العصر الصناعي المتأخر

(١) التطوُّر الصناعي في القرن التاسع عشر

كانت الفترة التالية لعهد الكشوف الآلية الأولى فترة تجارب وعدم استقرار، لم يتخذ الاقتصاد الأوروبي فيها شكلًا ثابتًا. ولم تظهر كل النتائج التي كانت تنطوي عليها تلك الكشوف إلا بعد انقضاء فترة عدم الاستقرار هذه، وانتهاء عهد الصراع بين النظم الجديدة والنظم القديمة في الإنتاج، بانتصار الأولى انتصارًا لم يَعُد فيه شك.

ومن أهم صفات الفترة التالية — التي بدأت منذ أواسط القرن التاسع عشر — الاهتداء إلى طاقات جديدة في الصناعة، وتقدُّم وسائل الاتصال، مما أدَّى إلى ظاهرةٍ كان لها أكبر الأثر في العلاقات الدولية، سواء من الناحية الاقتصادية والسياسية، وأعني بها تكوين السوق العالمية.

  • (أ)

    أما الطاقات الجديدة التي أصبحت تُسْتَخْدَم في الصناعة؛ فهي الكهرباء والبترول. والحق أن الطاقة الكهربائية كانت تمتاز على الطاقة البخارية بمميزات متعددة، فهي تُطْلَق في سكون، وتنتشر في كل الأمكنة إلى مسافات بعيدة، وتُحْبَس في أي وقت تشاء، وطريقة استخدامها نظيفة وصحية بالقياس إلى الفحم. ولما كانت أسهل طرق توليد الكهرباء هي استخدام القوة المائية، فقد عادت للمساقط المائية أهميتها التي كانت لها في القرن الثامن عشر، والتي فقدتها مؤقتًا عند كشف الطاقة البخارية.

    وتميزت تلك الفترة بالتوسُّع الكبير في الإنتاج؛ إذ أصبح همُّ المنتجين هو إغراق الأسواق بمنتجاتهم، وخفض تكاليفها إلى أقل حد ممكن، والأمران مرتبطان؛ إذ إن زيادة الإنتاج تؤدي من تلقاء ذاتها إلى خفض التكاليف. وهكذا اتسع نطاق المصانع الكبيرة التي كانت قبل عام ١٨٥٠م مقتصرة على صناعات النسيج والحديد، وأصبحت المصانع التي تضم ألوف العمال شيئًا معتادًا.

    وصحب هذا التوسُّع في الإنتاج نظام جديد أحدث تغييرًا هامًّا في طريقة الإنتاج، هو نظام التضامن داخل المؤسسة الصناعية الواحدة؛ فقد كانت المصانع القديمة تتميز بتخصصها، فيُنتِج كلٌّ منها جزءًا معينًا لا يمكنه أن يصل مباشرة إلى المستهلك، ولا تتم في المصنع سوى مرحلة أو اثنتين من مراحل الإنتاج، ولكن بعد تطبيق مبدأ الأجزاء ذات التقدير الثابت Standardized parts؛ أمكن أن تمر بالمصنع الواحد كل مراحل الإنتاج، حتى تخرج السلعة من المصنع صالحة للاستهلاك مباشرةً.

    وكان استخدام طريقة الأجزاء ذات التقدير الثابت يتطلب آلاتٍ غاية في الدقة، وهذه الآلات بدورها تحتاج إلى مشرفين لهم من المِران والخبرة نصيب وافر؛ حتى يمكنهم المحافظة على المستوى الرفيع من الدقة الذي بلغته الآلات. وهكذا ظهرت لأول مرة شخصية «المهندس» في الإنتاج الصناعي، وأصبح وجوده ضروريًّا في كل مصنع حديث، ولم تَعُد مهمته مقتصرة على الإشراف على الآلات، بل امتدت إلى العمليات المعقدة التي تتم في المصنع الكبير، والتي يحتاج تنظيمها وترتيب مراحلها إلى رقابة دائمة وحساب دقيق.

  • (ب)

    ولسنا في حاجة إلى التحدُّث عن التقدُّم في سبل المواصلات، وكيف كان يُعد انقلابيًّا في ذلك الوقت، ولكن يكفينا أن نقول إن قدْرًا كبيرًا من التطوُّر الاقتصادي التالي كان راجعًا إلى تقدُّم طرق المواصلات الجديدة، أو على الأقل مرتبطًا به. وكانت الطرق الحديدية الجديدة من أهم عوامل ازدهار الأسواق الداخلية، بينما أدَّى استخدام قوة البخار في النقل البحري إلى توسُّع هائل في التجارة الخارجية، مهَّد لربط أجزاء العالم كله في وحدة اقتصادية متماسكة.

