الفصل الثالث

البراري

كان الخُلد يتوق شوقًا للقاء الغُرير والتعرُّف عليه. لقد بدا، حسب جميع الروايات، حيوانًا ذا شخصية بارزة مع أنه نادرًا ما يُرى ليترك كل هذا الأثر في نفوس الجميع في المكان، ولكن كلَّما تحدث الخُلد عن أمنيته تلك أمام الفأر، دائمًا ما كانت المماطلة والتأجيل جوابه؛ إذ يردُّ عليه الفأر: «حسنًا أيها الخُلد، سيظهر الغُرير يومًا ما؛ فهو دائمًا ما يظهر، وعندها سأُعرِّفك عليه. إنه أفضل صديق ستُقابله! ولكن عليك ألَّا ترسم عنه صورة في مخيلتك وأنت في رحلة بحثك عنه، ولكن عندما تقابله في الحقيقة!»

قال الخُلد: «ألا يُمكنك أن تدعوَه هنا إلى عشاء أو ما شابه؟»

رد الفأر ببساطة: «لن يَحضر! الغُرير يكره المجتمع، ويمقت بطاقات الدعوات وحفلات العشاء وكل شيء من هذا القبيل.»

اقترح الخُلد قائلًا: «حسنًا إذن، ماذا لو ذهبْنا نحن إليه؟»

رد الفأر في انزعاج: «أوه، أنا على يقينٍ أن ذلك لن يروقَ له مطلقًا! فالغُرير حيوان شديد الخجل، وسيَستاء منَّا إن فعلنا ذلك. أنا لم أفكر قط في المجازفة بزيارته في بيته، مع أني أعرفه معرفة جيدة. أضِفْ إلى ذلك أننا لا نستطيع زيارته. إن هذا خارج مجال النقاش؛ لأنه يسكن بيتًا يقع في وسط البراري.»

قال الخُلد: «حسنًا، هبْ أنه يعيش في وسط البراري، ألم تقل لي أن تلك البراري مكانٌ لطيف لا بأس به؟!»

رد الفأر مراوغًا: «بلى! بالطبع هي كذلك! لكننا لن نذهب إلى هناك الآن، ليس بعد. فالطريق طويل، كما أن الغُرير لا يكون على أيِّ حال في بيته في هذا الوقت من العام، وسيمرُّ علينا يومًا ما إذا انتظرتَ في هدوء.»

كان على الخُلد أن يَقنع بهذه الإجابة، ولكن الغُرير لم يمرَّ عليهما قطُّ. كان كل يوم له متعة خاصة، حتى ولَّت أيام الصيف وحلَّ البرد والصقيع، وأرغمتْهم الطرق المُوحِلة على البقاء في البيت معظم الوقت. أما النهر الفائض فقد أخذَت مياهُه تجري وتتسابق خارج نوافذ المنزل بسرعةٍ عاتيةٍ ساخرةٍ من أي أحد يُحاول ركوب أي نوع من القوارب. وحينها عاد الخُلد يَسبح مرةً أخرى بين أفكاره التي تمحوَرتْ حول ذلك الغُرير الرمادي المُنزوي الذي عاش حياته وحيدًا في جحر بوسط البراري.

في فصل الشتاء، كان الفأر ينام نومًا طويلًا؛ كان يأوي إلى فراشه باكرًا وينهض منه متأخرًا. وخلال أيامه القصيرة تلك، كان أحيانًا يكتب على عجل أبياتًا شعرية أو يقوم ببعض الأعمال المنزلية البسيطة، وبالطبع، كانت هناك دائمًا حيوانات تطرق باب البيت لزيارته والدردشة معه، ثم لا يلبث الأمر أن يتطوَّر ويَبدءوا بقصِّ الحكايات وتداولِ تجارِب الصيف الفائت وكل ما كان به من نشاطات.

لقد كان حقًّا فصلًا غنيًّا بالتفاصيل، إذا تأمل المرء ما حدث فيه، وكل ما كان فيه من لوحات طبيعية وفيرة وزاهية جدًّا. مضى موكب ضفة النهر الاحتفالي المهيب باطراد وهو يقدم مشاهد خلابة يتعاقَب الواحد تلو الآخر في جلال وإبهار. كانت أزهار الفرندل الأرجوانية هي أول المشاركين ظهورًا على المسرح؛ ترى خصلها النَّضِرة الغزيرة والمتشابكة تتراقص على حافة النهر حيث تنعكس صورتها الحسنة على صفحة الماء لتردَّ ابتسامة الأزهار المترفة، وتلتْها بفترة قليلة نباتات السنفية الرقيقة التي تُثير الشجن في النفس كسحابة قرنفلية وقت الأصيل. أما نبات السمفوطن بأزهاره التي يَختلط فيها اللونان الأبيض والأرجواني، فقد تقدَّم إلى الأمام ليستعرض جماله هو الآخر. وفي النهاية وفي صبيحة أحد الأيام، وقفَت زهور النسرين الخجولة والمتأخِّرة بخفة على المسرح، كأنها لحن موسيقي مهيب يَنسجِم مع تمايُل الراقصين ووقع أقدامهم، وحينها عرف المرء أن شهر يوليو قد حلَّ أخيرًا. وبهذا تبقَّى زائر واحد كان يترقَّب الجميع وصوله؛ كان كالراعي الشاب الحسن بالنسبة إلى الفتيات العذارى؛ كالفارس الذي تجلس النساء في انتظاره ليمرَّ بنوافِذِهنَّ؛ كالأمير الذي يُقبِّل أميرة الصيف النائمة ليعيدَها إلى الحياة والهوى مرةً أخرى. إنه نبات إكليلية المروج الذي ما إن وصل أخيرًا، بأريج عطره الفواح ولونه العنبري لينضمَّ إلى الجمع، حتى كان العرض المسرحي على وشك البدء.

