيد الهلالي برصد كل ما تقع عليه عيناه من معالم وجغرافية الأراضي التونسية؛ مدى إخصابها وخيراتها المتفجرة بالإضافة إلى معالمها الواقعية وحصونها في قابس ودوس، بما يسهل على قومه طريقَ الهجرة وسهولة فتحها.

أما يحيى ومرعي فأخذتهم سعدة عندما بقوا في سرور وأفراح وبسط وانشراح، أما الأمير أبو زيد فبعد أن دار جميع البلاد وعرف السهول والوهاد رجع ليرى أحوال البلاد، ولَمَّا دخل إلى قصر سعدة فألفاه مطليًّا بالرصاص.

وعلى هذا النحو دأب فارس الهلالية، على معرفة كل ما يسهِّل على عشائره طريق هجرتهم وفتوحاتهم، بل إن الأحداث ذاتها التي صادفتْ فرسان بني هلال جاءتْ هي بذاتها بالمبرر لهجرة القبائل وحربها لاسترداد أسراها من الأمراء الرهائن بقصر سعدى الجميلة ابنة الزناتي خليفة وغرامها الذي سيشتعل حبًّا بعدو بلادهم «مرعي» الذي جاء غازيًا.

وما زال يَجِدُّ في السير مدة خمسين يومًا حتى أقبل إلى نجد وتلك الأوطان، وحين دخوله إلى نجع بني هلال التقاه الكبارُ والصغار، وكلما تقدم إلى قُدَّام يزاحمه الجميعُ وهم يصرخون بصوات واحد: اليوم فقد أتانا من هو عزنا وحمانا، وما زال سائرًا حتى أقبل إلى صيوان الأمير حسن فدخل عليه وعلى الذين حواليه، فلما نظره الأمير حسن والأمير دياب والقاضي بدير والأمير زيدان شيخ الشباب تقدموا إليه وقبلوه بين عينيه، وأجلسه الأمير حسن بجانبه، ودارتْ البشائر في بلاد نجد بأنَّ الأمير أبا زيد حضر من بلاد الغرب، فاجتمعت الفرسان من كل مكان، وحينئذ سألوه عن الأمراء مرعي ويحيى ويونس فعند ذلك بكى الأمير بكاء شديدًا وأشار بخبرهم عما جرى له من التعب والمعاناة حاكيًا مرة ومنشدًا أُخرى.

إلى أن استقر رأي كبار العشائر على الرحيل والهجرة عن الديار، إلى تونس والمغارب، لفك أسرى أمراء بني هلال.

فاجتمعت القبائل مع مطلع نهار الرحيل يتقدمها شيوخ القبائل وفرسانها، السلطان حسن بن سرحان، وأبو زيد الهلالي ودياب بن غانم، والقاضي بدير، وزيدان شيخ الشباب، ثم الأميرة الجازية، التي هي في موقع الكاهنة القمرية الأم لهذا التحالف القبائلي الهلالي.

وتُصادفهم سلسلةٌ من الحُروب والمنازَعات أول ما يلتقون في بلاد الأعاجم بالعراق الأعلى وتخوم إيران وبلاد التركمان، مثلما حدث مع الدبيس بن مريد، ووزيره المدعو همام، عقب سبي إحدى أميرات بني هلال وهي المارية ابنة القاضي.

وفي تلك الحروب تَبَدَّتْ شجاعة وفروسية رأس التحالف اليمني دياب بن غانم الملقب بأبي موسى، وابنته وطفاء، أو وطفا — بحسب نُطق السيرة — وهواجسها التي اشتعلتْ فأنشدتْ تمنع أبيها من منازلة الدبيسي؛ متوجسة كمثل كاهنة أو متنبئة:

قد شفت بحر من دم
وأنت بوسطه غرقان
شفتك في وسطه تسبح
كلت منك الدرعان
ما عاد لك قوة تخرج
أنا شفتك بعيان
إنت تنادي يابو زيد
هيا يابا شيبان
في سرعة قد أتاك
ومد إليك الزندان
وقال لك يا أبو موسى
امسكني بالدرعان

وتشير هذه السيرة التي تُوغِل في إغراقها في المأثورات الغيبية والخرافية، من ضرب للرمل واستشارة وأحلام وهواجس أبطالها — خاصة الجازية.

إلا أن كابوس وطفاء ابنة دياب تحقق هذه المرة بانكسار فرسان الهلالية أمام الدبيسي الذي أسر الكثير من قادتهم وأمرائهم، منهم الأمير عقيل أخو أبي زيد الهلالي، والأمير زيدان، الملقَّب بشيخ الشباب، إلى أن جاء المنقذ، وهو أبو زيد الهلالي وألاعيبه وأحابيله الكاشفة عن مدى ذكائه وقدراته الفائقة في اجتياز المآزق وتحقيق غاياته في النصر على أعدائه.

فما أن أَسَرَ الملك الدبيسي أمراء بني هلال حتى هاجت النساء والرجال واستعظموا تلك الأحوال وذهب منهم جماعةٌ من الأعيان إلى أبي زيد فارس الفرسان، فوقعوا عليه وفوضوا إليه، وطلبوا منه أن يسعى لتخليص الفرسان والأبطال من الأسر.

ثم إنه غَيَّرَ زيه، وتنكر، ولبس حلة من الحرير الأخضر، ووضع طيلسانًا على رأسه حتى لم يعد يعرفه أحد، وقصد الملك الدبيسي وحَادَثَه باللغة الفارسية، فلما رآه الدبيسي على تلك الصفة ظن بأنه من دراويش الأعجام، فاحترمه وقال له: مِن أين أتيت يا ابن الأجواد؟ قال: من مدينة بغداد، وإني من فقراء عبد القادر رب الفضائل والمآثر. فقال: ادعو لنا يا درويش الأعجام بالنجاح والانتصار وأن الله يرزقنا بأبي زيد الخادع الماكر حتى نقتله على رءوس الأشهاد ونبلغ منه سرور الفؤاد؛ وهو الذي كان السبب في قدوم بني هلال إلى هذه المنازل والأطلال، فإذا أجاب الله طلبك بَلَّغْناك أربك.

