غاية العالم

هل للعالم غاية يجد للوصول إليها؟ وهل له خطة مرسومة يسعى إلى نهايتها، ويتجه نحوها دائمًا مهما عاقته العوائق؟

أسئلة دارت، وتدور في ذهن المفكرين قديمًا وحديثًا.

أما ابن الشبل البغدادي فحار في الأمر، ولم يستطع الجواب، وقال في حيرته قصيدته الرائعة:

بربك أيها الفلك المُدار
أقصدٌ ذا المسير أم اضطرار
مدارُك قل لنا في أي شيء؟
ففي أفهامنا منك انبهار

إلى آخر هذه القصيدة المفعمة حيرة وارتباكًا، وشكًّا وامتعاضًا.

وحار حيرته كذلك أبو العلاء المعري، فقال:

نفارق العيش لم نظفر بمعرفة
أي المعاني بأهل الأرض مقصود؟
لم تعطنا العلمَ أخبارٌ يجيء بها
نقل ولا كوكب في الأرض مرصود

وقال:

أما اليقين فلا يقين وإنما
أقصى اجتهادي أن أَظُنَّ وأحْدِسَا

إلى آخر ما قال في الحيرة، وما أكثر ما قال!

ولندع الشعراء المتفلسفين ولننظر في آراء الفلاسفة المتعمقين، فنرى أنهم تساءلوا من قديم هذه الأسئلة، وأجابوا عنها إجابات متناقصة، فأما أرسطو فآمن بأن العالم يسير إلى غاية، وأن الغاية هي تحقيق العقل، هذا العقل ظهر ضعيفًا أو كالعدم في النبات، وظهر أرقى من ذلك في الحيوان، وظهر أرقى من الحيوان في الإنسان، وهذا العقل لم يكن شأنه كبيرًا في الإنسان البدائي، ثم نما شيئًا فشيئًا، وكلما تقدم الزمان ظهر سلطان العقل، واحتكم الإنسان إلى العقل، وسيظل يرقى ويرقى متجهًا إلى العقل الكامل، ولن يبلغ هذه الغاية، ولكنه سيسير دائمًا إليها، ويتجه دائمًا نحوها، وإنما عد الإنسان أرقى من الحيوان، لأنه أعقل، وعدت أمة أرقى من أمة، لأنها أعقل، والعالم يسير دائمًا إلى تحقيق العقل رغم ما يعوقه من عوائقَ.

وكفر آخرون برأي أرسطو، فرأوا أن العالم ليس إلا مخلوقًا أخرق، وأنه يسير تارة إلى الأمام وتارة إلى الخلف، وتارة إلى اليمين، وتارة إلى اليسار، وليس له هدف يرمي إليه، بل هو يسير كما شاءت المصادفة، وكما شاء له الهوى، وهو مجنون لا تعلل أعماله، انظر إلى الإنسان سيد العالم — كما يزعمون — في حروبه، وانظره في ملاجئ عجزته، وانظره في فقر فقرائه، وبؤس بؤسائه، ومستشفى مرضاه، وسجون مجرميه، وانظر ما يحدث في العالم كل لحظة من الكوارث، وفظائعِ الحوادثِ، وحتى السعادة التي فيه قد ربطت بالجهل، وهربت بالعقل، وحياة الناس مهازل تنتهي بالموت كما تنتهي الرواية بإسدال الستار، فليس صحيحًا أن «ليس في الإمكان أبدع مما كان»، وإنما الصحيح أن ليس في الإمكان أسوأ مما كان، ولو أطلقت ثورًا في مستودع خزف، أو مجنونًا يحمل مشعلًا في مخزن نسيج، ما صنعا ما يصنع العالم.

