خصائص الحضارة

يثير البحث في خصائص الحضارة أسئلةً متعددة قد تستلزم الإجابة عنها جهدًا ووقتًا كبيرين. والحق أن من العسير استيعاب كل هذه المسائل في مثل هذا المجال؛ لذا كان لزامًا علينا أن نكتفي ببحث ثلاث مسائل منها، نعتقد أن الإجابة عنها توضِّح خصائص الحضارة بقدْر كافٍ. هذه المسائل هي: كيف تنشأ الحضارة؟ وما دور الفرد في نشأتها؟ وكيف تنتقل الحضارة؟ وأخيرًا، كيف تُقَدَّر الحضارة؟

(١) كيف تنشأ الحضارة: دور الفرد

لا شك في أن أول ما يطرأ على الذهن حين يكون بصدد فهْم خصائص الحضارة، أن يتساءل عن الطريقة التي تنشأ بها؛ أعني عن العلَّة المنتِجة لها، أهي قوة الفرد؟ أم قوة فوق الفرد؟ أم أن نشأة الحضارة ترجع إلى تبادل التأثير بين الفردِ وقوةٍ تعلو عليه، هي قوة المجتمع؟

•••

كلنا قد قرأ — بلا شك — تفسيرات للتاريخ تجعل للفرد فيه الدور الأول، تلك هي التفسيرات التي تؤكد أن في التاريخ «أبطالًا» أو «عباقرة» يغيِّرون مجراه بفضلِ ما يتمتعون به من مواهب شخصية تفوق المألوف. فشخصية نابليون مثلًا قد غيَّرت مجرى تاريخ فرنسا وتاريخ أوروبا، وربما تاريخ العالم، وكم من الحوادث الفردية كان لها أكبر الأثر في توجيه التاريخ كله وجهةً مخالفة. ألم يقُل باسكال إن أنف كليوباترا لو كان أكبر قليلًا؛ لتغيَّر وجه التاريخ؟ ألم تؤكد لنا كتب التاريخ الحديث أن الحرب العالمية الأولى — ذلك الحدث الضخم الذي كان له تأثيره الهائل في كل بقعة من بقاع العالم — قد وقعت بسبب مقتل أمير سراجيثو؟!

كثيرون هم أولئك الذين يفسِّرون التاريخ — السياسي منه والحضاري — على هذا النحو الفردي؛ ففي مجال السياسة، يفعل الملوك والحكام كل شيء، ويتوقف سير الحوادث على رغباتهم ونزعاتهم الشخصية. وفي ميدان الحضارة، يظهر بين حينٍ وآخر عباقرة — يرجع ظهورهم إلى محض الصدفة — فتتم على أيديهم أعظم الانقلابات في ميادين الفلسفة والعلم والفن والدين.

والخطر الأكبر لهذا التفسير الأرستقراطي، هو أنه ليس تفسيرًا علميًّا على الإطلاق، ولو أخذنا به لبَدَا لنا كل شيء محاطًا بهالة من الغموض نعجز عن النفاذ منها إلى ما وراءها، ولبدا لنا التاريخ خاضعًا للصدفة العمياء، فلا هو يقبل أن يُفْهَمَ في ماضيه، ولا هو يقبل أن يوجَّه في مستقبله، أما كيف يقع كثير من المفكرين في هذا الخطأ، فمردُّ ذلك إلى أن أفعال الأفراد تبدو للنظرة السطحية باهرة إلى حد أنها تحجب بجانبها كل التيارات الخفية التي مهَّدت لها، والتي يكون لها دائمًا أصلٌ غير فردي. والبحث في هذه التيارات الخفية أشق وأصعب بكثير من تعداد مآثر الأفراد وأعمالهم، والزعم بأن التاريخ كله والحضارة بأسرها قد خضعا لتأثيرهم.