ويا له من عرضٍ مسرحي! ولكن الحيوانات الناعسة التي تَنعم بالدفء داخل جحورها بينما يدق المطر على أبوابها وتعصف بها الرياح، كانت تتذكر أوقات الصباح الهادئة قبل شروق الشمس بساعة والضباب لم يَنقشِع بعد ويُغلِّف صفحة الماء تغليفًا محكمًا حين ذهلت عقولها واندهشت لرؤية تباشير الصيف وقد حلَّت، وضفة النهر وقد دبَّت الحياة على جانبيها، وذاك التحول المبهج للأرض وللهواء وللماء؛ حين تسطع الشمس بغتة لتنعم برفقتها مجددًا، فيستحيل كل رمادي إلى ذهبي لامع، وتزهر الألوان وتنبثق من باطن الأرض في ميلاد جديد. وقد كانت تستعيد أيضًا أوقات القيلولة والكسل في منتصف يومٍ حارٍّ وسط الشجيرات الخضراء الوارفة وضوء الشمس يتخلَّل بين غصونها وأوراقها في بقع وأشعة ذهبية صغيرة؛ وذكريات التجديف في القوارب والسباحة في النهر في وقت ما بعد الظهيرة، والتنزُّه بطول الطرقات الترابية وعبر حقول الذرة الصفراء؛ والليالي الطويلة ذات الهواء المنعش، حين يجتمع ثلَّة من الأصدقاء فيتسامَرون ويَتجاذبون أطراف العديد من المواضيع ثم يُخطِّطون للكثير من المغامرات التي ستَنطلق في صبيحة اليوم التالي. كانت الحيوانات تجد الكثير للحديث عنه خلال أيام الشتاء القصيرة هذه عندما تجتمع حول النار التماسًا للدفء، ومع ذلك، كان الخُلد لديه الكثير من الفراغ في يومه. وفيما بعد ظهيرة أحد الأيام، بينما كان الفأر جالسًا على مقعَدٍ ذي مسندَين قرب نار التدفئة ويغطُّ في النوم حينًا ثم يفيق فيُحاول أن يضبط قوافي شِعره التي لا تستقيم معًا، عقد الخُلد العزم على الذهاب إلى البراري واستكشافها بنفسه، وربما صادف السيد غُرير في طريقه وتعرف عليه وصادَقَه.

كان الوقت فيما بعد الظهيرة، والجو بارد والسماء فوق الرءوس مكفهرَّة يملؤها الغمام عندما انسلَّ خارجًا من الردهة الدافئة إلى الهواء الطلق. كان الريف أمامه خاويًا على عروشه والشجر حوله بلا أوراق على غصونه، وظن أنه لم يتعمَّق قبلُ في رؤية باطن الأشياء عن قربٍ كما رآها في هذا اليوم من أيام الشتاء؛ حين تكون الطبيعة غاطَّةً في سُباتها السنوي ويبدو أنها قد خلعت عنها ثيابها. فالغابات الصغيرة والوديان والمحاجر وكل الأماكن المخبَّأة التي كانت تقبع كبؤر غامضة أمام المُستكشفين في أيام الصيف المورقة، هي الآن عارية وقد انكشفَت أسرارها انكشافًا يبعث على الشفقة. كانت كأنها تتوسل إليه أن يغضَّ الطرف عن هيئتها الرثة تلك حينًا من الزمان حتى تستعيد تنكرها البراق وتعود فتخدعه ثانية. كان الوضع بائسًا، ولكن رغم ذلك كان به بعض البهجة التي تشرح الصدر. كان الخُلد سعيدًا أنه قد أحب الريف دون زينةٍ أو ألوان وقد تجرَّد من أناقته المعهودة؛ فقد اطَّلع عليه فرأى عناصره الأساسية أمامه كهيكلٍ عظمي، وقد كانت جميلة وقوية وبسيطة. لم تكن تروقه زهور النفل الرقيقة، ولا تمايل العشْب النامي؛ فقد كان المنظر في عينيه أفضل في غياب سياجات نبات الزعرور ودون غطاء شجر الزان والدردار الكثيف. وبتلك البهجة والروح العالية، انطلق مواصلًا سيره باتجاه البراري التي ترامت أمامه ساكنة ومنذرة بالأخطار، كأنها حيد بحري أسود وسط بحر جنوبي لا موج له.

