مقدمات العصر الصناعي الحديث

عصر النهضة
كان الاعتقاد السائد هو أن لفظ عصر النهضة يعني عودة ظهور الحضارة من جديد أو عودة ميلادها Re-naissance، بعد أن كادت تختفي في ظلام العصور الوسطى. غير أن المفكرين أصبحوا اليوم أَمْيَل إلى القول بأن العصور الوسطى لم تكن فترة مجدية تمامًا، وبأن كل ما يُميِّز تلك الفترة المسماة بعصر النهضة — وهي التي تقع ما بين عام ١٣٠٠م وعام ١٦٠٠م على وجه التقريب — هو حدوث تغيرات حضارية هامة فيها، لا ظهور مدنية كانت مختفية تمامًا.

ولقد كان الأساس الاقتصادي لهذه التغيُّرات هو ازدهار مدن جنوب أوروبا — وخاصة إيطاليا — في تجارتها مع الشرق؛ فقد بلغت مدن البندقية وميلانو والبندقية درجة عظيمة من الثراء، وتوافر لها من أسباب القوة ما يمكِّنها من إحداث تغيير حاسم في أسلوب حياة الأوروبيين بوجه عام، فما هي الخصائص الرئيسية لهذا الأسلوب؟

  • (أ)
    هي أولًا: الاهتمام بالإنسان؛ ولقد أُطْلِقَ على هذه الحركة الثقافية الضخمة اسم النزعة الإنسانية Humanism، فما دلالة هذه التسمية؟ إن الاسم مشتق من كلمة humanitas في اللاتينية، وتعني أصلًا الإنسانية، ثم استعملها شيشرون للتعبير عن دراسة العلوم الثقافية الخالصة كالأدب والفلسفة والبلاغة والتاريخ، ولا زالت بعض اللغات الأوروبية تحتفظ لها بهذا المعنى حتى اليوم؛ ففي الإنجليزية تعني كلمة humanities مجموعة العلوم ذات الطابع النظري التي يُقْصَد بها اكتساب ثقافة أكثر مما يُقْصَد منها تطبيق عملي انتفاعي. ولكن المقصود من هذه التسمية في العصور الوسطى كان الاستفادة من طرق تفكير اليونانيين والرومانيين القدماء، وهي الطرق التي تجاهلتها العصور الوسطى.

    ولكن للتسمية — رغم ذلك — دلالة لا ينبغي تجاهلها؛ فما لا شك فيه أن هناك علاقة قوية بين هذه النزعة وبين الاهتمام بالإنسان؛ فذلك هو العنصر الذي استُمد من اليونانيين في تلك الفترة، والذي تأثَّر به مفكرو ذلك العصر، واتخذوا منه ردًّا على نزعات الزهد التي سادت العصور الوسطى. ومن هنا صحب الاهتمام بدراسة طريقة التفكير اليونانية تجاهل أو عدم اكتراث بطريقة التفكير والسلوك الديني، ومعارضة للفلسفة واللاهوت الشائع في العصور الوسطى. ولقد كانت روح التحرُّر من قبضة السلطة الدينية، والعودة إلى الثقافات العقلية الخالصة، هي التي أدَّت بالنزعة الإنسانية إلى أن تصبح دعامة قوية من الدعائم التي بُنِيَت عليها النهضة الفكرية والعلمية في العصر الحديث.

  • (ب)

    وهي ثانيًا: الاهتمام بالطبيعة؛ ففي العصور الوسطى لم تكن الأذهان منصرفة إلى كشف الطبيعة أو محاولة فهْم قوانينها؛ فقد كان التفكير في الجحيم وفي الجنة وفي الخلود وكلِّ ما له صلة بالعالَم الآخر يسدُّ الطريق في وجه كل محاولة للاتصال بالطبيعة «المادية». فالإنسان عندئذٍ يضع في ذهنه فكرةً معينة عن الأشياء وعن الطبيعة، ولا يهتم إن كانت هذه الفكرة تقبل التحقيق في العالم الخارجي، بل لا يهتم إن كانت منطقية، وإنما يستبقيها طالما أنها تفي بمطالبَ روحية معينة له. فكل ما يهمنا في الظواهر الطبيعية هو كونها مظاهر للنظام الإلهي، وما العالم المحسوس إلا رمز للعالم الأزلي الآخر؛ لذا كان يكفي إدراك علاقة هذا الرمز بأصله لنكون قد عرفنا كلَّ ما ينبغي معرفته عن هذا العالم الطبيعي، ومن هنا كانت هذه النظرة الصوفية بعيدة تمامًا عما نسميه اليوم بالعلم.

