معنى الحضارة

كلمة الحضارة Culture — كما نستخدمها اليوم — ترجع إلى عهدٍ حديثٍ نسبيًّا، صحيح أن اللغة العربية واللغات الأوروبية قد عرفت اللفظ منذ عهد بعيد، ولكن هذا اللفظ لم يتخذ معنًى محدَّدًا إلا بعد أن نشأت الدراسة الخاصة المعروفة باسم «تاريخ الحضارة»، فأدت إلى استبعاد كثير من معانيه الأخرى في اللغات الأوروبية بوجه خاص، مثل معنى التثقيف والتهذيب، والزرع والتربية النباتية … إلخ.

ولنبدأ بأن نستبعد معنًى شاع استخدامُه كثيرًا، وإن يكن باطلًا كل البطلان. في ذلك المعنى تكون الحضارة صفةً لفئة معينة من فئات البشر لا للبشر أجمعين، فأرضنا — كما يقول أصحاب هذا المعنى — تسكنها شعوب «متحضرة» وشعوب «غير متحضرة»، قد تُسمَّى همجية أو متوحشة أو بربرية، ولكنها على أية حال شعوب لا ينطبق على نظام حياتها لفظ الحضارة.

هذا المعنى — كما قلنا — ينبغي أن يُسْتَبْعَد منذ البداية؛ فلكل شعب في الأرض من الحضارة نصيب، أعني أن لكل شعب قدْرًا معينًا من التنظيم الداخلي لحياته، ومن الفهْم لهذه الحياة على نحوٍ يرتفع به عن مصافِّ الحيوان. حقًّا إن الشعوب تتفاوت في نصيبها من الحضارة؛ أعني في مدى ما اكتسبته من علم وخبرة وقدرة على تسخير الطبيعة من أجل خدمتها، غير أنها كلها ذوات حضارة، ولها منها نصيب، قلَّ أم كثر، وكلُّ ما في الأمر أن ظروفًا معينة — اجتماعية أو مادية طبيعية — قد عزلت هذه الشعوب عن الاتصال بغيرها، وبالتالي عن الاستفادة بخبرات الغير، فظلت مكتفية بخبرتها الخاصة المحدودة.

فالحضارة إذن صفةٌ للإنسان بوجه عام، وهي التي تميز مجتمع الإنسان من مجتمع الحيوان، وإذا كانت الحياة فيما يشبه المجتمع صفة لبعض أنواع الحيوان، فليس في وسعنا أن نذهب إلى ما ذهب إليه بعض الكُتَّاب الذين أضفَوا على الحضارة معنًى عظيم الاتساع، فقالوا إن في وسعنا أن نطلق على سلوك بعض أنواع المجموعات الحيوانية اسم الحضارة. وإنما الأصح أن يُقال إن ظاهرة الحضارة لا تتمثل إلا في المجال البشري، وإنها في ذلك المجال ظاهرة عامة؛ أعني ظاهرة لا يخلو منها أي مجتمع بشري.

وبعد استبعاد هذه المعاني غير الدقيقة للفظ الحضارة، علينا أن نحاول استخلاص معنًى إيجابي لها، ولن يتسنَّى لنا ذلك إلا عن طريق المقارنة بينها وبين ألفاظ تقرب منها أو تتداخل معها في المعنى، مثل لفظَي: المجتمع والمدنية.

(١) الحضارة والمجتمع

ليس المجتمع حقيقة مغايرة للحضارة أو متميزة عنها، بل إن الحضارة وجه من أوجه المجتمع وصفة من صفاته، وإذا كان بعض المفكرين — مثل «ألفرد فيبر» Alfred Weber — يفرِّق بين المجتمع، من حيث هو مجموع الظواهر الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وبين الحضارة من حيث هي الفن والدين والفلسفة، فلنذكر عن هذه التفرقة أنها تعود بالحضارة إلى معنًى لها قديم تجاوزته، وهو معنى المظاهر الثقافية وحدها، وأنه يجعل من المجتمع طائفة من الظواهر المحددة، مع أن المجتمع هو حامل الظواهر والصفات، وليس هو ذاته بالظاهرة ولا بمجموعة من الصفات.
فالعلاقة الوحيدة التي يمكن تصوُّرها بين المجتمع والحضارة هي علاقة تداخل بين المجالين، ومن هنا يمكننا أن نعلِّل ما لاحظه «كروبر Kroeber» من أن كثيرًا من المفكرين الاجتماعيين قد خلطوا بين المجالين، وأن تقسيم «أوجست كونت» لتطور المجتمعات، وهو التقسيم المعروف باسم قانون المراحل الثلاث: الأسطورية والميتافيزيقية والوضعية؛ هذا التقسيم هو في حقيقة الأمر تقسيم حضاري، يُقْصَد منه التعبير عن نمطٍ من التفكير ومن النظر إلى الحياة شائع في مراحل مختلفة مرَّت بها البشرية، أكثر مما يُقصد منه التعبير عن علاقاتٍ اجتماعية كانت سائدة في هذه المراحل،١ فاحتمال الخلط إذن كبير بين مجالين يبلغان هذا القدْر من التداخل.