فتعجب أبو زيد من هذا الكلام وقال له: بلغك المراد، وما دام كذلك أريد منك أن تأمر لي بالذهاب إلى البلد، فسمح له بالذهاب وأمر الجاب أن يفتحوا له الأبواب، وعند دخوله إلى البلد قصد باب الحديد وهو المكان الذي كانت مسجونة فيه فرسان بني هلال ووجد هناك جماعة العبيد وهم يطوفون تحت جنح الظلام فسلم عليهم فردوا السلام وقالوا: من تكون من الأيلم، فقال قد أرسلني الدبيسي بن مزيد لأدعو له في جامع عبد الصمد بأن الله يبلغه المراد وينتصر على أبي زيد من الأوغاد، وأنتم من تكونوا من الناس؟ فقالوا: إننا من جملة الحراس، وقد أمر الملك أن نحافظ على أسرى بني هلال خوفًا من أبي زيد لئلا يأتي إليهم بالمكر والاحتيال.

ثم إن أبا زيد بعد هذا الحديث أخرج من جيبه شمعة مبنِّجة، فأضاءها عند فرك مناخيره، فلما اشتعلت فاحتْ منها رائحة البنج، فلما اشتعلت فاح منها رائحةٌ زكية، ولم تكن إلا برهة يسيرة حتى وقعت الحراس كالأموات من ذلك البنج، وبعد ذلك أخرج حجر المغناطيس ووضعه على الأقفال، فتساقطت في الحال، فرأى فرسانَ بني هلال في القيود والأغلال وهم يقاسون الأهوال، فأعلمهم الأمر وفَكَّهم من الأسر، ثم أعطاهم أسلحة الجماعة وقال لهم اتبعوني بعد ساعة حتى أكون فتحت لكم أبواب المدينة، فتخرجوا بالراحة والأمان، ثم صار حتى وصلوا إلى الباب، فوجد الحراس جالسين وفي أيديهم السيوف والحراب، فردوا عليه السلام، وقاموا على الأقدام وأجلسوه بجانبهم وجعلوه يخاطبهم ويخاطبوه. وكان كثيرًا يمد يديه إلى جرابه ويأخذ قطعة من السكر ويأكلها أمامهم، فقالوا ما هذا الذي تأكله يا شلبي؟ قال: هذا هو ملبس حلبي. فقالوا: أطعمنا ونحن ندعو لك بالتوفيق والخير، فأعطاهم قبضة كبيرة وكانت مبنجة، فأكلوها فما استقرت في بطونهم حتى سقطوا أو ناموا، والأسرى قد خرجوا ومدوا في قطع البراري والبطاح، فوصلوا لأهلهم عند الصباح، فقامت الأفراح وكثر الصياح واشتدت ظهور الأبطال وشكروا أبا زيد على تلك الأفعال، رأوا الحراس راقدين والأسرى غير موجودين. ولما بلغ الدبيسي هذا الخبر طار من عينيه الشرر وتأكد عنده بعد التحقيق والتفتيش أن البلا من الدراويش وما هو إلا أبو زيد صاحب المكر والكيد.

ودارت الدائرة، واستمر القتال على هذا المنوال حتى كثرت الاهوال على بني هلال، فلم يعد لهم ثباتٌ، فتأخروا إلى الوراء، فتفرقوا إلى جانب الصحراء وقد قتل من الفريقين في ذلك نحو عشرين ألف بطل كرَّار، ولما أظلم الظلام اجتمعتْ بنو هلال في الخيام في حالة الذر والانكسار مما أصابهم وعقدوا ديوانًا مع الأمير حسن، وطلبوا منه أن يمدهم برأيه، فأخذ حسن يحمِّسهم بالمقال ويشجعهم على الحرب والقتال ويقول لهم: إنه من الواجب أن تركب الجازية مع العمارية وتحمل عليهم في الصباح بالكتائب والمواكب.

وعلى هذا النحو الذي تسوقه السيرة في الدور الحربي والمقاتل والمنقذ للجازية، كإلهة قمرية أُمٍّ لذلك التحالف الهلالي؛ فهي — بالحق — التي حققت الانتصار الأخير وفك أسرى الهلالية، حتى إذا وصلت القبائل زحفها في أرض العجم أو العراق الأعلى وبحر العرب،٥٦ حتى طالبهم ملكُها المدعو بالخرمند بدفع الجزية «عشر مالهم من النساء والدواب والخيول.»

فأرسل إليه أبو زيد الهلالي منشدًا:

بعثت يا خرمند تطلب لعشرنا
عشر النساء والخيول الأصايل
وتريد منا كل بيضة جميلة
بنت الأمارة زائدات الدلائل
فما تحظى بهم فإن وراهم
رجال حروب كالأسود تقاتل
سألقاكم غدًا بقوة ساعدي
وجيش بني هلال الفضايل
وإن كنتم لا تبرزوا للقتال
فإني سألقاكم بوسط المنازل
يقول أبو زيد الهلالي سلامة
سيدركوني الفرسان في يوم الهوايل

وحين وقعت الحرب بين الخرمند أو الفرمند، ويبدو أنه كان لقبًا ملكيًّا، تبدت شجاعة أبي زيد، وما ألحقه بهم من هزائم.

«فعند ذلك ولَّت الأعجام هاربة إلى النجاة طالبة، وخلص أبو زيد من أيديهم النساء والبنات ورجع بالنصر والإقبال إلى المضارب والأبيات مع باقي الأمراء والسادات.»

هذا ما كان من أبي زيد البطل وما فعله في ذلك النهار.

وأما المارية ابنة عم الأمير غُنيم، فكانت في هودج على جمل أهوج، فلما اشتد القتال انهزم بها ذلك الجمل وسار بها على عجل، فرأت نفسها بقرب الحلة والكوفة والصلصيل وراء هودجها طالب أخذها، فصاحتْ على ابن عمها من ملو رأسها، وكان المذكور بالقرب منها فلما سمع نداها ترك القتال وأتاها، فجعل يطعن الأبطال ويمدد الفرسان.

وابن عمها هنا ليس سوى أبي زيد الذي أنقذ أميرات بني هلال من أيدي العجم بقرب الحلة والكوفة.

(٦) حسان اليماني أهي سيرة مستقلة مندثرة؟

من المرجح أن «حسان اليماني» ليست مجرد اسم لذلك الملك اليمني الجنوبي التبع، الذي يرد اسمه متسلطًا على مقدمة أحداث السيرة الملحمية «الزير سالم» أبو ليلى المهلهل، حين غزا بلاد الشام وفلسطين، كأجاممنون بألف سفينة حربية، والذي سيسبب موته أو اغتياله في إشعال حرب البسوس القبائلية الانتقامية التي قادها الزير سالم لأكثر من أربعين عامًا.