    ولم يبدأ العلماء والفنانون يغيِّرون من نظرتهم إلى العالم المحسوس إلا بالتدريج؛ فمنذ القرن الخامس عشر بدأ يظهر اتجاه إلى الاهتمام بالطبيعة المحسوسة، ومحاولة دراسة ظواهرها من أجل فهْمها، لا من أجل كشف قوًى روحية غامضة فيها. وبدأت الأجسام الطبيعية تحظى باهتمام العلماء والفنانين، واقترن الاهتمام باتجاه آخَر توسعي يرمي إلى كشف الآفاق البعيدة للعالم الطبيعي.

ومن هنا أمكن القول إن الاهتمام بالإنسان وبالطبيعة في عصر النهضة الأوروبية كان ذا طابع مزدوج؛ فهو من جهةٍ ردُّ فعل على الزهد الذي ساد العصور الوسطى، ومحاولة لرد اعتبار المحسوس، ولإعادة تنظيم العلاقات بين الإنسان وبين العالم المحيط به على نحو جديد. ولكن هذا الاهتمام اقترن باتجاهٍ آخَر إلى الانتفاع بثروات الطبيعة إلى أقصى حدٍّ ممكن. ومن هنا اصطبغت تلك الفترة بطابع آخَر، هو طابع الحرص على المكاسب الدنيوية والسعي إليها بكل قوة، وتجاهل الزهد في الاستفادة بما في هذا العالم من ثروات.

وهكذا كانت الثورة الذهنية التي سادت عصر النهضة مؤدية إلى نتيجتين مرتبطتين: الاهتمام بالعالم الطبيعي ومحو قيود الزهد والصوفية السائدة في العصور الوسطى من جهة، والسعي إلى الانتفاع بهذا العالم الطبيعي إلى أقصى حدٍّ ممكن عن طريق الكشف والغزو والاستغلال. والنتيجة الأولى مرتبطة بالنهضة العلمية، والثانية مرتبطة بظهور الطبقات التجارية والرأسمالية.

ولو استعرضنا بعض مظاهر الحضارة في هذه الفترة؛ لوجدناها تكشف عن هذا الطابع المزدوج بوضوح.

(١) النظرة الدينية الجديدة

في أدب عصر النهضة وفي فنونه كانت النزعة الإنسانية تتجه إلى تنمية نظرة إلى الحياة مختلفة كل الاختلاف عن نظرة العصور الوسطى إليها. فأصحاب النزعة الإنسانية كانوا ينفرون من الزهد؛ أعني من إنكار الجسد والتعلُّق بالعالم الآخر. ومن جهة أخرى، فقد ازداد الميل إلى كشف غوامض عالمنا هذا لدى العلماء، واتجه الاقتصاد إلى استغلال ما فيه من موارد، وكان تدفُّق الذهب والفضة من العوامل القوية في توجيه الناس إلى النزعات الواقعية، وإلى التعلُّق بهذا العالم لا الهروب منه.

ولم يكن من المعقول أن يقف الدين بمعزل عن هذه الاتجاهات الجديدة، بل كان لا بُدَّ أن يتأثَّر بها، وأن يتلاءم مع الظروف الجديدة التي طرأت على حياة الأوروبيين. ولسنا نزعم أن التقدُّم الاقتصادي والنهضة الأدبية والفنية الإنسانية هي التي أثَّرت في توجيه الدِّين نحو مذاهب جديدة فحسب، بل نعتقد أن التأثير كان متبادلًا؛ بمعنى أن الظروف الجديدة التي نشأت كانت تقتضي تغيير فهْم معنى الدِّين في أذهان الناس، ومن جهة أخرى فإن هذا التغيير في فهْم معنى الدِّين قد ساعد على سرعة تطور هذه النظرة الجديدة إلى الحياة، وأصبح عاملًا قويًّا من العوامل التي تشجِّع العالم على فهْم الطبيعة للاستفادة منها، وتشجع رجل الاقتصاد على الاهتمام باستغلال موارد الثروة المادية إلى أقصى حدٍّ ممكن. وإذن فقد كان لا بُدَّ أن يحدث انقلاب في ميدان الدِّين يوازي الانقلاب في الميدان الاقتصادي والعلمي والفني.