(٢) الحضارة والمدنية

أما الصعوبة الحقيقية فتتمثل في إدراك العلاقة بين الحضارة Culture والمدنية Civilization. فآراء المفكرين في هذا الموضوع قد تباينت أشد التباين، فذهب بعضهم إلى أن الحضارة تتميَّز عن المدنية تميُّز البسيطِ عن المعقَّد. وهذا الرأي يمثل مذهب علماء «الأنثروبولوجيا»، الذين اهتموا بدراسة حضارات المجتمعات البسيطة بوجه خاص. وذهب البعض الآخر إلى أن المدنية هي الأبسط؛ إذ إن المدنية تتعلق بالظواهر المادية في حياة المجتمع على الأخص، أما الحضارة فهي الظواهر الثقافية والمعنوية في هذه الحياة. وسوف نجد لهذا لرأي أمثلةً متعددة في هذا القسم من بحثنا. وذهب فريق أخير إلى أن اللفظين مترادفان أو على الأقل يقترب معنى كلٍّ منهما من معنى الآخر، وأنه لا سبيل إلى وضع حد فاصل بين المجالين — وهذا الرأي هو ما نرجِّحه في النهاية.

وأكثر التفرقات بين الحضارة والمدنية شيوعًا، تلك التي تربط المدنية بالأوجه العملية والمادية لحياة المجتمع، بينما الحضارة في نظرها هي المُثُل السائدة في ذلك المجتمع، والتي تجمع بين أفراد المجتمع كله في وحدة معنوية واحدة، فيحس كلٌّ منهم بأنه يشارك الباقين أفكارهم ومشاعرهم، وبأن حياته يجمعها بحياتهم تيارٌ واحد. ونقول إن هذه أكثر التفرقات شيوعًا؛ إذ إننا نستخدمها اليوم كثيرًا حين نقول — مثلًا: إن الشعوب الأوروبية ذات حضارة عريقة. أما الشعوب الأمريكية فذات مدنية رفيعة، ولكنها تفتقر إلى الحضارة العميقة — ونعني بذلك عمق الجذور الثقافية والمعنوية التي يتميز بها الأولون، وقصر عهد الآخرين بالثقافة الروحية العميقة، في الوقت الذي يتميزون فيه بتقدم مادي وآلي كبير.

على أن هذه التفرقة المألوفة ليست حديثة العهد؛ فالفيلسوف الألماني كانْت يقترب منها إلى حدٍّ كبير؛ حيث يؤكد أن الأخلاقية ضرورية للحضارة، ويعني بذلك الأخلاقية من حيث هي حالة باطنة، تطبع الحضارة بالطابع الباطن أيضًا، في مقابل المدنية التي هي أكثر تعلُّقًا بالمظاهر الخارجية للسلوك.

وعبَّر الكثيرون عن هذه التفرقة ذاتها بأساليب مختلفة، ولكنها ترتد كلها إلى فكرة مركزية واحدة: ففي رأي ماكيْفر Mac Iver أن المدنية تتعلَّق بالوسائل والحضارة بالغايات؛ فالمدنية تشتمل على مظاهر التقدُّم الصناعي والاقتصادي، ما دام ذلك النوع من التقدُّم لا يهدف إلا إلى تحقيق الرخاء للإنسان؛ أي إنها وسيلة لا تُقْصَد لذاتها، وإنما تُسْتَهْدَف من أجل غرضٍ آخَر مغاير لها. أما الحضارة فترتبط بالقيم الإنسانية الكامنة، التي هي غايات مقصودة لذاتها، ويستحيل تصوُّرها وسيلةً لتحقيق غرض آخَر. فالفن مثلًا مظهر من مظاهر الحضارة؛ إذ إن الفنان قد يكتسب عيشه من إنتاجه الفني حقًّا، ولكنه لا يخلق هذا الإنتاج وفي ذهنه فكرة الكسب وحدها، وإلا لكان إنتاجه سلعة قُصد بها الرواج، ولكان بالتالي سطحيًّا لا روح فيه. كذلك الحال في الظواهر الدينية عند ماكيْفر، فأداء الشعائر الدينية هو في ذاته غاية، وكل مَن يستهدف من هذا الأداء نفعًا مباشرًا؛ أعني مَن ينظر إلى الدِّين بروح نفعية تجارية، يكون قد خرج عن الهدف الذي تتجه الدعوة الدينية ذاتها إلى تحقيقه.

