الفصل الخامس

إله المتصوفة

ابتدأ التصوف كسلوكٍ زهدي في الثقافة الإسلامية، منذ البدايات الأولى للاحتكاك مع الثقافة المسيحية في مصر وبلاد الشام، ومع الثقافات المشرقية الأخرى فيما بين فارس وحدود الصين. أما المعتقد الصوفي، فرغم أن ملامحه الأولى قد تشكَّلت على يد متصوفة من أمثال الجنيد منذ أواخر القرن الثالث الهجري، إلا أن صياغته النظرية المتماسكة لم تكتمل حتى القرن السادس الهجري، وذلك على يد الغزالي ومحيي الدين بن عربي، ومن بعدهما عبد الكريم الجيلي في القرن السابع. ولسوف أعتمد في عرضي هذا لمعتقد المتصوفة على الجيلي وابن عربي دون سواهما؛ لأني أرى في أعمالهما خلاصة للتجربة الصوفية الإسلامية بكل أبعادها الروحية والفكرية.

يربط الفكر الصوفي بين مفهومَين للألوهة ساريَين في كتاب الله وسُنة رسوله؛ المفهوم الأول يأتي من آيات مثل: يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ (الفتح: ١٠)، وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (آل عمران: ٥٤). والمفهوم الثاني يأتي من آيات مثل: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (الواقعة: ٨٥)، وإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (العنكبوت: ٦). ومن أحاديث قدسية مثل: «ما وسعَتني سمائي ولا أرضي، ووسعني قلب عبدي المؤمن.» الذي يُذكِّرنا بقول الأوبانيشاد: «هو رب اليوم ورب الغد، ولكن القلب الذي بحجم إصبع الإبهام مقر له ومكان.» واللقاء بين هذين المفهومين في الفكر الصوفي يأتي من وحدتهما الضمنية، واختلافهما في الظهور والتجلي؛ ذلك أن الأصل في الألوهة الكُمونُ والغنى، وما درجات التشخيص التي تتجلى بها سوى أمرٍ اقتضاه ظهور الكون عنها؛ فالموجودات هي التي تتطلب من الألوهة الصفات والأسماء، وبغير الموجودات تبقى الألوهة ذاتًا مستغرِقة في نفسها. يقول عبد الكريم الجيلي في كتابه الإنسان الكامل:

«إن ذات الله سبحانه وتعالى عبارة عن نفسه التي هو بها موجود؛ لأنه قائم بنفسه. فالذات لا تُدرَك بمفهوم عبارة، ولا تُفهَم بمعلوم إشارة؛ لأن الشيء إنما يُفهَم بما يناسبه فيطابقه، أو بما ينافيه فيضادُّه. وليس لذاته في الوجود مناسب ولا مطابق ولا منافٍ ولا مضاد؛ فارتفع من حيث الاصطلاح إذَن معناه في الكلام، وانتفى بذلك أن يُدرَك للأنام. المتكلم في ذات الله صامت، والناظر باهت. عزَّ أن تدركه العقول والأفهام، وجلَّ أن تجول فيه الأفهام والأفكار، لا يتعلق بكنهه حديث العلم ولا قديمه … وهذا الوجود المطلق هو الذات الساذج الذي لا ظهور فيه لاسم أو نعت أو اسم أو إضافة، ولا لغير ذلك.»١

المرتبة الأولى في خروج الألوهة من كمونها وغناها، يؤشر إليها ظهور الممكنات فيها جميعًا، ولكن بحكم البطون لا بحكم الظهور؛ فكل ما سيظهر للوجود فيما بعد، كان في حيِّز الممكن الثابت في الذات الإلهية الغنية. فهنا يتجلى المطلق في نفسه ولنفسه، وتتأمل الألوهة نفسها دون أن تلحقها الاعتبارات والإضافات. ويُدعى هذا التجلي الأول للذات بالأحدية. يقول الجيلي:

«الأحدية عبارة عن مجلى الذات، ليس للأسماء ولا للصفات فيه ظهور؛ فهي اسم لصرافة الذات المجردة عن الاعتبارات الحقية والخلقية. وليس لتجلِّي الأحدية في الأكوان مظهرٌ أتم منك إذا استغرقت في ذاتك، ونسيت اعتباراتك، وأُخذت بك فيك عن ظواهرك، فكنت أنت في أنت من غير أن يُنسب إليك شيء مما تستحقه من الأوصاف. ومجلى الأحدية هو أول تنزلات الذات من ظلمة العماء إلى نور المجالي، وهو أعلى المجالي؛ لأن كل مجلًى بعده لا بد أن يتخصص.»٢

والتخصص هو أن تدير الألوهة وجهها نحو الخارج وتخرج من بطونها وكمونها، فتنتقل بذلك إلى التجلي الثاني المدعو بالألوهية، وهو الذي يظهره نشوء الثنائيات ضمن الأحدية، وهنا يظهر الاسم «الله»، وهو الاسم الذي يبصر الحق به نفسه، ويتوصل الخلق به إلى معرفة الألوهية. يقول:

«الألوهية أعلى مظاهر الذات؛ إذ له الحيطة والشمول على كل مظهر، وهيمنة على كل اسم أو وصف. واعلم أن جميع حقائق الوجود وحفظها في مراتبها تُسمى الألوهية. وأعني بحقائق الوجود الحقَّ والخلق؛ فشمول المراتب الإلهية وجميع المراتب الكونية، وإعطاء كلٍّ حقه من مرتبة الوجود؛ هو معنى الألوهية. والله اسم لرب هذه المرتبة … والحق سبحانه وتعالى لا سبيل إلى معرفته إلا عن طريق أسمائه وصفاته، وكل الأسماء والصفات واقع تحت الاسم: الله. واعلم أن الحق سبحانه وتعالى جعل هذا الاسم هيولى كمال صور المعاني الإلهية، وكان كلٌّ من تجليات الحق التي لنفسه في نفسه داخلًا تحت حيطة هذا الاسم، وما بعده إلا الكلمة المحضة التي تُسمى بطون الذات في الذات. وهذا الاسم هو نور تلك الظلمة، فيه يُبصر الحق نفسه، وبه يتوصل الخلق إلى معرفته … واعلم أن الوجود والعدم متقابلان، وفلك الألوهية محيط بهما؛ لأن الألوهية تجمع الضدين من القديم والحديث، والحق الخلق، والوجود والعدم. يظهر الحق فيها بصورة الخلق، مثل قوله في الحديث الشريف: رأيت ربي في صورة شاب أمرد. ويظهر الخلق بصورة الحق مثل قوله: خلق آدم على صورته.»٣

فالألوهية والحالة هذه هي برزخ بين الذات الكامنة والخلق الذي يصدر عنها، إنها مرتبة الذات من حيث كونها إلهًا يُعبَد ويُقدَّس، ومن خلالها يتوصل العقل إلى معرفة الألوهة. ويمكن هنا إجراء مقارنة مع التصورات التانترية الهندوسية في أيقونة جزيرة الدرر؛ فالذات المستغرقة في نفسها لنفسها في الأحدية تقابل شيفا الهاجع؛ المطلق المستغني بنفسه عن العالمين؛ أما الألوهية التي تظهر فيها التناقضات والثنائيات، فتقابل شيفا الصاحي الذي يستعد لخلق العالم بواسطة المايا؛ قوة الألوهة الخالقة. كما يمكن أيضًا إجراء مقارنة بين فلك الألوهية الذي يحيط بالوجود والعدم، بدائرة التاو التي تحيط بالضدين الأساسيين في الفكر التاوي.

عندما تدخل الألوهية طور الخلق، نأتي إلى تجلي الرحمانية. وهنا تتجلى الألوهة كقدرة خالقة لكل مظاهر الكون. إلا أن الخلق هنا ليس خلق صانع ماهر يشكل العالم بيديه، وإنما خلق ألوهة تنقسم إلى حق وخلق، دون أن تفقد وحدتها وتكاملها. وهذان المصطلحان اللذان يتكرران في الأدبيات الصوفية كلها يشيران إلى المظهر المزدوج للحقيقة الواحدة؛ فالوجود خلق من حيث مظاهره، وحق (أو ألوهة مولدة) من حيث جوهره. ويتطلب الخلق عند الجيلي، أولًا، أن تظهر الألوهية بحقائق أسمائها وصفاتها، فتظهر أولًا بالأسماء الذاتية المقتصرة على الحق، مثل الصمد والقيوم وما إليها؛ ثم تظهر بأوصافها العامة التي تشترك بها مع الخلق، مثل السميع والبصير وما إليها. يقول:

«والاسم الظاهر في هذه المرتبة هو الرحمن. واختصاص هذه المرتبة بهذا الاسم من أجل الرحمة الشاملة لكل المراتب الحقيَّة والخَلقية؛ فإن بظهوره في المراتب الحقية ظهرت المراتب الخَلقية، وصارت الرحمة من الحضرة الرحمانية عامة في جميع الموجودات. فأول رحمةٍ رحم الله بها الموجودات أن أوجد العالم من نفسه؛ ولهذا سرى ظهوره في الموجودات، فظهر كماله في كل جزء وفرد، ولم يتعدد بتعدد مظاهره، بل هو واحد في جميع تلك المظاهر، أحد على ما تقتضيه ذاته الكريمة.»٤

ويُشبِّه الجيلي في أكثر من موضع انقسام الألوهة إلى حق وخلق، وصدور المخلوقات عنها دون أن تفقد وحدتها وتكاملها، بالجليد أو الثلج الذي يتكوَّن على أطراف البحيرة أو سطحها؛ فهذا الثلج إذا نُظر إليه من حيث ظاهره بدا شيئًا مختلفًا عن الماء، وإذا نُظر إليه من حيث جوهره بدا عين الماء؛ فاسم الثلج والحالة هذه هو اسمٌ مؤقت لطورٍ عابر يصير إليه الماء، فإذا ذاب الثلج عاد إلى أصله واسمه. يقول:

«فكان الحق هيولى العالم؛ فمِثل العالم مثل الثلج، والحق سبحانه وتعالى الماء، الذي هو أصل هذا الثلج؛ فاسم تلك الثلجة على ذلك المنعقد مُعار، واسم المائية عليه حقيقة.»٥

آخر مجالي الألوهة هو الربوبية، وهو المَجلى الخارجي المختص حصرًا بعالم الخلق، والرب اسم لهذه المرتبة. ويقع تحت هذا الاسم كلُّ الأسماء التي يتطلبها وجود المخلوقات، مثل: المريد والملك والقهار والمجيب والمعز والمذل … إلخ. فإذا كانت الذات تُمثل بطون الألوهة المطلق وغناها الكامل عن العالمين، فإن الربوبية هي ظاهر الألوهة الذي يتجه نحو عالم الخلق ويتطلبه. يقول:

«الربوبية اسم للمرتبة المقتضية للأسماء التي تتطلبها الموجودات؛ فدخل تحتها الاسم العليم والسميع والبصير والمريد والملك وما أشبه ذلك؛ لأن كل واحد من هذه الأسماء والصفات يطلب ما يقيم عليه؛ فالعليم يقتضي المعلوم، والقادر يقتضي مقدورًا عليه، والمريد يطلب مرادًا، وما أشبه ذلك. واعلم أن للربوبية تجلِّيَين؛ تجليًا معنويًّا وتجليًا صوريًّا؛ فالتجلي المعنوي ظهوره في أسمائه وصفاته على ما اقتضاه القانون التنزيهي من أنواع الكمالات، والتجلي الصوري ظهوره في مخلوقاته على ما اقتضاه القانون الخلقي التشبيهي.»٦

إن وحدة هذين التجليَين للربوبية تظهر ذوقًا لمن يُناجيهم الحق، فيسمع المناجي خطابًا لا يصدر عن جهة ولا عن جارحة:

«أنت خلاصة الأكوان والمقصود بالوجود والحَدثان. تقرَّبْ إلى شهودي، فقد تقربتُ إليك بوجودي. لا تبتعد فإني أنا الذي قلت: ونحن أقرب إليه من حبل الوريد. لا تتقيد باسم العبد؛ فلولا العبد ما كان الرب. أنت أظهرتني كما أنا أظهرتُك؛ فلولا عبوديتك لم تظهر لي ربوبية. أنت أوجدتني كما أنا أوجدتُك؛ فلولا وجودك ما كان وجودي موجودًا.»٧

وكما أن خروج الألوهة عن كمونها يتم عبر مجال ومراتب متدرجة متتابعة، كذلك يكتشف الإنسان عالم الألوهة من خلال هذه المراتب نفسها، وبما يتلاءم واستعداد كل فرد لوطأة الصلة مع المرتبة؛ فالصلة الأولى بين عالم الناسوت وعالم اللاهوت تُعقد مع المجلى الخارجي؛ مجلى الربوبية، ومع الاسم الرب الذي هو إله الشرائع. وعامة الناس يبقون عادةً عند هذه المرتبة ولا يستطيعون تجاوزها في معرفة الحق. يقول:

«ثم إن الله تعالى تعبَّد للمسلمين من حيث اسمه الرب؛ فهم مقتدون بأوامره ونواهيه؛ لأن أول آية أنزلها الله تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، فقرَن الأمر بالربوبية لأنها محله؛ لذلك فُرضت عليهم العبادات؛ لأن المربوب يلزمه عادةً عبادة ربه؛ فجميع عوام المسلمين عابدون لله تعالى من حيث اسمه الرب، لا يمكنهم أن يعبدوه من غير ذلك. بخلاف العارفين؛ فإنهم يعبدونه من حيث اسمه الرحمن؛ لتجلِّي وجوده الساري في جميع الموجودات عليهم. بخلاف المحققين؛ فإن عبادتهم له سبحانه وتعالى من حيث اسمه الله؛ لثنائهم عليه بما يستحقه من الأسماء والصفات التي اتصفوا بها؛ لأن حقيقة الثناء أن تتصف بما وصفته به من الاسم، أو الصفة التي أثنيت عليه وحمدته بها، فهم عباد الله المحققون، والعارفون عباد الرحمن، وعامة المسلمين عباد الرب. فمقام المحققين: الْحَمْدُ لِلهِ، ومقام العارفين: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى * لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ، ومقام عامة المسلمين: رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ.٨

إن تنزلات الذات، كما يراها الجيلي هنا، من ظلمة العماء إلى مجالي الشهود، عبر عدد من المراتب التي تقوم الألوهة من خلالها بإطلاق الزمان ومد المكان وإظهار الموجودات فيما بينهما، وقيام الإنسان بالتعرف على الألوهة مقتديًا بتجلياتها ابتداءً من الخارج متوغلًا نحو الداخل، ليحضر في أذهاننا صورة المندالا التانترية، التي ترمز مثلثاتها الخمسة ذات الرءوس المتجه نحو الأعلى إلى التكشف التدريجي لعالم اللاهوت في عالم الناسوت، ومثلثاتها ذات الرءوس المتجهة نحو الأسفل إلى توغل العارفين في مراتب الألوهة؛ من الحد الخارجي مايا إلى النقطة المتلاشية عند المركز براهمان.