ولقد كان النظام السائد قديمًا يقف حائلًا في وجه تطور القوى الجديدة في المجتمع؛ فرجال الدين لهم سلطات هائلة في رعاية الحاجات الدينية للناس، وهم الذين يؤدون الشعائر وينظمون العبادة ويوجِّهون حياة الناس، فإلى أين سار هذا التوجيه؟ لقد سار نحو دعم نفوذ الكنيسة ذاتها؛ فرجالها قد كدَّسوا ثروات هائلة، وكان لهم نفوذ سياسي كبير، وفي معظم الأحيان كانوا يتحالفون مع النبلاء والإقطاعيين ويشجعونهم على الاستمرار في استبدادهم، ولكن القوى الجديدة في المجتمع لم تكن هي قوى الإقطاع، بل كانت الطبقات التجارية، ومن بعدها الرأسمالية الساعية إلى التوسُّع. ومن هنا كان من الضروري أن ينحلَّ هذا التحالف بين الكنيسة وبين الإقطاع، حتى يفسح الدِّين المجال لنوع جديد من العلاقات الاجتماعية. فإذا أضفنا إلى ذلك أن تلك الدعوة الجديدة كانت تجد لها صدًى محببًا في نفوس الناس الذين عابوا على رجال الدين القدماء اتجاههم الإقطاعي، وافتقارهم إلى الثقافة وإلى التفكير المتحرِّر؛ أمكننا أن ندرك السبب الذي أحرزت الدعوة الجديدة من أجله كل هذا النجاح.

وهكذا لم يكن من الصعب أن يجد مارتن لوثر M. Luther الطريق ممهدًا لحركته التحررية في الدين؛ فقد دعا إلى أن يصبح الإيمان أساسًا للعقيدة وسبيلًا إلى الخلاص بدلًا من الأفعال الظاهرية الطيبة. ومعنى ذلك أن العقيدة أصبحت ترتبط بالإحساس الباطن أكثر مما ترتبط بالأفعال الخارجية، ومن شأن هذا الرأي أن يقلِّل من أهمية رجال الدين، ما دام الدين قد أصبح يخص كلَّ فرد بذاته، وليس في حاجة إلى وسطاء. ولكن الأهم من ذلك، أنه أطلق قوى الكشف والتنقيب عن مصادر الثروة لدى الإنسان؛ إذ إن أفعال الإنسان الخارجية لا حرج عليها ولا رقيب من السلطة الدينية، بل يتركه الدِّين ليتصرف في حياته كما يشاء، ولا يحاسبه إلا على إحساسه وإيمانه الباطن فحسب.

وهكذا كانت دعوة لوثر ملائمة أشد الملاءمة لمجتمعٍ يسعى الإنسان فيه إلى تحصيل أكبر قدْر من الثروة عن طريق أكمل استغلال للطبيعة، وكان فصل السلطة الروحية عن السلطة الدنيوية أو الزمنية رمزًا لهذا الاتجاه الجديد، اتجاه التحرُّر من كل القيود التي تقف عقبة دون استغلال الإنسان للطبيعة، والانتفاع بموارد العالم المادي إلى أقصى حدٍّ.

(٢) توسُّع الأوروبيين الجغرافي

كانت معلومات الأوروبيين عن العالم حتى العصور الوسطى لا تكاد تتجاوز الإقليم الواقع غرب روسيا وبعض مناطق الشرق الأوسط، وكانت لديهم أفكار غامضة عن الصين والهند وعن شمال أفريقيا. فحدود العالم المعروف لديهم كانت هي المحيط الأطلسي والصحاري الآسيوية والأفريقية.

ثم جاء العصر الذي توجَّه فيه اهتمامهم إلى الطبيعة، واتخذ هذا الاهتمام مظهرين أساسيين: مظهر الرغبة في التعمُّق، ومظهر الرغبة في الامتداد؛ أعني التغلغل في الطبيعة من جهة، والتوسُّع فيها من جهة أخرى. والمظهر المتعمق هو الذي ولَّد العلم، أما المظهر التوسُّعي أو الامتدادي فهو الذي شجَّع الكشف الجغرافي.

والذي لا شك فيه أن الاهتمام باستغلال العالم الطبيعي، وظهور الطبقات التجارية، وازدياد أهمية دافع الريح بوصفه محورًا للحياة وهدفًا لها، كل هذا يقتضي السعي إلى ارتياد الآفاق المجهولة في العالم، والبحث في الثروات الخفية فيه.

