الفصل الثاني

وحش البرية مع كاهنة الحب

(في المستوى الأدنى جماعة من شيوخ أوروك مُصطفين إلى أقصى اليسار. وفي المستوى الأعلى تظهر على التوالي كاهنة المعبد شمخات ثم إنكيدو، وبعض الشخصيات التي يُسلَّط عليها الضوء قليلًا قبل أن تختفي. في المستوى الأول تدور مشاهد أخرى تجمع بين جلجاميش وأمه، أو بين إنكيدو وجلجاميش، اللذين يتحلق حولهما نفر من أهالي أوروك. الراوية يقص الأحداث ويُعلق الشيوخ تعليقاتٍ مختصرة. تُسمع أصوات الطبول كما في اللوحة السابقة وهي تردِّد صيحاتٍ عرفناها من قبل.)

جلجاميش
يوقظنا في جوف الليل،
على صوت الطبل.
جلجاميش
الملك العادل،
والراعي الكامل،
للأرملة وللشيخ العاجز والطفل.
جلجاميش
جبَّارٌ ظالم.
طاغيةٌ آثم.
ينتزع من الوالد ولده،
ومن الأم ابنتها،
ومن العاشق محبوبته الحلوة.
جلجاميش ثورٌ وحشي.
بطلٌ مفتول البُنيان.
الراوية : ثار أهالي أوروك وتجدَّدت ثورتهم. رفعوا أيديهم وأصواتهم إلى أب الآلهة آنو الجليل والآلهة نادت ربَّة الخلق: يا آرورو، أنت خلقت ما أمر به آنو، فاخلقي الآن ما يأمر به. ليكن جامحًا مثل الآخر وجيَّاش الفؤاد، وليتنافسا معًا فتستريح أوروك وتلتقط الأنفاس. لم تكد آرورو تسمع هذا حتى سوَّت في ضميرها ما أمر به الإله. تملَّت صورته في فؤادها على صورته، غسلت يدَيها، وقبضت قبضة طين رمتها في الفلاة: خلقت إنكيدو الجبَّار، من نسل الليل الساكن.١ وحباه القوةَ والبأس نينورتا المُحارب السدود والقنوات. يكسو الشعر جسده كله، وشعر رأسه المُتموج كشعر امرأة ينسكب خصلات كسنابل نيسابا إلهة الغلال.
إنكيدو (يظهر في المستوى الأعلى على هيئته الفطرية وهو يردِّد) :
أرعى الكلأ مع الغزلان،
وأرِد الماء مع الحيوان،
وردائي من جلد الأسد أو الماشية
شبيه بِرداء إله القطعان سموقان.
عند النبع الصافي يفرح قلبي الجذلان.
ذات يوم رآني أحد الصيادين، ثم واجهني يومًا ثانيًا وثالثًا عند مورد الماء. ولما رآني امتقع وجهه، ومضى بطرائده إلى بيته، مذعورًا سكنت حركته، شلَّ لسانه، واضطرب جنانه، كست الوجهَ سحابةُ حزن وجهامة. فتح الصياد فمه وقال لأبيه.
الصياد (تظهر صورته في أعلى المسرح) : يا أبتِ، رجلٌ هبط من الجبل العالي، هو أقوى الناس. شديد البأس، وقوَّته تُشبِه قبضة آنو. يتجول فوق الجبل دوامًا، يلتهم العشب مع الوحش، ولا تبعد قدماه عن النبع. خِفتُ فلم أجرؤ على الاقتراب منه. ردم الحُفر التي حُفرت. اقتلع الشِّباك التي نُصبت. جعل وحوش البرية تفلت من بين يدي وأتلف عملي.

(فتح الأب فمه وقال):

