الفصل الرابع

وفي تلك الساعة كان ملك فرنسا غير المتوج يسعى لاستعادة عرشه وبلاده بطريقته الخاصة، فبينما كانت والدته تتباحث مع السياسي الأوستوري في الترتيبات الحربية، كان لويس دي بوربون جالسًا تحت قدمي إلين سان أرماند يصف لها بمختلف فنون البلاغة فتنتها وقوة جاذبيتها، وكيف أنه لا يعبأ بالعروش الملكية ولا بتاج سان لويس لو ظهر أنَّها تتعارض مع رغبته المتوقدة. وكانت ألين تستمع إليه وقد لذَّ لها ما تشعر به من إرضاء لغرورها، وسَرَّها ما أثارته من عاطفة في فؤاد هذا الشاب الذي يعجبها فيه مسحته الملكية حينًا، وشخصيته الغريبة حينًا آخر.

فقالت لتسره دون أن يخالط لهجتها أقل شيء من سخريتها المعتادة: وما هي رغبة جلالتك المتوقدة؟

فأردف جلالته بحرارة: كيف تسألينني؟! هي أن تكوني لي بكليتك.

كانت ألين سان أماند قد نزلت في أحدث فندق فوق التل، حيث يطل على منظر جميل على طريق ليخنثال، والنهر حتى آخر أطراف الغابة. وكان الاثنان يجلسان قبالة بعضهما أمام المنضدة يتناولان طعام العشاء، ولم يستطع هو بالنِّسبة لانفعال عواطفه أن يتناول منه شيئًا، بل كانت عيناه المحمومتان تتبعان حركاتها وهي تأكل بشهية كبيرة عقب المجهود المضني الذي قامت به في عملها.

ولما رفع الخادم المائدة وذهب قام كلاهما؛ هي لكي تلقي بنفسها في ركن من الأريكة تنشد الراحة، وهو لكي يحظى بالجلوس أقرب ما يكون منها، بالقدر الذي تسمح به.

وقالت له برقة: إنك ستكون يا لويسي ملك فرنسا يومًا ما، فمن ستكون مغنية الأوبرا الصَّغيرة المتواضعة بالنسبة لك؟

فأردف بحرارة: إنني أتخلى عن أكثر من عرش فرنسا على ألَّا أفقدك أنت.

وجاء الرد سريعًا وبغير خشونة: ماذا يكون من أمر فيرونيك كريستوف؟

– أوه فيرونيك!

وهز كتفيه مظهرًا عدم اكتراثه بالموضوع.

فأتمت إليه بتنهدة حزينة قصيرة: إنهم يقولون إنَّ كريستوف الكبير يعمل بكل قلبه لكي يجعل من ابنته ملكة لفرنسا.

فتدخل قائلًا: لا تضيعي الوقت بالتحدث عن كريستوف الكبير.

– إن لديه ملايين كما يقولون.

– إنني أعبدك.

وأتمت بتنهدة أخرى أكثر عمقًا: وليس من شيء يعجز المال عن إتيانه.

فغمغم يقول في حلم: إنك أجمل مخلوقة على وجه الأرض.

ولقد كانت عينا ألين واسعتين رجراجتين، فوقهما حاجبان رفيعان يرتفعان قليلًا عن ركني أنفها الدقيق الصغير، فيعطيان لنظرتها تأثيرًا خاصًّا يجتذب بعض الرجال الذين يحسون بالقوة والفخار لمجرد شعورهم بأنهم يحمون امرأة محبوبة ضعيفة لا سند لها، ولقد كانت هيئة ألين سان أماند تعطيها طابع المرأة العاجزة الضعيفة، وكان لويس — وهو المخنث الضعيف البنية — يشعر برجولته عندما تناديه عيناها بتلك النظرة المغرية، وكان يعبدها من أجل هذا الشعور بالقوة الذي يبعثه نداؤها منه.