صحب الناس قبلنا ذا الزمانا
وعناهم من أمره ما عنانا
وتولوا بغصة كلهم منـ
ـه وإن سر بعضهم أحيانا

وليست مظاهر التقدم إلا خداعًا، وليس الفرق بين ما نسميه أمة متمدنة وغير متمدنة إلا كالفرق بين المرأة في طبيعتها والمرأة في زينتها، وسيترك كل جيل من الناس الدنيا كما دخلوها بشرورها وبؤسها وشقائها، وليست الحضارة والبداوة إلا طلاءً ظاهرًا لغرائز متشابهة.

ولكن هؤلاء المتشائمين قد أصيبوا بعمى اللون، فلم يروا في العالم إلا لونًا واحدًا هو لون السواد، ولم يروا مادة لأدبهم إلا نعيق البوم، وسواد الغراب، وحلكة الظلام، ولم يقوموا في الحياة إلا المآسي، ولم يسمعوا من النغمات إلا المحزن، ولم ينظروا في الحياة إلا إلى سطحها، لا إلى عمقها، وشغفوا بالأحداث الجزئية، لا النظريات الكلية.

إن نظرة شاملة لحركات العالم واتجاهاته تدل على أنه سائر لغاية، وأن له روحًا وإرادة وعقلًا لا يقاس بها ما للفرد، وأنه يعمل في دأب وجد واستمرار لبلوغ غايته، وأنه كالفرد له أعمال لا شعورية يدعو إليها العقل الباطن، وأعمال شعورية يدعو إليها الفكر، وله أعمال تدعو إليها الفطرة والغريزة، وأعمال تأملية، وله أعمال ظاهرة وأعمال خفية، وكلها تقرب إلى الغرض، والعالم يسير إلى الإمام في ثبات واستمرار، قد تتخلف بعض أجزائه، وقد تتعطل بعض خلاياه، ولكنه في جملته يسير قُدُمًا، لا يعبأ بما تخلف من جزئياته، كالجيش الظافر لا يعوقه موت بعض جنوده، ولا عطل في بعض آلاته، ولا تخلف من يصيبه الإعياء، بل هو بالغ غايته على الرغم من كل ذلك، هكذا كان تاريخ الإنسانية، فقد ترقى أمة ثم تتخلف ثم تموت، ولكن لا تموت حتى يتسلم منها مجدها قوم آخرون يخطون بالعالم خطوة جديدة، ويحققون روح العالم العامة التي تدفع إلى الأمام ولا تريد إلا الأمام، والتي تُعد الوسائل لذلك دائمًا من أخلاق قوية، وأبطال أقوياء، ونوابغ أفذاذ، وتاريخ الإنسانية من مبدئها إلى الآن ليس إلا مراحل للتقدم إلى الأمام في نواحي الحياة المختلفة من شعور وحرية وتفكير، ولا يمنع الناس من إدراك هذا إلا قصر نظرهم على جزئيات العالم كأمة بعينها أو قطر بعينه، أما إن نظروا إلى العالم من حيث هو وحدة، فهناك تتجلى علائم التقدم بأجلى مظاهرها، فالعالم بناء شامخ شيدت طبقاته في أجيال، أو قصيدة واحدة نظمت أبياتها على تعاقب الأزمان، أو رواية محكمة يؤلف كل جيل منها فصلًا، ثم لم تتم فصولها، ولم توضع خاتمتها، هو سائر إلى الأمام في كل مظهر من مظاهره، في فنه الدال على شعوره، وفي دينه الدال على روحه، وفي علمه الدال على عقله.