ولكن إذا كان ماكيْفر قد أفلح في التفرقة بين الوسيلة والغاية في ميادينَ معينة، فلا شك في أنه يصعب إلى حدٍّ كبير أن نفرق بينهما في ميادينَ أخرى، وبالتالي يستحيل أن نجعل من هذه التفرقة أساسًا للتمييز بين الحضارة والمدنية. خذ مثلًا ظاهرة العلم، أتَعُده غاية أم وسيلة؟ إننا كثيرًا ما نطلب العلم لذاته، ويكون هدفنا الوحيد من تحصيله هو تحقيق لذة المعرفة والكشف وحدها؛ أي إننا نَعُدُّ البحث العلمي غاية في ذاته.

ولكن العلم يُسْتَخْدَم أيضًا وسيلةً لتحقيق غاية هي في الحق أشرف الغايات، وأعني بها تذليل الصعاب التي تعترض الإنسان في حياته، وتمكينه من استغلال الطبيعة لصالحه خير استغلال. ولا جدال في أن استخدام العلم وسيلةً لتحقيق هذه الغاية الشريفة لا يحط من قدْره على الإطلاق؛ إذ ينبغي أن يعود العلم في نهاية الأمر إلى الإنسان الذي أنتجه. وإذن فالعلم قد يكون غاية، وقد يكون وسيلة، ولكلٍّ من الوجهين مبرراته، فيستحيل إذن أن نقرر — تبعًا لهذه التفرقة — إن كان العلم منتميًا إلى مجال الحضارة أم إلى مجال المدنية.

ومثل هذا يُقال عن الاقتصاد: فالشائع أن يُقال إن الاقتصاد وسيلة لغاية معينة، هي توفير العيش للبشر. ولكن الحق أن للاقتصاد غرضًا أهم من ذلك وأرفع، هو أن يوفر للإنسان من الاكتفاء المادي ما يجعله يتفرَّغ لممارسة قدراته ومَلَكاتها إيجابيًّا؛ أي ليعبر عن نفسه تعبيرًا كاملًا، بل إن العمل اليوم الذي يمارسه المرء في مهنته ليس في كل الأحوال وسيلةً لغاية أخرى؛ إذ إن العمل — كما قيل — يخلق الإنسان، مثلما يخلق الإنسان العمل. فالعمل إذن عنصر أساسي في تشكل شخصية الإنسان وطبعها بطابعها الخاص. والمترف الذي يمكنه أن يعيش بلا عمل، سوف تنحل شخصيته دون شك لو ظل على ما هو عليه من بطالة. فإذا نظرنا إلى الأمر من هذه الزاوية، أمكننا أن نقول إن العمل بدوره قد يكون غاية مثلما يكون وسيلة.

وهكذا تخفق التفرقة بين الحضارة والمدنية على أساس الغايات والوسائل في ميدانين أساسين على الأقل، هما: ميدان العلم، وميدان النشاط الاقتصادي.

ويضع ألفرد فيبر أساسًا آخر للتمييز بين المدنية والحضارة، فالمدنية تقبل أن تُنْقَل وتتوارث من جيل إلى آخر، وكل جيل يبدأ في مدنيته عند النقطة التي انتهى إليها الجيل السابق، فهي إذن «تراكمية accumulative». خذ مثلًا أصول الصنعة العملية، فهي تتقدم على الدوام في خط صاعد، وكل جيل لا يقل في خبرته بها عن الجيل السابق عليه، وأغلب الظن أنه متفوق عليه فيها. ثم إن المجتمع الواحد لو توصَّل إلى تقدُّم جديد فيها، ففي وسع سائر المجتمعات أن تقتبسه منه، ولا يحول دون ذلك حائل. فالمدنية إذن تنتشر في خطوط مستقيمة طولية وعرضية على الدوام، أما الحضارة فهي إنتاج مستقل يصعب انتشاره من مجتمع إلى آخَر، ولا نستطيع القول إن الأجيال اللاحقة يمكنها اقتباسه من الأجيال السابقة، أو إنها تفوقها فيه. ولو تتبعت تطور المذاهب الفلسفية مثلًا لما أمكنك القول إن كل مذهب جديد لا يعدو أن يكون إضافة إلى المذهب القديم، أو أنه مكمل له، وإنما تظهر تلك المذاهب منبعثة فجائيًّا، وقد يكون الأقدم فيها هو الأصح أو الأعمق. فأنت حين تدرس تطور الفلسفة لا تستطيع أن تهتدي إلى خط واحد صاعد، بل تضطر إلى دراسة كل مذهب على حدة، بوصفه وحدة مستقلة قائمة بذاتها. وقل مثل ذلك عن الدِّين والفن من حيث تطورهما وقابليتهما للانتشار.