فالأصوبُ هنا أننا بإزاء سيرة أو ملحمة مندثرة أو منقرضة لذلك الملك القحطاني الجنوبي الغابر، الذي لا تنقطع مأثوراتُه هو وابنته «تدمر» ووالده «سبع أسعد»، وأخته المنتقمة لاغتياله سعاد، المتعارَف عليها بالمتعددة الأسماء، وأشهر أسمائها البسوس، التي خلفت اسمها على الكثير من البلدان والمعالم العربية في مصر، والجزيرة العربية، ولبنان، وفلسطين.

فحسان اليماني اسمُ بطلٍ ملحمي قحطاني يماني، متواتر إلى أيامنا، من أعلام الفولكلور العربي، له سيرُهُ وملاحمه، مثله مثل: الملك سيف بن ذي يزن الحميري، والجازية الإلهة القبلية الأُم للتحالف الهلالي، والزير سالم أبي ليلى المهلهل، وبقية الأبطال الملحميين العرب.

ومن المرجح أن الملك التبع حسان اليماني كان — بدوره — بطلًا لسيرة أو ملحمة مندثرة، كانت تعرف بسيرة «تبع حسان اليماني» تحكي عن فتوحاتِ ومأثوراتِ ذلك الملك المتجبِّر، الذي كان يسعدُهُ التغنِّي منشدًا بجوره:

ملكت الأرض جورًا واقتدارًا
ومن مأثورات والده «تبع أسعد اليماني» القول معنيًّا حربه للصين:

قد دعتْني نفسي أن أنطح الصين.

ذلك أن سير الأنساب الحميري أو القحطانية اليمنية، لما يعرف بسلسلة الملوك التباعنة — أسعد تبع وابنه حسان اليماني — تعد في حكم المقضية أو المندثرة على طول الوطن العربي.

سوى أننا نُلحق شخوص وأبطال هذه السير الملحمية في أخرى لاحقة، أو لعلاقة أحداثها ومأثوراتها «موتيفاتها» بسير وأحداث، أو حروب جانبية، من ذلك أن أحداث ومأثورات زرقاء اليمامة، التي اجتاحت جيوشُ تبع حسان اليماني قومَها وبلادها «قبائل جديس» المنقرضة حين حذرتهم زرقاء اليمامة، وجيوش الملك حسان تزحف إلى المدينة «اليمامة» مغطاة بالشجر لتضرم فيها النيران فيما بعد، قائلة وكانت أبعد نظرًا وبصيرة: «يا جديس، يا قوم، لقد سارت إليكم الشجر، وأتتكم حمير.»

ويقال إن حسان اليماني أذل جديس إلى أنْ أفناها، كما أفنى مِنْ قبلها قبائلَ طسم، ويذكر «أنهم كانوا لا يزوِّجون امرأة من جديس، إلا وبعثوا بها إليه ليفترعها» أي يفض بكارتها بدلًا من بعلها.

كذلك ترد مأثورات التبع حسان، متداخلة ومهاجرة مع سير ومأثورات ابنته الفاتنة «ضمر أو تدمر» التي تَسَمَّتْ باسمها ممالكُ ومدنٌ وحضاراتٌ بكاملها، في اليمن وسوريا والأردن وفلسطين، والتي نهب قصورَها وبقايا آثارها ومقبرتَها ذاتها الخليفةُ الأموي مروان بن محمد؛ بحثا عن كنوزها الدفينة، وهو القبر الذي يُذكر أن الملك سليمان بكى عليه من روعته وأنشد:٥٧
يا من رأى مسكنًا بتدمر
ما يعمره من أنيسه أحد
مبلطًا بالرخام كالطود
ذي الأركان أبلى حديده الأبد

ولا تنتهي مأثورات ذلك التاريخ الأسطوري أو الخرافي حول شخصيات تباعنته أسعد (ابنه حسان اليماني) الذي كثيرًا ما يلقب بذي اليمنين.

فيقال إنه عندما وافت المنية أبيه الملك التبع أسعد، نادى ابنه حسان ليستخلفه على عرشه بعده، وكان له تابعة أو ساحرة من الجن تسكن جبلًا في كهف يقال له «ينور» فأمر ابنه حسان بالتوجه إليها وإبلاغها بأنه سيموت، وأمر ابنه بإطاعتها في كل ما تأمر به.

وعندما ذهب حسان إلى جبل ضهر ورأى المرضى والمعلولين منتشرين، يقدمون النذور من التمر والزبيب؛ لكي تشفيهم جنيةُ الجبل، بعد أن يغتسلوا — وهو ما يزال ساريًا حتى الآن — ويعرف سكان هذا الجبل بأهل ضهر؛ قرع الجبل ودخل إلى الجنية وأخبرها بما قاله أبوه فطلبت منه أن يجلس على كرسي يشغل بالحيات والعقارب والدود وقدمتْ له طبقًا فيه عظام، وفي بعض النصوص أنها قدمت إليه طبقًا به رءوسٌ بشرية وطلبت منه أن يأكل، فلما رفض أعطتْه إناء مليئًا بالدم ليشرب لكنه عاد فرفض، فقالت له: لقد أمرتُك فعصيتني، عُدْ إلى أبيك لكن اقتل عند الباب أول مَن تلقاه.

فتركها ومضى إلى أبيه ليقتل أول من سيلاقيه وكان أخوه «سعدي كرب» أول مَن صادفه فأبى أن يقتله، وعندما دخل حسان على الملك المحتضر أبيه حكى له ما حدث مع الساحرة، ففك له رموز الجنية، فمعنى جلوسه على الحيات والعقارب: أنه لا يملك حمير إلا مَن صبر على مثل لدغ الأفاعي والعقارب، ولو أكل رءوس البشر لخضع له رؤساء الناس، وبالنسبة لشرب الدم فمعناه أنه لا يملك حمير إلا من أهرق دماءها «وأما أخوك فسيقتلك إذا لم تقتله»، ويقال إنه لقي «عمر» بعدها وقتله، وأنشد حين أعماه التردد:

ألا من يشتري سهوًا بنوم
ألا من لا يبيت قرير عين
فأمر حمير غدرت وخانت
فمعذرة الإله لذي رعين

ولما حسم تردده، وقتل أخاه عاداه النوم فلم يذقه، وعندما شكا قالوا لا يأتيك النوم حتى تقتل من دفعك لقتل أخيك، فنادى في مملكته، وجمع وجوه حمير الذين كانوا قد دفعوه واغتالهم خمسة بخمسة إلى أن قضى عليهم.

