الفصل الثالث

السفر لأرض الأحياء

الراوية : خرجا من بوابة أوروك ذات المزاليج السبعة، واتَّجها نحو الغابة. تشابكت يداهما كما تتشابك أيدي العُشاق، شعر كلٌّ منهما بما يدور في عقل صاحبه، أحسَّ بنبض فؤاده. نظر جلجاميش إلى وجه صديقه، رأى الدموع تملأ عينَيه، وصدره يعلو ويهبط. عانَقه، ضغط على يده، أجلسه فوق العشب وقال:

(إنكيدو وجلجاميش يجلسان على العشب ومن ورائهما أشجار الغابة.)

جلجاميش : يا صديقي، لمَ تمتلئ عيناك بالدموع؟ لمَ يغشاك الحزن؟ لمَ تتنهَّد في حسرة؟
إنكيدو : الأسى يا صديقي يأخذ بخناقي. لقد انتابني الضعف، وفقدت ذراعاي قوَّتهما.
جلجاميش : هل أسمع هذا منك؟ أنت الأقوى من كل الناس بهذا البلد وقوَّتك كقبضة آنو؟ لا يجرؤ أحدٌ أن يتحدَّاك، ولا يقدر أن يقف بوجهك؟
الراوية : لا ندري إن كان جلجاميش قد أحسَّ بغربة إنكيدو في المدينة، وحنينه للبرية وحياة الفطرة مع غزلانه؛ فالنص القديم المملوء بالفجوات يذكر ثلاثة أسطر ربما تكون تكملة لكلامه مع أمه عن صديقه، وربما تكون جزءًا من حديثه إلى نفسه (تُقرأ السطور بصوت جلجاميش):
إنكيدو يشكو بمرارة؛ فليس له أب ولا أم، وشعره المُنسدل لم يُحلَق أبدًا. لقد وُلِد في البرية، ولم يجد من يربِّيه ويرعاه.
الراوية : لن نعرف أبدًا متى قال هذا ولمن، لكننا نعرف أنه فكَّر في البرية عندما قال لصديقه:
جلجاميش : اسمع يا إنكيدو! إنليل أبو الآلهة وسيد هذا العالم قرَّر قدري. لقد رأيت هذا في الحلم.
إنكيدو : وماذا رأيت؟
جلجاميش : رأيت اسمي منقوشًا على الحجر في أرض الأحياء مع الأمجاد الخالدين، ورأيتني …
إنكيدو : انتظِر. أعطاك الرب القوة والملك، أما أن تخلد بعد الموت فليس بقدرك. أعطاك أن تنتصر في الحرب، وتحل أمور الناس وتعقدها، أن تكون ظلام العالم أو نوره، لكنه لم يُعطِك الخلود.
جلجاميش : هل هذا هو تفسير الحلم؟
إنكيدو : وهبك إنليل القوة يا جلجاميش. لا تُسِئ استخدام القوة! اعدل بين رعاياك وخدمك في القصر! أقِم العدل أمام إله العدل شمش!
جلجاميش : لم تسمع بقيَّة الحلم.
إنكيدو : قل يا جلجاميش.
جلجاميش : رأيتني معك في غابةٍ مُخيفة يسكنها خمبابا الرهيب، ومضينا معًا لنقتله ونمحو الشر من العالم، وأنا أدعوك وأهتف بك: تعالَ لنقطع أشجار الأرز.
إنكيدو (يتنهَّد في حسرة) : لقد عرفت يا صديقي عندما كنت أعيش في الجبال، وأتجول في البرية مع الوحوش، أن الغابة تمتدُّ عشرة آلاف ساعة مُضاعفة، فمن يجرؤ على التوغل في أعماقها؟ إن خمبابا يزأر فيها كالطوفان، فمه نارٌ مُشتعلة، أنفاسه هي الموت. لمَ ترغب أن تفعل هذا؟ ما من إنسان يمكنه أن ينتصر على خمبابا.
جلجاميش (غاضبًا) : أريد أن أرقى جبل الأرز الذي يتوسط الغابة الهائلة. أريد أن أمضي للغابة مسكن خمبابا، وستكفيني فأس في صراعي معه وتكون عونًا لي. أما أنت فابقَ هنا، سأمضي إليه وحدي.
إنكيدو : كيف تمضي وحدك إلى غابة الأرز؟ إن حارسها قويٌّ لا ينام،١ ولقد عيَّنه إنليل ليحرس أشجار الأرز وجعله رعبًا للناس. من يهبط للغابة ينقض الشلل عليه.
جلجاميش : يا صديقي، من ذا الذي يستطيع أن يرقى إلى السماء؟ الآلهة وحدهم هم الخالدون على العرش مع شمش. أما البشر فأيامهم معدودة، وقبض الريح كل ما يعملون.٢ أراك خائفًا من الموت ولما تزَل هنا في مكانك. أين ذهبت قوة بطولتك؟ سأمضي إذن أمامك، وليُنادِني فمك: تقدَّمْ! لا تخَف! فإذا سقطت رفعت اسمي عليًّا، وسوف يُقال عني: جلجاميش لم يتهيَّب مُصارعة خمبابا الرهيب. نعم يا صديقي، سأمدُّ يدي وأقطع شجر الأرز (ينهض واقفًا ويستدير للمضي وحده).
إنكيدو : انتظِر يا صديقي. أراك صمَّمت على الذهاب. هل تظن أنني أتخلَّى عنك؟
جلجاميش : حسبتك أسأت تفسير الحلم؛ لذلك فسَّرته على طريقتي.
إنكيدو : انظر إليَّ يا جلجاميش. مُرْني أن أذهب معك إلى حيث أقام خمبابا مسكنه. مُرْني أن أدلَّك على الطريق الذي تعوَّد أن يتجول فيه. هيَّا يا صديقي.
جلجاميش : بل نذهب أولًا إلى القصر العظيم للقاء نينسون الملكة الحكيمة العليمة بكل الأمور.
إنكيدو : لتكشف طالعنا وتُبارك خطواتنا؟
جلجاميش : وتُصحح لك تفسير الحلم.