هذه هي خلاصة المعتقد الصوفي في الألوهة، كما صاغها الشيخ عبد الكريم الجيلي، وسأنتقل الآن إلى تقديم خلاصة لفكر ابن عربي٩ حول المسألة ذاتها؛ فالاثنان متفقان في كل الأساسيات، مع اختلاف في التفاصيل.
يقوم البناء السامق لصوفية ابن عربي على نظرية التجلي؛ فكل ما هو موجود في عالم الظواهر عبارة عن مَجلًى أو مظهر إلهي؛ فالحق يتجلى في الأشياء أي يظهر فيها، فيتكثَّر دون أن ينقسم. ولتقريب مفهوم التكثر من غير انقسام، يسوق ابن عربي مثالًا بديعًا مستمدًّا من الأعداد، فيقول: إن الواحد العددي هو جوهر الاثنين والثلاثة وسائر الأعداد، فهو يستصحبها في الظهور دون أن ينقسم، وهو في كل عدد يحافظ على إشارة واحدة ودلالة واحدة، وهي إشارته إلى ذاته ودلالته على هذه الذاتية. أما بقية الأعداد فلكلٍّ منها دلالتان؛ دلالة على نفسه ودلالة على الواحد المندرج أو المتكرر فيه. كذلك هو شأن الحق والعالم؛ فالذات الإلهية إذا نُظر إليها مُعرَّاة عن جميع العلاقات والنسب، لم يكن لها دلالة ولا إشارة إلا إلى نفسها، أما العالم الذي هو كثرة من صور الوجود، فله إشارتان؛ إشارة إلى نفسه وإشارة إلى الذات المندرجة في كل صورة من صوره.١٠ فظهور العالم إذًا، ليس خلقًا عن عدم، بل هو خروج من وجود علمي إلى وجود عيني. فالله يُظهر الممكنات التي يدعوها ابن عربي بالأعيان الثابتة إلى الوجود المحسوس، ويُعطيها وجودها باسمه الظاهر؛ فهو الظاهر في كل صورة والمتجلي في كل وجه، وهو الوجود الواحد، والأشياء موجودة به معدومة بنفسها. إلا أن وجود الحق لا ينحصر ويتحدد بظهوره في المظاهر، بل إن له وجودًا مُتعاليًا خاصًّا به، فبينما يتجه اسمه الظاهر نحو الخارج، فإن اسمه الباطن يتجه نحو الغيب ولا يكون فيه تجلٍّ أبدًا. وهذا ما يفرق بين المفهوم المادي لوحدة الوجود، الذي يقول بأنه لا وجود لشيء سوى العالم الذي يقال له الله، ومفهوم ابن عربي.١١ يقول في الفتوحات المكية:

«فهو تعالى المتجلِّي في كل وجه، والمطلوب في كل آية، والمنظور إليه بكل عين، والمعبود في كل معبود، والمقصود في الغيب والشهود، لا يفقده أحد من خلقه بفطرته وجِبلته؛ فجميع العالم له مُصلٍّ وإليه ساجد.» وأيضًا: «ما ثَم إلا الله، والممكنات ثابتة» (ج٤، ٤١٠)، و(ج٣، ٤٤٩).

والمقصود بالممكنات الثابتة هو ثبوت الممكنات أو تجذُّرها في العدم؛ فهي الأعيان أو المُثل الثابتة في علم الله، المعدومة في العالم الخارجي. وهذه الأعيان رغم ظهورها في الوجود الخارجي، فإنها لم تُفارِق عالم الإمكان. يقول في الفتوحات:

«ثم لما ظهرت في أعيانها … فإن الإمكان ما فارَقها حكمه … فلما كان الإمكان لا يفارقها طرفةَ عين ولا يصحُّ خروجها منه … فما لها خروج من خزائن إمكانها، وإنما الحق سبحانه فتح أبواب هذه الخزائن حتى نظرنا إليها ونظرت إلينا، ونحن فيها وخارجون عنها» (ج٣، ١٩٣).

ذلك أن الممكنات لا تنتقل أبدًا إلى حيز الوجود الفعلي، رغم أننا نطلق عليها اسم الموجودات؛ لأن الموجود الحقيقي هو الذي يستطيع أن يسند وجوده بنفسه دون أي مدد من جهة خارجة عنه؛ وهذا مُحال بالنسبة إلى الكثرة الظاهرية؛ لأن وجودها مستمد من الذات الإلهية التي تمدها به في كل لحظة. وهذا ما يقودنا إلى مفهومَين آخرين من المفاهيم الأساسية لوحدة الوجود عند ابن عربي، وهما: الخلق الدائم، والوجود الخيال.