  • (جـ)

    وتضافر عاملا الإنتاج على نطاق واسع، والتقدم في وسائل الاتصال، في تكوين سوق عالمية تتعدَّى حدود الدول والقارات. ولقد كان الإنتاج قبل هذه الفترة محليًّا في أساسه، ولم تكن التجارة الخارجية تتناول إلا الكماليات أو منتجات المناطق المدارية، ولم يكن هناك ما يدعو إلى تصدير الحديد أو الصلب مثلًا؛ لأن تكاليف النقل كانت كبيرة، ولأن منتجات إنجلترا — وهي أسبق الدول إلى التصنيع — كانت تُصرَّف في داخلها أو في بلاد القارة الأوروبية على الأكثر. أما في الفترة التي نحن بصددها، فقد ارتبطت كل أجزاء العالم في وحدة اقتصادية واحدة، ومهَّدت المخترعات الحديثة الطريق لخلق سعر عالمي موحد للمواد الأساسية، وأصبح العالم كله سوقًا واحدة؛ فقمح أمريكا والهند يَرِد إلى أوروبا بكثرة، والصلب الإنجليزي يبني الخطوط الحديدية في الشرق الأوسط … إلخ.

وإذن فعلى الرغم من أن الآثار المباشرة للاتجاه إلى التصنيع لم تظهر إلا في جزء ضئيل من الكرة الأرضية هو إنجلترا ومن بعدها فرنسا وبلجيكا وألمانيا والولايات المتحدة؛ فإن العالم كله قد أحس بنتائج هذا الاتجاه الجديد. فقد نشطت التجارة نشاطًا كبيرًا بعد أن قام بين الدول نوع من تقسيم العمل، فتخصصت البلاد الصناعية في الصناعة، وأهملت الزراعة إلى حدٍّ ما، بينما أخذت تستمد الغذاء من البلدان الزراعية، وتستخلص منها المواد الخام مقابل ما تورِّده إليها من منتجات مصنوعة. وهكذا تبدَّلت العلاقات الاقتصادية بين الدول من أساسها، وبعد أن كان الاقتصاد العالمي مجموعة من اقتصاديات دول تكتفي بذاتها، أصبح في العالم اقتصاد موحَّد يُقسَّم العمل في داخله، مع استئثار الدول المتقدمة صناعيًّا — بطبيعة الحال — بنصيب الأسد في تقسيم العمل هذا، وحرصها على أن تظل الدول الأخرى تمدها بالغذاء والمواد الخام، ولا تتطلع هي الأخرى إلى أن تصبح ذات إنتاج صناعي مستقل.

(٢) القوى الصناعية الجديدة

كانت الصناعة الإنجليزية هي المتحكمة في أسواق العالم حتى الثلث الأخير من القرن التاسع عشر، ولم تبلغ دولة من الدول حَدًّا يسمح لها بمنافسة منتجات الصناعة الإنجليزية الواسعة النطاق؛ فكان العالم يرتدي ملابس إنجليزية وأحذية إنجليزية، ويركب قطارات إنجليزية تسير بفحم إنجليزي، وكانت معظم هذه المنتجات وموادها الخام تُنْقَل من إنجلترا وإليها على سفن إنجليزية. وهكذا ظل مركز الاقتصاد الصناعي العالمي فترة غير قصيرة في تلك الجزيرة الضئيلة المساحة.

وكانت فرنسا ثانية الدول في ميدان التصنيع؛ فقد ظهرت فيها آثار التطوُّرات الجديدة بعد إنجلترا مباشرةً، ولكن لم يكن الانتقال إلى طرق الإنتاج الجديدة فيها سريعًا وكاملًا كما كان في إنجلترا؛ وذلك لعدة أسباب: منها بطء نمو السكان في فرنسا، وما مرَّت به في تلك الفترة من ثورات وحروب متعددة؛ لهذا لم تبلغ الصناعة في فرنسا في وقتٍ من الأوقات ما بلغته في بريطانيا وألمانيا.

وسارت بلجيكا في اتجاه التصنيع في نفس الوقت الذي سارت فيه فرنسا في الاتجاه ذاته، غير أن الانتقال إلى الصناعة كان فيها أتم، فكانت بلجيكا هي الدولة الأوروبية الوحيدة التي استطاعت أن تساير إنجلترا صناعيًّا في النصف الأول من القرن التاسع عشر.