ولكن، هل صحيح أن الفارق الحاسم بين المدنية والحضارة هو ظهور صفة القابلية للانتشار والاقتباس في الأولى، وغيابها في الثانية؟ إننا نسلِّم بأن مظاهر المدنية تقبل الانتشار فيما بين المجتمعات والعصور، ولكن هل صحيح أن كل كشف جديد في المجال الحضاري لا يكون مكملًا لما سبق التوصُّل إليه في هذا المجال؟ الحق أننا لو تأملنا كل عمل فني على حدة، لبدا لنا منبثقًا بالفعل من الأعماق الباطنة للفنان، ولكن النظرة التاريخية الشاملة — التي يُفْتَرَض في دارس الحضارة القدرة على تأمل الأمور من خلالها — تُطلِعنا على «تيارات» عامة في الفن، يمكننا أن نلمس فيها مدى التأثُّر بالظروف الاجتماعية المختلفة، ومدى تأثير المذاهب أو الشخصيات الفنية بعضها على البعض. ومثل هذا يُقال على الدِّين وعلى الفلسفة، وعلى كلِّ ما ينتمي إلى المجال الحضاري بوجه عام. فالفنان أو الفيلسوف أو المصلح الديني لا يبدأ من الصفر، بل هو يتأثر حتمًا بما سبقه من تيارات، وإن يكن كشف هذا التأثُّر في هذه الميادين أصعب من الاهتداء إليه في الميادين المنتمية إلى المدنية، وهذه الصعوبة هي التي أوهمت أن تقدم الحضارة يتم عن طريق انبثاقات مفاجئة، لا عن طريق الاتصال المتلاحق.

وعلى الرغم مما يبدو من اختلاف بين الرأيين السابقين في التفرقة بين الحضارة والمدنية، فإن التحليل الدقيق يكشف عن الأساس المشترك بينهما، وهو الأساس الذي شاع لدى الكثير من المفكرين غير ماكيْفر وألفرد فيبر. فالقول إن ظواهر المدنية وسائل، يعني أنها سطحية إلى حدٍّ ما وأنها خارجية متعلقة بالنشاط الظاهري للإنسان؛ أعني أنها أقرب إلى الناحية المادية. والقول إن ظواهر الحضارة غايات، يعني أنها عميقة باطنة متعلقة بكيان الإنسان ذاته؛ أعني أنها أقرب إلى الناحية الروحية. ومن هنا كانت هذه التفرقة مرتبطة بالثنائية المعروفة بين الجسم أو المادة وبين الروح. كذلك ترتد التفرقة التي وضعها فيبر بين ما ينتشر بالتراكم وما يظهر تلقائيًّا إلى الفكرة نفسها؛ إذ إن المظاهر المتعلقة بالنشاط المادي للإنسان هي التي تقبل التداول؛ لأنها موضوعية خارجية، بينما النشاط الروحي — من حيث هو شخصي باطن — لا يقبل مثل هذا التداول، بل ينبثق في كل روح من تلقاء ذاته، دون أن يتأثَّر بالاتصال والنقل.

وهكذا يتبيَّن لنا أن الفكرة الكامنة من وراء مثل هذه التفرقات بين الحضارة والمدنية هي في حقيقة الأمر فكرة الثنائية بين وجهين للنشاط الإنساني: وجه روحي خالص، ووجه يتصل بالمادة، وسوف نرى بعد حين أن الاعتماد على هذه الثنائية في توضيح معنى الحضارة يؤدي إلى عكس المقصود منه.