إن خلق الله العالم، أي إظهاره من خزائن الممكن، لم يحدث مرةً واحدة في بداية الزمن، وإنما هو خلقٌ دائم يجري في كل لحظة. فمع كل نفس من أنفاس الإنسان يعود إلى الفناء ثم يسترده الرحمن إلى الوجود ثانيةً. والإيقاع ذاته يسري على بقية الموجودات التي هي فانية فموجودة ففانية مرةً أخرى، وهكذا إلى ما شاء الله. يقول في الفتوحات:

«إن العالم الحسي والكون الثابت — أي المزروع في العدم — استحالات مع الأنفاس لا تدركها الأبصار ولا الحواس، وذلك لتغيير الأصل الذي يمده، وهو — أي الأصل — التحول الإلهي في الصور … وهو قوله تعالى: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ … فلما كان الله كل يوم هو في شأن، كان تقليب العالم، الذي هو صورة هذا القالب، من حال إلى حال مع الأنفاس، فلا يثبت العالم قط على حال واحدة، زمانًا فردًا؛ لأن الله خلَّاق على الدوام. ولو بقي العالم على حالٍ واحد زمانَين لاتَّصف بالغنى عن الله» (ج٣، ١٩٨–١٩٩). وأيضًا: «فهو خلَّاق على الدوام، والعالم مفتقِر إليه تعالى على الدوام افتقارًا ذاتيًّا» (ج٢، ٢٠٨). وأيضًا: «واعلم أنه ليس في العالم سكونٌ البتة، وإنما هو متقلب أبدًا دائمًا من حال إلى حال، دنيا وآخرة، ظاهرًا وباطنًا» (ج٣، ٣٠٣–٣٠٤).

في كل لحظة تغيب صور المخلوقات لتحل محلها صورٌ أخرى فيما يأتي من اللحظات، ورغم أن هذه الصور الأخرى تبدو استمرارًا للصور الغائبة، إلا أنها جديدةٌ كل الجدة، وهي تحل محل سابقتها دون فاصل زمني ملحوظ؛ لأن الذهاب هو في الآن نفسه بقاء لما يُظهره التجلي الثاني. يقول في الفصوص:

«إن كل تجلٍّ يعطي خلقًا جديدًا ويذهب بخلق؛ فذهابه هو عين الفناء عن التجلي، والبقاء لما يعطيه التجلي الآخر، فافهم» (الفص ١٢، فقرة ١٤ت).

لقد أدرك ابن عربي بحدسه المبدِع ما توصَّلت إليه اليوم فيزياء الكم حول طبيعة الكون والمادة؛ فالوجود عبارة عن طاقةٍ ذات ذبذبات متغيرة، وليست تبديات هذه الطاقة نفسها والظواهر المرئية التي تشكلها إلا اختلافات في درجة الذبذبة. وسواء رأينا إلى هذه الطاقة في طبيعتها الموجية أو الكمومية، فإنها تأتي دومًا على دفقات متقطعة، لا كسيَّالة مستمرة. فالوجود كله والحالة هذه يحدث بشكل متقطع رغم استمراريته الظاهرة لنا.

ثم إن إمداد الصور بقوامها من قِبل الحق يتم بفعل الفيض، وهو على نوعَين؛ الفيض الأقدس والفيض المقدس. فالفيض الأقدس هو تجلِّي الذات الأحدية لنفسها في جميع الممكنات التي لم تخرج إلى عالم المظاهر بعد، بل هي مجرد قوابل للوجود، وهي الأعيان الثابتة في العدم التي ألمحنا إليها سابقًا. فإذا ظهرت هذه الأعيان الثابتة في العالم المحسوس، كان الفيض المقدس، الذي يتجلى الواحد من خلالها في صور الكثرة الوجودية. ولهذا الفيض المقدس صفة الدوام والاستمرار؛ فلو جرى الفيض مرة واحدة، بداءة، واستمرت الممكنات في العالم الحسي بذاتها بعده، لقامت المخلوقات بقواها الذاتية في غنًى عن مُوجِدها، وهذا مُحال. من هنا لا بد أن يكون الفيض مستمرًّا، والخلق دائمًا في كل لحظة، وأن يكون الله خالقًا على الدوام.١٢ يقول:
«ويتطرق إليهم، أي إلى المخلوقات، الأفول والشروق، والتغير والبطلان، والتنقل من حالة إلى حالة أبدًا؛ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (قرآن كريم). فهم الموجودون بغيرهم، والوجود لهم عارية ومجاز ومستعار. ولو كان الوجود لهم حقيقة لأشبه وجود الحق، تعالى الله علوًّا كبيرًا. ألا كل شيء ما خلا الله باطل، وكل شيء هالك إلا وجهه. فبهذا نفهم أنه لا يسع مع وجوده تعالى شيء البتة؛ لأن البطلان يتطرق إلى الأشياء مع الخطرات، وما استفادت الممكنات من الحق تعالى إنما هو شروق شمس الإيجاد عليهم، ولو أمسك تجديد الإيجاد عنهم طرفة عين لانعدموا بلا زمان في أسرع من طرف العين» (تذكرة الخواص، ٤).١٣
وينجم عن قول ابن عربي بالخلق المستمر، واتصال المخلوقات بخالقها اتصالًا غير مكاني ولا زماني، يهبها الوجود في كل لحظة، تصورٌ للكون كمتصل مندمج غير منقطع؛ فكل حقيقة أو مرتبة في العالم متصلة بغيرها، بحيث تستمد من الأعلى وتمد الأدنى. ويجري هذا الإمداد عبر ما يدعوه ابن عربي بالرقائق. والرقائق هي صلات ممتدة بين الحقائق تُشبه في رقتها أشعة الشمس في امتدادها إلى البصر؛ فكل حقيقة يشع منها رقائق تربطها بالحقائق الأعلى والأدنى، وعلى هذه الرقائق يصل الإمداد العلمي والوجودي من الحقائق الأعلى إلى هذه الحقيقة، وعليها توصيل الإمداد إلى الحقائق الأدنى.١٤ وهذا ما يوصلنا إلى آخر الجوانب المهمة في معتقد وحدة الوجود، وهو: الكون الخيال.