ولقد حاول القائمون بهذه الكشوف أن يصبغوها بصبغة دينية ظاهرية، فقيل إن توسع الأوروبيين في أفريقيا كان راجعًا إلى الرغبة في رد المسلمين عن حدود أوروبا، التي سبق أن هددوها في القرن السابع الميلادي، وكان الاستيلاء على الجزر الأفريقية والآسيوية واسترقاق الآدميين فيها يبرَّر بالرغبة في نشر المسيحية بينهم. ولكن الذي لا شك فيه أن الدافع الأول لذلك التوسُّع كان هو الرغبة في السيطرة الاقتصادية على مناطق جديدة من العالم، ومحاولة استغلال ثروات الشرق الهائلة، فضلًا عما كانت تجلبه تجارة الرقِّ من أرباح هائلة، إلى حد أن التجارة في الكائنات البشرية ازدهرت في ذلك الحين ازدهارًا كبيرًا، وأصبحت إحدى الدعائم الرئيسية للنمو الاقتصادي في العالم الجديد فيما بعد.

وقد تميَّزت في هذه الكشوف بوجه خاص دولتان: البرتغال، التي اتجهت نحو الشرق خاصة، وإسبانيا التي اتجهت نحو الغرب، وفتحت أبواب قارتي أمريكا للأوروبيين. ودخلت إنجلترا وفرنسا فيما بعدُ هذا السباق، وحاولت كل دولة أوروبية أن تسيطر على أكبر مساحة ممكنة من الأرض الجديدة ومن الأسواق.

وهكذا كُشِفَت في مدة وجيزة ثلاث قارات جديدة: الأمريكتان وأستراليا، وعُرِفَت الحدود الحقيقية لقارتي آسيا وأفريقيا، وبدأ العهد الذي سيطرت فيه الحضارة الأوروبية بكلِّ ما فيها من خير وشر على العالم. فالأمر الذي لا شك فيه أن الفترة التي تلت عهد الكشوف الجغرافية قد تميزت بامتداد تأثير الحضارة الأوروبية إلى العالم بأجمعه، فأصبحت الأمريكتان ملحقتين بأوروبا، وأصبحت آسيا وأفريقيا بالتدريج مناطق نفوذ واستغلال اقتصادي لأوروبا. وإذا كانت شعوب هذه القارات قد عانت الكثير — طوال ما يزيد على الأربعة قرون — من هذه السيطرة الأوروبية الغاشمة، فلا جدال مع ذلك في أن هذه السيطرة كانت حقيقة واقعة، ظلت تتحكَّم في مجرى حوادث العالم طوال تلك الفترة.

فماذا كان تأثير هذه الكشوف على الشعوب الأوروبية ذاتها؟ لقد كان لها أثر حاسم في تكوين الطبقات الأوروبية؛ ذلك لأن أهم ما كان يُستخرج من الأراضي المكتشفة — وخاصة من أمريكا — كان الذهب والفضة؛ أي المعادن النفيسة. وقد أحدث تدفُّق هذه المعادن على البلاد الأوروبية رواجًا عظيمًا، وازدهرت الأسواق وارتفعت الأسعار، غير أن المستفيدين من هذا الرواج كانوا طبقة جديدة غير طبقة النبلاء الإقطاعيين الذين عرفتهم العصور الوسطى، والذين كان دخلهم ثابتًا بحكم طبيعة ثروتهم، فلم يستطيعوا مجاراة الطبقة الجديدة من التجار ورجال الأعمال. ولما كانت هذه الطبقة تسكن المدن الأوروبية بحكم عملها، فقد سُمِّيَت — فيما بعد — بالبورجوازية (مشتقة من Bourg أي مدينة)، واحتلت هذه الطبقة بالتدريج مركز الصدارة في الحكومة والمجتمع، بعدما هيأت ظروف الحياة الجديدة لها أرباحًا وفيرة. وهكذا غيَّرت هذه الكشوف ميزان القوى بين الطبقات تغييرًا ملحوظًا، وغيَّرت بالتالي التركيب الداخلي للمجتمع الأوروبي من أساسه.