الأب (يظهر في المستوى الأعلى) : اعلم يا بنيَّ أن جلجاميش يُقيم في أوروك، أبدًا لم يفُقه أحد في قوَّته؛ إذ تُشبِه في شدتها قبضة آنو، وجِّه وجهك للملك، وأنبئه بنبأ الجبَّار؛ ليأمر لك ببغيٍّ تصحبها معك إلى البرية، تكسر بقوة شكيمتها قوة ذلك الرجل. وعندما يرِد الماء مع الحيوان، دعها تنضو ثوبها ليتلذَّذ باشتهائها؛ لأنه لو رآها لاقترب منها، وأنكرته الوحوش التي شبَّت معه في البرية.
الصياد : انطلقت إلى جلجاميش كما أوصاني أبي، وأبلغته بما سبق أن قلته له، وأجابني جلجاميش كما توقَّع أبي واستجاب. وغادرت أوروك ومعي كاهنة الحب التي رحت أقودها على الطريق. بلغنا غايتنا في اليوم الثالث، وقبعنا في مخبئنا أنا وبغي المعبد. قضينا اليوم الأول واليوم الثاني عند المورد. جاء الوحش وشرب، وردت حيوانات الماء وارتوت. أما إنكيدو، ابن الفلاة والجبال، إنكيدو الذي يفترس العشب مع الغزلان، ويرِد الماء مع الحيوان، فقد رأته البغي. رأت الرجل الوحش، الرجل المُفترس الآتي من أعماق البرية. صِحت بها: ها هو ذا أيتها المرأة، عرِّي نهدَيك، اكشفي صدرك، ودعيه يقطف من ثمرك، ويغوص في لذة شهوتك، لا يمنعك الخجل. تلقَّي سَورة نفسه؛ فهو مُقاربك إذا أبصرك لأول مرة. اطرحي ثوبك ينطرح عليك. علِّميه، وهو الرجل المُتوحش، صنعة المرأة. وسيُنكره الوحش تربَّى معه في البرية، والبهجة تغمرك وتنهال عليك. عرَّت ثديَيها، حرَّرت الصدر، لم تخجل منه، تلقَّت أنفاسه، بسطت أطراف الثوب، قطف الثمرة، وأرَتْه وهو الوحش الفطري صنعَ الأنثى والمرأة. ستة أيام مع سبع ليالٍ لم تغفل عينه. لما شبع من اللذة نسي الوطن ومسقط رأسه، ثم توجَّه لرفاق العمر من الحيوان. قفزت حين رأته وولَّت هاربةً منه الغزلان. نفرت منه وحوش البرية. توقَّف إنكيدو، خذلته ركبتاه، ثقل عليه الجسد، تعثَّر في الجري وما عاد كما كان، لكن ثاب إليه العقل، اتسعت آفاق الفهم، فرجع إلى البغي وركع عند قدمَيها، ثبَّت عينَيه في وجهها، فتح أذنَيه ليسمع ما يخرج من فمها من كلمات.

(يُسلَّط الضوء عليها، إنكيدو ممدَّد عند قدمَي كاهنة المعبد شمخات، يُصغي إليها بانتباه، بينما تُكلمه وتضع ذراعها على ظهره وكتفَيه وشعره.)

شمخات : إنكيدو، غِبت عليَّ.

(إنكيدو صامتٌ يتطلع إلى وجهها.)