فإذا كان الوجود الحقيقي هو لله وحده، فإن كل وجود آخر لا يعدو أن يكون خيالًا، أو بالأحرى نتاج فِعل الخيال الخلَّاق عند الذات الإلهية؛ فالحياة حلم، وكذلك كل ما نراه من صور الوجود الخارجي، فإنها خيال في خيال. وإلى هذا يشير الحديث الشريف الذي يقول: «الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا.» يقول في الفصوص:

«فالعالم متوهَّمٌ ما له وجود حقيقي، وهذا معنى الخيال؛ أي خُيِّل لك أنه أمر زائد قائم بنفسه خارج عن الحق، وليس كذلك في نفس الأمر … فاعلم أنك خيال، وجميع ما تدركه مما تقول فيه ليس أنا، خيال. فالوجود كله خيال في خيال، والوجود الحق إنما هو لله، خاصةً من حيث ذاته لا من حيث أسماؤه» (الفص ٩، فقرة ٧ و٨).

والخيال هو هذا الجريان الدائم، وما نراه عن تبدل في عالم الخلق. يقول في الفتوحات:

«وحقيقة الخيال التبدل في كل حال والظهور في كل صورة، فلا وجود حقيقي لا يقبل التبدل في كل حال والظهور في كل صورة، فلا وجود حقيقي لا يقبل التبدل إلا الله. فما في الوجود المحقق إلا الله، وأما ما سواه فهو الوجود الخيالي … فكل ما سوى ذات الحق خيالٌ حائل وظلٌّ زائل، فلا يبقى كون … ولا شيء مما سوى الله على حالة واحدة، بل تتبدل من صورة إلى صورة دائمًا وأبدًا» (ج٢، ٣١٣).

والخيال قدرة على التشكيل؛ ولذلك فإنه مُعادِل للقدرة الإلهية ذاتها. يقول في الفتوحات:

«ما أوجد الله أعظم من الخيال منزلة ولا أعم حكمًا، يسري حكمه في جميع الموجودات والمعدومات من محال وغيره؛ فليس للقدرة الإلهية فيما أوجدته أعظم وجودًا من الخيال، منه ظهرت القدرة الإلهية … وهو حضرة المجلى الإلهي في القيامة» (ج٣، ٥٠٨).

مع هذا المقطع من الفتوحات المكية تكتمل أمامنا الخطوط الرئيسية لمفهوم الخيال عند ابن عربي. ونستطيع هنا أن نلاحظ مدى اقتراب هذا المفهوم عنده من مفهوم اﻟ Anitya في البوذية، والذي يؤدي معنى الجريان المستمر والتغير الدائم لكل ما في الوجود، وهو أحد الأسباب الرئيسية في الألم والشقاء، على ما تقرِّره الحقيقة الأولى من الحقائق النبيلة الأربع عند البوذا. كما يمكن أن نلاحظ بسهولةٍ مدى اقتراب مفهوم الخيال عند ابن عربي، الذي يتجلى كقدرة فعالة تُظهر الموجودات، من مفهوم المايا في الفكر الهندي؛ فالمايا كما شرحنا سابقًا هي الوجود الوهمي للظواهر، وأيضًا هي القوة الخلاقة للمطلق، بها يستعين على تشكيل مظاهر الكون المرئي. وتحصل المطابقة بين المفهومين عندما نرى أن ابن عربي يشير إلى الطبيعة، التي هي خيال، على أنها الأم العالية للكون، والتي تعادل مايا-شاكتي، القوة الأنثوية الخلافة المنبعثة عن المطلق في الفكر الهندي. يقول في الفتوحات:

«وليس إلا الطبيعة في هذه الدار، فإنها محل الانفعال … لأنها للحق بمنزلة الأنثى للذكر، ففيها يظهر التكوين؛ أعني تكوينًا على ما سوى الله … فللطبيعة القبول … فهي الأم العالية الكبرى للعالم» (ج٤، ١٥٠).