ولنختبر أخيرًا رأيًا كان له دوي كبير في الدراسات الحضارية في القرن العشرين، وهو رأي أزفالد شبنجلر Oswald Spengler، الذي يجعل لكل حضارة مدنية، ويؤكِّد أن اللفظين يعبِّران عن مرحلتين متعاقبتين في داخل كل دورة حضارية، وسوف نتحدث فيما بعد عن فكرة لدورة الحضارية عند شبنجلر بالتفصيل، وحسبنا الآن أن نذكر أن التاريخ البشري يسير — في رأي شبنجلر — في دورات مقفلة تستقل كلٌّ منها عن الأخرى تمام الاستقلال، وكل دورة من هذه الدورات تبدأ بمرحلة «الحضارة»، وهي فترة بناء فني وفكري، تتميَّز بالحيوية والسعي إلى الكشف والتجديد الدائم، فهي مرحلة الطفولة والشباب الغض بالنسبة إلى حياة المجتمع، أما المدنية فهي الفترة التالية التي تبلغ فيها الحضارة مرحلة النضج، فلا يعود فيها مجال للتجديد أو للكشف، وإنما تستغل كل الإمكانات التي أتاحتها الحضارة من قبل، وبينما يتجه الفكر والفن في الحضارة إلى الازدهار، فإن الاهتمام في فترة المدنية يغدو مُنْصَبًّا على الغزو والفتح والعناية بالشئون الاقتصادية.

ولنلاحظ أولًا أن رأي شبنجلر هذا يمكن أن يرد عليه رأي آخر تحدَّثنا عنه من قبل؛ فقد بيَّن ألفرد فيبر — كما رأينا — أن المدنية تراكمية، وأن كل مجتمع يستفيد منها بما أتت به المجتمعات السابقة؛ أي إن التقدُّم فيها سائر في خط مستقيم باطراد. والحق أن هذا هو الرأي الأصوب؛ إذ لا يُعْقَل أن نتصوَّر المجتمعات في تعاقبها الزمني على أنها دورات مقفلة لا تتأثر كلٌّ منها بالأخريات؛ فهناك مجالات معينة يتم فيها اتصال لا شك فيه كمجال التكنولوجيا على الأقل.

وفضلًا عن ذلك فإن مظاهر الحضارة والمدنية بالمعنى الذي قال به شبنجلر متلازمة في كل المجتمعات، وإذا كانت الحضارة عنده تتميَّز بالتقدُّم الفكري والفني، فليس معنى ذلك أن مثل هذا التقدُّم يستبعد الاهتمام بالنمو الاقتصادي للمجتمع، وليس معناه أن الفترة التي يتجه فيها الاهتمام إلى الاقتصاد هي فترة يتدهور فيها الفكر والفن بالضرورة، وأقوى دليل على ذلك عصر النهضة في أوروبا، حين ازدهر الاقتصاد التجاري ازدهارًا هائلًا، وانتعشت العلوم والفنون في الوقت ذاته على نحوٍ دفع بالشعوب الأوروبية — في ذلك الحين — إلى الصف الأول من شعوب العالم.

والحق أن رأي شبنجلر هذا يتأثر — هو الآخر — بطريقة التفكير التي تضع تقابلًا أساسيًّا بين مطالب الروح ومطالب البدن، وترى أن الاهتمام بأحدهما يصرفنا عن الآخر، فتفرقته تردنا هي الأخرى إلى ثنائية الروح والمادة.

وهكذا تبيَّن لنا أن الأساس الأول الذي تستند إليه أشهر التفرقات بين الحضارة والمدنية — عن وعي أو دون وعي — هو ثنائية الروح والمادة. والحق أن هذه الثنائية المشهورة — التي خلقت مشكلات لا نهاية لها في ميدان الأبحاث الفلسفية بوجه عام — تعود هنا إلى الظهور لتحاول خلق مشكلة جديدة، ولكن الموقف السليم هو أن نسارع منذ البداية فنرفض وجود أية تفرقة على هذا الأساس.

فعلينا ألا نقبل أي رأي يجعل لنشاط الإنسان وجهين ينفصل كلٌّ منهما عن الآخر؛ ذلك لأن ما يُسمَّى بالوجه الروحي والوجه المادي يتداخلان إلى أبعد حد؛ فالنظم المادية في حياة أي مجتمع — من اقتصاد وصنعة علمية — تؤثر أشد الأثر في النواحي الثقافية والفكرية الخالصة، وهذه بدورها تعود فتؤثر في النظم المادية. والتداخل الوثيق بين الوجهين لا يسمح لنا بإيجاد أية تفرقة قاطعة بينهما.