•••

وفي مقابل الفرد الذي يوجِّه التاريخ، يؤكد البعض الآخر من الباحثين أن للحضارة تيارها الخاص الذي يسير في طريقه مستقلًّا تمامًا عن كل تأثير فردي. وأصحاب هذا الرأي يجعلون من الفرد أداة منفِّذة لقوةٍ تعلو عليه وتتجاوزه إلى أبعد حد، ولا يستطيع حيالها شيئًا، بل يكتفي بالتعبير عنها، فإن بلغ هذا التعبير أقوى درجاته، قلنا عن مثل هذا الفرد إنه عبقري، وظننا أنه قد غيَّر مجرى التاريخ.

ويعبِّر المؤرخ الفرنسي «مونو Monod» عن هذا الرأي خير تعبير؛ إذ يقول: «اعتاد المؤرخون أن يقصروا انتباههم على المظاهر البارزة الصارخة والزائلة في أفعال الإنسان، وعلى الحوادث الكبرى والرجال العظماء، بدلًا من أن يتحدثوا عن التغيُّرات الهائلة البطيئة في الأحوال الاقتصادية والنظم الاجتماعية، وهي التغيُّرات التي يكمن فيها — بالفعل — المظهر الهام الذي لا يعتريه الزوال؛ لتطور البشر — أعني ذلك المظهر الذي يمكن — إلى حدٍّ معيَّن أن يعبِّر عنه بقانون، وأن يخضع بقدْر معيَّن للتحليل الدقيق. والحق أن الأشخاص الهامين والحوادث الهامة لا ترجع أهميتهم إلا إلى كونهم رموزًا وعلامات للحظات مختلفة في التطوُّر السابق ذكره. ولكن معظم الحوادث التي تُسمَّى بالتاريخية تربطها بالتاريخ علاقةٌ تشبه تلك العلاقة التي تربط من جهةٍ بين أمواجٍ تعلو فوق سطح البحر، ويلمع بريقها في الضوء لحظة، ثم تتكسر على الشاطئ الرملي، ولا تخلِّف وراءها أثرًا، وبين حركة المد العميقة المستمرة من جهةٍ أخرى.»١

وهذا الرأي يمتاز عن الرأي الأول بأنه يحاول أن يتخذ لنفسه صبغة علمية؛ فهو يبحث عن التيارات الخفية — من اقتصادية واجتماعية — ويحاول أن يجد فيها تفسيرًا كاملًا لتطور البشر، ويرفض تمامًا أن يكون للأفراد ذاتهم أي دور؛ إذ إن القول بأن للفرد في التاريخ دورًا معناه أن المرء قد خُدع بالبريق الظاهري الذي تلمع به أفعال الأفراد، ولم يحاول التعمُّق فيما وراء هذا المظهر البادي.

غير أن هذا الرأي يتطرف في إنكاره دورَ الفرد إلى حدٍّ يؤدي في نهاية الأمر إلى محو الصبغة العلمية التي حاول في أول الأمر أن يقنعنا بأنه يتصف بها؛ ذلك لأن التاريخ لا يسير في طريقه «رغمًا عن» الأفراد، كما يُفْهَم ضمنًا من هذا الرأي، وإنما ينبغي في نهاية الأمر أن يكون للأفراد دور يسهمون به في صنع التاريخ. والحق أن المرء ليتصور التاريخ عندئذٍ على أنه كيان صوفي غامض، يتبع قانونه الخاص، ولا يعبأ بإرادات الأفراد أو يقيم لها وزنًا. والنتيجة اللازمة من هذه المقدمة هي أن يشعر الفرد بعجزه التام عن التحكُّم في هذا التيار الجارف الذي يسير فيه التاريخ، بل عجزه عن فهْمه، فيقف منه موقفًا سلبيًّا، ويكتفي بأن يتولى دور المشاهد المحايد في عرضٍ مستقل عنه متجاوز له. وعندئذٍ يُفسح المجال لمختلف التأويلات الصوفية، فيظن أن قدرة الفرد لا تتجاوز تحقيق «رسالة» عليا لا شأن له بمصدرها، ولا علم له بغايتها، وإنما ينبغي عليه أن يطيعها فحسب، ويظن أن التاريخ حقيقة تعلو على الإنسان ولا تصدر عنه، وأن البشر أدوات ووسائل تحرِّكها قوًى خفية وتدفع بها إلى مصير محتوم ليس لهم عليه سلطان.