ويلجأ ابن عربي إلى استخدام زمرة أخرى من الرموز لمعالجة مسألة تجلي الألوهة في الطبيعة؛ فالألوهة لا تفعل في الطبيعة بشكل مباشر، بل بشكل غير مباشر، وعبر مرتبتين ينتقل الفعل خلالهما من الجانب الإلهي إلى المظاهر الطبيعية، وهما العقل الكلي أو القلم، والنفس الكلية أو اللوح المحفوظ؛ فقد ورد في الحديث الشريف: «إن أول ما خلق الله العقل.» وورد أيضًا أنه: «أول ما خلق الله القلم.» فالعقل والقلم صنوان. يقول:

«فأول موجود ظهَر، مقيد فقير، يُسمى العقل الأول، ويُسمى الروح الكلي، ويُسمى القلم … وله أسماء كثيرة باعتبار ما فيه من وجود.»١٥

ويقول أيضًا:

«فأول ما أوجد الله تعالى من عالم العقول المدبرة، جوهر بسيط لا صفة له، مقامه الفقر والذلة والاحتياج إلى باريه وموجوده ومبدعه، له نسب وإضافات ووجوه كثيرة، لا يتكثر في ذاته بتعددها، فيَّاض بوجهين من الفيض؛ فيض ذاتي وفيض إرادي … وله افتقار ذاتي لموجده سبحانه … وسمَّاه الحق سبحانه وتعالى في القرآن حقًّا وقلمًا وروحًا، وفي السنة عقلًا.»١٦

ويتجه فعل العقل، الذي هو بمثابة القلم، إلى النفس الكلية التي هي بمثابة اللوح، فينتقش عليها ما سيَكون في العالم إلى يوم القيامة. وهذه بدورها تنقل ما حملته من القلم لتُظهره واقعًا في عالم الموجودات، فيكون لها الانفعال (عن القلم) والفعل (في الطبيعة)، أما العقل فيبقى ملتزِمًا دوره الفاعل. يقول في الفتوحات:

«وأين مرتبة الفاعل من المنفعل؟! ألا ترى النفس الكلية التي هي أهل للعقل الأول، ولما زوَّج الله بينهما لظهور العالم كان أول مولود ظهر عن النفس الكلية هو الطبيعة.» وأيضًا:

«أول متعلم قبل العلم بالتعلُّم لا بالذات: العقل الأول. فعَقِل عن الله ما علَّمه، وأمره أن يكتب ما علَّمه في اللوح المحفوظ الذي خلقه منه … واسم اللوح المحفوظ عند العقلاء: النفس الكلية. وهو أول وجود انبعاثي منفعل عن العقل، وهي (أي النفس) للعقل بمنزلة حواء لآدم.» وأيضًا: «فكان بين القلم واللوح نكاحٌ معنوي معقول، وأثرٌ حسِّي مشهود … وكان ما أُودع في اللوح من الأثر مثل الماء الدافق الحاصل في الرحم، وما حصل من تلك الحكاية من المعاني المودَعة في تلك الحروف الجرمية بمنزلة أرواح الأولاد المودعة في أجسامهم» (ج٣، ٣٩٩؛ وج١، ١٢٩).

كل هذا يصل بنا إلى نتيجةٍ مهمة في فكر ابن عربي، وفي الفكر الصوفي عامة، حول تشخيص الألوهة وتجريدها، أو بالمصطلح الصوفي تشبيهها وتنزيهها. فالتشبيه والتنزيه متلازمان؛ لأن التنزيه يتطلب التشبيه، والتشبيه لن يقود إلا إلى التنزيه. ويذهب ابن عربي في القول بتلازم التشبيه والتنزيه مذهبًا يوصله إلى القول بأن كل المعبودات التي توجَّه إليها البشر في كل مكان وزمان، لم تكن في واقع الحال إلا مجالي أسماء الله، وأن التوجه إليها بالعبادة لم يكن إلا طريقًا لمعرفة الذات الإلهية الحقة؛ لأن الله قال في كتابه: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ، ولم يقل: وأمر ربك ألا تعبدوا إلا إياه. فكل عبادة تتوجه والحالة هذه لغير الله مآلها إليه. يقول في فصوص الحكم عن قوم نوح:

«فقالوا في مكرهم: وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (قرآن كريم)؛ لأنهم إذا تركوهم جهلوا من الحق على قدر ما تركوا من هؤلاء؛ فإن للحق في كل معبود وجهًا يعرفه من يعرفه ويجهله من يجهله. فما عُبد غير الله في كل معبود» (الفص ٣، فقرة ٨).