(٣) الانقلاب العلمي والمجتمع الجديد

من الأحكام الشائعة في تاريخ الحضارة الحديثة، القول إن نشأة العلم في أوائل العصر الحديث ترجع إلى إحياء طريقة التفكير اليونانية، وهي الطريقة التي اتصفت بتغليب التفكير العقلي، والسعي إلى كشف النظريات العامة الكامنة من وراء الظواهر الجزئية. ولم يكن للعلم بهذا المعنى كيان قائم بذاته في العصور الوسطى، بل فيما قبل القرن الخامس عشر، وإنما كان مندمجًا في الفلسفة، فكان ذلك الاندماج سببًا في تأخُّر نمو العلوم الخاصة. وقد يُقال إن العلم كان مندمجًا في الفلسفة في العصر اليوناني بدوره، ولكن الواقع أن العلم اتجه في أواخر هذا العصر إلى الاستقلال، وبدأ يسير في اتجاه تجريبي سليم، لو كان قد واصله لبلغ نتائج غاية في الأهمية، هذا فضلًا عن أن الفلاسفة اليونانيين أنفسهم كانوا في كثير من الأحيان يبحثون المسائل العلمية بروح مستقلة — بعض الشيء — عن المقدمات الميتافيزيقية، بعكس الحال في العصور الوسطى.

فما الذي أدَّى إلى تقدُّم العلم الحديث حين اتصلت الأذهان في عصر النهضة بآراء الفلاسفة اليونانيين؟ وما هو العنصر الذي يحفِّز إلى التقدُّم في طريقة التفكير اليونانية؟

كان اليونان أصحاب أقدم محاولة لإيجاد نظريات علمية بالمعنى الشامل، فلم يكتفوا بملاحظة الظواهر الطبيعية والبحث عن قواعد عملية محدودة النطاق، كما فعلت شعوب كثيرة من أصحاب الحضارات القديمة، وتم أعظم ما أحرزوه من نجاح في ميدان الرياضيات، حتى إن مدرسة فلسفية كاملة — هي المدرسة الفيثاغورية — قد تصوَّرت الكون على أنه في ماهيته عدد ونغم؛ أعني أن أساس فهْمنا للكون هو ما يربط بين عناصره وظواهره من علاقات رياضية ونِسب، وبلغت النهضة العلمية اليونانية ذروتها في مدرسة الإسكندرية حين ازدهرت الكشوف الفلكية، ونما العلم الرياضي، بل تقدَّم العلم الطبيعي ذاته تقدُّمًا كبيرًا.

وفي العصر الروماني — الذي تميَّز بالفتح والغزو — حدثت نكسة للعلم والثقافة بوجه عام، وفي العصور الوسطى، أصبح الغرب غارقًا في السعي إلى الخلاص من خطايا هذا العالم، وتعلَّقت الآمال بالعالم الآخر كملجأ أخير للبشر؛ أي بالاختصار: أهمل الغرب الاتجاه العلمي السليم تمامًا، وفي الوقت ذاته حمل العرب لواء العلم، واستطاعوا أن يحتفظوا بتراث العلم اليوناني، بل أضافوا إليه في مجالات كثيرة؛ أي إن الحركة العلمية لم تتوقف في تلك الفترة، بل وجدت مَن يحمل مشاعلها.

وعن طريق العرب، انتقل العلم إلى أوروبا مرة أخرى في الفترة السابقة على عصر النهضة، وعمل الأوروبيون على تنقية النظريات الرياضية اليونانية من الشوائب الصوفية التي اختلطت بها في كثير من المذاهب كالفيثاغورية والأفلاطونية.

ولكن هل يكفي هذا التأثُّر بالتفكير اليوناني وبعلوم العرب لتعليل نهضة العلم التجريبي في أوائل العصر الحديث؟ الحق أن من الضروري أن يوجد تعليل اجتماعي لهذه الظاهرة ذاتها، أعني ظاهرة التأثُّر بالتفكير اليوناني وبعلوم العرب، ولا بُدَّ أنه كان في البيئة الاجتماعية نفسها ما يدفع الأذهان إلى السير في هذا الاتجاه، اتجاه بحث مشاكل هذا العالم بحثًا علميًّا موضوعيًّا، بدلًا من الاكتفاء بالبحث في طريقة خلاص الروح من شرور هذا العالم. وعلى هذا النحو وحده — أعني حين نأتي بتعليل اجتماعي لهذه الظاهرة — يمكننا أن نفهم هذه النهضة الثقافية الجبارة فهْمًا سليمًا، لا أن ننظر إليها على أنها معجزة مفاجئة يستحيل تعليلها.