وهكذا يرتد هذا الرأي بدوره إلى الصوفية اللاعقلية التي اتصف بها الرأي الأول. وقد يبدو غريبًا أن نقرِّب بين مثل هذين الرأيين مع أن أحدهما لا يؤمن إلا بالأفراد، والآخر ينكر الأفراد تمامًا، وأحدهما يقول بالصدفة الخالصة، والآخر يقول بالحتمية الصارمة. ولكن الواقع أن القول بالصدفة يمكن أن يتلاقى مع نقيضه المتطرف في النهاية، وأن يجمعهما سويًّا ما يؤديان إليه من تغليب اللامعقول؛ ذلك لأن الإهمال التام لشأن الفرد، والقول إن التاريخ قوة تسير في طريقها الخاص ولا تخضع إلا لقانونها الذاتي الذي نعجز عن التأثير فيه، معناه أن نقف مكتوفي الأيدي أمام تلك القوة الموجهة للتاريخ، وننتظر ما تأتي به من أحداث، فلا يكون موقفنا مختلفًا كثيرًا عن موقفنا الأول حين كنا ننتظر أن تأتي الأقدار بالفرد الممتاز، الذي لا يظهر إلا بمحض الصدفة، ويكفي أن زمام التاريخ في الحالين يكون خارجًا عن يد الإنسان؛ إذ تمسك به الأقدار في الحالة الأولى، والقوى العالية على الإنسان في الحالة الثانية، وبذا تقترب الحتمية المتطرفة من الصدفة الخالصة، وذلك إذا بلغ الأمر بهذه الحتمية أن انتسبت إلى مصادر تفوق قوة البشر وتفرض عليهم السير في طريقٍ قُدِّر لهم مقدمًا.

•••

والرأي الأصح عندنا يؤكِّد العلاقة المتبادلة بين الفرد المجتمع في صنع التاريخ وفي توجيه الحضارة.

وهذا الرأي ينطوي بالضرورة على نقدٍ للرأي الفردي، يُفسَّر فيه دور الفرد من خلال السياق الاجتماعي المحيط به أو الممهِّد له؛ ففي مجالٍ كالمجال الفني؛ حيث يبدو أن الفنان الفرد هو وحده المبدع، وأن الإنتاج الفني ينبثق فجأة دون مقدمات، كلما جاد الزمن بأحد العباقرة؛ في هذا المجال يظهر تأثير العوامل فوق الفردية بوضوح. فالفنان الفرد لا يظهر، ولا يُعترف به، إلا عندما ينمو لدى الجماعة كلها اهتمام خاص بالفنون وبروح الخلق الفني، ولو لم يوجد مثل هذا الاهتمام لما ظهر الفنان أصلًا، أو لما انتبه إليه أحد. فمن الجائز مثلًا أن تكون في بلادنا أصوات تصلح للغناء في «الأوبرا» كل الصلاحية، ولكن نظرًا لأن الجزء الأكبر من المجتمع لا يتذوق هذا اللون من الغناء حتى الآن، فإن هذه الأصوات تضيع وتختفي، بينما لو ظهرت في مجتمعٍ يعترف بها لكان من المحتمل أن يصبح لها شأن عظيم.