والنتيجة الضرورية التي ننتهي إليها من هذا كله هي أن الأجدر بنا أن نستخدم لفظَي: الحضارة والمدنية بمعنيين متقاربين، وأن نؤكد وجود اتصال مباشر بين الأوجه العملية لنشاط الإنسان وبين الأوجه الثقافية والروحية الخالصة له. كذلك ينبغي القضاء على التمييز الآخر الذي قال به بعض المفكرين الاجتماعيين، والذي يفرِّقون فيه بين لفظَي: الحضارة المادية من حيث هي تعني الأدوات والوسائل الفنية التي يشترك فيها الناس، وبين لفظ الحضارة (دون أن تلحق به صفة مميزة) الذي يدل على النظم والقوانين الشائعة في المجتمع. نقول إن هذه بدورها تفرقة ينبغي القضاء عليها؛ إذ إن ما يستخدمه المجتمع من أدوات ووسائلَ فنية يؤثر ضرورة على نظمه وقوانينه.

والأمر الذي ينبغي أن نتنبه إليه دائمًا هو أن نشاط الإنسان لا يسير في طريقين منفصلين، وأننا ما دُمْنا نتحدث في مجال الحضارة، فعلينا أن ننظر إلى أفعال الإنسان على أنها تكون في مجموعها وحدة متصلة لها أهداف مشتركة وتأثيرات متبادلة.

(٣) دراسة الحضارة

للحضارة — بالمعنى الذي انتهينا إليه — مجال عظيم الاتساع؛ فهي تشتمل على الأوجه السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفنية والعلمية والأدبية والدينية من نشاط الإنسان؛ أي إن لها معنًى جامعًا يضم في داخله مختلف أنواع الثقافات والدراسات التي يمكن أن يقوم بها الذهن البشري.

مثل هذا المعنى الجامع كان من المستحيل أن يظهر في ظل الفهْم القديم للتاريخ، حين كان يُنظر إليه على أنه تاريخ سياسي فحسب، فالتاريخ السياسي — بمعناه الضيق — لا يضم إلا وجهًا واحدًا من الأوجه المتعددة التي تنطوي عليها الحضارة، ومن هنا ظل المؤرخون يتجاهلون دراسة حضارة المجتمعات البشرية طويلًا، مكتفين بما درجوا عليه من دراسة سياسية للتاريخ فحسب.

ولكنَّ نفرًا من المفكرين تساءل: ما هو التاريخ؟ إنه دراسة تهدف إلى بعث الماضي، إن صحَّ هذا التعبير. فعن طريق ما تبقَّى لنا من وثائق وآثار ومخلفات، نحاول في التاريخ أن نبعث للعصر الماضي صورة حية بقدْر ما في وسعنا، وكلما بعُدت شُقَّة العصر، أصبحت عملية البعث هذه أشق؛ نظرًا لقلة الشواهد. فإن كان هذا هدف التاريخ، فلِمَ يقتصر على الجانب السياسي وحده؟ وهل نكون قد بعثنا الماضي في صورة دقيقة إذا تحدثنا عن أعمال الحكام وأخبار المواقع الحربية وتفصيلات السياسة وحدها؟ لا شك في أن التصوير الدقيق للماضي ينبغي أن يُلِمَّ بكافة مظاهر الحياة، ويسجل — بجانب أخبار الملوك والحكام وأنباء المعارك والغزوات — كل مظاهر الحياة من فكر وأدب وفن وعلم، فإذا ما تجمعت لدينا معلومات كافية في كل هذه الميادين، أمكننا في النهاية أن نركِّب بينها ونجمع أطرافها في وحدة شاملة، ونكوِّن بذلك نظرة عامة عن طبيعة الحياة في ذلك العصر، تكون — بلا شك — أخلص وأدق من النظرة التي يكوِّنها المؤرخ السياسي.

كانت تلك نقطة البداية التي دفعت بعض الباحثين إلى المضي في ذلك الفرع التركيبي من الدراسة المسمَّى بتاريخ الحضارة. والحق أن تاريخ الحضارة ليس مجرَّد بحث ضمن سائر البحوث العلمية، بل إنه مركَّب جامع بين سائر الأبحاث، وهو لا يجمع بينها على نحوٍ سطحي أو خارجي، وإنما هو يؤلِّف منها وحدة جديدة؛ فذلك التقدير الشامل لحضارة مجتمع من المجتمعات — الذي ينتهي إليه الباحث في تاريخ الحضارة — يفترض نوعًا من القدرة على المزج والتركيب بين عناصر الحضارة على نحوٍ لا يتمثَّل في سائر العلوم على الإطلاق. ففي تاريخ الحضارة جمْع فريد بين التخصيص والتعميم، أما التخصيص فلأن من المفروض في دارسها أن يُلِمَّ — بقدْر معيَّن — بكل مجال من مجالاتها على حِدَة، وأما التعميم فلأن هذا الإلمام لا يُقْصَد منه الاهتداء إلى كشوفٍ جديدة في أي مجال من هذه المجالات، وإنما القصد منه كشف علاقاتها المتبادلة، ومدى مساهمة كلٍّ منها في ذلك المركَّب العضوي المسمَّى بالحضارة.