بُنِي العالم على ثلاث قواعد: حفظ الذات، وحفظ النوع، وتحسين النوع، هذه هي الأوراق الثلاث التي يلعب بها العالم لعباته المختلفة في كل تصرفاته التي لا نهاية لها، وكل شيء في العالم من الحشرة الدنيئة إلى أرقى أنواع الإنسان يسعى إلى تحقيق وجوده الذاتي ووجوده النوعي، والعالم كله في جملته يتسامى لتحقيق غايته، وقد اتخذت الطبيعة لتحقيق ذلك كل الوسائل الممكنة من تحريك الغرائز المختلفة، والانفعالات المتباينة، والعواطف المتناقضة، ونحن لو بحثناها على شدة ما بينها من اختلاف لوجدناها كلها ترجع إلى هذه العناصر الثلاثة: تلعب الغرائز والانفعالات والعواطف كل ألاعيبها في النبات والحيوان والإنسان لحفظ الذات وحفظ النوع، وتلعب في الإنسان ألاعيبها كذلك للسمو به، فسعي النبات وراء قوته وتجهيزه بالآلات العجيبة للحصول على غذائه، وتكثير بذوره، وسلوك الحيوان في شهواته وعواطفه، والإنسان في كل تصرفاته وعواطف حبه وغزله، وعواطف أبوته وأمومته وأفانينه — كل ذلك يفسر في النهاية حفظ الذات وحفظ النوع، فقانون الطبيعة في ذلك قانون ثابت لا يتخلف، ولا يمكن أن يصدر ذلك إذا لم يكن للعالم غاية.

ولا تتورع الطبيعة أن تخدع المخلوقات بكل صور الخداع لتعمل وفق ما ترسم، فهذا الإنسان — وهو أرقى أنواع المخلوقات — يخدع بكل أنواع الخداع لتحقيق غرض الطبيعة. إن شئت مثلًا واحدًا فطالع فصول غرامه وغزله وهيامه، وكل فصول حياته الزوجية، وكل أدب وفن نسائي، لترى كيف تلعب الطبيعة بالإنسان لحفظ النوع، وكل ما وضع من مبادئ أخلاقية، وقواعد قانونية، إنما دفعت إليه الطبيعة لخدمة هذه العناصر الثلاثة وللمحافظة عليها.

وشأن العالم شأن شجرة الورد، فكما أن آلاف الأعمال تعملها بذرة الورد من تغذ ونمو واستنشاق وتعرض للضوء ونحو ذلك لغرض واحد هو إنتاج زهرة الورد، فكذلك العالم يعمل كله — كوحدة — ملايين الأعمال من محافظة على الأفراد والنوع للوصول إلى غاية، وهي السمو وتحسين النوع.

والطبيعة لا تعبأ بالتضحيات الكثيرة للوصول إلى هذا الغرض، فكم من بذور النبات يهلك ليحيا أحسنه، وكم من ملايين الحيوان والإنسان تصادفه العقبات في سبيل حياته وبقائه، ولا يبقى إلا أصلحه، وهذه الأحياء كلها تتمخض عن عدد قليل من النوابغ الأفذاذ، هم قادة العالم في مرافقه المختلفة يقودونه إلى الأمام دائمًا.

قد يحدث في العالم كوارث في منتهى الفظاعة، كما تثور البراكين، وكما تزلزل الأرض، وكما تقوم الحروب الهائلة بين بني الإنسان، فيفنى في ذلك العدد الكثير، ولكن سرعان ما يسترد العالم كيانه، ويبدأ سيره وتقدمه، ويتجلى له أن هذه الكوارث ليست إلا إرهاصًا ببناء جديد على أنقاض قديم، وأن هذه الكوارث الإنسانية ليست إلا نتيجة لتعفن النظم الحاضرة، وبناء نظم أرقى لإنتاج إنسان أسمى، وما العلم والنظم والحكومات إلا أدوات لرقي الإنسان ومظاهر لحالته الاجتماعية، يرقى فيرقيها، وترقى فترقيه، ومذهب الطبيعة أن لا بأس بهلاك الكثير لتحسين القليل، شأنها في ذلك شأنها في تدفق ماء الرجل يحمل ملايين من الأحياء لا يعيش إلا واحد منها هو أصلحها للبقاء، وكل يوم يكتشف الإنسان وسائل للسمو به، ولكن قد يجربها فتفني العدد العديد منه، حتى يضبط نفعها، ويستطيع التغلب على ضررها، كما يحدث في تاريخ الإنسانية عوائق تعوق سيره، يحدث كذلك ما يعوضها من وثبات وقفزات يطفر بها إلى الأمام، كم ألوف من الناس قد ذهبوا ضحية العلم والمخترعات الحديثة، ولكن ما كسبته الإنسانية — ككل — وما أفاده العالم — كوحدة — أعظم جدًّا مما خسره، قد يتخلف الجنود الضعفاء في سير الجيش، وقد يموت كثير من أفراد الجيش الزاحف، وقد يموت بعض الوحدات القوية الصالحة، ولكن إذا فتح الجيش المدينة المنشودة فلا بأس بمن فقد، كم فقد العالم من مستكشفين! وكم فقد العالم من رواد البر والبحر! وكم فقد من طائرين وطيارات! وكم فقد من المجربين في الكهرباء، ولكن ما كانت نتيجة ذلك كله؟ كانت نتيجته أن العالم تقارب نوعًا ما، وأصبح وحدة ما، وسيسير في سبيله للتغلب على العقبات غير عابئ بالضحايا حتى يقرب من الغرض، بل هو كذلك يضحي بالعدد الكثير من عامة الأفراد، ليصل إلى إنتاج العدد القليل من النوابغ الأفذاذ.