ولو كان الأمر متعلِّقًا بعبقريات فردية تظهر فجأة دون مقدمات، فكيف نعلل تراكم العبقرية في فتراتٍ معينة على نحوٍ لا يَدَعُ مجالًا للشك في وجود عوامل غير الصدفة المحض هي التي هيأت لهذا الظهور؟ لقد ظهرت شخصيات رافاييل وميكلنجلو وليوناردو دافنشي وكثير غيرهم من العباقرة في الرسم والنحت في فترة متقاربة تمامًا؛ أي بعد عام ١٥٠٠ مباشرة، وبعد قرن من الزمن ظهرت كل الشخصيات الضخمة في المدرسة الهولندية في الرسم في وقت متقارب جدًّا. فهل كان من محض الصدفة أن تظهر هذه المجموعات الكبيرة من العباقرة في هذا الوقت المتقارب؟ وهلا يوحي لنا ذلك بضرورة وجود عوامل في حياة المجتمع ذاته، هي التي أدَّت إلى إظهار هذه العبقريات، أو بعبارة أدق، هي التي أتاحت لها فرصة الظهور؟

ولنتأمل مثالًا آخَر: إن المخترعات تُعَد أنموذجًا واضح الدلالة على وجود فئة من الظواهر الفردية الخالصة التي تغيِّر من ظروف حياة الجماعة بأسرها، والتي تظهر تلقائية دون أن يحكمها قانون. ولكن البحث العميق في ظاهرة الكشف والاختراع، سرعان ما يقنعنا بأن هذه الظاهرة بدورها تُفسَّر بتأثير الجماعة أكثر مما تُفسَّر بتأثير الأفراد المستقلين. فحاجة المجتمع إلى الاختراع هي التي تدفع المخترِع إلى الظهور، ومن المحال أن يُفْهَم أي اختراع إلا في ضوء الاتجاهات السائدة في العلم والحياة العملية والسوابق الماضية والظروف الحالية، وكل هذه العوامل عندما تتضافر تجعل ظهور الاختراع أمرًا محتمًا. أما الفرد الذي يظهر الاختراع على يديه فقد تكون له أهمية عظمى وقت ظهور الاختراع، ولكنه من وجهة نظر الحضارة مظهر من مظاهر اتجاه عام لا يكوِّن هو إلا جزءًا منه. والحق أن المخترِع عندما يظهر يخفي غيره من المخترعين الذين يُحتمل جدًّا أن يكونوا قادرين على الوصول إلى الكشف نفسه (وهذا ما حدث بالفعل في كثير من المخترعات القريبة العهد؛ إذ اتضح أن أكثر من مخترع واحد كانوا يحاولون كشفها في الوقت الواحد، دون أن تكون بين أحدهم وبين الباقين صلة، ولكن ظهور الاختراع باسم أحدهم — وخاصة إذا كان ذلك الاسم شخصية مشهورة — يحجب الآخرين)، وعندئذٍ نظن أن ذلك المخترِع لو لم يكن قد وُلِدَ، لما تمتعت الإنسانية بمزايا اختراعه، وننسى أنه لو لم يكن قد وُلِدَ لظهر غيره ليؤدي العمل نفسه أو عملًا قريبًا، بحيث تظل الصورة العامة للتطور كما هي رغم اختفاء الفرد الأول.

أما في مجال السياسة، فإن ما يبدو للحكام من تأثيرٍ على مجرى تاريخ الأمم لا يرجع في واقع الأمر إلا إلى كونهم حكامًا، فإذا تساءلنا عن علة تأثير الحكام في مجرى تاريخ أمة من الأمم، كان الجواب أن النظم الاجتماعية ذاتها هي التي جعلت لهم مثل هذا الأثر؛ أي إن تأثير الأفراد في مثل هذه الحالة يُرَدُّ إلى المجتمع.