وكان يحس بنشوة يكاد يذوب لها جسده، عندما تمر بأنامل يدها الجميلة المعطرة أمام وجهه وهي تربت على خده أو تعبث بشعره، وإنه ليغمض عينيه ويقول أو يفعل أي شيء في العالم تطلبه منه، بل لا شكَّ أن يتنازل — لو طلبت — عن كل حقوقه في عرش فرنسا، وغمغم يقول: ماذا يبقى لي في الدنيا إذا لم تكوني معي؟!

كانت ألين من ذلك الصنف من النِّساء القلائل اللواتي يمكنهن أن يعشن دون أن يفقدن سحرهن، لقد درست منها أمام مرآتها لأنها كانت تعلم أن عبوسة فاتنة تكفي لتذيب قلب الرجل العنيد أسرع من أي شيء آخر، وعلى الأخص إذا اقترنت بالدموع من عينين زرقاوين ساحرتين، وقد استطاعت أن تمزج بين هذين بنجاح.

فقالت بصوت محطم: إنك تقول هذا يا لويس، ولكني أعلم أن رأسك مليء بالخطط. إنك تحتج! وتقسم أنك تحبني، ولكن ألست ترسم خططًا؟

– ماذا تعنين بالخطط؟

واستطاعت أن تهيئ دمعتين في تينك العينين الرجراجتين فانزلقتا على خديها الناعمين، وقالت: خططًا لتتركني، لتصير ملكًا لفرنسا، وعند ذلك تصبح بعيدًا عني بُعد النجوم عن الأرض.

فاحتج قائلًا: لست أنا الذي أضع تلك الخطط ولكنها أمي.

فقالت وهي تبكي: لا فرق بين هذا وذاك، فإنَّ هذه كلها عملت لتحرمني منك.

فقال وقد اكتسى وجهه الجذاب بمسحة من العناد: لست في حاجة لأن أذهب.

فسألت الفتاة: تذهب؟! إلى أين؟!

– إلى ستراسبورج.

فتنهدت تنهدة طويلة عميقة، وغمغمت بتأثر: ستراسبورج!

وألصق جسدها إليه بقدر ما يستطيع، ثم قال برقة: إنَّه المكان الذي قضيت فيه أسعد أيام حياتي حيث تقابلنا لأول مرة يا ألين، وأحب كلانا الآخر.

فسألت قائلة: لماذا يجب أن تذهب؟

– إنه جزء من خطتهم كما تعلمين.

– أنا لا أعلم شيئًا يا لويس، خبرني.

– ليس هناك ما يطول الحديث عنه، فإنَّ عليَّ أن أضايق نفسي بمقابلة بعض الرجال هناك، هذا الكولونيل وذلك الجنرال، ويجب أن أخطب في رجال الحامية، وسيهتف الرِّجال «يعيش الملك» ثم يتبعونني.

ثم غمغم في ملل: أوه! دعينا من كل هذا، لنترك الحديث عن هذه المشروعات المضنية.

ثم أتم بنغمة حالمة: إنني لا أريد من كل هذا أكثر من أنْ أحبك.

وكان لويس قد سئم من الخطط التي تدفعه إليها أمه.

وأغلق عينيه، فسحبت ألين نفسها بلطف من بين ذراعيه ونظرت إليه مباشرة لحظة أو اثنتين، وبان في عينيها معنى غريب؛ أهو الحب؟ ربما، غير أنه في الحقيقة كان طيشًا وشفقة، وكان طمعًا أيضًا. وقالت لنفسها: على كل حال فإن لويس يكون زوجًا مناسبًا، فهو وإن كان ملكًا غير متوَّج فإن لقب البرنس دي بوربون له وقع لطيف في النفوس، ولسوف يفتح لها أبواب الهيئة الاجتماعية التي ظلت مغلقة دونها وهي ممثلة أولى صغيرة. إنها واثقة من أن لويس محب شفوق صادق. وبينما كانت تنظر إليه، اشتدت نظراتها قليلًا؛ فقد حل الحزم شيئًا فشيئًا محل الطيش، إذ لم يكن في إرادة ألين أي ضعف، فإنها إذا أرادت شيئًا فلا بد من أن تنفذه، وقد كانت تعلم تمامًا أنَّ في استطاعتها أن تجعل لويس يلقي بالعرش وبفيرونيك وملايين أبيها على الرَّغم من سلطان أمه عليه، ولكن لم تكن تلك هي المسألة؛ فقد كان ما يشغلها هو هل هي تريده حقًّا؟

ما أغرب أهواء المرأة ورغباتها! إنها معضلة تعجز هي نفسها في كثير من الأحيان عن حل مُعَمَّياتها! وقد كانت ألين حتى هذه اللحظة لا تعرف تمامًا ما تريد، وأخيرًا قررت أن تترك نفسها للظروف ولما تمليه عليها عواطفها.