•••

كذلك تُطالعنا سيرة أو ملحمة حسان اليماني المندثرة، متداخلة مع الزير سالم أبو ليلى المهلهل حين واصل فتوحاته للشام ولبنان وفلسطين، وفي إطار ذلك التاريخ الأسطوري أو الذي يزاوج فيه الأساطير والخرافات، والذي يلقى عدم تحققه اليقيني الحفري كثير من غموض الظلال على أحداثه وسيره وتراثه الضارب في العراقة، لملوكه الذين جابوا العالم القديم، وخلعوا آثارهم وهجراتهم القارية في الهند وفارس والصين والتبت، والذين كان يحلو للواحد منهم القول «قد دعتني نفسي أن أنطح الصين» وهكذا يمضي مفتتحًا الصين، ومجاهل أفريقيا، ومنهم هذا الملك التبع، الذي أفنى قبائل وحضارات بكاملها، والذي ظل يتمثل فيه أقصى تمثل لأنموذج شخصية المستبد العادل، أو الطاغية المنصف، على المستوى السياسي لليوتوبيا العربية والإسلامية بخاصة.

ويلاحظ جيدًا أن هذا التبع حسان اليماني، يرد في نص ملحمة «الزير سالم» مهاجرًا من ملحمة أو سيرة سابقة قائمة بذاتها، وأشار إليها الكثيرون من الكُتَّاب الكلاسيكيين العرب، وصادفني خلال سنوات جمعي الشفهي لهذا التراث الكثيرُ من موتيفاتها ومأثوراتها، ومواقفها، وأشعارها الإنشادية، ومواويلها، الذي ينسب الكثير منه لحسان اليماني، أو تبع حسان اليماني.

ونسب له الهمداني الكثير من النصوص والقبوريات.

كما تنسب له ملحمة الزير سالم أنه كان شديد البأس، مهيب القامة، لا يعرف الحلال من الحرام لا يحفظ العهد والذمام، وكان يحب النساء الملاح والمزاح، وفي كل ليلة يتزوج بصبية من بنات الملوك، ويشرب المدام في الليل والنهار.

وعندما سمع بازدهار وثراء ممالك الشام وفلسطين على أيامه؛ صرخ مقررًا الحرب وتملك ديارهم في الشام وفلسطين منشدًا:

يقول التبع اليمني المسمى
بحسانٍ فما للقول زورا
ملكت الأرض غصبًا واقتدارًا
وصرت على ملوك الأرض سورا
وطاعتْني الممالك والقبائل
وفرسان المعامع والنمورا
لقد أُخبرت عن بطل عنيد
شديد البأس جبارًا جسورا
وقالوا إنه يدعى ربيعه
أمير قد حوى مُدُنًا ودُورا
تولى الأرض في طول وعرض
فكم أخربْ وكم شيدْ قصورا
فقصدي اليوم أغزوه بجيشي
وأترك أرضه قفرا وبُورا
أسير بهم إلى تلك الأراضي
وأملك للقلاع وللقصورا
ويغنم عسكري منهم مكاسبْ
وأعطيهم بنات كالبدورا
ويبقى الحكم لي برًّا وبحرًا
ويصفى خاطري بعد الكدورا

وأمر بدق الطبل النحاس الرجروج، وهو من أعظم الطبول، وكان يدقه عشرةٌ من العبيد الفحول، وهو من صنعة ملوك التباعنة العظام.

واجتمع تحت إمرته، كأجميمنون وهو في طريقه إلى حرب طروادة عشرة ملوك أو «قيافل» بجيوشهم، ونصب الملك حسان، ملك اليمن وما يتبعها إلى الملك «الصحاح بن حسان» وقصد هو بجيوشه البحرية هذه إلى «بلاد الحبش والسودان» وما أن وصلوها حتى أرسل وزيرًا بألف فارس، ليعلم واليه وابن أخته الملك الرعيني بقدومه، وإمداد الجيش حيث إنه في طريقه إلى الشام، آمرًا ملوكه العشرة أن ينقسموا إلى قسمين ميمنة وميسرة، متملِّكين ما يقابلهم من مدن بحد السيف المهند، حتى ملكوا أكثر البلاد وأطاعتْهم العباد.

إلى أن تملك بلاد الشام، فأحاط بها من جميع الجوانب بالمواكب والكتائب، وواضح أن تملك دمشق، التي كان واليها من قِبَل الملك ربيعة، سيد عرب الشمال العدنانيين القيسيين، ويدعى زيد بن علام؛ قد تم برا، بمعنى أن الغزوة لسوريا عامة كانت بحرية (ألف سفينة) إلا أن اقتحام عاصمة العرب القيسيين «دمشق» جاء برًّا.

وأقول هذا ردًّا على الدكتور لويس عوض،٥٨ الذي خلال تعرضه بالدراسة لهذه الملحمة أو السيرة العربية العريقة «الزير سالم» التي خلفتها الحضارات العربية اليمنية، في عدن وسبأ وحضرموت، ثم الشام وفلسطين. افترض أنها سيرة ملحمة مترجمة مستندًا لمغالطة الحصار البحري لدمشق قائلًا: وبالتالي فحديثُ الملحمة عن «ألف مركب يجهزها الوزير نبهان أو نهبان لغزو الشام؛ ضربٌ من المحال، ولا تفسير له إلا أن يكون النص مقتبسًا، محرفًا بما يناسب ضرورات التعريب، وهذا يضع الملك حسان في وضع أجاممنون غازي طروادة.»

المهم أنه لم يهدأ للتبع حسان اليماني بالٌ إلا عندما استقدم ملك عرب الشمال القيسيين العدنانيين «ربيعة المعظم» — والد كليب والزير سالم — الذي كان قد رفض المثول بين يديه، وأمر حراسه بإلقاء القبض عليه «ومن معه من بني قيس الطناجير وقيدوهم في الجنازير» وشنقه وصلبه على بوابات دمشق.

ومن فوره بدأ بتقسيم الإمبراطورية، إلى عدة فرق، ولَّى عليها من استسلم له من أمراء القيسيين، وأولهم الأمير «مرة، والد جساس مغتال كليب، الذي جعله على الفرقة الأولى، يسكن مع قومه في نواحي بيروت وبعلبك والبقاع»، وجعل الأمير عبس، واليه على فلسطين وبلاد السرو وعباد، هي مملكة النبطيين، أو العرب الأنباط الأردنيين.

ويلاحظ أن الأردن بالفعل يكثر بها أشجار السرو إلى أيامنا، كما يلاحظ أن الأنباط العرب ما يزال يتواتر حولهم عديدٌ من المأثورات والأمثلة الفولكلورية، حول النبط أو النبطة، والقول بأن فلان، نبطي، أو مثل النبطة، بمعنى أنه إنسان صلب قوي لا يقهر ولا يلين أو ينكسر.