أما ألمانيا فلم تصبح دولة صناعية إلا في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، فقبل ذلك كان كل تقدُّم اقتصادي فيها يصادف عقبة لا سبيل إلى التغلب عليها، هي افتقار ألمانيا إلى الوحدة السياسية، وقيام الحواجز الجمركية التي كانت تقف في وجه التجارة الداخلية بين ولايات ألمانيا الخمسين، كما كانت ألمانيا ساحة دائمة لكل حرب نشبت في أوروبا، فتركت هذه الحروب في تنظيمها الاجتماعي والاقتصادي أثرًا لم يكن من السهل محوه. وهكذا ظلت الصناعة الألمانية تحمل طابع العصور الوسطى حتى أواسط القرن التاسع عشر. ولكن توقيع اتفاقية الوحدة الجمركية Zollverein ١٨٣٤م كان مقدمة لتوحيد ألمانيا من الناحية الاقتصادية، وكانت الخطوة الحاسمة هي التوحيد السياسي وتكوين الإمبراطورية في عام ١٨٧١م؛ فقد نتجت عن هذا التوحيد دولة ذات موارد طبيعية وفيرة، وخاصة بعد ضم مناطق الألزاس واللورين الغنية بالفحم، وبعد حصول ألمانيا على تعويض مالي ضخم من فرنسا التي خرجت من الحرب السبعينية مدحورة. ولنضف إلى ذلك عوامل أخرى، منها أن الصناعة قد ظهرت في ألمانيا دفعة واحدة، ولم تمر بمراحل التجارِب البطيئة التي مرت بها في إنجلترا، فأمكن استحداث خير طرق الإنتاج، ولم تظهر المقاومة التي كان يُبْدِيها أصحاب الصناعات القديمة في وجه كل تجديد. كما كان تقدُّم علم الطبيعة في ألمانيا من أهم عوامل نهضتها الصناعية، وخاصة في ميادين الصناعات الكهربائية والكيميائية، وسرعان ما سيطرت ألمانيا على الأسواق العالمية في هذه الميادين. وهكذا لم ينتهِ القرن التاسع عشر حتى أصبحت ألمانيا في مقدمة الدول الصناعية في العالم.

ومن أهم الأحداث التي تميَّز بها تاريخ النصف الأخير من القرن التاسع عشر ظهورُ الولايات المتحدة كقوة صناعية كبيرة؛ فقد كانت الولايات المتحدة قبل الحرب الأهلية دولة زراعية قبل كل شيء، ولم تكن تعرف من الصناعة سوى الحرف اليدوية المتأخرة. غير أن تلك الحرب كانت نقطة التحوُّل في تطورها الصناعي؛ ففي خلال سنواتها الأربع كانت الحكومة في حاجة إلى كميات هائلة من الحديد والصلب والذخائر والمنسوجات والأطعمة، فأدَّى ذلك إلى ازدهار الصناعة المحلية في الولايات المتحدة، وخاصة بعد أن عملت الحكومة على حمايتها بفرض تعريفة جمركية مرتفعة، وساد نظام الإنتاج الضخم بعد كشف الموارد الطبيعية الهائلة، كالحديد والفحم والبترول. وكان لظهور الولايات المتحدة كدولة صناعية كبيرة أثره الكبير في تغيير التوازن الاقتصادي بين مختلف الدول، وفي إرجاع إنجلترا من المرتبة الأولى إلى المرتبة الثانية — على الأكثر — في السيطرة الاقتصادية على أسواق العالم.

(٣) المرحلة الاحتكارية في الصناعة

منذ أواخر القرن التاسع عشر — وفي خلال القرن العشرين — طرأت على الصناعة الغربية (ويلاحظ أنها لم تَعُد الآن أوروبية فحسب بعد أن اقتحمت أمريكا الميدان) تطورات هامة، وكان الدافع الرئيسي لهذه التطوُّرات ما لاحظناه من قبلُ من ظهور قوًى صناعية جديدة تقف لمنافسة إنجلترا، وتزاحمها على الأسواق، وما أوضحناه من قبل من أن التطوُّر الاقتصادي الحديث قد جعل من العالم كله وحدة اقتصادية تعتمد أجزاؤها بعضها على بعض، ولا يكتفي جزء منها بذاته اكتفاءً تامًّا. وسوف نرى الآن تأثير هذه العوامل في التطوُّرات التي طرأت على الاقتصاد الغربي في تلك الفترة.