وقامت إلى آخر الغرفة حيث صفت بضع كئوس وزجاجات فوق رف دولاب قديم الطراز، وتبع لويس حركاتها بعينين متكاسلتين، ثم قال لها برقة: أقد ملأت كأسًا؟ تعالي إليَّ.

وعادت إليه وفي يدها كأس، ثم قالت وهي تعطيها له: إنه توكاي، أرسله إليَّ الكونت زيشي مباشرة من مزارعه في هنجاريا.

وأخذ لويس الكأس فشربها، وقال: شراب الآلهة! كأسًا أخرى.

– ولم لا؟

فأخذت كأسه وملأتها ثانية، فشربها أيضًا ثم وضعها وهو يقول: إنَّه رحيق لذيذ! والآن تعالي هنا إلى جانبي.

ومد يده إليها فأمسك بيديها وجرها إلى جانبه وقد طارت مسحة النعاس التي كانت تكسو وجهه، والتمعت عيناه وجرى الدم حارًّا في وجنتيه.

•••

وتشاء المقادير أن يخرج سيرل برتراند في نزهة طويلة على قدميه في ذلك المساء، فكان الوقت متأخرًا عندما أشرف، بعد أن قضى وقتًا طويلًا في صعوده إلى التل، على مرأى ذلك البناء المحاط بشجر اللبخ، وقد غطاه زهره الأبيض فبعث في الجو عطرًا زكيًّا.

وتقدم سيرل إلى الحائط القليل الارتفاع الذي يفصل بين الطريق وبين حديقة الفندق الصغير، فتخطاه وسار بضع خطوات حتى اقترب من باب الدخول، فإذا به يرى رجلًا وامرأة واقفين داخل الباب وقد عانق كل منهما الآخر، فتأخر سيرل بانتباه إلى ظل الأشجار وسطع القمر وقتذاك، وكان وجه المرأة يغمره الضوء فشاهد وجه ألين سان أماند، غير أنه لم ير من الرجل غير شعره الكستنائي الذي يشبه شعره هو.

وطال احتضان العاشقين ونفد صبر سيرل فسعل سعلة منبهة، فخلَّصت نفسها من بين ذراعي عاشقها وأعطته يديها فغمرها بقبلاته ثم تحولت عنه وسارت بخطوات مسرعة في ممشى الحديقة نحو الفندق، فظل الرجل واقفًا في مكانه، وكان جسمه يهتز كأنما قد عجزت ساقاه عن حمله، بيد أن سيرل لم يجد من نفسه رغبة في مقابلته، ففضل الانتظار قليلًا حتى يذهب هذا في سبيله. وبعد لحظة، تحول الرَّجل ففتح باب الحديقة بيد غير ثابتة، فرأى سيرل برتراند أنَّ عاشق ألين سان أماند ما هو إلا لويس أخوه غير الشقيق، ولم يصدق سيرل عينيه لأوَّل وهلة؛ فقد بدا كل شيء في ناظريه مستحيلًا وغريبًا، فهو لم يكن لويس ملك فرنسا المنتظر فحسب، بل كان أيضًا زوج فيرونيك المستقبل أطهر مخلوق على وجه الأرض، المرأة التي يحبها ويقدسها. لقد كان الموقف مروعًا هائلًا، حتى لقد مرت لحظات وهو مسمر في الأرض لا يستطيع الحركة، وأخيرًا تنبه لصوت أقدام لويس تضرب الأرض وهو ينحدر نازلًا فوق سفح التل. وأحسَّ سيرل برغبة قوية في أن يتبع هذه الخطوات دون أن يدري ماذا يفعل، أيأخذ برقبة ذلك الكذاب المخادع فيصب عليه جام غضبه ويلقي في وجهه بأفظع اللعنات وأقذع السباب؟ أم ينتهي منه فيقضي على حياته؟