في بادئ الأمر، لم يكن بالأرجاء شيءٌ يُنذره بالخطر. كانت الأغصان تتكسَّر مُطقطِقةً تحت أقدامه التي تعترضها جذوع الأشجار فتذلُّ أحيانًا، والفطر النابت عند أجذال الشجر بدا له كأنه رسوماتٌ ساخرة أدهشتْه مدة لتشابُهها مع شيء يألفه ولكن بعيدًا كل البُعد عن هنا، ومع هذا كان كل ذلك ممتعًا ومثيرًا. قاده الطريق وتوغَّل حيث قلَّ الضوء وتلاحمت الأشجار واحتضنَت بعضها أكثر فأكثر، وشكَّلت الحُفَر على جانبي الطريق ابتسامات قبيحة.

كان كل شيء هادئًا حتى الآن. بدأ الغسق يلوح في الأفق شيئًا فشيئًا باطراد، كأنه يجمع آخر خيوط النهار المبعثَرة من أمامه ومن خلفه، والضوء ينساب مبتعدًا كمياه الفيضان المنحسرة.

ثم بدأت الوجوه بالظهور من حوله.

كان أول وجهٍ ظن أنه قد رآه يوجد بمحاذاة كتفه وذا ملامح مطموسة؛ كان وجهًا صغيرًا مدبَّبًا كأنه وتدٌ يبثُّ شرًّا ويحدق به من داخل إحدى الحفر. وعندما التفتَ إليه ليُواجِهَه، اختفى ولم يعدْ له وجود.

بدأ يُسرع من وتيرة مشيه وأخذ يحدِّث نفسه مازحًا بألَّا يبدأ بتوهم الأشياء وإلا فسيَتفاقم الأمر ولن يقف عند أيِّ حد. ثم مرَّ بحفرة ثانية، ثم بثالثة وبرابعة، ثم قال: «أجل! لا! أجل! بالتأكيد رأيت وجهًا صغيرًا ذا عينين جامدتَين ظهر فجأة من إحدى الحفر ثم تلاشى.» بدأ يتردَّد ويَرتعِد، فأخذ يُطمئِن نفسه واستجمع قواه ومضى في طريقه بخطوات واسعة. ثم فجأة، بَدا أن كل الحفر قريبها وبعيدها، والتي كان هناك المئات منها، تَمتلئ بالوجوه التي تظهر ثم تختفي بسرعةٍ خاطفةٍ كأنها كانت تفعل ذلك منذ البداية، وجميعها ترمقه بنظرات تملؤها الكراهية والضغينة؛ نظرات حادة وجامدة تبثُّ شرًّا.

ظن أنه لو ابتعد عن تلك الحفر على أحد جانبي الطريق فلن يرى وجوهًا مرة أخرى، فانسل مبتعدًا من الطريق الرئيسي ودخل إلى الجزء غير المطروق من البراري.

ثم بدأ صوت الصفير بالانتشار حوله.

كان صوتًا ضعيفًا وحادًّا جدًّا، وكان يَصدر من خلفه بعيدًا عندما سمعه لأول مرة، وبطريقة أو بأخرى حثَّه الصوت على المضيِّ قُدمًا بسرعة. ثم جاءه الصوت مرة أخرى؛ ضعيفًا وحادًّا جدًّا؛ ولكن هذه المرة من أمامه، فتحير وتلجلج وأراد العودة إلى الخلف. وبينما هو واقف مكانه في حيرته، انطلق الصوت من كلا الجانبَين، وبدا أنه يدوي ويَنتشر في كل مكان على طول البراري حتى أقصى أطرافها. لقد بدا بوضوح أن أصحاب هذا الصفير، أيًّا ما كانوا، يَقِظون ومتأهِّبون، وكان هو وحيدًا أعزلَ وبعيدًا عن سبُل العون والمساعدة، والليل يُسدل ستائره على المكان.

ثم بدأ صوت الدبيب بالارتفاع من حوله.

ظن في البداية أن هذا الصوت الطفيف والرقيق كان صوت الأوراق المتساقطة، ثم أخَذ الصوت يَرتفع وصارت له وتيرة مُنتظِمة، عندها أيقن أن ذلك الصوت ما هو إلا إيقاعٌ لدبيب أرجل صغيرة على مَبعدة منه، ولكن هل هذا الصوت قادم من الأمام أم الخلف؟ تَراءى له أنه قادم من أمامه؛ لا، بل من خلفه، لا من كلا الاتجاهين. ارتفع الصوت وتضاعفَت قوَّتُه وصار يَصدُر من كل اتجاه حوله، وأخذ يسمعه باضطراب وقلق، ويتلفَّت يمنةً ويَسرةً وقد تأكَّد أن ذلك الصوت يقترب مضيِّقًا الخناق عليه. وبينما هو متحجِّر في مكانه مُسترقٌ السمع، خرج أرنب من بين الأشجار يعدو راكضًا باتجاهه. انتظر الخُلد مكانه متوقعًا أن يُبطئ الأرنب من سرعته أو يُغيِّر اتجاهه راكضًا في مسار مختلف بعيدًا عنه، ولكن أيًّا من ذلك لم يحدث. كاد ذلك الحيوان أن يوقعه على الأرض وهو يمرُّ بجانبه محتكًّا به، وكان وجهه جامدًا دون أي ملامح وعيناه جاحظتَين وقال: «اهرب من هنا، أيها الأبله! انجُ بنفسك!» سمعَه الخُلد يُتمتِم بهذا وهو يدور حول جذل شجرة ثم يختفي داخل جُحر بَدا مألوفًا له.