ولكن، قد يُظَنُّ من كلِّ ما قلناه عن رد دور الفرد في بناء الحضارة إلى المجتمع، أننا نرمي إلى أن نلغي دور الفرد إلغاءً تامًّا. غير أن هذا الاعتقاد لا يتمشَّى مع ما وجَّهنا من انتقادات إلى الرأي الذي ينكر تمامًا دور الفرد. فمع تقديرنا العام لدور الجماعات في بناء الحضارة، علينا أن نذكر أن هذه إنما هي جماعات بشرية، وليست كيانات تعلو على البشر. ومعنى ذلك أنه لا بُدَّ أن يكون للأفراد في توجيه جماعاتهم دور أساسي، ولكن هذا الدور يقيَّد بشروط خاصة.

والشرط الأساسي لتأثير الفرد في المجتمع هو أن يكون اتجاه سلوك ذلك الفرد ونشاطه مستجيبًا لحاجة أساسية في مجتمعه، فمهما كانت عبقرية الفرد الذي يسير في اتجاهٍ مضاد لما يحتاج إليه مجتمعه، فإنه لن يستطيع أن يُحدِث في هذا المجتمع أي تأثير، بل لن تظهر عبقريته على الإطلاق. فالفرد يستطيع أن يؤثر في التاريخ، ولكن على شرط أن يكون سلوكه عاملًا من عوامل تطوير ذلك التاريخ في الاتجاه الذي تشير إليه الظروف السابقة والحالية، وعندئذٍ يكون الفرد متمشيًا مع المجتمع حتى لو بدا سلوكه جديدًا كل الجدة. وأولئك الذين نسميهم بالعباقرة هم حقًّا أناس يفوقون المستوى المعتاد للناس، ولكن كان يوجد غيرهم كثيرون ممن لا يقل مستواهم عنهم، دون أن يُسمَّوا عباقرة؛ إذ إن ظروف مجتمعاتهم لم تكن تسمح لهم بالتطوُّر، أو تمكِّن قدراتهم الفائقة من التعبير عن ذاتها تعبيرًا كاملًا.

وإذن فالأفراد يؤثرون بالفعل في الجماعات، وليسوا مجرَّد أدوات تنفِّذ مشيئة إرادة تعلو عليهم دون أن تكون لهم هم أنفسهم إرادة خلاقة، «ولكن إمكان إحداث الأفراد لمثل هذا التأثير، ومدى تأثيرهم هذا، يتحدَّد بواسطة شكل التنظيم الاجتماعي، وعن طريق العلاقة بين القوى في داخله. فشخصية الفرد لا تكون عاملًا في التطوُّر الاجتماعي إلا حين تسمح العلاقات الاجتماعية بذلك، وبالقدْر الذي تسمح به العلاقات بهذا التأثير.»٢

وعلى ذلك، فإذا شئنا جوابًا سليمًا عن علاقة الفرد بالحضارة ودوره في خلقها، قلنا إن بين الحضارة وبين الفرد تأثيرًا متبادلًا. فصحيح أن بعض الأفراد قد أثَّروا في مجرى الحضارة تأثيرًا كبيرًا، غير أن هؤلاء الأفراد بدورهم متأثرون بالحضارة، ولولا أنها هيَّأت لهم الظروف الملائمة لما حققوا الأعمال الكبرى التي تُنْسَب إليهم. فإذا نظرنا إلى المسألة من أحد وجهيها، قلنا إن الحضارة تبدو وكأنها تسير في طريقها الخاص، وأن المواقف الحضارية هي التي تتطور بذاتها، فلا يكون العامل الفردي سوى وسيلة للتعبير عن هذه المواقف، ولنقلها — بعد تعديل طفيف عليها — خلال الزمان. ولكنا إذا نظرنا إليها من وجهها الآخر، قلنا إن هذه المواقف الحضارية ذاتها ليست من صنع قوةٍ تفرضها على الأفراد فرضًا؛ إذ ليس للتفسيرات الصوفية الغامضة مجال في أي فهْم علمي للحضارة، وإنما الحضارة تسير في طريقها بفعل مجموعات الأفراد، الذين يمكنهم أن يتحكَّموا فيها تحكمًا تامًّا. فللفرد إذن أثره الكبير في توجيه الحضارة، ولكن بشرط أن يتفهَّم الوجهة التي يتجه إليها التطوُّر السليم للجماعة، وألا يجعل من سلوكه عقبة في طريق تقدُّم مجتمعه. وما أن يستجيب هذا السلوك للحاجات الحقيقية — لا الظاهرية أو الوقتية — للمجتمع حتى يكون مؤثرًا في الحضارة بحق. إن تيار الحضارة يجرف الأفراد؛ لأنه أوسع منهم نطاقًا إلى حدٍّ بعيد؛ هذا صحيح، ولكن هذا التيار ذاته لم يكن ليسير لو لم يكن الفرد بدوره يشارك في دفعه ويتمشَّى معه، لا رغمًا عنه، ولكن عن وعي وعن إرادة، ورغبة في دفع التاريخ إلى الأمام.

