من هو الرجل المثقف

كان الرئيس ولسون رجلًا مثقفًا درس الكتب وخبر الدنيا، كان مديرًا لجماعة برنستون ينظم الثقافة لشباب الولايات المتحدة، ثُمَّ كان رئيس للجمهورية في سني الحرب، فحاول جهده أن يصون السلم ولكنه اضطر أخيرًا إلى الحرب، فلما انتهت — أو قبل أن تنتهي — وضع الشروط الأربعة عشر التي كان «تقرير المصير» للأمم الصغيرة واحدًا منها، وهو شرط قد انتفعنا نحن به في حركة ١٩١٩، ثم كان أثر ولسون كذلك كبيرًا في إيجاد عصبة الأمم، بل هي من مبتكرات ذهنه الخصيب المثقف.

فإذا تكلَّم الرئيس ولسون عن الثقافة، ما هي وكيف تكون، ومن هو الرجل المثقف؛ فإنه لا يتكلم باعتباره رجل القلم والحبر فقط، بل أيضًا رجل السياسة العالمية والخبرة الدنيوية، ثم هو رجل مثقف قد أثمرت فيه خير ثمراتها، إذ جعلته إنسانًا إنسانيًّا يطلب الدنيا كلها وطنًا له ويسعى للسلام وينشد الحماية للأمم الصغيرة من الأمم الكبيرة، فإذا قسناه باختباراته الماضية ومؤلفاته في الجامعة، أو بما انتهى إليه من الشروط الأربعة عشر، أو اختراع عصبة الأمم؛ فإننا نجد فيه أجمل مثال للرجل الشريف المثقف، والسبب لا نخطئ إذا نحن اعتمدنا عليه في صفة الرجل المهذب، فهو حين يصفه إنما يصف نفسه.

وضع الرئيس ولسون أربعة شروط للرجل المهذب هي:
  • (١)

    أن يعرف تاريخ العالم منذ بداية الكون، فنشأة الحضارة، إلى الآن.

  • (٢)

    أن يعرف تاريخ الأفكار السائدة التي يسير عصرنا على مبادئها.

  • (٣)
    أن يعرف علمًا من العلوم في المعنى الذي يطلق عليه اسم Science في اللغات الأوروبية.
  • (٤)

    أن يعرف لغة ما، وخير اللغات التي يعرفها هي لغته التي نشأ عليها.

•••

هذه هي الشروط الأربعة للرجل المهذب أو الرجل المثقف كما يراها الدكتور ولسون، ويمكن كلًّا منا أن يسأل نفسه: هل أنا مهذب لم أستوفِ غير شرط أو شرطين من هذه الأربعة؟

ولكن ربما يتساءل بعضنا: لماذا هذه الشروط الأربعة ولماذا لا تكون عشرة أو سبعة؟ فالجواب أن الدكتور ولسون قد اختار الأهم قبل المهم، واختار الأساس قبل الجدار، والأعم قبل الأخص، ونستطيع أن نبين أهمية هذه الشروط بالشرح القليل؛ فإن الذي يطلبه الرئيس ولسن أن تثمر هذه الثقافة التي يحددها في هذه الشروط رجلًا صالحًا في العالم بارًّا بالإنسانية، وهو يبرزها في ذهن نير، ثم يجب أن يفهم مبادئ الحضارة الحديثة، ولا يعارض تقدمها، بل عليه أن يكون عضوًا عاملًا في تقدمها.

  • فالشرط الأول: أن يعرف الرجل المهذب تاريخ العالم، كيف نشأت الحياة الأولى على الأرض، ثم تطورت رويدًا رويدًا حتى ظهرت فيها أنواع من النبات والحيوان ينقرض بعضها ويبقى بعضها، وهي في خلال هذا التطور تنهض وتنتكس، إلى أن ظهر الإنسان (وهو مع ذلك ليس ختام الدراسة إذ هو جسر تعبر عليه الحياة كي تصل إلى طراز أعلى منه)، ثم كيف تسلط على غيره، إلى أن استطاع أن يخترع الحضارة الأولى على ضفتي هذا النهر المبارك، نهر النيل.

    ثم كيف نشأت الحضارة، وتطورت، وهي تعاني مظالم الكهنة والمستبدِّين ورزء الحروب وبلايا القحط والوباء، وفي خلال ذلك يكتشف هذا الإنسان الأول أن له ضميرًا وأن حبه لأمه وزوجته وأولاده يتسع حتى يصير حبًّا للبشر جميعهم.