•••

فلنتأمل أولًا طبيعة الانقلاب العلمي ومداه قبل أن نحاول تعليله:

بدأ ذلك الانقلاب منذ القرن السادس عشر بثورة علمية زعزعت آراء أرسطو، بعد أن ظلت هذه الآراء راسخة في الأذهان طوال العصور الوسطى، تلك هي ثورة كبرنكس الذي تحدَّى الآراء الشائعة في علم الفلك، واستبدل بالنظام الفلكي البطليموسي — أعني بالنظام الذي تكون فيه الأرض مركزًا للكون — نظامًا آخر تكون الشمس فيه مركز مجموعة الكواكب المسمَّاة باسم المجموعة الشمسية، والأرض واحدة من هذه الكواكب الدائرة حول الشمس. ووجدت هذه الآراء الحديثة تدعيمًا في كشوف كبلر، وأثبتها جاليليو نهائيًّا بعد اختراعه المنظار المكبِّر، وبعد ملاحظاته الفلكية التي قضت تمامًا على كل النظريات القديمة.

وأعظم دلالة لهذه الثورة الفلكية، هي تلك القدرة على التنزُّه العلمي والموضوعية، التي جعلت الإنسان يتنازل عن مكانته المفضلة بوصفه مركزًا للكون، تدور الأفلاك كلها من حوله، ويستهدف العالم كله نفعه، وإذا كان تغيُّر المنظور على هذا النحو يبدو في نظرنا اليوم أمرًا معتادًا، فلا شك أنه كان في حينه يقتضي شجاعة ونزاهة عقلية كبرى، سرعان ما تردد صداها في مناهج بحث العلوم الأخرى.

وتم الانتقال إلى طريقة التفكير الحديثة على يد علماء ومفكري القرن التالي؛ أي القرن السابع عشر؛ فقد وضع «فرانسيس بيكن Francis Bacon» أسس المنهج العلمي الاستقرائي في مؤلَّفات قيِّمة أشهرها «المنهج الجديد Novum organum» الذي تحدَّى به منهج أرسطو القياسي. كذلك كانت لديكارت أبحاث علمية هامة، واتجه بتفكيره الفلسفي إلى اتخاذ الدقة الرياضية مقياسًا لكل حقيقة. وهكذا عملت الفلسفة بدورها على تحطيم نظريات أرسطو ومنهجه، وعلى تشجيع الاتجاه العلمي الاستقلالي الجديد. وكان أعظم علماء القرن السابع عشر هو نيوتن، الذي وضع قانون الجاذبية العامة، وأكد أن ما يسري على الأرض يسري على الكون بأسره، وكشف القوانين الرئيسية لعلوم الميكانيكا والضوء.

وليس في وسعنا أن نتابع كل الكشوف التي ظهرت في العلوم الرياضية والطبيعية في تلك الفترة، وحسبنا أن نشير إلى اتجاهها العام الذي كان اتجاهًا تجديديًّا حطَّم الأسس الجامدة القديمة، واستبدل بها أسسًا قابلة للتطور والنمو.

هذه هي الوقائع بصورة مجملة، فكيف نعللها؟

من المعروف أن اسم العصر الحديث يقترن في بدايته بالانتقال من النظام الإقطاعي إلى نظامٍ ظهرت فيه طبقات جديدة، تخصصت في التجارة وفي الصناعة. والنتيجة الضرورية لذلك هي ازدهار المدن، وانتقال مركز الثِّقل إليها من الريف، ونالت المدن بعد ازدهارها نوعًا من الاستقلال الذاتي، كان يتفاوت في درجته، ولكن المنافسة الاقتصادية بين هذه المدن كانت تولِّد بينها مشاحنات وحروبًا دائمة. وكلما ازداد الاقتصاد الرأسمالي ظهورًا؛ ازدادت حاجة المدن إلى التوسُّع، وبالتالي ازدادت المنازعات بينها عنفًا، حتى أصبحت الحروب حالة طبيعية، لا تُضعِف من النظم القائمة، بل تؤدي بعكس ذلك إلى دعمها، والحروب تقتضي صناعة مزدهرة، تمد الجيوش بما هي في حاجة إليه من مؤنٍ ومعدات حربية.