شمخات (تُربت على شعره وكتفَيه) : ماذا جرى؟ ما هذه الدموع على يدي؟
إنكيدو : هل أنا دنس يا حبيبتي؟
شمخات : دنس؟ ماذا تقول؟
إنكيدو : خرجت أطوف على غزلاني. نظرتْ في عيني، شمَّت رائحتي، فرَّت مني مذعورة، حتى الوحوش وقفت أمامي كأنها تتحداني وتسخر مني. أنا الذي كنت أصطادها بلا عناء. يا صيَّادي الفاتن، ألقيت شبكتك عليَّ.
شمخات : أم أنت الذي ألقيت شبكتك؟ سبعة أيام عشت وسبع ليالٍ في قبضة عاصفتك ورعودك. ألم تقُلها لك وحوشك وطرائدك؟ ألم تسألك عن صيدك الذي شغلك عنها؟
إنكيدو : بل صرخت بالأسئلة: لماذا تتركنا، تتخلى عنا؟ سألتني العاصفة، السحب، الغزلان، الغابة والشجر، النهر، النبع الصافي والسنبلة الذهبية: من أخذك منا؟
شمخات : وماذا قلت لهم؟
إنكيدو : أنت، أنت الليل، البحر، النجم، الموج. عرفت جنون البحر، وعانقت الموج على جسدك. لفحتني الريح بأنفاسك، ورأيت النجم المُتلألئ في عينَيك، وتخفَّيت بكهف الشجر المُنسكب على كتفك. وتعانقنا، وتماوجنا، وتفجَّرنا ريحًا وبروقًا، حبًّا وبكاءً ووعودًا، وسطعنا نجمَين وحلَّقنا طيرَين. ننام كظلَّين، ونتناجى كعشيقين حنونين، وطفلين بريئين، أو نتصارع وحشين عبوسين، ثم نصير ربيعين، وعصفورين صغيرين.
شمخات : مهلًا! مهلًا! أنا المرأة الضعيفة أفعل كل هذا؟
إنكيدو : بل أنت امرأة من عاصفة، من لهب، من غيمٍ مُمطر. أنت الفجر أذبت فيه ليل طبيعتي المُوحشة، والبحر أطفأت فيه براكيني وأشعلتها.
شمخات (ضاحكة) : أردت أن أجعل منك إنسانًا، فأصبحت شاعرًا.
إنكيدو : ماذا تعنين؟
شمخات : كنتَ النَّسر الذي حبسته في عشي الدافئ، الأسد الظامئ الجائع الذي أويته في عرين صدري. الآن أريدك يا ملك الطيور والوحوش.
إنكيدو : كان الأفق ملكي، والشمس تاجي، والوادي والغابة عرشي، والغزال والفهد والنمر والحمار الوحشي والأسد رعيَّتي. صِرت أسيرًا لك، نسرًا في شبكتك، وأسدًا في قفصك.
شمخات : بل حرَّرتك لتُحلق وتصول. طِر أيها النسر إلى المدينة. ادخل أيها الأسد أوروك.
إنكيدو : المدينة؟ أوروك؟ ماذا تقصدين؟
شمخات : مدينة أوروك يا إنكيدو. أوروك ذات الأسوار والأسواق والمعابد والأبراج، أوروك الزينة والبهجة والأفراح والأعياد.
إنكيدو : وماذا يفعل النسر والأسد هناك؟ ماذا يفعل وحش البرية في … ماذا قلت؟
شمخات : أوروك. الشعب هنالك ينتظرك.
إنكيدو : ينتظرني أنا؟
شمخات : نعم يا إنكيدو. لقد خرجت من جلد الحيوان. أصبحت إنسانًا وازددت معرفةً وفهمًا، بل إني لأراك شبيهًا بالآلهة، فلماذا مع الحيوان تَهِيم على وجهك في البراري؟
إنكيدو : أنا الآن أتأمَّل وجهك.
شمخات : انهض يا إنكيدو فوق الأرض؛ فهي فراش الراعي. سآخذك من يدك إلى أوروك. هنالك ينتظرك نسرٌ جارح، أسدٌ يلغ في دماء ضحاياه. هنالك ينتظرك جلجاميش.
إنكيدو : جلجاميش؟
شمخات : نعم. نعم. ملك أوروك الجبَّار كثورٍ وحشي.
إنكيدو : ليُصارعه وحشٌ مِثله.
شمخات : لتجعل منه إنسانًا مثلك. تُصاحبه وتُحبه كما تُحب نفسك. ويُصاحبك ويُحبك كما يُحب نفسه. وقبل أن تصل من براريك المُترامية سيَراك جلجاميش في أحلامه.

(يتغير المنظر إلى المستوى الأدنى من المسرح، حيث يدخل جلجاميش على أمه الحكيمة نينسون أثناء صلاتها.)

صوت جلجاميش : أمي. أمي.
نينسون : هل سمعت صوته؟ إنه هو الذي أتضرع إليك من أجله.
صوت جلجاميش : أمي، أين أنتِ؟
نينسون : يا إلهي إنليل، لماذا خلقته مُضطرب الفؤاد؟

(تترك المبخرة وتتلفَّت بوجهها إلى جلجاميش الذي يدخل مُندفعًا.)