ازداد صوت الدبيب حتى صار كأنه وابل من الثلج انهال فجأة على ذلك البساط الجاف مِن أوراق الأشجار حوله. بدا له أن البراري كانت كلها تجري وتركض الآن؛ تركض بقوة لتَصطاد وتُطارد وتَقترب لتُطبِق على شيء ما — أو حيوانٍ ما! أصاب الذعر الخُلد، وبدأ هو الآخر يَركض ولكن بلا هدف؛ لا يعلم إلى أين السبيل. كان يركض قافزًا فوق أشياء لا يعرف ماهيتَها، ويَهوي فوق أشياء تارة وبداخلها تارة أخرى، وكان يَزحف من تحت أشياء ويُناور من حولها، وفي النهاية لجأ إلى تجويف عميق ومُظلم بداخل شجرة من أشجار الزان، وجد فيه حصنًا وسترًا؛ وربما أمانًا، ولكن من يَدري؟ على أي حال، كان الخُلد قد أنهكه التعب ولا يقدر على الركض لأبعد من هذا، بل كان كل ما يَستطيعه هو أن يجمع أطرافه ويتدثَّر بتلك الأوراق الجافة التي انجرفَت إلى داخل التجويف آملًا أن يكون في مأمنٍ لبعض الوقت. كان يُنصت إلى أصوات الصفير والدبيب بالخارج، بينما هو راقد داخل التجويف يلهث ويرتجف، وقد أدرك ما الذي يحدث حوله أخيرًا، أدركه إدراكًا تامًّا لا لبس فيه؛ فهذا هو الفزع الذي عايَشه من قبل كل سكان الحقول وسياجات الأشجار من الحيوانات الضئيلة ممَّن جاءوا إلى هنا ووصفوه بأنه أحلك لحظات حياتهم؛ تلك التجربة التي حاول الفأر عبثًا أن يَحميَه من خوضها؛ إنها بلا شك «أهوال الحياة في البراري»!

في الوقت ذاته، كان الفأر، الذي كان مُستريحًا ومستدفئًا بنيران المدفأة داخل بيته، قد غلبتْه سِنَة من النوم وانزلقت الورقة التي كتب عليها أبياتًا لم ينتهِ بعد من ضبط قافيتها من على ركبته، وتدلَّى رأسه للخلف، وفتح فاه، وكان يتجول على الضفاف الخضراء الوارفة لنَهر أحلامه. ثم سقطت قطعة من قطع الفحم وعلا أجيج النار وطقطق الحطب المشتعل فارتفع لهيب النار واستيقظ الفأر على إثر ذلك منتبهًا. تذكَّر ما كان مشغولًا به قبل أن يغط في النوم، ومد يده ليلتقط ورقة أشعاره من على الأرض وطالَعها لبرهة، ثم نظر حوله باحثًا عن الخُلد ليسأله إذا ما كان يُمكنه ضبط قافية أحد الأبيات.

ولكن كان لا يُوجَد أي أثر للخلد.

أنصتَ لبعض الوقت، ولكن المنزل كان هادئًا وساكنًا.

ثم نادى عليه «يا خلدود!» عدة مرات، ولكن كان الصمت جوابه في كل مرة، فنهض واقفًا وخرج إلى صالة المنزل.

لم تكن قَلَنْسُوة الخُلد معلَّقة على مشبكها المعتاد، وخُفَّا الشتاء اللذان كانا يرقدان دائمًا بجانب سلة المظلات كانا قد اختفَيا أيضًا.

غادَرَ الفأر المنزل وأخذ يفحص الطبقة الطينية للأرض بالخارج بعناية آملًا أن يتمكَّن من اقتفاء آثار أقدام الخُلد. وقد كانت آثار الأقدام تقبع واضحة على السطح. كان خُفَّا الشتاء جديدَين، قد اشتراهما مع بداية أيام الفصل، وكانت حبيبات نعلهما ما زالت جديدة وحادة. كان يرى آثارهما على الطين، آثارًا تُنبئ بأنه كان يركض إلى الأمام وراء هدف ما دون تردُّد؛ كان يشق طريقه إلى البراري.

تجهَّمَ بشدةٍ وجهُ الفأر ووقفَ غارقًا في أفكاره لدقيقةٍ أو دقيقتين، ثم رجع إلى منزله وشدَّ حزامًا حول خصره وثبَّت فيه زوجًا من المسدَّسات، وتأبَّط نبوتًا سميكًا كان في ركن الصالة، وشرع في رحلته باتجاه البراري بنشاط ورشاقة.