وأهم الصفات التي تميِّز ذلك الاقتصاد في هذه المرحلة الأخيرة صفتان ترتبط كلٌّ منهما بالأخرى: صفة التجمُّع والاحتكار، والنزعة الاستعمارية الحربية. وسوف نتحدث عن كلٍّ من هاتين الصفتين على حدة، موضحين في الوقت ذاته كيف تؤدي كلٌّ منهما إلى الأخرى.

(٣-١) التجمُّع والاحتكار

ازدادت الصناعة تركيزًا منذ الفترة السابقة على الحرب العالمية الأولى مباشرة، وعمل المنتجون على إيجاد نظمٍ جديدة تتفق مع مقتضيات هذا التركيز. ومن هنا ظهر الاتجاه إلى التجمُّع المالي وإلى التركيز الصناعي.

  • (١)
    أما التجمُّع المالي: فهو وسيلة لحشد أكبر قدْر ممكن من رأس المال للقيام بمشروعات ضخمة على نطاق لم يكن معروفًا من قبل. ففي أوائل عهد الصناعة كان رأس المال مقتصرًا على صاحب المصنع وحده؛ فهو الذي يموِّل العمل، وإليه يرجع الربح الصافي في النهاية، وهو الذي يدير المصنع ويوجِّهه؛ لذا كانت معظم المؤسسات الصناعية في تلك الفترة صغيرة إذا ما قُورنت بالمؤسسات الحالية، ولكن الصناعة كانت تسعى إلى المزيد من النمو، ولم تكن موارد صاحب العمل وحده تكفي لتحقيق هذا النمو؛ لهذا ابتُدِعَ نظام يمكِّن من استهلاك رءوس الأموال المتوفرة لدى عدد كبير من الناس، وتحويلها إلى الاستثمار بدلًا من أن تظل متراكمة، وذلك هو نظام الشركات.
    والحق أن نظام الشركات المساهِمة هو نوع جديد من أنواع الملكية،١ فضلًا عن كونه نوعًا جديدًا من أنواع المؤسسات الصناعية أو التجارية، فهو في أساسه نظام يهدف إلى تعبئة الملكيات وتركيزها نحو هدف واحد، وفيه تُركَّز ثروة عدد كبير من الأفراد في وحدات إنتاجية هائلة، وتُترك إدارة هذه الثروة لتوجيه موحَّد، تقوم به فئة قليلة من كبار الماليين ورجال الصناعة، أما بقية أصحاب الأموال فهم في الأغلب شركاء «خاملون»؛ إذ إنهم يقدِّمون رءوس الأموال وينالون قسطًا من الأرباح، دون أن يتدخلوا في إدارة الشركة ذاتها. وهكذا تنفصل ملكية الشركة عن إدارتها، وبينما يكون للشركة عدد كبير من «الملاك»، فإن أصحاب السلطة في توجيهها وإدارتها قليلون. على أن لهذا الانفصال بين ملكية أموال الشركة وإدارتها درجات؛ فهناك شركات يملك شخص فيها أو مجموعة قليلة من الأشخاص الجزء الأكبر من الأسهم، ويُوزع الجزء الباقي على عدد كبير من المساهمين، وعندئذٍ تكون الإدارة في يد هذا الشخص أو هذه الفئة القليلة، وتكاد الملكية والإدارة تتجمعان في يد واحدة، بينما يتمثل الانفصال بينهما لدى بقية المساهمين. وفي أحيانٍ أخرى تملك فئة قليلة نسبة أقل من نسبة ما يملكه جمهور المساهمين، ولكن هذه الفئة تكون من القوة بحيث تستطيع — بحكم مركزها الممتاز — أن تتحكَّم وتوجِّه.

    ولا شك في أن هذا الانفصال بين الإدارة والملكية يضمن توسُّع أعمال الشركة على الدوام؛ إذ يمكن زيادة رأس المال بطرح أسهم جديدة في السوق، ويظل لحملة هذه الأسهم — فيما عدا أعضاء مجال الإدارات — موقف سلبي من إدارة الشركة، بل إنهم لا يمتلكون وسائل الإنتاج ذاتها، وإنما يعهدون بالسيطرة عليها إلى جماعة مركزية يُفْتَرَض أنها تدير ما يملكه مجموع المساهمين لصالحهم، وإن يكن هذا ليس هو ما يحدث في كل الأحوال.