كما أقام التبع الغازي حسان واليَه الأمير المسمى: عدنان، على الفرقة الثالثة «وأن يقيم في العراق بتلك المنازل والآفاق.»

وهكذا استتب للتبع اليماني المقام، بعد أن شتت بني قيس وقادتهم في البراري والتلال، ودام له الحال ثلاثين سنة تُهاديه الملوك الأكاسرة وتهابه الملوك القياصرة.

فبنى قصرًا مرتفع البنيان وجعل أبوابه من الفضة والذهب، بناه له فرعون مصر الشهير، الذي تحتفظ الملحمة باسمه «الريان»، الذي تُجمع معظم المصادر العربية الكلاسيكية على الاحتفاظ باسمه هذا، وهو فرعون إبراهيم في مصر، بما يشير إلى افتراض أن هذه الأحداث وقعتْ متعاصرة على وجه التقريب مع مطلع الألف الثاني ق.م؛ أي منذ حوالي ٣٨ قرنًا.

وتكتمل مأساةُ هذا التبع المتجبر، الذي يربط البعض بينه وبين ملك الملوك «أجاممنون»، نتيجة لمصرعه واغتياله على يد زوجته الجليلة وعشيقها — أو خطيبها أو زوجها — الأمير كليب الفلسطيني، وما نتج عن هذا من اندلاع ألسنة لهب حرب البسوس الشهيرة، التي امتدت تحت تأثير النزعات القبلية والثأرية لمدة أربعين عامًا متلاحقة.

وإذا ما انتهينا من إلمامةٍ عامة حول تلك السيرة الملحمية لحسان اليماني؛ فمن المفيد استكمال المعرفة بابنته «تدمر» ومأثوراتها المتواترة بدورها بكثرة في ثنايا الأدبين العربي الكلاسي والشعبي الفولكلوري … فهناك أكثر من مدينة أو موقع أثري لحضارة آفلة تسمى باسم «دمر» أو «تدمر» في عالمنا العربي، في اليمن، والجنوب العربي؛ أي عدن والإمارات العربية اليوم، بالإضافة إلى سوريا.

ويجيء الاسم تدمر، انتسابًا إلى «ضمر» أو تدمر، ابنة الملك التبع الغازي «حسان اليماني» صاحب السيرة المندثرة المعروفة — انظر: حسان اليماني — الذي غزا الشام وفلسطين منذ عصور موغلة في القدم، وتسبب اغتياله الدامي ليلة عرسه بدمشق، من الأميرة الفلسطينية «الجليلة بنت مرة» التي كانت مخطوبة لابن عمها، كليب بن مرة الأخ الأكبر للزير سالم أبو ليلى المهلهل عن اغتيال كليب، للتبع حسان، والد — تلك الملكة الإلهة — تدمر، واجتياح الحرب القبائلية المعروفة بحرب البسوس، الأربعين عامًا بين عرب لبنان وفلسطين.

فحسان اليماني وابنته الفاتنة «تدمر» التي خلفت اسمها على المدينة الغابرة تدمر بقصورها التي ينسب بناؤها للجن، كما ذكر نشوان بن سعيد الحميري في هذا قوله «نسبت اليهود والعرب بناءها إلى الجن؛ لما استعظموه من مخالفها الأثرية والمعمارية بالطبع.»

وكما ذكرنا، يبدو أنها كانت مقبرة مهيبة قَيِّمَةٌ هدمها الخليفةُ الأُموي مروان بن محمد، وأخذ كنوزها الغنية، فإذا فيه امرأة على قفاها، أُلبست سبعين حلة ولها غدائرُ سابغةٌ إلى صدرها، وفي بعضها صفيحة من الذهب مكتوبٌ فيها «أنا تدمر بنت حسان بن أذينة — اسم أمها — خرب الله بيت من خرب بيتي»، ويذكر أنه بعدها اغتيل مروان؛ أي بعد أن خرب ونهب مقبرتها.

وذهب البعض إلى أن اسم تدمر مشتقة من «تمر» أي بلح، وأن هذه المدينة القديمة، ومعناها «مدينة التمر» وهي المدينة التي خربها الملك العراقي بختنصر أو بنو خذ نصر.

وكان بها هيكل لإله الشمس «بعل»، وهي ذاتُها المدينةُ التي اعتلت عرشها الملكة زنوبيا أو الزباء ابنة أذينة بن الهميع عام ٢٦٧ ميلادية إلى أن أسرتها روما، وكاد سكان تدمر أن ينقرضوا بعد أسرها.

(٧) طول سيرة عربية في التاريخ «سيرة الأميرة ذات الهمة وابنها عبد الوهاب»

لعل سيرة الأميرة ذات الهمة وابنها عبد الوهاب هي أطول سيرة في التاريخ؛ ذلك أن مخطوطتها الأساسية تصل إلى ٢٦ ألف صفحة، وما تزال هذه الدُّرَّة العربية محفوظةً كمخطوطة لم تلحقها بعدُ يدُ المطبعة بمكتبة الدولة ببرلين الغربية، لا يُلتفت إليها بالقدر الكافي؛ خاصة وأنها تغطي — من حيث تاريخها — لحقبة هامة تصل إلى قرابة أربعة قرون؛ منذ أواخر وأفول الدولة الأموية في دمشق، والانتقال بالخلافة الإسلامية إلى عباسي بغداد.

فهي تؤرخ لسيرة الأسرة الفلسطينية الحاكمة في القدس وفلسطين في ذلك العصر، ومحورها بالطبع الأميرة فاطمة بنت مظلوم التي لُقِّبت بذات الهمة.

وإذا كان من أُولى الأهداف الرئيسية لمثل هذه الأعمال الشعبية الجمعية مجهولة المؤلف، هو التأريخ للأخطار المهدِّدة لبلداننا العربية؛ فإن سيرة الأميرة الفلسطينية ذات الهمة وابنها عبد الوهاب تؤرِّخ — بدقة ما بعدها دقة — لتفاصيل ودقائق الحروب البيزنطية ضد الدولة الإسلامية الوليدة، وهي الحروبُ التي تسميها السيرة بالحروب الرومية.