كان الغسق على وشك الحلول عندما وصَل الفأر إلى أول صف من أشجار البراري، والتي اقتحمها دون تلكُّؤ وهو يبحث بتلهُّف عن أي علامة على جانبي الطريق تدله على صديقه. كانت هناك وجوه صغيرة يملؤها الشر تنبثق من الحفر ولا تلبث أن تَختفيَ هاربة عند رؤيتها لذلك الحيوان الشجاع ومسدسَيه ونبوتِه الضخم الذي يقبض عليه بيده. أما أصوات الصفير والدبيب التي سمعها بوضوحٍ مع أول قدم له داخل البراري، فقد خمدت ولم تعد تُسمع وكان كل شيء ساكنًا كالقبور. شق طريقَه ببسالةٍ بطول البراري حتى وصل إلى أبعد حافة لها، ثم هجر كل الطرق المعبَّدة التي قطعها وبدأ يفحص أرض البراري كلها، فحصًا مضنيًا وهو يُنادي بنبرة عطوفة: «يا خلدود! يا خلدود! أين أنت يا خلدود؟ إنه أنا؛ صديقك الفأر!»

ظل يجوب أرجاء البراري في صبرٍ لساعةٍ أو يزيد، عندما سمع أخيرًا صوتًا ضعيفًا أبهجه يرد عليه. أخذ يتتبَّع الصوت وهو يسير وسط الظلام المتراكم حتى وصل إلى جذع شجرة زان مُعمَّرة وبها تجويف كان يصدر من داخله صوت واهن يقول: «فأرون! أهذا أنت حقًّا؟»

انسلَّ الفأر داخل التجويف وهناك وجد الخُلد منهكًا وما زال جسده يرتعش، ثم انفجر في البكاء: «يا إلهي أيها الفأر، لقد كدتُ أموت من الخوف. أنت لا تتصوَّر ما حدث!»

رد الفأر بصوت حنون وقال: «لا عليك! أنا أتصوَّر ما حدث! كان عليك ألا تذهب وتأتي إلى هنا يا خلد. بذلتُ قصارى جهدي لأبقيكَ بعيدًا عن البراري؛ فنحن، ساكني الضفاف، نادرًا ما نأتي إلى هنا بمفردنا. وإذا اضطررنا أن نأتي، فلا نأتي إلا أزواجًا على الأقل، وحينها نكون بخيرٍ عادة. وفوق ذلك كله، هناك المئات من الأشياء التي يجب على المرء أن يعرفها؛ تلك الأشياء نعرفها نحن ونفهمها، بينما أنت ما زلت لا تعرف عنها شيئًا بعد. أعني بهذه الأشياء؛ كلمات مرور وإشارات، وعبارات لها قوة وتأثير، ونباتات تحملها معك في جيبك، وكلمات تُردِّدها بلسانك، ومناورات وخدع تتدرَّب عليها. كل ذلك يبدو سهلًا عندما تعرفه، ولكنه واجب المعرفة إن كنت صغير الحجم وإلا فستضع نفسك في مأزق. بالتأكيد لو كنت ثعلب الماء أو الغُرير، لاختلف الأمر تمامًا.»

تساءل الخُلد وقال: «بالتأكيد لن يُبالي العُلجوم الشجاع بأن يأتي إلى هنا وحده، أليس كذلك؟»

قال الفأر وقد أخذ يَضحك بانشراح: «العُلجوم العجوز؟ إنه لا يقدر أن يخطو خطوة هنا منفردًا ولو مقابل صرة من العملات الذهبية. إنه لا يقدر أبدًا!»

ابتهج الخُلد وانفرجت أساريره من صوت ضحك الفأر غير المبالي وبمنظر هراوته ومسدسَيه البراقين، وتوقف جسده عن الارتعاش وبدأ ينساب إليه إحساس بالجسارة وبدأ يعود إلى طبيعته مرة أخرى.

قال الفأر: «أما الآن، فعلينا أن نجدَّ ونمضي معًا عائدين إلى البيت بينما ما زال هناك ضوء ولو قليلًا في السماء. فلن يكون أمرًا محبذًا أن نبيت ليلتَنا هنا، وأنت تفهم ما أعنيه؛ فالجو بارد جدًّا على سبيل المثال.»

قال الخُلد المسكين: «أنا آسف يا فأروني العزيز! ولكني ببساطة منهوك القوى، تلك هي الحقيقة. عليك أن تدعني أرتاح هنا مدة أطول لأستعيد قواي؛ هذا إن كنت تريدنا أن نذهب إلى البيت هذه الليلة.»

رد عليه الفأر الطيب بدماثة خلق: «لا بأس. لقد حل الظلام الآن على كل حال، وسوف يسطع ضوء القمر عما قريب.»