(٢) كيف تنتقل الحضارة

أثَرْنا — في نهاية كلامنا عن مشكلة دور الفرد في الحضارة — مسألةَ تأثير الإرادة الواعية للأفراد في نقل الحضارة. والحق أن هذه المسألة توضِّح صفة عامة من صفات الحضارة، وتكشف لنا عن طريقتها الخاصة في الانتقال من جيل إلى جيل.

فالحضارة تُورَّث من جيلٍ إلى آخر، ولكن يتم توارثها على نحوٍ مختلف كل الاختلاف عن توارث الصفات الجسمية في الكائنات الحية. ولهذا الاختلاف مظاهر متعددة:
  • (أ)

    فقوانين الوراثة الحيوية ثابتة مطردة، وقد لا تكون كل هذه القوانين قد كُشِفَت بعدُ، ولكنها على أية حال تتم تبعًا لنظام ضروري دقيق. وإذا أمكن معرفة كل العوامل المورثة، ودراسة كل شيء عن الأجيال السابقة للكائن الحي؛ أمكن تحديد العناصر الموروثة في ذلك الكائن بدقة تامة. أما انتقال الحضارة فلا يتم بمثل هذه الآلية أو الضرورة المحتومة، بل هو يتم عن وعي وعن إدراك، ولا يمكن في أغلب الأحوال تحديد طريقة الانتقال هذه بدقة كاملة؛ لأن شروطًا وعوامل لا متناهية في عددها تتدخل في هذا الانتقال.

  • (ب)

    ثم إن العناصر الموروثة — في حالة وراثة الصفات الحيوية — تُنْقَل دون أن يحدث فيها تعديل أو تغيير، بل دون أن يختارها مَن انتقلت إليه، أما انتقال عناصر الحضارة فيمكن أن يُقال إنه انتقائي، بمعنى أن الجيل الذي يتلقَّى عناصر الحضارة ينتقي منها البعض ويستبعد البعض الآخر، تبعًا لظروفه وحاجاته. ولدينا مَثَل واضح لهذه الظاهرة في حالة انتقال العادات القديمة إلى الأجيال الجديدة؛ فجيلنا الحالي مثلًا لا يقبل كل العادات القديمة التي شاعت لدى الأجيال السابقة، بل هو يعلم أن الكثير من هذه العادات يرجع إلى معتقدات خرافية كالاعتقاد بكرامات الأولياء، أو إلى حبٍّ للتفاخر والتظاهر بلا مبرر كالمبالغة في الاحتفال بالأفراح أو تأبين الموتى؛ لهذا يقف الجيل الحالي من هذه العادات موقفًا انتقائيًّا. ولكن ليس معنى ذلك أن لنا اختيارًا تامًّا في قبول عناصر الحضارة أو رفضها، فمما لا شك فيه أن هذه العناصر تعلو على مشيئتنا إلى حدٍّ ما، ويتمثل ذلك بوضوح في شعور الكثيرين ممن غيَّروا بيئاتهم الحضارية — فانتقلوا مثلًا من أعماق الريف إلى المدن الكبرى — بعدم القدرة على التخلُّص من كثير من عاداتهم القديمة، فيبدو سلوكهم وسط بيئتهم الجديدة شاذًّا إلى حدٍّ ما. ولكن ما نود أن نقوله هو أن قبولنا الواعي لعناصر الحضارة يجعل لنا نوعًا من القدرة على تكييفها تبعًا لظروفنا، والوقوف منها موقف الانتقاء، لا موقف التلقي السلبي.