فسيرة الأميرة ذات الهمة تبتدئ أحداثها بأزهى عصور الخلافة الأموية في دمشق المتاخمة وعصر عبد الملك بن مروان، مرورًا بمروان بن محمد آخر الخلفاء الأُمويين الذي طارده أبو مسلم الخراساني عقب هروبه إلى مصر، إلى أن لحقه واغتاله في «أبو صير» بمصر الوسطى، مرورًا بمطلع العصر العباسي، وصراع السلطة المحتدم، المتبلور في أزمة أو فاجعة البرامكة، وانعكاس كل هذا على عرب فلسطين «القيسيين» وأميرتهم ذات الهمة وابنها عبد الوهاب؛ حيث تستفيض هذه السيرة التاريخية العملاقة في إعادة سرد تلك النكبة السياسية الكبرى بين جناحي اليمين التقليدي والطلائع الإسلامية المستبصرة بالخطر الخارجي الجاثم على الأمة العربية، ممثَّلًا في الدولة البيزنطية أو الرومية — كما تعارفتْ عليها السيرة.

وما هذه الطلائعُ الإسلامية سوى شخوص وأبطال هذه السيرة الفلسطينية لسكان الثغور، غزة ويافا وحيفا وعكا المقاتلة البطلة على طول تاريخها.

وتنتهي أحداث هذه السيرة في عصر الخليفة العباسي الواثق بالله، برغم أنه يرد ضمن أحداثها وعلى لسان راويها أن سيرة الأميرة الفلسطينية ذات الهمة كانت تُروى بتمجيد شديدٍ على الخليفة الواثق بالله العباسي، وأن ذلك الخليفة كان كثيرًا ما يستوقف راويها مستفسرًا عن أبطالها وأحداثها، تلك التي تؤرخ لحياة وبطولات تلك الأسرة الفلسطينية الحاكمة لذات الهمة كقائدة محاربة لعبتْ أهمَّ الأدوار في الدفاع عن مطلع الدولة، أو الخلافة الإسلامية، كان البحارة الفلسطينيين كطلائع ساحلية بحرية كانوا على طُول تاريخهم أكثر نبضًا وتوقُّدًا واستشعارًا بالخطر الخارجي المتربص على الدوام ببلداننا العربية، سواء أكان الشرق الأوسط المعاصر، أو الأدنى القديم، أو ما يُعرف بالعالم العربي بعامة، ومركزه الشام وفلسطين والجزيرة العربية.

وهو بالضرورة أمر طبيعي أن تجيء الطلائع البحرية الساحلية في لبنان وفلسطين أكثر استشعارًا وترصُّدًا للأخطار المحيطة ببلداننا العربية، عنها بالنسبة للبلدان والحضارات الزراعية أو البدوية الرعوية، حتى ولو من مدخل أن تلك الأخطار والغزوات لا بد وأن تجيء — في معظمها — بحرية.

وقبل أن نستطرد في سرد الوقائع والأحداث ذات الصبغة السياسية للكيان أو الأسرة الفلسطينية الحاكمة على أرض وتراب فلسطين، للحقبة أو العصر التاريخي الذي تؤرخ له السيرة، بدءًا — على التقريب — من مطلع القرن الثامن الميلادي؛ نعود إلى أهمية وقضية هذه السيرة العربية الفلسطينية العملاقة، وللقارئ أن يتصور أن «سيرة الأميرة ذات الهمة وابنها عبد الوهاب» ما تزال إلى أيامنا مخطوطة مفتقَدة أو مهجورة منذ أن نسخها مؤلفها — أو أكثر مؤلفيها الحقيقيين — كتراث أو تاريخ شعبي أقرب إلى أن يكون فولكلورًا من حيث الافتقاد للمؤلف اليقيني الفرد.

وبرغم حاجتنا الماسة إلى إعادة المعرفة العلمية اليقينية بتراثنا التاريخي، خاصة بالنسبة للوطن العربي السليب فلسطين، وما نشهده من تهويد وتغيير للمعالم، وجور مستعمر ضد كل حق وتاريخ سواء في فلسطين الأمس، أو لبنان اليوم؛ ما تزال هذه السيرة مخطوطة في عشرات الأجزاء المتتابعة التي تصل في مجموعها إلى ٢٦ ألف صفحة من القطع المتوسطة، والنسخة الوحيدة المحفوظة بمكتبة الدولة ببرلين كمخطوطة، لم تصلها بعدُ المطبعة، وهي لهذا مصدرُ فخرٍ لمكتبة برلين المركزية، واحتفى بها أشد احتفاء لإنقاذها من الدمار عقب الحرب الكونية الثانية الأخيرة.٥٩
هذا على الرغم من أنه كان لهذه السيرة الملحمية الفلسطينية الأصل والمنشأ، أكبرُ التأثير في مجمل الآداب البيزنطية منذ ما قبل القرون الوسطى،٦٠ كذلك نقلت أو هي ترجمت إلى الفارسية وإلى التركية منذ أوائل الغزو العثماني.

وعرفت باسم «سيد البطال» وهو اسم بطلها الخارق المحارب صاحب الألاعيب والخطط الحربية البارعة، التي أوصلت بطلة السيرة وشخصيتها المحورية «ذات الهمة» لأنْ تصل بمعاركها وانتصاراتها الحربية التاريخية إلى حد أسر الإمبراطور الروماني «ميخائيل» ودخولها على رأس الجيوش العربية الإسلامية — المتحالفة — إلى القسطنطينية لتُصبح وتتوج إمبراطورة لفترة ليستْ طويلة — على أي حال — على القسطنطينية والإمبراطورية الرومانية بعامة.

فكما ذكرنا فإن الهدف الجوهري لهذه السيرة الفلسطينية هو التأريخ لمسار تلك الأسرة الفلسطينية وحروبها وتصدِّيها للغزو الخارجي، كمقاتلين عن الثغور والمداخل البحرية، طالما أن الغزو لا بد وأن يجيء بحريًّا، في ذلك العصر الإسلامي البيزنطي الوسيط.

فالصحصاح جَدُّ الأميرة ذات الهمة، يشارك في الحرب ضد الروم، والمعروفة باسم حرب الروم، من وجهة نظر التاريخ الشعبي بالطبع، في تلك الحروب الأموية التي اندلعت ضد الروم «البيزنطيين» ومنها حملة مسلمة بن عبد الملك، وما توالى من خلفاء وحروب متصلة لتأمين حدود الدولة الإسلامية الوليدة.