إنَّه لا يدري ماذا يفعل، ولكنه نزل وراءه، متتبعًا خطواته ونفسه تعج بالحقد عليه والكراهية له. وظل سيرل في أثره دون أن تهدأ ثائرة نفسه، وقد تمنى له في سريرته ميتة عاجلة شنيعة، وبغتة. رأى الرَّجل يترنح ثم سمع صوتًا يشبه أنين حيوان ألمَّ به مكروه؛ فقد ارتطم لويس بصخرة في الطريق، وشعر بأنه يسقط وقد صدرت منه صرخة ضعيفة طالبًا المعونة، ثم خر على ركبتيه، ولم يكد يستلقي بجسمه على الأرض الصخرية حتى التفت حوله ذراعان قويتان — لم يعرف صاحبهما إذ بدأ يفقد إدراكه — فأغمض عينيه في الوقت الذي شعر فيه بجسمه يرتفع عن الأرض، وقد حُمل بسرعة وهو ينحدر إلى أسفل التل.

•••

يقال عادة عن النِّساء إنَّ أعمالهن لا يحكمها المنطق وإنهن ينسقن وراء الدوافع النفسية فتحكمهن أهواؤهن، ولكن عندما تسيطر هذه الدوافع النفسية على أعمال الرِّجال فإنَّهم يعجزون هم أيضًا عن حسبان ما قد يطرأ عليهم من تغير. ولم يكن سيرل برتراند لينتظر من نفسه في ذلك الوقت أن يفعل مع أخيه ما فعله، في حين أنَّه كان منذ لحظة يحس نحوه بكراهية شديدة لدرجة أنَّه فكر في قتله؛ فلقد كان نفس الدافع المجهول الذي ساقه لتتبع خطوات لويس هو الذي دفعه بغتة لأن يحمله طول الطريق المؤدي إلى فِلَّا إليزابث في أسفل التل!

ووصل سيرل وهو يحمل جسد أخيه غير المحبوب إلى سور حديقة فِلَّا إليزابث، وبحث دون جدوى عن جرس للباب الخارجي أو سقاطة، وبينما هو على هذه الحال إذا به يرى الكونت فريزن السياسي الأوستوري وخلفه رئيس الخدم يخرجان من باب الفِلَّا الداخلي، لقد عرفه سيرل من كثرة مشاهدته له في تردده على مقصورة أمه في الأوبرا. وكان القمر لا يزال ساطعًا فسار الأوستوري بخطواته اللينة وهو يصفر آخر لحن من ألحان جون ستراس، وما كاد يصل إلى الباب الخارجي حتى وقف بغتة، إذ وجد نفسه وجهًا لوجه أمام هيكل طويل يحمل بين يديه رجلًا له هيئة الميت، فكان أول ما عمله أن صاح في ارتياب: هيا، أنت هناك!

بينما كانت يده فوق جيبه الخلفي تبحث عن مسدسه، ولما لم يلق جوابًا على ندائه، صاح بصوت أكثر ارتفاعًا: هيا! ماذا تفعل هناك؟! وماذا تريد؟

فأجاب سيرل بخشونة: إنه سقط في الطريق فحملته وأتيت به إلى هنا؛ لأني أعلم أنه يقطن هذا المنزل، أو على الأقل إن والدته تقطن هنا.

وانتبه الكونت فريزن لمجرد سماعه صوت سيرل، فتأمل فيه طويلًا من بين قضبان الباب الحديدية، وأدهشت سيرل نظرته الفاحصة الطويلة؛ فقد كان يعلم أن فريزن لا يعرفه وأنه لم يره قط من قبل، فقال له بصوت أجش: إنني لست لصًّا ولا شحاذًا، وكل ما أريده هو أن أدخل هذا إلى منزله.