وعلى ذلك، فمن الممكن أن تُلخَّص طبيعة الانتقال الحضاري في أنه وراثة متبادلة بين طرفين، بحيث لا تكون مهمة الطرف الآخر هي أن يتقبل العناصر الموروثة فحسب، وإنما هو انتقال يؤثر فيه الحديث في القديم مثلما يؤثر القديم في الحديث. فمن الواضح أن كل جيل يضيف إلى التراث الحضاري الذي تلقَّاه شيئًا يسهم به في تقدُّم الحضارة. صحيح أنه قد مرت على الإنسانية فترات بلغ فيها الركود حدًّا بعيدًا، وبدا فيها أن كل جيل لا يكاد يسهم في بناء الحضارة بأي نصيب، بل بدا أنه يبدِّد التراث الحضاري الذي تلقَّاه عن السابقين، ومثال ذلك ما حدث في العصور الوسطى الأوروبية من ركود وخمود في شتى مظاهر الحياة، حتى بدا أن الجهد الذي بذله اليونان في حضارتهم القديمة قد ضاع وتبدَّد. ولكن الواقع أن عهود الركود لا تمثل — بالنسبة إلى المنظور الحضاري الشامل — إلا فترة تحفُّزٍ واستعدادٍ لنهوضٍ تالٍ أقوى من النهضة السابقة. وهذا ما حدث بالفعل في عصر النهضة الأوروبية ثم العصر الحديث. فالعناصر القديمة لا تختفي تمامًا في فترات الركود هذه وإنما يمكن القول إنها تُعبَّأ وتُكدَّس استعدادًا لجولة تالية أقوى من الأولى. ومن هنا أمكن القول إن انتقال الحضارة مستمر على الدوام، وأن التخلف الظاهري لها — إذ يمهد لتطور أعظم — لا ينبغي أن يُعَدَّ استثناءً من هذه القاعدة، وذلك إذا نُظِرَ إليه على نحو شامل عبْر فقرات زمانية كبيرة.

(٣) كيف تُقدَّر الحضارة

تخضع العلوم الطبيعية لقوانين تعبِّر عن العلاقات الثابتة بين ظواهرها، وعن الطريقة المطردة التي تتعاقب بها هذه الظواهر، ولكن الاهتداء إلى قوانين ثابتة في مجال الحضارة أمرٌ يصعب تحقيقه إلى حدٍّ بعيد؛ ذلك لأن ظواهر الحضارة ليست كلها متجانسة أو متشابهة، بل هي تنتمي إلى أشد المجالات اختلافًا كمجال العلم والفن والسياسة والاقتصاد والأدب والدين، ولا شك أن تعقُّد الظواهر الحضارية وتبايُن مجالاتها يؤدي إلى صعوبة تطبيق فكرة القانون بمعنى الاطراد الثابت بين الظواهر عليها.

ولسنا نود أن نذهب إلى ما يذهب إليه البعض، حين يؤكدون أن القانون العلمي لا مجال له على الإطلاق عند بحث الحضارة، فذلك حكمٌ يبعث على اليأس ويثبط الهمم، وليس من المستبعَد على الإطلاق أن يتغلغل العِلم بالتدريج في مجالاتٍ كان يُعتقد من قبل أنها عالية عليه، ومجال الحضارة ليس استثناءً من هذه القاعدة. ولكن الذي نود أن نشير إليه هو أن المرحلة الحالية لدراسة الحضارة لا تسمح بالاهتداء إلى قوانين فيها، لها نفس الأهمية والدلالة التي للقوانين في العلوم الطبيعية.