    ذلك لأن الطابع الديمقراطي — الذي يُفترض أنه يُميِّز الشركة المساهِمة من حيث هي وحدة للإنتاج — يكون ظاهريًّا في معظم الأحيان؛ فالذي يحدث بالفعل هو أن المساهمين الصغار إذا نالوا نصيبًا معقولًا من الربح، يتبعون كبار المساهمين كالقطيع، ويخضعون لسياستهم خضوعًا تامًّا. وهكذا نستطيع أن نقول إن مجالس إدارة الشركات المساهمة هي التي تنتخب نفسها بنفسها، وهي التي تسيطر تمامًا على كل عمليات الإنتاج، وتتحكم فيها تبعًا لمصالحها الخاصة؛ أي إن الشركة المساهمة هي في الواقع وسيلة منظمة لتحكم كبار أصحاب الأموال في صغارهم؛ إذ يكتسبون مزيدًا من الأموال لتنفيذ مشروعات واسعة النطاق قد لا تكفي لتحقيقها مواردهم الخاصة، ولكنهم يحتفظون لأنفسهم بالسيطرة العليا في كل الأمور.

    ومن الصفات الأخرى المميزة لنظام الشركات المساهمة خضوعُ الصناعة فيها للممول. ففي هذا النظام تكون الشخصيات الهامة المتحكمة في ميدان الصناعة أناسًا ليست لهم خبرة فنية بالصناعة ذاتها، ولا يشتركون في أية مرحلة من مراحل الإنتاج ذاته، وإنما يشرفون عليه إشرافًا ماليًّا فحسب. وتلعب البنوك نفس الدور الذي تلعبه الشركات المساهمة؛ فوظيفتها في هذه الحالة هي نقل رأس المال ممن لا يستطيعون استغلاله إلى مَن يستطيعون، مع منح أصحابه بعض الأرباح، وهنا تصبح الصلة بين البنك وبين الإنتاج الصناعي وثيقة؛ لأن البنوك تستغل معظم أموالها في مشروعات صناعية، فتتعامل مع شركات مساهمة، أو تنشئ شركات مساهمة خاصة بها. ويتدخل كبار رجال البنوك في عملية الإنتاج الصناعي، فيصبحون هم ذاتهم كبار رجال الصناعة، ويؤدي ذلك إلى ازدياد التركيز الاقتصادي في يد هذه الفئة من كبار الممولين، التي يسعى أفرادها إلى توسيع نطاق العمل واكتساب مزيد من الربح على الدوام، وهذا ما يعلل لنا اتساع نطاق أعمال المؤسسات الصناعية في الفترة الأخيرة على نحوٍ لم يشهد العالم له مثيلًا من قبل.

  • (٢)
    وأما التركيز الصناعي: فله بالتجمُّع المالي اتصال وثيق، ويقسِّمه علماء الاقتصاد عادةً إلى نوعين:
    • تركيز رأسي: تتحد فيه مجموعة من الشركات تمثل مراحل مختلفة لصناعة واحدة وتؤدي كلٌّ منها عملية خاصة من عمليات الإنتاج. ومثل هذه الاتحادات شائعة في الصناعات المعدنية؛ فشركات الحديد والصلب تشرف على كل مراحل الإنتاج من البداية إلى النهاية، بحيث تمتلك مناجم الحديد ومصانع الصلب ومؤسسات بيع منتجات الحديد والصلب.
    • والتركيز الأفقي: يتم بين عدة شركات تنتج كلٌّ منها سلعة واحدة في مرحلة واحدة من مراحل الإنتاج؛ أي إنه يتم بين شركات كانت تتنافس على الأسواق فيما بينها، ثم تدرك أن من مصلحتها أن تعمل على تنظيم المنافسة، أو القضاء عليها باتحادها. ولهذا الاتحاد درجات متفاوتة؛ أولها: اتفاق المنتجين أو الكارتلَّات Cartles، وفيه يتفق المنتجون في الشركات المختلفة التي تُنتِج سلعة واحدة على حفظ الأسعار في مستوًى معين، مع بقاء كل شركة مستقلة عن الأخرى. وثانيها: اتفاق النقابات Syndicates، ويظل فيه للمنشآت استقلالها في الإنتاج، ولكن النقابة تتولى تصريف الإنتاج، وشراء المواد الخام وتحديد نسبة معينة في الإنتاج لا تتعداها كل منشأة. والدرجة الأخيرة من التركيز هي توحُّد الشركات أو الترستات Trusts، وفيها تمتزج المنشآت المنفصلة امتزاجًا كاملًا، فيصبح أصحابها شركاء في شركة واحدة كبيرة، لها إدارة موحدة؛ أي إن المنشآت المستقلة تختفي تمامًا باندماجها في وحدة أكبر.