جلجاميش : أمي الحكيمة نينسون، ناديت فلم تردِّي عليَّ.
نينسون : بل سمعتك يا ولدي. كنت أدعو لك الإله إنليل.
جلجاميش : هل دعوته أن يُرسل لي أحلامًا طيبة؟
نينسون : وأن يهدئ روعك يا ولدي في الليل والنهار.
جلجاميش : اسمعي ما رأيت الليلة في الحلم.
نينسون : قل يا ولدي، ماذا رأيت؟
جلجاميش : كنت أسير بين الناس مُتباهيًا بقوَّتي.٢ هنالك احتشدتْ حولي نجوم السماء، وكقبضة آنو أو شهابه الثاقب هوى أحدها عليَّ. أردت أن أرفعه فكان شديد الوطأة عليَّ. حاولت تحريكه فلم أستطع. تجمَّع حوله أهالي أوروك، لثم رجالي قدمَيه، مِلت عليه كما أميل على امرأة، وأخذوا يُساعدونني حتى تمكَّنت من رفعه وحملته إليك. والآن، ما تفسيرك يا أمي للحلم؟
نينسون : جلجاميش، ربما وُلِد واحدٌ مثلك في البرية وتربَّى في الفلاة. إذا رأيته فسوف تفرح به، سيُقبِّل رجالك قدمَيه، وتُعانقه وتأتي به إليَّ. إن نجم السماء الذي انقضَّ عليك هو رفيقٌ قوي، يُعين الصديق في الشدة والضيق. قوَّته الجبَّارة تُشبِه قبضة آنو. ولقد مِلتَ عليه كما تميل على امرأة، غير أنه سوف يُنقذك المرة بعد المرة.
جلجاميش : إن كان هذا هو معنى الحلم، فما تفسيرك للحلم الآخر؟
نينسون : الحلم الآخر؟ إنك مُضطرب كالعادة يا ولدي.

(تُقبِل عليه في حنان، فيبتعد عنها وهو يُمسك برأسه بين يدَيه.)

جلجاميش : لكنه أعجب منه يا أمي. لا تزال الفأس أمامي، وأراها كما أراك.
نينسون : أية فأس؟ تكلَّمْ يا بني.
جلجاميش : كانت مُلقاة على الطريق في سوق أوروك. تجمَّع الناس حولها، تدافَع الشعب عليها. كم كان منظر هذه الفأس مُخيفًا! لكنني حين أبصرتها فرحت بها وأحببتها. مِلتُ عليها كما أميل على امرأة، وتناولتها ووضعتها في جنبي. ما رأيك أيتها الحكيمة العليمة بكل الأمور؟
نينسون : الحلم لا يحتاج لحكمة ولا علم.
جلجاميش : أليس الفأس نذيرًا بالدم والموت؟
نينسون : ألم تقُل إنك انحنيت عليه كما تنحني على امرأة؟ وإنك وضعته في جنبك، وربما أحضرته إليَّ ثم نسيت؟
جلجاميش : أجل. أجل. تذكَّرت.
نينسون : إن الفأس التي رأيتَ رجلٌ سوف تميل إليه كما تميل إلى امرأة، وسأجعله ندًّا لك. نفس المعنى يا جلجاميش. إنه الصديق الذي يُعين صديقه في الشدة والضيق، هو أقوى الناس في البلاد، وقوَّته تُشبِه قبضة آنو رب الأرباب.
جلجاميش (وهو يجري فرِحًا إلى أمه) : أمي، هل يبتسم لي الحظ أخيرًا؟ أخيرًا أحظى برفيق؟ هل هذا هو تفسير الحلم؟ (ينصرف مُندفعًا.)
نينسون (تُتابعه قلِقة بعينَيها) : نعم سيأتيك رفيق وصديق، وستنجذب إليه كما تنجذب إلى امرأة. لكن هل تتعلم يا ولدي معنى الحب؟ (ترفع ذراعَيها ضارعة لإنليل وهي تتجه إلى المبخرة لتُكمل صلاتها): يا إنليل، لمَ خلقت ولدي مُضطرب الفؤاد؟

(تنطفئ الإضاءة عليها، وتُسلَّط مرةً أخرى على شمخات وإنكيدو الذي لا يزال جالسًا عند قدمَيها.)

شمخات : هيَّا يا إنكيدو.
إنكيدو : إلى أوروك؟
شمخات : سنمرُّ أولًا على كوخ الرعاة. إنهم ينتظرونك هناك.
إنكيدو : ولماذا ينتظرونني؟
شمخات : ربما يريدون أن يحتفلوا بك. رأيتهم يُشيرون إلينا من بعيد. لقد بدءوا بالفعل في الرقص والغناء.
إنكيدو : وأغنِّي معهم يا شمخات؟
شمخات : بالطبع، كما يغنِّي كل إنسان.
إنكيدو : هيَّا بنا.
شمخات : هل يذهب إليهم شهاب آنو الثاقب وعليه جلد الحيوان؟ لا، لا يا إنكيدو. يحتاج الإنسان إلى زي الإنسان.