ربما صعب على المفكر أن يرى تقدم العالم إذا نظر إلى أمة واحدة، أو قارن بين العالم اليوم والعالم منذ سنة أو سنتين أو عشر، ولكن ليطُل الزمن قليلًا، ولينظر إليه نظرة شاملة، وليقارن بين العالم في قرن والعالم في قرن قبله والعالم في قرون سابقة، يرَ أنه يسير إلى الأمام دائمًا وأنه على حد تعبير أرسطو يسير نحو تحقيق العقل، فللعلم الآن مكانته العظمى، وسيطرته القوية، والعلم هو مظهر العقل، وأعني بالعلم معناه الواسع، وهو العلم بقوانين العالم والإيمان بها، والسير على مقتضاها، ونحن إذا نظرنا إلى الماضي البعيد السحيق في البعد اغتبطنا لتقدم العالم هذا التقدم، ولكن إذا نظرنا إلى المستقبل البعيد السحيق في البعد أدركنا أن العالم لا يزال في طفولته، ولكنه سائر حتمًا إلى شبابه.

إن العالم له قلب ينبض، وله عقل مفكر، وله شعور بذاتيته، وله شعور بوحدته، وليست أجزاؤه إلا خلايا كخلايا الشجرة الضخمة، ولخلاياه وظائف متنوعة تعمل لغاية هي الثمرة، وكل ضروب أفعاله منسجمة متعاونة متوائمة، كان كذلك في القديم، وهو كذلك في الحديث، وسيكون كذلك في المستقبل، لم يسر يومًا وفقًا لغرائز حفظ الذات وحفظ النوع ويومًا على عكس ذلك، ولم يتقهقر الإنسان يومًا فيرجع إلى حالته الأولى بعد ما خطا خطواتٍ في تقدمه، ولم يكن في أمسه أعقل منه في غده.

أفبعد هذا ينكر منكر أن له غاية، ويدعي مدع أنه يخبط خبط عشواء؟

قد علمنا التاريخ أن العالم حين يقدم على خطوة جديدة، وحين يتمخض لولادة جديدة، تقوم زوابع كثيرة تقلب الأوضاع وتكسر ما يعترضها، ثم ينزل الغيث وتهدأ الزوابع ويلطف الجو، وأظن أن الحرب الحاضرة شأنها شأن الزوابع الماضية، ليست إلا علامة على أن العالم يتمخض للولادة، وأنه يريد أن يتخلص من بعض شرور الماضي؛ ليضع أسسًا جديدة لمستقبل أسمى، ومما يؤسف له أن العالم في الحاضر والماضي ليس لديه إلا هذه الوسيلة للإصلاح، لا يستطيع أن يبني بناءً جديدًا إلا بعد هدم القديم، وإلا كان العمل ترميمًا لا تجديدًا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