كذلك لم تغفل سيرة ذات الهمة أن الحصار الذي ضربه العرب حول القسطنطينية امتد لبضعة أعوام؛ مما اضطر الجيوش العربية إلى إشادة مدينة ضخمة في مواجهة القسطنطينية تعارفوا عليها باسم «المستجدة».٦١
وهو الحصار الثالث للقسطنطينية الذي وقع تاريخيًّا، كما لم تغفل عنه السيرة، وفي ذلك الحصار تَبَدَّتْ طاقاتُ البطل الشعبي المخادع أو الميكيافيللي سيد البطال، والذي — كما ذكرنا — بطلٌ تاريخي استُشهد بالفعل في الحروب العربية ضد الرومان عام ١٢٢ هجرية،٦٢ وهو يرد في السيرة، لا كبطلٍ أو قائد محارب بل على أنه ماهرٌ في إنشاء ونقل وتموين خطوط الجيوش العربية إلى مداخل أوروبا الجنوبية بالإضافة إلى الأندلس أو شبه جزيرة أيبريا بكاملها، والتي وصلت الدول والدويلات «السورية الفلسطينية» في الإطار العربي القومي العام فيها إلى أكثر من ١٢ دويلة وكيان، يرد اسمها الفلسطيني صريحًا، مثل دولة بنو الزيري، والتي نرجح أن التسمية هنا ترد منتسبة إلى الزير سالم، البطل الملحمي العربي الشهير بالمهلهل أو أبو ليلى المهلهل، من ألقابه سيد أو أمير ربيعة، فالمرجح أن تسمية الزير وبنو الزيري٦٣ تسمية ملكية، بالإضافة طبعًا إلى دول ودويلات الأندلس مثل بني الأحمر.
وإذا ما تجاوزنا مدى الصلة الفعلية بين أحداث سيرة الأميرة ذات الهمة، وبين الأحداث التاريخية التي تؤرخ لها، فالسيرة تؤرخ لحرب بني كليب التغلبيين الفلسطينيين، وطلائعهم أو حكامهم أسرة ذات الهمة ضد الروم البيزنطيين عبر بضعة أجيال متعاقبة تتخذ رأسًا لها الأمير جندبة بن الحارث الكلابي وابنه الصحصاح الذي تبدتْ أولى أعماله البطولية كما تذكر السيرة في إنقاذه لابنة الخليفة الأُموي من مختطفيها، ثم بعد ذلك نراه يشارك في قيادة الحروب العربية ضد بيزنطية، بأمر من الخليفة عبد الملك بن مروان، لحين مجيء ذات الهمة واسمها الحقيقي فاطمة ابنة مظلوم بن الصحصاح بن الحارث الكلابي، ولدت وتربت فاطمة، تلك التي عرفت باسم أو لقب ذات الهمة، في الخفاء أو البرية، ومنذ شبابها المبكر تصدت للاعتداءات القبلية الداخلية لقبائل طيء؛ دفاعًا عن شرفها وعن قبيلتها، ومن هنا اشتهرتْ بذات الهمة، إلى أن أحبت ابن عمها الأمير مرزوق، وكان فارسًا لا يمل المغامرات والدفاع عن قومه، إلى أن أنجبتْ ذاتُ الهمة منه ابنًا أسمتْه عبد الوهاب «أراد الخليفة الواثق تعيينه واليًا على القسطنطينية فرفض عبد الوهاب.»٦٤

وعلى هذا لم تغفل سيرة الأميرة ذات الهمة التسجيل والتأريخ للأحداث الداخلية ذات الصبغة السياسية؛ من ذلك أزمة أو نكبة البرامكة في مطلع الخلافة العباسية، التي يرد ذكرها من منطلق التأريخ الشعبي في سياق أحداث السيرة، وهي الأحداث التي وقعت في نهاية القرن الثاني الهجري (١٨٧) حين أقدم الخليفة هارون الرشيد على اغتيال جعفر بن يحيى البرمكي، وزيره الأول أو رئيس وزرائه.

وترد تلك الحادثة ضمن أحداث السيرة مرتبطة بإحدى العواصم أو الثغور التي استعمرها البحارة الفلسطينيون جزيرة مالطة أو مالطية، وكيف أمر الرشيد ببنائها وتعميرها وهو في طريق عودته من إحدى غزواته إلى حاضرة خلافتِه بغداد «حين جمعوا الصناع والبنائين من سائر البقاع»، وحين عاد إلى بغداد حدثت الواقعة أو الوقيعة، بين الرشيد والبرامكة، ولا تغفل السيرة ربط نكبة البرامكة بأحد أبطالها المحاربين وهو الأمير عبد الوهاب الابن الوحيد الوريث لذات الهمة، والخصم الأزلي لشخصية ترد خائنة متآمرة تقف في صف الأعداء الروم، ويدعى «عقبة» وكيف أزعجتْه العلاقة — ويمكن القول التحالف — بين جعفر بن يحيى الوزير الأول، وبين الأمير عبد الوهاب الفلسطيني بن ذات الهمة، فدس خطابًا بمساعدة الفضل بن أبي ربيعة مليء بالتآمر ضد الخليفة بين طيات عمامة جعفر بن يحيى البرمكي، اكتشفه الخليفة وأنزل النكبة الانتقامية بالبرامكة، التي أحدثتْ بالتالي أثرَها بالنسبة لمجرى أحداث سيرتنا هذه ذات الهمة، التي تقع أحداثها المركزية ما بين الثغور الفلسطينية العربية وبين دمشق وبين جزيرة مالطة، أو مالطية المتاخمة لشمال فلسطين.

كذلك لا تغفل السيرة عن ذِكر بناء وتعمير المدن، مثل مالطية أو مالطة، وأيضًا بغداد حين شادها الخليفةُ المأمون على نهر دجلة، حين راقه الموقع فأسماها باسم راهب كان يسكنها وأرضه «باغ-داد».٦٥

كذلك يرد في السيرة — بكثرةٍ ملفتة — ذكرُ المدن والثغور الفلسطينية: غزة، حيفا، يافا، بالإضافة طبعًا إلى مالطة المتاخمة، والتي كانت في موقع الدفاع الأول عن الساحل الفينيقي من لبناني وفلسطيني، على طول عصورها وبخاصة أكثر منذ مطلع العصور الوسطوية، وهو ما تؤرِّخ له سيرةُ ذات الهمة العملاقة.