والمفروض في هذا التجمُّع — بأنواعه المختلفة — أنه يؤدي إلى خفض الأسعار؛ لأن نطاق الإنتاج يتسع إلى حدٍّ كبير. ولكن ما يحدث في واقع الأمر عكس ذلك؛ فهذا التجمُّع يقضي على المنافسة؛ أي يقضي على الحصن الذي يحتمي فيه المستهلك، ولا يعود هناك حائل يحول بين الشركة وبين فرض ما تريد من الأسعار، وبعبارة أخرى: فالتجمُّع يؤدي إلى الاحتكار، والاحتكار يرفع من الأسعار.

والذي لا شك فيه أن تجمُّع الشركات على هذا النحو، وتكوينها اتحادًا قويًّا ذا إنتاج ضخم، يؤدي إلى القضاء على منافسة المؤسسات الصغرى التي تظل خارج هذا الاتحاد، وبهذا يتم الاحتكار. ومع ذلك فليس معنى هذا أن المنافسة قد قُضِيَ عليها تمامًا، وأن الاستقرار قد ساد الأحوال الاقتصادية، أو أن هذا الاستقرار يتخذ صبغة عالمية عندما يتم الاتحاد بين شركات تنتمي إلى دول مختلفة؛ فالذي يحدث بالفعل هو أن المنافسة تظل باقية، وإن كانت تتخذ شكلًا جديدًا؛ فبدلًا من أن تقوم بين مؤسسات مستقلة، تظهر في داخل المؤسسة الواحدة، حين يسعى كل مساهم كبير إلى مزيد من الربح، وإلى السيطرة على أعمال الشركة بأسرها، أو تظهر المنافسة بين اتحادات مركزة فيما بينها، وهنا تتخذ طابعًا مدمرًا، وتؤدي في بعض الأحيان إلى قيام الحروب، وهذا ما سوف نتحدث عنه في الجزء التالي من بحثنا.

(٣-٢) النزعة الاستعمارية والحربية

رأينا كيف أدَّى التطوُّر الاقتصادي الحديث إلى مزيد من التركيز المالي الصناعي، ونتج عنه تكوين اتحادات قوية، يسيطر عليها طائفة من كبار رجال الأعمال الذين يزدادون قوةً على الدوام.

والنوع المميِّز لهذا التطوُّر — كما رأينا — هو الاحتكار. وفي البلاد الصناعية المتقدمة يؤدي انتشار الاحتكار واتساع نطاقه إلى خلق كمية كبيرة من رأس المال الفائض؛ إذ إن الأرباح الهائلة التي يجلبها الاحتكار تبلغ حدًّا لا تعود معه الأسواق المحلية كافية لاستثمارها؛ لهذا تسعى هذه الأموال إلى التسرُّب إلى الخارج لكي تُسْتَغَل في بلادٍ أخرى، وخير مجال لاستغلال رءوس الأموال الفائضة هذه هو ما يُسمَّى في الاصطلاح الاستعماري الحديث باسم «البلاد المتخلفة Backward Countries». فشروط العمل في هذه البلاد خير من شروط العمل في البلاد التي يصدَّر منها رأس المال، وذلك بالطبع من وجهة نظر المستغِل ذاته؛ ففي هذه البلاد تكون الأجور عادة منخفضة، ووقت العمل أطول، والمواد الخام متوافرة لا تُسْتَغَل، والأسواق كافية لتصريف الإنتاج؛ وذلك لضعف المنافسة المحلية أو انعدامها؛ لهذا تعمل الدولة الصناعية المتقدمة على السيطرة اقتصاديًّا على ما تسميه بالدولة المتخلفة، وذلك إما عن طريق الاستعمار والتدخُّل العسكري المباشر، أو عن طريق التدخُّل الاقتصادي والتحكُّم السياسي غير المباشر.