    وجدير بهذا الذي يدرس تاريخ العالم أن يحس أنه ابن العالم وأن البشر إخوة، وأن الحرب جناية، ثم هذا العرض لتاريخ الدنيا يكسبنا فكرة التطور، ثم مزاج التطور؛ لأن الدنيا لم تكن قط على حال واحدة؛ إذ هي تتغير، ويجب أن تبقى في هذا التغير، ثم هذا التاريخ إذ بعث في نفوسنا الاطمئنان من ناحية البر والخير في نفس الإنسان؛ فإنه يبعث الشك والتوجُّس من ناحية النظم الاجتماعية التي انتهت مرة بل مرات بالعصور المظلمة، وما أدرانا فلعلنا هذه الأيام على وشك الدخول في عصر مظلم، فلا أقل من أن نعرف علاماته، ونحتاط بدرس تاريخ العالم، ونميز بين سيادة العقيدة الحزبية وسيادة الرأي الجدلي، أو الفرق بين المعرفة التي تقوم على البينة وبين العقيدة التي تقوم على التسليم، ثم هذا الدرس لتاريخ العالم يعين لنا سمات الحضارات المتعاقبة وألوان الجودة والرقي فيها إلى أن تنتهي إلى الحضارة الصناعية القائمة.

  • والشرط الثاني: للرجل المهذب أن يعرف تاريخ الأفكار السائدة سواء أكانت سياسية أو علمية، فنحن في عصرنا الحاضر نسير بقوة آراء تسوقنا وترسم لنا خططًا وغايات، فيجب أن نعرف تاريخ هذه الآراء، والجهود التي بُذِلَتْ في سبيل تحقيقها، والقوات الخفية التي تسوقها.

    فهناك هذا الرأي أو الفكرة القائلة بالديمقراطية كيف وأين نشأت وما قيمتها، وما دلالتها، وهل يجب أن تموت أو تعيش؟ ثم ما هي قيمة الحرية الفكرية، أو التسامح الديني، أو فكرة الدستور، أو غير ذلك في الأفكار والآراء التي غاص الناس من أجل تحقيقها في بحار من الدماء؟ وهل كانت جهودهم حسنة أدَّت إلى خدمة البشر؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل هي تستحق العناية من المستمتعين بها والجهد لصيانتها، أم تترك للمستبدين والجامدين والرجعيين كي يمحوها من لوح التاريخ البشري.

    وهذه الأفكار أو الآراء التي تسود الحضارة الراهنة لا تكاد تحصى؛ فإننا نؤمن مثلًا بفكرة الجامعة للتعلم، وفكرة التعاون للعمال، وكذلك بفكرة النقابة، كما نؤمن بحرية المرأة. وفكرة «تقرير المصير» هي إحدى هذه الفكرات الخصبة المثمرة.

  • والشرط الثالث: للرجل المهذب أن يعرف علمًا من العلوم الحديثة؛ وذلك لأن الحضارة الصناعية القائمة في العالم الآن تستند إلى أساس قوي من الثقافة التي أثمرت الغازات الفاتكة من ناحية كما أثمرت الأقمشة والأسمدة الصناعية لتوفير الغذاء والكساء، هي شر وخير، ولا يمكننا أن نفهم دلالتها إلا إذا فهمنا علمًا من العلوم، وميزة العلم أو صفته أنه يمكن أن يقاس، سواء أكان القياس بالمتر أم بالجرام أم باللتر، وما لا يمكن قياسه، أو حمله عقليًّا على ما يشبه القياس ماديًّا، ليس علمًا.

    وليس شيء من الصناعات الحاضرة إلا وقد أغار عليها العلم ووسع نطاق الانتفاع بها.

    فنحن نجده على السواء في إناء الطبخ للطعام كما نجده في جهاز الميكروفون، ونجده في زراعة البرسيم كما نجده في تحليل الضوء المنبعث إلينا من المجرة، ونجده في صحة الأطفال كما نجده في صنع الطائرات.

    والرجل الذي يُعْنَى بالثقافة العلمية ينطبع في نفسه المزاج العلمي، فهو يعتمد على القياس والتجربة، وهو لا يستسلم حتى لمنطق الذهن المجرد؛ لأنه لا يقنع بالتفكير فقط، بل يزيد عليه التجربة باليد، فهو يفكر بذهنه ويده، وهو لهذا السبب لا يرفض تصديق القصص عن العفاريت ومناجاة الأرواح وقراءة الكف وفراسة الوجه وطالع الحظ وما إلى ذلك فقط، بل هو لا يعرف كيف ينصت مستمعًا إلى هذه القصص والأساطير؛ لأن مزاجه العلمي قد بعث فيه اشمئزازًا ذهنيًّا من هذا السخف، والرجل الذي يجهل أحد العلوم لا يصح أن يعالج دراسة ما؛ لأنه يعالجها عندئذٍ بروح الجهل الذي يخشى خطره لأنه يعتمد على استنتاجات لا تؤيدها التجربة.