(تخلع ثوبها. تكسوه بنصفه وتكسو نفسها بالنصف الأخر. يقترب منها ليُعانقها. تتمنع عليه، فيمدَّ يده إليها.)

إنكيدو : ألا تأخذينني إليهم؟
شمخات : كما تأخذ الأم بيد طفلها الصغير.

(يتوافد الرعاة على المكان ومع كل منهم قطعة من قطع الديكور؛ كرسي أو مائدة أو إبريق أو كأس أو خبز. وبينما يتجمعون حول إنكيدو تحكي شمخات ما جرى في بيت الرعاة.)

شمخات : التفُّوا حوله وهم يُهللون ويهتفون ويُغنون.
صوت :
وحش البرية. رب القطعان.
من أكل العشب مع الغزلان،
وورد النبع مع الحيوان.
يدخل كإلهٍ بيت الإنسان،
ويلبس زيَّ الإنسان.
صوتٌ آخر : يخطر في ثوب العرس كدوموزي الراعي الطيب.
صوتٌ ثالث : بل نصف الثوب فحسب.
صوتٌ رابع : والنصف على كتفَي عشتار سيدة الحب.
صوتٌ خامس : لا تنس. سيدة الحب وسيدة الخصب.
صوتٌ سادس : حاذِرْ أن تُغضب شمخات.
عشتار كذلك سيدة الحرب.

(يضحكون ويرقصون.)

شمخات : هو الذي تعوَّد أن يرضع لبن الحيوانات الوحشية، وضعوا الخبز أمامه فارتبك، نظر إليه وحدَّق فيه. قدَّموا له الخمر فلم يعرف كيف يشربها. فتحت فمي وقلت يا إنكيدو! كُلِ الخبز؛ فهو زاد الحياة! واشرب الخمر؛ فهذه عادة البلاد!
وأكل إنكيدو من الخبز حتى شبع، وأخذ من الشراب القوي سبعة أقداح. فرِح قلبه، وأشرق محيَّاه، ودار حوله الرعاة وهم يرقصون ويصيحون:
سبعة أرغفة.
سبعة أقداح.
الخبز وفير.
والخمر مُتاح.
كُلْ يا إنكيدو،
واشرب ما شئت؛
فالعرس بهيج،
وعروسك شمخت.
ولد الإنسان،
وانهزم الوحش.
الحب رماه،
أدخله العش.
سبعة أرغفة.
سبعة أقداح.
الخبز وفير.
والخمر مُتاح … إلخ.
شمخات : غسل إنكيدو جسده الكثيف الشعر بالماء، ومسح بالزيت فأصبح بشرًا، ثم لبس ثوبًا فبدا كالعريس، وجرَّد سلاحه وانطلق يُهاجم الأسود، فاستطاع الرعاة أن يأووا إلى فراشهم ويناموا الليل. قتل الذئاب، وطارَد الأسود، فاستراح الحراس العجائز؛ إذ أصبح إنكيدو راعيهم؛ إنكيدو الحارس اليقظ، الرجل النادر الفريد.
عاد من صيده للذئاب والأسود، وأسلم نفسه للبهجة والفرح.

سألته: ما الذي يُبهجك إلى هذا الحد يا إنكيدو؟ قال: أصبحت الآن على استعداد. تعجَّبت وقلت: ماذا تعني؟ قال: سأخبرك فيما بعد. ورفع بصره فلمح رجلًا مُسرعًا في سيره، قال: يا كاهنة الحب، أريد أن أعرف إلى أين يُسرع هذا الرجل. لماذا جاء إلى هنا؟ أريد أن أناديه باسمه. ناديت على الرجل، اقتربت منه وقلت: أيها الرجل، إلى أين تمضي مُسرعًا؟ ما هي وِجهتك؟ فتح الرجل فمه وقال لإنكيدو: اقتحمَ بيتَ الأسرة. أريد أن أقودك إليه لترى بنفسك. سأله إنكيدو: ماذا تقصد؟ من الذي تريدني أن أراه؟ قال الرجل: امتهنَ حرمةَ الزوجية. حكم على الرجال في أوروك أن يتركوا بيوتهم مفتوحة ليدخل على العروس قبل زوجها في ليلة الزفاف. أفهمهم أن هذا هو أمر الآلهة وتقديرهم منذ أن وُلِد وقُطع حبله السُّري. رفع إنكيدو صوته في غضب: من هو هذا الرجل؟ تكلَّمْ. قال: إنه جلجاميش. صاح إنكيدو: هل قلت جلجاميش؟ ملك أوروك؟ همس الرجل وهو يرتجف: نعم يا سيدي. إنه يقوم بأعمالٍ مشينة في أوروك ذات الأسواق. وعندما تُدَق الطبول تبدأ سخرة الرجال بحمل السلال الحجرية، وتبدأ سخرة النساء بإطعام المدينة. إنه على وشك أن يبدأ طقوس الزواج المقدَّس من إلهة الحب عشتار، ومع ذلك يُصرُّ على أن يكون أول من يدخل بالعروس.