ولنضرب للاستعمار والتدخُّل العسكري مثلًا قريبًا، هو الاستعمار الأوروبي لأفريقيا في الفترة التي سبقت الحرب العالمية الأولى. فمنذ أواسط القرن التاسع عشر، بدأ اهتمام الأوروبيين يتَّجه إلى أفريقيا، تلك القارة المجهولة أو المظلمة كما كانوا يسمونها؛ إذ إن المناطق التي يمكن استغلالها في بقية أرجاء العالم أخذت تقل بالتدريج، بعد أن بسطت إنجلترا سيطرتها على أستراليا والهند، وتحكَّمت هولندا في جزر الهند الشرقية، وكانت إسبانيا تسيطر من قبلُ على كثير من مناطق أمريكا الجنوبية.

وكانت أول مرحلة من مراحل الاستعمار الأوروبي في أفريقيا هي سيطرة الهولنديين على مستعمرة الرأس في القرن التاسع عشر، ثم انسحابهم إلى داخل القارة بعد تسليم المستعمرة إلى الإنجليز، وبدأت بعد ذلك سلسلة من محاولات الاستكشاف، كانت في الوقت ذاته اختبارًا لقابلية مناطق أفريقيا للاستغلال، فسارع الإنجليز بعد كشوف لفنجستون وستانلي إلى التوغُّل في أواسط أفريقيا، والسيطرة على أقاليم متعددة.

ولقد أدت الحرب الأهلية الأمريكية إلى انقطاع موارد القطن عن مصانع النسج والغزل في لانكشير، وتلقَّى أصحاب هذه المصانع من هذه الحرب درسًا قاسيًا، صمموا على ألا يتكرر مرة أخرى. ونستطيع أن نقول إن هذا كان سبب تعجيل الإنجليز باحتلال مصر في سنة ١٨٨٢م، وحرصهم على التوسُّع في زراعة القطن فيها بعد احتلالهم لها مباشرة. وعلى أية حال فبعد احتلال الإنجليز لمصر أصبح نفوذهم يمتد من أقصى شمال أفريقيا إلى أقصى جنوبها. وفي خلال التنافس الدولي على الغنائم؛ احتل الألمان أجزاءً من شرق أفريقيا، واحتل الفرنسيون بلاد المغرب والصحراء الغربية، واحتل الإيطاليون الصومال وإريتريا، وبعد ذلك هاجموا ليبيا وطرابلس واحتلوها بالقوة، واستولت إسبانيا والبرتغال على بعض المناطق، بل إن بلجيكا دخلت السباق بدورها، فاحتلت ما سُمِّي فيما بعدُ بالكونغو البلجيكية.

هذا عن الاستعمار أو التدخُّل المباشر. أما التغلغل الاقتصادي الذي لا يصحبه احتلال عسكري، فيتمثل في ظاهرة تصدير رءوس الأموال؛ إذ تعمل الدول الصناعية المتقدمة على بناء مؤسسات صناعية داخل الدول «المتخلفة»، بعد أن كانت تقتصر على تصدير منتجاتها تامة الصنع إليها. وواضح أن الإنتاج داخل البلاد المتخلِّفة خير من الإنتاج داخل البلاد المتقدمة صناعيًّا ثم تصدير المنتجات إلى البلاد المتخلفة. ففي هذه الحالة الأخيرة تكون شروط العمل داخل البلاد المتقدمة أصعب من وجهة نظر المنتج، فضلًا عن تعرُّض الإنتاج للحواجز الجمركية في البلاد الأخرى؛ لهذا يفضِّل المنتجون تصدير رأس المال ذاته إلى البلاد المتخلفة، أو منحها قروضًا بشروطٍ تكفل لها السيطرة على اقتصادياتها. وسواء أكان شكل السيطرة قروضًا أو رأسمالًا مصدرًا أو احتكارًا للأسواق الداخلية، فإن هذا كله يؤدي إلى قيام صلة وثيقة بين الدولة المصدرة والدولة المستوردة، وتحرص الأولى على استمرار هذه الصلة، ولو أدَّى الأمر إلى تدبير المؤامرات للقضاء على استقلال البلاد المستغلَّة، بحجة حفظ مصالحها فيها.

وهكذا تتسابق الدول الصناعية المتقدمة إلى فرض سيطرتها على الدول «المتخلفة»، وتتنافس في الحصول على الأسواق والمواد الخام. ويقوم بين الدول الرأسمالية الكبرى نوع من تقسيم مناطق النفوذ، بحيث تكون لكلٍّ منها منطقة لا تنافسها فيها غيرها. ولكن هذا الاستقرار لا يدوم طويلًا؛ لأن الخلاف سرعان ما يدُبُّ بينها، فتنشب حروب تنتهي إلى إعادة تقسيم أسواق العالم تبعًا لمصالح الدول المنتصرة. ومن هنا يتضح الارتباط بين نمو الاقتصاد الاحتكاري من جهة، وبين قيام الحروب والاستعمار من جهة أخرى.