  • أما الشرط الرابع: للرجل المهذب فهو أن يعرف لغة ما معرفة مثقفة، وتفضل لغته الأصلية التي نشأ عليها، وهذا شرط لا غنى عنه؛ لأن التفكير الحسن لا يُسْتَطَاعُ بلا مُدَّخَرٍ كبير من الألفاظ، بل نحن لا يمكننا أن نفكر بدون الألفاظ، حتى إن أحد السيكلوجيين — وهو الدكتور واطسون — يقول إن التفكير هو كلام صامت كما أن الكلام هو تفكير صائت، وهناك ما يرجح صحة هذا القول، والذي يُلَاحَظُ أن لكل شخص ألفاظه التي تكثر في حديثه أو في كتابته، وهي بالطبع تدل على اتجاه تفكيره ولونه؛ إذ هو يختار الألفاظ التي تعبر عما يشتغل به ذهنه، فإذا كان تافه التفكير كانت الألفاظ كذلك، وقد كان هربرت سبنسر يقول إنه يمكنه أن يعرف وزن الرجل الذهني عقب حديثه؛ لأنه يعرف من الألفاظ التي يستعملها أي الموضوعات تشغله وكيف تشغله.

    وأحسن اللغات التي يجب أن نتعلمها ونتقنها هي اللغة التي رضعناها من أمهاتنا، وهي اللغة التي نستطيع أن نتقنها، ومن السخف أن نتعلم لغة أجنبية نصف تعلم أو ربع تعلم؛ لأن اللغة وسيلة، غايتها القراءة والاستنارة المتوالية، فإذا لم نعرفها حق المعرفة لم ننتفع بها، ومن هنا الخطأ الفادح في تعليم أولادنا لغتين أجنبيتين حين كان يمكن الاقتصار على واحدة ربما يستطاع إتقانها فنعتمد عليها للتثقيف العصري.

•••

هذه هي الشروط الأربعة للرجل المثقف كما رآها الرئيس ولسون، وهي جديرة بأن تثمر في صاحبها أحسن الثمرات، فتحركه إلى العمل وتجعله داعية للحق والإصلاح والرقي؛ فإن الرجل المثقف لا يطيق الظلم، ولا يرضى بالجمود؛ لأن ثقافته قد امتزجت بدمه وأصبحت جزءًا من روحه وإرادته، وهو لا يمكنه أن يحبس في نفسه أفكارًا عن الرقي والإصلاح قد اختزنها ذهنه بالقراءة أو التفكير في حين يرى الوسط حوله وهو ينادي بل يصرخ بالحاجة إليها، فهو لا بد منادٍ أيضًا بها، ولو اصطدم في ذلك بالعقبات التي تؤذيه في عيشه، وهذا الروح الشريف هو روح الاستشهاد في سبيل الحق والشرف والرقي الإنساني.

ومثل هذا الرجل المهذب لا يمكنه أن يمالئ الاستبداد؛ لأن ذهنه حافل بالجهود التي بُذِلَتْ في سبيل الحرية، ولا يمكنه أن يتعصب لفكرة ما أو مذهب ما تعصُّب الاضطهاد والكراهة؛ لأنه يعرف قيمة التسامح في تاريخ البشر، ثم يكره الحرب؛ لأن تاريخ العالم قد أشعره بالأخوة البشرية، ثم هو إذا كان علميًّا في مزاجه التفكيري، متدينًا في مزاجه العاطفي؛ فإنه يحب الرفاهية ويرجو الخير لمستقبل الإنسانية.

فما عندك من هذه الشروط الأربعة، وماذا أثمر فيك ما عندك منها؟

•••

ولكن يجب أن نلاحظ أن ولسون قد أهمل الفنون الجميلة، حتى لكأنه لا يبالي الأدب والموسيقا والشعر والرسم والنحت، وظننا أنه — حين عين الشروط الأربعة — إنما قصد إلى موقف الرجل المثقف من حيث فائدته للمجتمع، فهو يريد أن يربي ذهنه، ويصحح منطقه الاجتماعي، حتى يخدم المجتمع، أما الرقي النفسي والاستمتاع العاطفي فلم يبالهما، وهذا إهمال.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