وتقدم فريزن بحركة آلية بطيئة إلى الباب الكبير ففتحه، ودخل سيرل إلى الحديقة، وكان رئيس الخدم قد أسرع إليهم لدى سماعه صوت الكونت، فقال له فريزن بكلمات مقتضبة وهو لا يزال يمعن النظر في وجه سيرل: لقد وهنت قوى جلالته في الطريق، ولحسن الحظ لاقاه هذا السيد فأتى به إلى هنا. لا تزعج السيدة البرنسيس بالخبر، بل اهتم بتجهيز الفراش لجلالته حالًا.

ولم يستطع رئيس الخدم إلا أن يغمغم في ضعف: سمعًا وطاعة يا سيدي الكونت.

ثم حاول أن يحمل جسد مولاه، غير أن سيرل لم يتركه يفعل، بل قال له بغلظة: سوف أحمله أنا إلى داخل الفِلَّا.

وتبع رئيس الخدم في الممشى ثم صعد وراءه السلم ودخل القاعة الكبرى. وكان لويس قد بدأ يعود إلى رشده، فوضعه سيرل فوق أحد الكراسي الكبيرة، ثم نكص على عقبيه دون أن يلقي نظرة إليه أو إلى رئيس الخدم، ونزل إلى الحديقة، وكان الكونت فريزن لا يزال هناك، فلمَّا اقترب سيرل منه تقدم إليه خطوة، فرآه سيرل يفعل ذلك، وكان سيمر إلى جانبه دون أن يلقي إليه بكلمة لولا أن اعترض طريقه، وقال فريزن بجفاف ولكن بكل ثبات: يجب أن تخبرني من تكون؟

فأجاب سيرل: لقد قلت لك إنني لست شحاذًا، وإن ذلك الرجل قد سقط فحملته، وهذا كل ما هنالك.

فأتم الأوستوري بهدوء: أعرف هذا، وإني في الواقع لست في حاجة لأن أسألك لأنَّ اسمك سيرل برتراند، أليس كذلك؟

فأردف الآخر: كيف لك أن تعرف هذا؟

فأجاب الثاني برزانة: إن جان أوجست وأنجر من أصدقائي.

وسرعان ما انحل التجهم الذي كان يكسو وجه سيرل، وحلت محله مسحة من فضول الأطفال، وسأل قائلًا: هل تكلما عني؟

فأجاب فريزن في ابتسامة: لقد تكلما عنك بعبارات قوية مؤثرة؛ فقد قالا إنَّ أمامك مستقبلًا باهرًا إذا كنت تعمل بجد.

فغمغم سيرل: أليس عجيبًا أن يتذكرا مبتدئًا مثلي؟!

– إنهما يتحدثان عنك كمبتدئ. وليس أوجست أو أنجر ممن يلقون المدح جزافًا.

ولم يزد سيرل شيئًا، بل ظل مأخوذًا بالخيالات السعيدة، والشهرة المستقبلة، ولقب الفنان العظيم. وأخيرًا قال فريزن: حسنًا يا سيدي برتراند، أخشى أن يكون الوقت متأخرًا، ولكن يجب أن نتقابل مرة أخرى، إذا سمحت لي أن أحضر لزيارتك.

فأردف سيرل: إن هذا تفضُّل كبير منك، إذ إنني أسكن في غرفة صغيرة في أحد الفنادق.

– هل لي أن أسألك أي فندق؟

– فِلَّا أجلانتين في أعلى التل.

– أوه! إذن تقطن معكم الفتاة الجذابة الآنسة سان أماند؟

وعاد التجهم إلى وجه سيرل، فاستأنف فريزن: على أنني سوف أحضر إليك ربما في الغد، وسنتحدث عن أصدقائنا في باريس.

وعلى هذا افترق الاثنان، غير أنهما لم يتقابلا في الغد؛ فقد تسلم الكونت فريزن في الصباح الباكر أمرًا رسميًّا بالسفر إلى فينَّا بقطار الظهر، وأرسل يعتذر إلى السيد برتراند في فندقه.

ومر وقت طويل عليهما قبل أن يتقابلا مرة أخرى، وقد حدث في ذلك الوقت من الحوادث الجسام ما لم يكن في حسبان أحد.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