وهكذا بدأ البحث في تاريخ الحضارة يحتل مكانته بالتدريج، ويُقنِع المفكرين — والمؤرخين بوجه خاص — بقيمته. وإذا كان بعض الباحثين الألمان — مثل ياكوب بوركارت  Jakob Burckhardt — قد سجَّلوا في هذا الميدان تقدُّمًا واضحًا، فلنذكر أن فولتير قد استبق هذا الاتجاه بأكثر من قرن من الزمان، وذلك بدراسته المسماة بعصر لويس الرابع عشر Siècle Louis XIV، وكتابه: «بحث في السنن والعادات Essai sur les moeurs».٢

ومع ذلك، فليس لنا أن نتوقَّع وجود اتفاق شامل على موضوع علمٍ عظيم الاتساع كهذا ومنهجه؛ فقد تشعَّبت في ذلك الآراء، وكان هذا أمرًا طبيعيًّا بالنسبة إلى علمٍ تتشعَّب أطرافه إلى هذا الحد، ثم إن حداثة العهد كان لها دور كبير في هذا الاختلاف بين الآراء. فليس البحث في تاريخ الحضارة موضوعًا لعلمٍ قديم مستقر ثبتت مناهجه واستقر الرأي على ميدانه، وإنما هو عِلم ناشئ لم يبلغ بعدُ مرحلة الاستقرار، بل لا يزال الكثيرون لا يعترفون به، وفي مثل هذه الظروف لا يكون الخلاف حول طريقة بحثه أمرًا مستغربًا.

•••

فإذا حاولنا تحديد موقع البحث في الحضارة بين سائر العلوم وجدناه يفترض مقدمًا كل العلوم الأخرى؛ فهو يفترض علوم المجال غير العضوي ثم المجال العضوي ثم النفسي وأخيرًا الاجتماعي. وإذا رتَّبنا الظواهر التي تبحث العلوم في سُلَّم متدرج؛ وجدنا الظواهر الحضارية تحتل قمَّته.

ومن الخطأ أن يُفْهَم هذا القول بمعنى أن البحث في الحضارة هو أرقى الأبحاث أو أعقدها؛ فمثل هذا التقويم يثير بين فروع العلم خلافاتٍ لا جدوى منها، ولن يستفيد منها العلم في شيء. ومن الخطأ أن تُثار مثل هذه المنافسات بين فروع العلوم المختلفة؛ إذ إن العِلم كلَّه ضروري وكله قيِّم، ولا مجال للمفاضلة بين فروعه أو أجزائه، وإنما المقصود بقولنا هذا هو أن الظاهرة التي تُدْرَس في البحث الحضاري أَعْقَد من الظاهرة التي تُدْرَس في البحث الكيميائي مثلًا؛ فالأولى مجتمع فيه عِلم وفن وفلسفة وعقيدة وبيئة طبيعية خاصة، والثانية مادة قد تكون بسيطة أو مركَّبة، ولكنها ذات طبيعة معلومة محدودة على أية حال.

وأعود فأقول إن بساطة موضوعِ علمٍ طبيعي كالكيمياء — بالقياس إلى موضوع البحث الحضاري — لا تعني على الإطلاق أن العلم ذاته أبسط؛ فمن الممكن جدًّا أن تكون الظاهرة ذاتها بسيطة لا تنطوي على مركَّبات متعددة، ولكن تكون دراستها شاقة إلى أبعد حد؛ فالحكم الذي نسوقه ها هنا ينصبُّ على طبيعة ظواهر العلوم، ولا ينطوي على أي تقدير أو تقويم للعلوم ذاتها.