وفضلًا عن ذلك، فقد أدَّى نمو التجارة — بوصفها محور الحياة الاقتصادية في ذلك العصر — إلى قيام مشاكل متعددة تتعلَّق بالنقل والمواصلات؛ فالتجارة — كما هو معروف — لا تزدهر دون وجود نظام محكم الاتصال.

وأخيرًا، فقد كانت طبيعة الحياة الجديدة تقتضي ازدياد أهمية النقود بوصفها وسيلة التعامل بين المدن بعضها وبعض وبين التجار. وكان للتعامل النقدي أثره الهام الذي تردَّد صداه في المنهج العلمي ذاته.

ولنتحدث عن كل وجه من هذه الأوجه على حدة.

  • (أ)

    من الناس مَن يقولون إن الإنسان قد استخدم الصناعة في الحرب قبل أن يستخدمها في السِّلْم. ولهذا الرأي ما يبرره؛ فقد كانت أكثر الصناعات تقدُّمًا — في المرتبة وفي الزمان — هي الصناعات المتعلقة بالحرب. فمنذ العصور الوسطى، استُخْدِمَ البارود في أنواعٍ مختلفة من الآلات الحربية، بل لقد عُرِفَ المنجنيق — الذي يقذف حجارة ضخمة لمسافات بعيدة — في حروب العرب. ولا شك في أن دقة استعمال الآلات الحربية تتطلب تقدُّمًا علميًّا ملحوظًا، وتركيزًا للبحث في مشاكل معينة يثيرها استخدام هذه الآلات الحربية. وسوف يَبين لنا أن هذه المشاكل كانت هي التي يدور حولها التفكير العلمي الحديث في عصوره الأولى على الأقل.

    فاستخدام البارود يثير مشكلات هامة في علم الطبيعة وعلم الكيمياء، حتى يمكن التحكُّم في طريقة انفجاره على النحو الصحيح، وكان ذلك حافزًا للعلماء على زيادة جهودهم في هذه الميادين.

    والمدفعية التي تستخدم قذائف البارود كان إتقان صناعتها يقتضي دراسة دقيقة لقوانين سقوط الأجسام ومساراتها في الهواء. ويلاحظ بعض الباحثين أن كثيرًا من الأمثلة التي أوردها جاليليو في كتبه لشرح نظرياته في سقوط الأجسام كانت أمثلة ترتبط — مباشرة أو بطريق غير مباشر — بقذائف المدافع، حتى قيل إن الجهد الذي ساهم به جاليليو في علم الديناميكا كان نهاية بحوث أثارتها في البداية الرغبة في زيادة دقة نيران المدفعية.١

    ومثل هذا يمكن أن يُقال عن كشوف نيوتن؛ فهي بدورها تنتمي إلى مجالٍ يتصل فيه العلم بالأهداف الاقتصادية والحربية؛ فقوانين حركة الأجسام تفيد في ذلك المجال فائدة مباشرة. وقانون الجاذبية، الذي ربط فيه القوانين الفلكية وقوانين الحركة يؤدي الغرض نفسه. ومن الجائز أن نيوتن نفسه لم تكن في ذهنه الاعتبارات كلها، ولكن السياق الاجتماعي قد تحكَّم في طبيعة بحوثه تحكمًا واضحًا.

  • (ب)

    والدافع الثاني للتقدُّم العلمي، هو إلحاح المشاكل المتعلقة بوسائل النقل والاتصال في مجتمعٍ يعتمد على التجارة اعتمادًا أساسيًّا؛ فقد أدَّى الاهتمام بالنقل المائي إلى دراسة مشاكل توازن السوائل والشروط الميكانيكية لهذا التوازن، ولقيت الأبحاث الخاصة بهذه المشاكل عناية كبرى لدى علماء مثل باسكال وتوريتشلي.

    وكانت الملاحة البعيدة المدى هي الوسيلة الرئيسية للاتصال بين البلدان الأوروبية وبين البلاد الشرقية البعيدة، التي تُجلب منها أعظم السلع قيمة في التجارة الأوروبية؛ لذا كان من الضروري العمل على تأمين الرحلات الطويلة المستمرة التي تأتي لبلدان أوروبا بالذهب المتدفق، وكان ذلك سببًا في تقدُّم الدراسات الفلكية في تلك الفترة تقدُّمًا كبيرًا؛ نظرًا لقيمتها الكبرى في تحديد مواقع السفن في البحار. ويرتبط بالبحث في الفلك، البحث في الضوء، والتقدُّم في طرق قياس الزمن.