ولنطبق هذا القول على حالة واضحة كل الوضوح، هي قيام الحرب العالمية الأولى. ففي الفترة السابقة على تلك الحرب، استولت الدول الاستعمارية على ملايين الكيلومترات من الأراضي، سيطرت على معظمها الدول القديمة في الاستعمار، وهي إنجلترا وفرنسا، ونالت الدول الاستعمارية الناشئة — مثل ألمانيا وإيطاليا — ما تبقَّى من الأولى، وإن كانت الدول القديمة قد أقفلت في وجهها معظم الأبواب، وسيطرت قبلها على خير مناطق الاستغلال. ولما لم تكن هناك أرض حرة لم تبسط عليها دولة استعمارية نفوذها، فقد أصبحت الوسيلة الوحيدة للوصول إلى أسواق جديدة هي انتزاع هذه الأسواق من المستعمرين الموجودين فيها بالقوة، لكي تقسم مناطق النفوذ على أساس جديد، وعلى هذا النحو قامت الحرب.

•••

ولكن هل تعترف الدول المحاربة صراحةً بأنها تحارب من أجل بسط نفوذها الاقتصادي على دول أضعف منها، أو من أجل التغلُّب على منافسة دولة قوية أخرى تنازعها السيطرة على هذه الدول الضعيفة؟ لا شك في أن الشعوب المحاربة ينبغي أن تُدْفَعَ إلى الحرب تحت ستارٍ آخر غير الاستغلال، ولا بُدَّ أن تلهب حماستها فكرة معنوية قوية تحارب من أجلها، هذه الفكرة — التي وجد الاستعماريون فيها دعامة قوية لرغباتهم التوسُّعية — هي فكرة القومية المتطرفة.

ونسارع فنقول إن النزعة القومية — في صورتها السليمة — كانت دائمًا عاملًا من عوامل التقدُّم المستنير، ولكنها في صورتها المرضية المتطرفة، قد ساهمت بنصيب كبير في دعم الروح الحربية، وفي خفض المستوى المعنوي والمادي لشعوب العالم بأسره.

ولقد اشتد تأثُّر الروح القومية بعد التطوُّر الصناعي الحديث، وما نجم عنه من تغيرات اجتماعية وسياسية هائلة؛ فقد أصبحت الحكومات خلال القرن التاسع عشر قوية، تستطيع الإنفاق على جيوش ضخمة مزودة بأسلحة فتاكة، واستغل أصحاب الأعمال هذه الفرصة، فعملوا على تدعيم الشعور بالقومية؛ فقد كان المسيطرون على الحكم منهم أو من الخاضعين لنفوذهم، وكانوا يجنون أرباحًا اقتصادية هائلة في ظل النظام الجديد للدولة، وفي الوقت نفسه يشجعون روح التعصب داخل دولتهم، ويعملون على تنمية الشعور بالكراهية نحو البلاد الأخرى، يعينهم على ذلك ما يسيطرون عليه من أجهزة للدعاية وللتحكم في الرأي العالم، وهم في الحق لا يرمون من بث هذه الكراهية إلا إلى القضاء على منافسة أصحاب الأعمال في البلدان الأخرى.

ومن أخطر الصور التي اتخذتها النزعة القومية تلك الصورة المبنية على الاعتقاد بالتفوُّق العنصري، وقد ظهرت أسطورة الجنس الآري الرفيع عند جوبينو Gobineau، الذي فسَّر تطور الحضارة تفسيرًا عنصريًّا، وحاول أن ينسب كلَّ فضل فيها إلى الجنس الأبيض. وأكد هذه الأسطورة هوستون تشيمبرلين Houston Chamberlain عند الألمان، وكبلنج Kipling عند الإنجليز، غير أن تأثيرها الأكبر — كما هو معروف — قد وقع على الألمان، فكان أبرز مظاهر الانحراف في فهْم القومية، وعن طريق هذا الانحراف وحده يمكننا أن نفسِّر اندفاع الألمان في جيل واحد إلى حربين عالميتين لا مصلحة فيها إلا لكبار المحتكرين من رجال الصناعة في بلادهم.
١  انظر في هذا كتاب: A. A. Berle and C. C. Means: The Modern Corporation and Private Property. Macmillan (London) 1932.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