عندما سمع إنكيدو كلام الرجل شحب وجهه، هزَّ رأسه كالأسد الغاضب ثم زأر: سأذهب إلى المدينة التي يستبدُّ فيها جلجاميش بالناس، سأتحدَّاه وأصرخ في أوروك: «لقد أتيت لأغيِّر النظام القديم، أتيت لأغيِّر قانون الأشياء؛ لأني أنا الأقوى في هذا المكان.» نظرت في وجهه وقلت مُداعبةً: لم تقُل لي يا إنكيدو، لماذا غمرتك البهجة قبل قليل؟ انبسطت أساريره وابتسم وقال: لأني تطهَّرت من الدنس. سألت: ماذا تقصد؟ قال: بعد أن قتلت الأسود والذئاب، لم تعُد الغزلان تفرُّ من وجهي. أقبلت عليَّ كما كانت تفعل ونظرت في عيني.

(تُطفأ الأضواء على إنكيدو وشمخات، وتُسلَّط على الراوية.)

(يتغير المنظر، ويظهر شارع في أوروك، وإلى اليمين بوابة معبد إينانا المقدَّس.)

الراوية : لم تأخذه من يده كما تأخذ الأم طفلها الصغير من يده؛ فلقد غادر إنكيدو جلد الوحش وسكن بقلب الإنسان وعقله. مشى في المقدمة ومن ورائه كاهنة الحب. لم تفتح فمها طوال الطريق بكلمةٍ واحدة. وكلما حانت منها التفاتة إليه رأت وجهه الشاحب العبوس. لما دخلا من أبواب السور العالي الذي يحمي أوروك، أوروك الفسيحة ذات الأسواق، وجدا الناس في الانتظار. تجمَّعوا حولهما، وأخذوا يصيحون في دهشة وذهول.
صوت : إن جسده الجبَّار يفوق كل أبطال المدينة.
صوت : استجابت لنا سيدة الخلق وبعثت ثورًا وحشيًّا.
صوت : إنه صورة من جلجاميش.
صوت امرأة : هو أقصر قامة منه، لكنه أصلب عودًا وأقوى عظامًا.
صوت : تعوَّد في مسقط رأسه أن يأكل أعشاب الربيع.
صوت : ويرضع لبن الحيوانات البرية.
صوت : ظهر البطل الجبَّار، نِدُّ البطل الكامل جلجاميش.
صوت : وسنسمع دومًا في أوروك قعقعة السلاح.
صوت : أخيرًا وجد جلجاميش من يُنازله في الصراع.
صوت امرأة : سوف تستريح أوروك.
أحد الشيوخ : صدقت يا أختي. لكن، هل تستريح أوروك؟
الراوية : هل قلتم شيئًا أيها الشيوخ؟
أحد الشيوخ : لا. لا. لم يحِن الوقت.
الراوية : كان الاستعداد للعُرس الإلهي قد بدأ منذ الفجر. فُرِش البساط على الطريق العظيم إلى معبد إينانا، أو عشتار. لبس الناس ملابس العيد البيضاء. وفي المعبد نفسه أُعدَّ فِراش العروس لكاهنة المعبد التي ستتلقَّى عريسها الملك الجميل والبطل الجبَّار، وتُمارس معه طقوس الحب والخصب التي تجدِّد دورة الطبيعة وازدهار الأرض والحياة.

(يظهر إنكيدو على عتبة باب المعبد، ثم يظهر جلجاميش ويتصارعان. يمكن تصوير المشهد بالتمثيل الصامت.)