افترش الخُلد الأوراق الجافة وتدثَّر بها جيدًا ومدَّ جسده وغط في نوم، لكنه نومٌ قلق ومضطرب. بينما اضطجَع الفأر وغطَّى نفسه هو الآخر بالأوراق مستدفئًا قدر ما استطاع، وانتظر في صبر ممسكًا في كفه بأحد المسدسَين.

عندما استيقظ الخُلد أخيرًا، كان أكثر انتعاشًا وقد استعاد طبيعته وقواه، قال له الفأر: «حسنًا إذن! سأُلقي نظرة لأرى إن كان كل شيء هادئًا، بعدها علينا أن نَمضي في طريقنا!»

ذهب إلى مدخل المأوى وأخرج رأسه، ثم سمعه الخُلد وهو يُحدث نفسه قائلًا: «مرحبًا! مرحبًا! أهلًا وسهلًا!»

سأله الخُلد: «ماذا هناك يا فأرون؟»

رد الفأر باقتضاب: «الثلج في كل مكان ويتساقَط بغزارة.»

أتى الخُلد وربض بجانبه ونظر خارجًا فرأى البراري التي كانت أرضًا للرعب والفزع من قبل وقد تغيَّرت تمامًا. فالحفر والتجاويف والبرك والشراك وجميع الأخطار الأخرى المحدقة بالعابرين كانت تَختفي بسرعة، وجيش لامع من الجنيات كان يظهر ويُغطِّي كل مكان كأنه بساط ناعم يغري تلك الأقدام الخشنة أن تخطو عليه. ملأ مسحوقٌ رقيق الهواء من حولهما، مسحوق يداعب الخدود بوخزةٍ لطيفةٍ بينما يلمسها، وتوهجت جذوع الأشجار القاتمة بضوءٍ بدا أنه يشعُّ من الأسفل.

قال الفأر بعد أن فكَّر مليًّا: «حسنًا، حسنًا، لا مفر لنا! أظن أن علينا أن ننطلق الآن ونفعل ما في وسعنا رغم كل شيء. إن أسوأ ما في الأمر هو أني لا أعرف أين نحن بالتحديد، والثلج يُغطِّي كل شيء ويجعله مختلفًا تمامًا.»

كان الثلج يجعل بالفعل كل شيء يبدو مختلفًا! فالخُلد لم يكن ليعرف أبدًا أنها البراري ذاتها التي جاء إليها قبل ساعات. انطلَقا بإقدام وسارا في الطريق الذي بدا أنه قد يُوصلهما لما يسعيان إليه، وهما يشدَّان من أزر بعضهما ويتصنَّعان في مرح أنهما قد رأيا صديقًا قديمًا في كل شجرة مرَّا عليها وحيتهما في صمت وعبوس، أو قد رأيا الحُفَر أو الفجوات أو الممرات وقد بدَتْ مألوفة أكثر بالنسبة إليهما. كانا يتصنَّعان المرح وسط رتابة الأراضي البيضاء وجذوع الأشجار السوداء التي تأبى أن تنتهي.

مرت ساعة أو اثنتان، وكانا قد فقَدا كل إحساس بالوقت، وتوقَّفا جانبًا في إرهاق وقد ثبطت همَّتهما وكانا تائهَين يتخبَّطان في الدروب بلا هادٍ. جلَسا على جذع شجرة مقطوعة يلتقطان أنفاسهما ويتشاوَران فيما سيفعلانه. كانا يئنَّان من الألم والإرهاق، والكدمات تملأ جسدَيهما شاهدة على عثراتهما؛ فقد وقعا في حفر كثيرة وابتلَّا خلال الطريق. كان الثلج كثيفًا حتى إنهما كان يجرَّانِ أرجلهما بصعوبةٍ خلال مشيهما وسطه. أما الأشجار فقد بدتْ أسمكَ وأغلظ وتشابهَت عن ذي قبل؛ فلم يعدْ بينها أي فرق. بدت البراري رتيبة وسرمدية، لا نهاية لها ولا بداية، وأسوأ ما فيها أنه لا سبيل لمغادرتها.

قال الفأر: «لا يُمكننا الجلوس هنا طويلًا! علينا أن نكمل طريقنا مرة أخرى وأن نُحاول أن نجد حلًّا ما. إن البرد قارص ولا يشجع على فعل أي شيء والثلج قريبًا سيكون أعمق ولن نستطيع أن نخوض فيه.» ثم دقَّق النظر فيما حوله وتفكر قليلًا ثم أكمل حديثه قائلًا: «اسمعني جيدًا! خطر ببالي فكرة. هناك مكان أشبه بوادٍ صغير أمامَنا، حيث الأرض تبدو جبلية ومُنحدِرة وكثيرة الروابي. سنشقُّ طريقنا إلى هناك ثم نبحث لعلنا نجد لنا مأوًى من الثلج والرياح في كهف أو حفرة لها قعر جاف، لنستريح قليلًا قبل أن نُحاول السير مرة أخرى؛ فنحن الآن منهوكا القوى. وحينها؛ ربما يَنحسِر الثلج أو يجدُّ جديد!»