١  أي انفجر ميتًا، وسلى جسده … ومات.
٢  صار غمًّا وحزنًا.
٣  دواية، هي ابنة الخفاجا، الذي يدعى في المواد النجح.
٤  أي الخلفة والذرية.
٥  خليفة.
٦  عمل معي جميل.
٧  سيرة سيف بني ذي يزن القاهرة عام ١٣١٠ هجرية.
٨  حيث الإمارات العربية اليوم.
٩  التيجان، وهب بن منبه ص٢٤ و٢٥.
١٠  والمرجح هنا مصر العليا وبلاد النوبة.
١١  أبو الفدا، ص١٠٢.
١٢  خسرونامه ص٦٤.
١٣  أساطير وفولكلور العالم العربي، شوقي عبد الحكيم: كتاب روز اليوسف ٧٠٤.
١٤  حرشت عليه: أغرته.
١٥  أنجب: أظهر نجابة وكرمًا.
١٦  صر الناقة: شد ضرعها.
١٧  يدعيه: يلحقه به ويعترف به.
١٨  كبكبة: جماعة.
١٩  مدبر: منهزم.
٢٠  بكر: جمل شاب، وقد سبق شرحه.
٢١  الأغاني: نشر دار الكتب بالقاهرة ٨، ٢٣٧–٢٤٥.
٢٢  انظر فرس أرين إيرانيين.
٢٣  يهودي من قبائل خيبر.
٢٤  ترد في نص السيرة باسم الجيرة.
٢٥  السيرة ج١ صفحة ٢٣٣.
٢٦  الإله أبيس، ويرد بنفس اسمه هذا في كثير من مواقع تواجدهم في مصر.
٢٧  السيرة ج١ صفحة ٣١٤.
٢٨  يتضح من اسمه احتوائه على تسمية البين، ومشتقاته، الشريرة، الشؤم، غراب البين، وعيال البين.
٢٩  لاحظ العلاقة اللغوية — الأيتمولوجية — بين الدينار ودي نار، وهو موال شفهي ينسب للزير جمعتُه عام ١٩٥٥ من مصر الوسطى، ونشرته في كتابي «أدب الفلاحين» عام ٥٧ شوقي عبد الحكيم.
٣٠  من المرجح أنها استمدت اسمها، من دفن الزير بها، كما أن هناك الكثير من الأماكن والبلاد التي تحمل اسمه وذكرياته، من ذلك، ما ذكره لي القَصَّاص فهمي حسين، من أن معاصر كروم الزير سالم كانت في إحدى قرى الزقازيق في الدلتا.
٣١  أجد ملوك بنو الحرث أو الحارث الكلابي ملوك الأنباط الأردنيين، وتَرِدُ أسماؤهم التاريخية الحفرية بالحارث منذ ما قبل الألف الأول قبل الميلاد، سواء في نصوص رأس الشمرا بالقرب من اللاذقية أو نصوص البحر الميت، باسم الملك الحارث، كذلك يرد ذكرهم بكثرة في سيرة الأميرة ذات الهمة الفلسطينية.
٣٢  أي أن الملك الحارث، جز للمهلهل ناصية إحدى جدائل شعره، امتهانًا بحسب شعائر الحلاقة التي كانت تُمارس بكثرة كطقوس عند العرب الجاهليين.
٣٣  Calbites.
٣٤  المصدر السابق، جريفز.
٣٥  The White goddess.
٣٦  المصدر السابق.
٣٧  كما لا ننسى «الكلبية» زوجة الخليفة الأموي الأول معاوية، وكذلك بقية السير الفلسطينية مثل الأميرة الفلسطينية ذات الهمة التي فتحت القسطنطينية، وأصبحت أول إمبراطورة عربية عليها.
٣٨  تكوين ٦: ٢، ١٠.
٣٩  أساطير وفولكلور العالم العربي، شوقي عبد الحكيم، كتاب روز اليوسف القاهرة ٧٤ ص١١٥.
٤٠  إلى القبائل العربية «العاربة» أو المندثرة، وكانوا اثني عشر قبيلة وحضارة منها: عاد وثمود وطسم وجديس والعماليق وجرهم وعرفات.
٤١  في بعض النصوص وصف الفرسان المائة المختبئين بالطابق الثاني من كل صندوق أنهم كانوا ممتطين صهوات خيولهم، وعليه يُمكنُ تصوُّر مَدَى ضخامة تلك الصناديق وكذا كنوز العروسة الجليلة ابنة والي التبع على بيروت والبقاع بما يضارعها بالحصان الطروادي (المؤلف).
٤٢  سارة وهاجر. شوقي عبد الحكيم، دار المصير الديمقراطي: بيروت ٨١.
٤٣  مكانتها اليوم نابلس أكبر مدن الضفة الغربية بفلسطين المحتلة.
٤٤  المصدر السابق، لجريفز.
٤٥  أو الغزاوية، من بلدة شورق.
٤٦  القلقشندي: صُبْح الأعشى، المطبعة الأميرية بالقاهرة ١٩١٣، ج. أول.
٤٧  سيد البطال، أحد أبطال سيرة الأميرة ذات الهمة، واشتهر بحِيَلِهِ وإيقاعه بأعداء الأمة العربية، ومعرفته باللغات والجغرافيا البحرية للعالم القديم.
٤٨  سيرة الأميرة ذات الهمة، تأليف د. نبيلة إبراهيم، الكاتب العربي، القاهرة.
٤٩  The Whithe godoss R. olives p. 60.
٥٠  لقب بالبعل الكلداني في بعض الأحيان.
٥١  ملوك معين Mymman وقيتبان kataban وأوشان Ousan.
٥٢  Outline of great books-history of the pelaponnesian war. Thucyidides, p. 6, 7, 8, 9, I.
٥٣  كما أن بعض هذه النصوص سبق نشره بكتاب «أدب الفلاحيين» لشوقي عبد الحكيم، القاهرة ١٩٧٥.
٥٤  يرجح أن تكون العرابة المدفونة بمحافظة المنيا، التي دفن بها، كما قد تكون تَسَمَّتْ باسمه.
٥٥  التغريد ص١٧، المصدر السابق.
٥٦  دول الإمارات العربية على أيامنا.
٥٧  الإكليل، الهمداني ج٨.
٥٨  أوريست والملاحم العربية، وللاستزادة يرجع لكتابي «الزير سالم أبو ليلى المهلهل»، ابن خلدون، بيروت ٨٢.
٥٩  قصصنا الشعبي، د. فؤاد حسنين علي ص١٢٨.
٦٠  المصدر السابق، د. نبيلة إبراهيم.
٦١  تاريخ الطبري ج٣١ صفحة ٤٨.
٦٢  الطبري، المصدر السابق.
٦٣  كتاب المعجزة المغربية بنو عباد من أشبيلية، وبنو زيري في غرناطة، وبنو صمادح في ميدية، وبنو جهور في قرطبة، وبنو ذي النون في طليطلة، وعامر في بلنسية، وهود في سرقسطة … إلخ.
٦٤  قصصنا الشعبي، د. فؤاد حسنين علي، القاهرة ص٤٧.
٦٥  السيرة الجزء السادس ص٤١.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