تبسم!

النفس أنفر ما تكون من مشاهدة الهول، ولكنها إذا أمنت شره كانت مشاهدته متعةً تلتذها وتسعى إليها، كما يخف المرء إلى رؤية البركان الهائج من مكان بعيد، أو يود النظر إلى السباع في أقفاصها وهو يتحاشى المرور بها في عرينها، وهذا مرادنا بقولنا:

ويا رُبَّ مرهوب السطا وهو مطلق
إذا كُفَّ أضحى متعة للنواظر

وصورة الهول في الذهن أبعد الأشياء عن صورة الجمال فيه، فلا نسبة بين شجن المروَّع بالهول ومرح المزهوِّ بالجمال، ولكن إذا كان الجمال هو غل الهول ومُروِّضه فليس أقرب من أحدهما إلى الآخر ولا أدعى إلى اجتماعهما واتصال كليهما بصاحبه. وقد أجاد الأقدمون في التعبير عن هذه الصلة العجيبة بما تخيلوه من حكايات المردة الذين يختطفون الحسان ويتلطفون إليهن ويحملونهن على كواهلهم، وحكايات الحِسان اللواتي يألفن أولئك المردة ويأنسن بعشرتهم، ذاهبات مع الدهش والرغبة، مفتونات بالعُجب والغرابة، فإن شئت فسمِّ ألفة هؤلاء الحسان الآسرات المأسورات حبًّا بلغ مداه، وإن شئت فقل إنها من أشبه العواطف بالحب إن لم تكن هي إياه، وكذلك الحب سُكْر لا تحس مبتدأه ومنتهاه، أو هو الاسم لا يعرف المسحور به كيف يضعه على مسماه.

تبسمْ فإنا لا نطيق تبسمًا
حمانا١ الأسى إلا ابتسامة ساخر
تبسمْ فقد طالت على الوُرق غفوة
وفي ثغرك الوضاح فجر الدياجر
تبسمْ فهذا اليأس أعشى نفوسنا
وفي وجهك الضاحي جلاء البصائر
تبسمْ وزوِّدنا القليل فإننا
على سفر يا نعم زاد المسافر
ننوء بأعباء الطريق وليتنا
ننوء بها زادًا لجولانَ حائر٢
ننوء بها في كل فج وما بها
وقاء لسار أو بلاغ لسائر
تبسمْ فإن القلب يسعد بالذي
سعدت به واضحك وغرِّد وخاطر
يلذ لنا منك اغترارك بالصبا
غرور الصبا روْح لقلب المحاذر
ويعجبنا أنَّا نرى فيك معجَبًا
مُدِلًّا على الأيام إدلال ظافر
بشوشًا تكاد العين تلمح قلبه
وتسرد في نجواه نظم السرائر
إذا غامت الجلى تبلجت بينها
تبلُّج ومض البرق بين المواطر٣
وتضحك والأتراح حولك جمة
تخافك خوف الجن رجمَ الزواهر٤
ونبكي وأفراح الحياة كثيرة
يحاذرننا من حولنا كالطوائر
فيا قربَ ما بيني وبينك في الهوى
ويا بعد شقَّيْ دارنا في الخواطر
طوى الحب ما بيني وبينك من مدى
فنحن قرينا موطن متجاور
أيا من رأى صبحًا وليلًا تلاقيا
وإلْفين من صفو وشجو مخامر
لئن تخشَ مني الليل صعبًا مراسه
لقد بت أخشى منك شمس الهجائر
فيا ليَ من ليل بحبك مُوثقٍ
وثاق الضواري في كناس الجآذر
تُطالع منه الهول سهلًا مقاده
رخاء غواشيه، شجيَّ الزماجر
ويا ربَّ مرهوب السطا وهو مطلق
إذا كُف أضحى متعة للنواظر
أنا الليل فاطرقني على غير خشية
ولُجْ باب أحلامي وجُلْ في حظائري
وسر حيث يخشى غيهب الليل نفسه
وتعثر بالظلماء ظلماء كافر٥
لتعلم ما الدنيا إذا غال غولها
وأنت أمين من طروق الدوائر
وتعلم أن الشمس تكذب قومها
إذا حدَّثتهم عن خفيٍّ وظاهر
فكم بين لألاء الضحى من مناظر
طوتها يد الأحداث عن كل ناظر