وقفا مجددًا على قدمَيهما وتقدما بصعوبة وجهد تجاه الوادي الصغير حيث كانا يُفتشان عن كهف أو بقعة منزوية جافة تكون لهما وقاءً من الرياح الشديدة والثلج المتساقط. كانا يبحثان في إحدى الروابي التي أشار الفأر إليها، عندما تعثر الخُلد فجأة وسقط على وجهه وصرخ صرخة طويلة وحادة.

صرخ قائلا: «آهٍ يا رجلي! يا لقصبة ساقي المسكينة!» ثم جلس على الثلج يتحسَّسها ويدلكها بكفيه الأماميتين.

قال الفأر بعطف: «يا صديقي الخُلد المسكين! من الواضح أنك لم يكن لديك الكثير من الحظ الحسن اليوم، أليس كذلك؟ دعني أُلقِ نظرة على ساقك. على مهلك!» ثم نزل على ركبتَيه ليرى ما أصابه ثم قال: «لقد جرحت قصبة ساقك، هذا مؤكَّد. انتظر هنا ريثما أخرج منديلي وسأضمد به ذلك الجرح.»

قال الخُلد ببُؤس شديد: «لا بد أنني قد تعثرت في غصن خفي أو جذل شجرة! يا ويلي! يا ويلي!»

قال الفأر وهو يفحص الجرح مرة أخرى بحرص وعناية: «هذا جرح قطعي، لا تُحدِثه الأغصان ولا جذول الأشجار! يبدو أنك قد جرحت بحافة معدنية حادة لشيء ما! هذا غريب!» أخذ يفكر في الأمر لبرهة ثم فحص المنحدرات والمرتفَعات من حولهما.

قال الخُلد وقد تلعثم ونسي قواعد اللغة من شدة الألم: «لا تَشغل بالك بما تسبب في الجرح! فالألم ما زال هو نفسه، بصرف النظر عما تسبَّب في حدوثه.»

ولكن بعد أن ضمَّد الفأر ساق الخُلد جيدًا بالمنديل، تركه وانشغل في نبش الثلج والبحث فيه. كانت أرجله الأربعة تعمل بانهماك في الحفر والكشط والاستكشاف، بينما الخُلد يجلس منتظرًا وقد نفد صبره وضاق صدره فأخذ يصيح بالفأر بين الحين والآخر قائلًا: «ما الذي تفعله، أيها الفأر؟!»

صرخ الفأر فجأة وقال: «مرحى! مرحى، مرحى، مرحى!» وبدأ يرقص رقصة واهنة وسط الثلج.

سأل الخُلد وقال وهو ما زال يدلك ساقه: «ماذا وجدت يا فأرون؟»

قال الفأر مبتهجًا وهو ما زال يرقص: «تعالَ وشاهد بنفسك!»

قام الخُلد وأخذ يعرج حتى وصل إلى حيث يرقص الفأر وألقى نظرة فاحصة.

ثم قال أخيرًا ببطء: «حسنًا! أنا أراها بشكل جيد. رأيت هذه من قبل عدة مرات. أنا أراها شيئًا مألوفًا؛ إنها مكشطة أحذية! ماذا بها إذن؟ ما الذي يجعلك تتراقص فرحًا بسبب مكشطة أحذية؟»

صرخ الفأر من فوره وقال: «ولكن ألا ترى ما الذي تعنيه أيها … أيها الحيوان الأبله؟»

رد الخُلد وقال: «بلا شك أرى ما الذي تَعنيه. ببساطة تعني أن حيوانًا طائشًا ومهملًا ترك مكشطة الأحذية خاصته ملقاة في وسط البراري فقط ليتعثَّر فيها كل من دبَّ على الطريق. أراه فعلًا أرعنَ وأهوجَ! وعندما أصل إلى البيت، سأذهَب وأشتكي أمره ﻟ… لجهةٍ ما! سأفعل هذا بكل تأكيد!»

صرخ الفأر وقد يئس من غبائه: «يا عزيزي! يا عزيزي! توقَّف عن الثرثرة وتعالَ وابدأ بالحفر!» ثم شرع في العمل مجددًا وبدأ الثلج يتطاير حوله في كل اتجاه.

وبعد بعض العناء، كُللت جهود الفأر بالنجاح، وظهرت ممسحة أرجل مهترئة جدًّا أمامهما.

سأل الفأر في فرحة وانتصار: «انظر هناك! ألم أقل لك؟»

رد الخُلد بتلقائية شديدة وبصدق وقال: «أنت لم تقلْ لي شيئًا مطلقًا!» ثم أكمل: «والآن، يبدو أنك وجدت قطعة أخرى بالية من الأثاث المنزلي وقد رُميَت بعيدًا، وأرى أنك تطير فرحًا بهذا الاكتشاف. هيا! قم وارقص حول هذه القطعة أيضًا إن كنت تريد لنَنتهي من أمرها، وحينها ربما نمضي في طريقنا دون أن نضيع وقتًا أطول في البحث في أكوام المخلفات. أترى أننا يمكن أن «نأكل» ممسحة أرجل؟ أم هل يُمكننا النوم تحتها؟ أو حتى أن نجلس عليها ونتزلج على الثلج حتى نصل إلى البيت؟ أيمكننا أيها الحيوان القارض المزعج والمثير للغضب؟»

صرخ الفأر في دهشة: «هل — تقصد أن — تقول إن ممسحة الأرجل تلك لا توحي إليك بأي شيء؟»

قال الخُلد بحدة: «حقًّا يا فأر! كنت أظن أننا اكتفَيْنا من تلك الحماقات. أسمعت عن ممسحة أرجل توحي لأحد بأي شيء؟ ممسحة الأرجل لا تفعل هذا. هي ليست ممن يفعل هذا مطلقًا. ممسحة الأرجل تعرف وظيفتها جيدًا!»