  • (جـ)

    أما التعامل النقدي فكان له أثر عظيم في الطابع الذي اتخذه العلم، وقبل أن نتحدَّث عن العلاقة بين ذلك التعامل وبين طبيعة الكشف العلمية، علينا أن نوضِّح الظروف التي أدَّت إلى ازدياد أهمية هذا النوع من التعامل.

    فقد أدَّى استخدام البارود في الحرب إلى نتائج بعيدة المدى؛ إذ أصبحت الحرب عملية تكلِّف كثيرًا، ولا بُدَّ لها من أموال طائلة، وهذه الأموال تتوافر لدى التجار من ساكني المدن أكثر مما توافر لدى الإقطاعيين ذوي الدخول الثابتة. وكان لهذه الحقيقة أثر كبير في دعم نفوذ طبقة التجار والرأسماليين الناشئة، بعد أن تحالف معها الحكام واستندوا إليها في حروبهم. على أن الذي يهمنا في هذا الصدد ليس أثر هذه الصورة الجديدة للحروب في تكوين الطبقات الجديدة، وإنما يكفينا أن نشير إلى أثرها في زيادة أهمية التعامل النقدي، وما نتج عن ذلك من تأثير في مجرى العلم في تلك الفترة.

    هذا التعامل النقدي — الذي ساد بين الطبقات التجارية والرأسمالية الناشئة — من شأنه أن يضاعف الاهتمام بالرياضات وبالعلوم التجريدية؛ فإدارة الأعمال التجارية وحدها تقتضي معرفة واسعة بالعد والحساب، وتستلزم تنمية صفات الدقة والصرامة، التي بدونها لا يصبح رجل الأعمال ناجحًا. والأهم من ذلك أن التعامل بالنقود حين استُبدل بمقايضة السلع، قد أحل المجرَّد محل الملموس؛ فالنقود أشبه بالحروف الجبرية س أو ص، وهي الحروف التي يمكن أن تحل محل أي مقدار، ولا تعني في ذاتها مقدارًا محددًا، وهي كيانات فرضية، ليس لها في ذاتها دلالة معينة، وإنما هي تتسع لكل الإمكانيات. والذي لا شك فيه أن انتشار التداول النقدي على نطاق واسع، والاستغناء عن المقايضة بالسلع الملموسة المحددة، قد أكسب الأعمال التجارية صبغة مجردة، وأخذ الناس يألفون عادات التجريد التي تعين على التفوُّق في البحث الرياضي. فالشخص الناجح في ذلك العصر هو الذي يطرح الصفات الكيفية للعالم جانبًا، ويتجاهل ما فيه من حديد أو توابل أو فضة، ويستبدل بهذه الطبائع كميات ومقادير نظرية خالصة، ويدير أعماله كلها على أساسٍ من الأرقام والرموز.

وتلك كلها هي الصفات التي أصبح يتميز بها العلم الطبيعي في هذه الفترة؛ فالعالِم لا يبحث من الطبيعة إلا أوجهها الكمية، ولا شأن له بما فيها من كيفيات أو صفات. والعلاقات الرياضية بين الأشياء — لا الصفات الكامنة في الأشياء ذاتها — هي التي تؤدي بنا إلى استخلاص القوانين المتحكمة في العالم الطبيعي. والدقة الرياضية والتجريد الكامل أصبحت هي المثل الأعلى للعلماء والمفكرين في ذلك العصر وفيما تلاه، وهي المنهج السليم الذي نصح باتباعه العلماء والفلاسفة، من جاليليو إلى نيوتن، ومن بيكن إلى ديكارت.

ولسنا ندَّعي أن القوة الوحيدة الدافعة للعلم في تلك الفترة كانت تعوِّد الأذهان التجريد والدقة الحسابية في تعاملها بالنقد؛ فهناك عوامل أخرى متعددة، ولكنها ترجع كلها إلى السياق الاجتماعي في ذلك العصر الذي تميز بانقلاب ميزان القوى بين عناصره وطبقاته، وكان الطريق الجديد الذي سلكه العلم التجريبي هو الذي مهَّد للتطور الصناعي الهائل في القرن الثامن عشر.

١  V. F. Lenzen: “Science and Social Context”. Article in: Civilisation. (University of California Publications in Philosophy) vol. 23. 1942. p. II.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