وهو يجد في القرآن الكريم العديد من الآيات التي تقرن التنزيه بالتشبيه، ومنها: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ. ففي قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ تنزيه، وفي قوله: وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ تشبيه. من هنا يقول الشيخ شعرًا:

فإن قلت بالتنزيه كنت مقيدا
وإن قلت بالتشبيه كنت محددا
وإن قلت بالأمرين كنت مسددا
وكنت إمامًا في المعارف سيدا
(الفص ٤، الفقرة ٤)

والتشبيه عنده أمرٌ يتطلبه بطون الذات الإلهية؛ إذ لا بد من صلةٍ تصل هذا المحدود بذاك اللامحدود. يقول في الفصوص:

«وبالجملة، فلا بد لكل شخص من عقيدة في ربه يرجع إليه ويطلبه فيها. فإذا تجلى له الحق فيها أقرَّ به، وإن تجلى له في غيرها أنكره … فلا يعتقد معتقد إلهًا إلا بما جعل في نفسه. فالإله في الاعتقادات بالجعل، فما رأوا إلا نفوسهم وما جعلوا فيها» (الفص ١٠، الفقرة ١٣).

إلا أن من قطع شوطًا في مسار العارفين، يجب ألا يتقيد بصورة دون أخرى، بل عليه أن يقبل الصور جميعًا، وما هو فوق هذه الصور. يقول أيضًا:

«فإياك أن تتقيد بعقد مخصوص وتكفر بما سواه فيفوتك خيرٌ كثير، بل يفوتك العلم بالأمر على ما هو عليه؛ فكُن في نفسك هيولى لصور المعتقدات كلها، فإن الله تعالى أوسع وأعظم من أن يحصره عقد دون عقد، فإنه يقول: فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ» (الفص ١٠، فقرة ١٣).

هذه الصورة التي يكوِّنها الإنسان عن الألوهة هي صورة مخلوقة من صنعه، ويدعوها ابن عربي بإله المعتقدات، أو الإله المجعول، أو الحق الاعتقادي. يقول:

«فلا يشهد القلب ولا العين أبدًا إلا صورة معتقده في الحق» (الفص ١٢، فقرة ٧).

وصورة المعتقد هذه هي بشكل من الأشكال وثنٌ يوضع بين الحق والخلق. يقول: «فما ثَم إلا عابد وثنًا» (الفتوحات، ١٨٦ / ٤).

•••

وهكذا نعود من رحلتنا في معتقدات الإنسان إلى نقطة المبتدى؛ فالوثن الذي يراه ابن عربي قائمًا بين الإنسان والذات الإلهية، ما هو إلا شارة القداسة التي أقامها إنسان العصر الحجري في محاريبه ورسمها على جدران كهوفه. وها نحن نقف بخشوع أمام رأس الثور في المريبط وشتال حيوك، وندلف إلى أعماق كهف لاسكو حيث الظلال تنعكس على مشهد البيسون المتحفِّز للانطلاق. فما هذا إلا ذاك. ولكم ذهب الإنسان بعيدًا ليُعيد صياغة المعتقد نفسه ولكن بأشكال جديدة. لقد قام برحلة عقلية طويلة، ولكنه لم يتحرك قيد أنملة من مكانه في رحلته النفسية.

١  الشيخ عبد الكريم الجيلي، الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل، ص٢١، ٢٢، ٧١.
٢  المرجع نفسه، ص٤٢–٤٣.
٣  المرجع نفسه، ص٣٧ و٢٧.
٤  المرجع نفسه، ص٤٥–٤٦.
٥  المرجع نفسه، ص٤٦.
٦  المرجع نفسه، ص٤٨–٤٩.
٧  المرجع نفسه، ص٦٧.
٨  المرجع نفسه، ص١٢٩.
٩  مراجعنا المعتمدة هنا عن فكر ابن عربي هي:
  • الفتوحات المكية لابن عربي، دار صادر، بيروت.

  • فصوص الحِكم، لابن عربي، شرح وتقديم أبو العلا عفيفي، دار الكاتب العربي، بيروت.

  • الرسائل، لابن عربي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

  • إنشاء الدوائر، لابن عربي، دار المثنى، بغداد.

  • المعجم الصوفي، للدكتورة: سعاد الحكيم، دار دندرة، بيروت.

١٠  انظر الفتوحات المكية، ج٣، ص٤٩٤؛ وكذلك فصوص الحِكم، الفص ٤، مع شروح عفيفي، ج٢، من ٥٢: ١٦٢.
١١  انظر شروحات د. سعاد الحكيم، ص٤٢٦ و١١٤٩، على الفتوحات، ج٤، ٨٦ و٢٧٩؛ وعلى الفصوص، فص ١٠.
١٢  انظر شروحات عفيفي، ج٢، ٨–٩؛ وسعاد الحكيم، ص٨٨٨–٨٩٠.
١٣  أوردتها د. سعاد الحكيم، ص١١٣٤.
١٤  انظر سعاد الحكيم، ص٥٣٥–٥٣٦.
١٥  رسائل ابن عربي، كتاب المسائل، ص٩، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
١٦  ابن عربي، إنشاء الدوائر، ص٥١–٥٢، مكتبة المثنى، بغداد.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٣