رد عليه الفأر وقد انتفخت أوداجه غضبًا: «اسمعني جيدًا أيها … أيها البهيمة البليدة الذهن! توقَّف عن الكلام، لا تنبس بكلمة أخرى ولا تفعل شيئًا غير الحفر! احفر وانبش واكشط وابحث جيدًا حولك، وخصوصًا عند جوانب الروابي إذا أردتَ أن تنام الليلة في مكان جاف ودافئ؛ فهذه هي فرصتنا الأخيرة!»

ثم هجم الفأر بحماسة على ركام من الثلج بجانبه، وأخذ يضرب بنبوتِه في كل مكان ثم يحفر والشرر يتطاير من عينيه. كان الخُلد منهمكًا في الحفر أيضًا، ولكنه كان يفعل ذلك لا لسبب آخر غير إرضاء الفأر؛ فقد كان يظن أن صديقه قد بدأ يفقد رشده وعقله.

بعد عشر دقائق من العمل الشاق، اصطدم مقدم نبوت الفأر بشيء بدا أجوف. أخذ يحفر حتى وصلت كفُّه إلى ذلك الشيء وتحسسته، ثم نادى على الخُلد ليُساعده. بذل الحيوانان قصارى جهودهما، حتى برزت أخيرًا نتيجة كدِّهم على مرأى من الخُلد المندهش الذي كان حتى تلك اللحظة في ارتياب مما يفعله الفأر.

بجانب ذلك الشيء الذي بدا كأنه مُنحدَر ثلجي، كان هناك باب صغير ومصمَت مطليٌّ باللون الأخضر الداكن، وعلى جانب الباب مدقة جرس حديدية، وتحت الجرس كانت هناك لوحة نحاسية صغيرة نُقش عليها بخط جميل وبحروف واضحة ما يلي، والذي انعكس عليه ضوء القمر فتمكنا من قراءته: «السيد غُرير».

سقط الخُلد أرضًا على ظهره من فرط المفاجأة والسعادة، وصاح في ندم: «يا فأر! أنت أعجوبة! صدقني أنت حقًّا أعجوبة! لقد اتضح كل شيء الآن! أنت أنعمت التفكير في الأمر؛ خطوة بخطوة، منذ أن تعثرتُ أنا وجرحت قصبة ساقي وأتيتَ وفحصتَ الجرح، ثم أوحى إليك عقلك العبقري: «أنها مكشطة أحذية!» ثم ذهبت لتبحث عن تلك المكشطة التي جرحتني! ولكن هل تتوقَّف عندئذ؟ أبدًا. كان البعض ليكون فرحًا وراضيًا؛ لكن ليس أنت. انهمكت قواك العقلية في التفكير، ثم قلت لنفسك: «لأبحث أولًا عن ممسحة أحذية لتَكتمل أركان نظريتي!» وبلا شك وجدت ممسحة الأحذية؛ فأنت بارع حَذِق وأنا أؤمن أنك تستطيع أن تجد أي شيء تريده. ثم قلت لنفسك: «والآن، أنا أستطيع أن أتخيَّل الباب كأنه يقبع أمامي! لا شيء آخر أمامي إلا أن أجده!» لقد قرأت عن تلك المهارات العقلية الفذة في الكتب، ولكني لم أرَها في حياتي مطلقًا ولو مصادفة. صدقني، مكانك ليس هنا، وسطنا نحن هذا الغمر من الحيوانات العادية؛ يجب أن تذهب إلى حيث تُقدَّر قيمتك وتُعرَف أهميتك! لو كان لديَّ عقل مثل عقلك يا فأورن …»

قاطعه الفأر دون مراعاة لمشاعره وقال: «ولكن بما أنك لا تَمتلكه، فأظن أنك ستظل جالسًا على الثلج تُثرثر طوال الليل، أليس كذلك؟ قم الآن وأمسك بمدقة الجرس الموجودة هناك واجذبها بقوة؛ بكل ما أوتيتَ من قوة، بينما أنا أطرق على الباب بالنبوت!»

بينما انهال الفأر بنبوته على الباب، كان الخُلد قد قفَز واقفًا وتعلق بمدقة الجرس وأخذ يجذبها حتى إن قدمَيه كانتا لا تلامسان الأرض تقريبًا. ثم سمعا من مكان بعيد صوت جرس خافتًا وعميقًا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