الراوية : وقف إنكيدو على عتبة المعبد المقدَّس. سدَّ الجسد الهائل مدخل الباب، وهتفت عذراء: انظروا للجبل الذي أرسله «آنو» الجليل من جباله الشماء. لمح رجال جلجاميش الذين سبقوه على الطريق رجل البرية وجدائل شعره الكثيف التي غطَّت غاية جسده، ورأسه الضخم، ولحيته العظيمة. اقتربوا منه فردَّتهم نظرات الشهاب الغاضب عند الباب. اندفع الشعب المُزدحم عليه، أحنَوا رءوسهم أمام المعجزة، سقط البعض على قدمَيه وقبَّلوها، شعروا بالرهبة والخوف كأطفالٍ مذعورة.
غادر جلجاميش قصره، واتَّجه بموكبه نحو المعبد، وأبصر وحش البرية يقف على الباب ويسدُّ عليه الطريق إلى المخدع المقدَّس. تقدَّم كالوحش الهائج منه، وقابله إنكيدو عند الباب. تماسكا كثورَين غضوبين يتصارعان ويخوران، فتَهدِر أنفاسهما اللاهثة المُتحشرجة كما يزأر إعصار وتئزُّ النار. اهتزَّت أعمدة الباب وزلزلت الحيطان. سحقا العتبة وارتجَّ جدار. نزلا للشارع وواصلا النزال. كالجيش الكامل وقع إنكيدو فوق جلجاميش، لكن الملك تمكَّن منه كما لو كان امرأة فلَواه ووقع عليه. وقف جلجاميش، ثنى ركبته، ثبَّت قدمه في الأرض، لفَّ ذراعَيه عليه وألقاه على الأرض. عندئذٍ هدأت ثورة غضبه وتحوَّل عنه، والشعب الذاهل أخذته الرهبة من قوة جلجاميش. نهض إنكيدو واقفًا على قدمَيه، تدلَّى ذراعاه إلى جنبه وبدا الإرهاق على وجهه. نادى جلجاميش والدمع ترقرق في عينَيه: في هذا العالم يا جلجاميش ليس لقوَّتك نظير. ولدتك البقرة الوحشية، أمك الحكيمة نينسون، ليعلوَ رأسك فوق جميع الرءوس، والملك الرائع قدَّر لك إنليل. قوَّتك ومجدك فاقت قوة أمراء العالم.
الراوية (مُواصلًا كلامه) : هنا فجوة في العمود السادس من اللوح الثاني، والفجوة تبلغ ما يقرب من عشرة أسطر، يتبعها هذا السطر الواحد:
قبَّلا بعضهما، وختما ختم صداقتهما، ثم امتدَّت أيديهما فتعانَقت كف مع كف، وغادرا السوق متَّجِهين إلى الخلاء.
شمخات (تُقاطعه) : وجريت وراء إنكيدو وأنا أبكي وأقول: إنكيدو، يا إنكيدو، لا تنسَ أوروك! لا تنسَ الشعب!
الشيوخ :
لكن إنكيدو لم يلبث أن نسي الشعب.
أنساه الحب لجلجاميش آلام الناس.
أما جلجاميش فتذكَّر ما قالت أمه،
وتذكَّر حشد الأنجم وشهاب الأفق الثاقب والفأس:
ستجد صديقًا يؤنس وحشتك.
يعينك في وقت الشدة والبأس،
ويُنقذك من الكرب،
بين جوانح إنكيدو خفق القلب.
في عقل البطل الجامع دقَّت أجراس المجد،
ودوَّى طبل الحرب.
في أوروك المُزدحمة كتم الناس الأنفاس،
بدأ البطلان طريقهما المفروش بأهوال الرعب.
أما أوروك ذات الأسوار،
فقد بدأت فيها أحزان الشعب.
الراوية :
معذرةً يا شيخ! فلنتبع بطلَينا نحو الغابة،
ولنقطع أولى خطوات الدرب.

(تُطفأ الأنوار. يُسمع صوت شمخات وهي تُنادي باكيةً يتبعه صوت الأم نينسون.)

شمخات :
إنكيدو، لا تنسَ أوروك!
إنكيدو، لا تنسَ أوروك!
نينسون :
ولدي المُضطرب المسكين!
ولدي المُضطرب المسكين!
هل يعرف قلبك معنى الحب؟
(إظلام)

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١