•••

أنا الليل والسحر القدير أخو الدجى
قديمًا، فعاهدني، ألستَ بساحر؟
ألست ترينا حسن وجهك مفردًا
على حين إشراق الوجوه السوافر؟
ألست ترينا القفرَ جنات رحمة
إذا شئت، والجنات شبهَ المقابر؟
فيا ساحرًا، إني لسحرك هيكل
فزخرف بوشي السحر كنز ذخائري
ويا ساحرًا، ما السحر إلا ابتسامة
تشب بها روحي وتطفئ ثائري
تبسم ألا يرضيك أن ابتسامة
بثغرك أمضى من صروف المقادر
وأن السموات العلى لا تنير لي
طريقًا، ولكن أنت تهدي ضمائري
وأن رياض الأرض ليست تسرني
بشيء، ولمحٌ منك يفعم خاطري
وأن جميع الناس لا ينصرونني
وإن جهدوا، لكنَّ حبك ناصري
وأنت إلى لهو الطفولة مُرجعي
ولن يستطيع الدهر إرجاع غابر
فلا تبتعد عني فإنك راجع
متى تبتعد عني بصفقة خاسر
ومن لك بالقلب الذي أنت مبصر
به كل إعجاز لحسنك باهر
تراه عصيًّا — إن نأيتَ — على الرضى
ولا قلب أرضى منه إن كنت زائري
وفي الناس مطويُّ الضلوع على الشجا
ولا مثلَ شجوي بين بادٍ وحاضر
إذا شاركوني في هواك فما لهم
سروري بما أصفيتهم وتباشري
تبسمْ وشاهدْ آيَ قدرتك التي
علوتَ بها عن كل ناهٍ وآمر
فإني رأيت الناس مَن نال قدرة
أبى أن يراه الناس ليس بقادر
تبسمْ وقل: إني أنا الرائش الذي٦
أصاب الأسى في حصنه المتعاسر
وإلا فإن أبلغ من الشقوة المدى
أمنتُ فلا شيء على الأرض ضائري
أَلفُّ على قلبي المَهيض غيابةً٧
أوائلها معقودة بالأواخر

حسبي

فاض عليك الصبا وروعته
وغاض منك الوفاء وانحسرا

•••

الورد يشفي بالعطر مَن نشقَا
والماء يروي الغليل والحُرقا
والبدر يجلو بنوره الحدَقا
والحسن، ما فضلُه وبهجته
إذا اعترى بالهيام من نظرا؟

•••

أنت شفاء للقلب أم وَصب؟
وفيك أمنٌ للنفس أم رَهب؟
ومنك ننجو أم منك نقترب؟
ومَن تسرُّ الفؤاد رؤيته
إذا ارتقى معجبًا ومحتقِرا؟

•••

لا تخجلنك الشكاة والعذَلُ
واحكم بما شئت فالصبا دُوَل
للزهر والماء والسنى علل
ولا تعيب الجمال فتكته
الفتك حق لكل من قدر

•••

قد يُوبِق٨ الورد لونه النضر
والماء فيه الحياة والخطر
وقد يُجن الضمائر القمر
وأنت أنت الغرَّاء طلعته
قد برز الموت فيك واستترا

•••

حسبي من الورد وخز شوكتِه
حسبي من الماء طعم غصتِه
حسبي من البدر مس جنتِه
والحسن حسبي، إن شئت، لوعتُه
طال عليها الزمان أو قصرا
١  منعنا.
٢  الجولان: هو الجائل، والمعنى: ليت هذه الأعباء التي تثقلنا هي زاد لنا في رحلة الحياة فنصبر على حملها كما يصبر المسافر على حمل زاده.
٣  الجلى: الحادثة العظيمة، والتبلج: الإضاءة، والمواطر: السحب.
٤  النجوم.
٥  كافر: اسم الليل.
٦  راش السهم: أنفذه.
٧  المكسور.
٨  يهلك.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١