ويلاحظ «كروبر» أن الحضارة تنفرد بعلاقة خاصة بينها وبين سائر العلوم، فإذا تصوَّرنا أن العلوم تكوِّن سُلَّمًا متدرجًا نحو التعقيد في موضوعاتها — يبدأ بالمجال غير العضوي ثم المجال العضوي، ويليه المجال النفسي والمجال الاجتماعي، وأخيرًا المجال الحضاري — وجدنا أن كل مجال من هذه المجالات يُفْهَم على أساسِ ما هو أدنى منه من المجالات؛ فالجسم العضوي يتأثَّر بالتفاعلات الكيميائية في مادته، والأحوال النفسية تتأثَّر بالتركيب الجسمي، ولكن الأمر في الحضارة يختلف، فليست الحضارة — بوصفها أعقد الظواهر — هي التي تُفْهَم من خلال المجالات السابقة فحسب، بل إن العلاقة العكسية قائمة، وهي على جانبٍ كبير من الأهمية، وأعني بهذه العلاقة العكسية أن الحضارة تؤثر تأثيرًا هائلًا على سلوك الأفراد والجماعات من الوجهة الاجتماعية والنفسية، مثلما تتأثَّر هي بهذا السلوك.٣

ولنوضِّحْ هذه الصفة الفريدة للحضارة بالأمثلة: فالحضارة تؤثِّر على العالَم الطبيعي ذاته؛ إذ إن الإنسان يغيِّر من شكل العالم الطبيعي على الدوام بما يحفره من قنوات وما يبنيه من سدود وخزانات، وما يقتلعه من الغابات … إلخ. كذلك تؤثِّر الحضارة على المجال النفسي تأثيرًا واضحًا؛ فمن الحقائق المعروفة أن كثيرًا من الأمراض النفسية والعصبية التي تنتاب الإنسان في العصر الحديث ترجع إلى شدة التوتر الذي يعانيه الإنسان في حضارة عملية واقعية تقتضي منه انتباهًا إلى كل التفاصيل الدقيقة في حياته، وفي وسعنا أن نأتي لهذه الظاهرة بمَثَل واضح: فكلنا قد لاحظ — بلا شك — سلوك الريفي الذي يأتي إلى المدينة للمرة الأولى، إنه يبدو غير قادر على التنبُّه إلى ما حوله، وقد تُهدَّد حياته بالأخطار، وهو يعْبر الطرقات المزدحمة بالسيارات السريعة دون أن يستطيع تجنُّبها أو التنبُّه إليها. مثل هذا السلوك ليس صادرًا عن قصور طبيعي فيه، وإنما مصدره ما تتميز به حياة المدينة من إيقاعٍ سريع متلاحق يقتضي تركيزًا وانتباهًا دائمًا يعتاده سكانها، ويصبح جزءًا من تكوينهم النفسي، بعكس الحال في الريف حيث تسير الحياة في إيقاعٍ بطيء متجانس، لا يشحذ القدرة الانتباهية، ولا يقتضي تركيزًا متصلًا للمَلَكات الذهنية، وهكذا تؤثِّر الحضارة في المجال النفسي بدوره، مثلما تتأثر هي به؛ أي إن الحضارة تتميَّز بأنها تنفرد دون سائر العلوم بأن لها مع بقية المجالات الأدنى منها علاقة تأثير متبادل لا تأثيرًا من الأدنى في الأعلى فحسب.

ونحن وإن كنا نقرُّ «كروبر» على هذه الملاحظة، إلا أنها في رأينا صفة لكل المجالات العليا أو المعقَّدة بوجه عام. فالمجال النفسي — الذي يتأثَّر بالمجال العضوي — يعود فيؤثر فيه، ويتمثل ذلك في كثير من العلل الجسيمة الخالصة التي ترتد في النهاية إلى مؤثرات نفسية (قرحة المعدة مثلًا)؛ أي إن العلاقة هنا أيضًا متبادلة بين الأعلى والأدنى. ونستطيع أن نقول بوجه عام إن المجالات العليا تعود فتؤثر في المجالات الدنيا ولكن بدرجات متفاوتة، وإذا كان العلم يعمل دائمًا على تفسير المركَّب من خلال البسيط، فلنذكر أن الاكتفاء بهذا الاتجاه الواحد من البسيط إلى المركَّب هو الصفة المميزة للمذاهب الآلية، أما المذاهب التي تسعى إلى تجاوز الآلية، وإلى الإتيان بتفسيرٍ أعمق للأمور، فإنها تؤكِّد بجانب ذلك عودة تأثير المركَّب في البسيط، والأعلى في الأدنى.

١  A. L. Kroeber: The Nature of Culture. University of Chicago Press. 1952. Article: The Concept of Culture in Science.
٢  Ernst Cassirer: The Problem of Knowledge, Philosophy, Science and History Since Hegel. (English Trans.) New Haven, Yale Univ. Press 1950 p. 265.
٣  Kroeber: op. cit. Article: “The Concept of Culture in Science”.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