فما الذي يحل محل فكرة القانون في دراسة الحضارة إذن؟ إننا بدلًا من أن نعمل على إخضاع الحضارة لقانون عام، نستطيع أن قدِّرها، ونحكم على قيمتها. وهكذا تحتل فكرة القيمة في دراسة الحضارة — في مرحلتها الحالية على الأقل — أهميةً كبرى.

على أن تقويم الحضارة أمرٌ عظيم الصعوبة، وهذه الصعوبة تتمثل في أمرين: أولهما أننا لكي نقدِّر الحضارة ينبغي علينا أن نُلِمَّ إلمامًا كبيرًا بظواهر تنتمي إلى مجالاتٍ مختلفة كل الاختلاف، وأن نعمل على تحقيق التوازن بين هذه الظواهر المختلفة. والحق أن تحقيق هذا التوازن أمرٌ يصعب الوصول إليه، إن لم يكن مستحيلًا؛ فلنفرض أننا بإزاء مرحلتين من مراحل الحضارة، تتميز إحداهما بتفوُّق في ميدان الفكر والعلم النظري، وتخلُّف في ميدان التطبيق العملي لهذه المعلومات النظرية، وتتميَّز الأخرى بعكس ذلك؛ أي بتفوُّقها في النواحي العملية على النظرية، فكيف نصدر حكمنا على هاتين المرحلتين؟ وكيف نفاضل بينهما؟ لا شك في أن من الضروري في هذه الحالة أن نتأمل مختلف الظواهر الحضارية في مجموعها على نحوٍ تركيبي، ولكننا سنضطر عندئذٍ إلى تغليب نواحٍ معينة على الأخرى، وهنا قد يختلف الباحثون فيما بينهم اختلافًا شديدًا؛ فيؤكد بعضهم مثلًا أن تفوُّق اليونان في الميدان النظري جعل مرحلتهم الحضارية أرقى من المرحلة المصرية القديمة، بينما يؤكد البعض الآخر أن مستوى الفنون العملية الذي بلغته حضارة قدماء المصريين، وخاصة إذا صاحَبَه إدراكٌ لتقدُّمهم الزمني على اليونان، يجعلنا نصدر حكمنا في صالحهم.

وهذا يؤدي بنا إلى الصعوبة الثانية؛ فنحن نتعرَّض على الدوام — حين نصدر على مراحل الحضارة أحكامًا تقويمية — للنظر إلى الأمور من خلال منظورنا الخاص. فإذا كنا مثلًا في عصرٍ تفوَّق فيه العلم، فسوف نقيس كل الحضارات الأخرى بمقياس التقدُّم العلمي، وإذا كنا في بيئةٍ تهتم بالعقائد الدينية أكبر الاهتمام، فسوف تصبح التجارِب الدينية والروحية في نظرنا مقياسًا لتقدم الحضارة.

وهكذا نجد أننا نتعرَّض — خلال إصدارنا أحكامًا تقويمية على الحضارة — إلى أن نقيس مراحلها بمقياسٍ مطلَق، غالبًا ما يكون مستمدًّا من قيمنا الحضارية الخاصة، وأن من الصعب إلى حدٍّ بعيد أن نكتفي بإصدار أحكامنا من خلال السياق الخاص لمرحلة الحضارة ذاتها. ولكن هذا على أية حال شرطٌ ضروري، وبدونه لا يصح أن نقدِّر الحضارة على الإطلاق.

وسوف تُتاح لنا في الفصل التالي فرصةُ مناقشة مسألة الموضوعية في الحكم على مراحل الحضارة بمزيد من التفصيل.

١  اقتبس هذا النص بليخانوف G. V. Plekhanov في كتابه: The Role of the Individual in History. (English trans). London (Lawrence and Wishart 1950) p. 27.
٢  Plekhanov: op. cit. p. 41.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