(تُطفأ الإضاءة عليهما. تُسلَّط للحظاتٍ قصيرة على الراوية والشيوخ.)

الشيوخ : مهلًا يا راوية! تمهَّلْ!
الراوية : لا وقت لدينا. نريد أن نذهب معهما إلى القصر العظيم.
الشيوخ : سنذهب معك، ولكن …
الراوية : لكن ماذا يا شيخ؟
الشيوخ : أوَلا يستوقفك كلامه؟ أوَلا يدعوك لأن تتأمل لحظة؟
الراوية : من تقصد؟ إنكيدو أم جلجاميش؟
الشيوخ :
إنكيدو بذل النصح وحذَّر.
لكن البطل الجامح والمُتكبر
لم يُصغِ إليه، لم يتذكر إلا اسمه.
ينقشه فوق الحجر لعل الحجر يُخلد ذكره.
لم ينسَ ألوهيته لحظة.
الراوية : جلجاميش نطق الحكمة.
الشيوخ :
بل ردَّد في الواقع كلمةً،
لاكتها أفواه الناس وغنَّاها الشعراء،
ولقَّنها الكاتب لصبيٍّ جرَّب فيها قلمه.
أيام البشر المعدودة،
وحياةٌ هي قبض الريح،
وومضٌ تُطفئه النسمة.
ما أسهل أن تنطق بلسانك كلمة!
فالحكمة أن تحيا الحكمة.
تغرس خنجرها فيك وتتشرب سمَّه.
الراوية :
دعنا الآن من الخنجر والسم،
وهيَّا للقصر العالي!
نتعلم من فم نينسون الحكمة،
ونحل مع البطلَين الأزمة!
سارا نحو القصر.
تشابكت كفَّان،
ومال الجسم على الجسم.
إنكيدو الصامت ثقل عليه الهم.
وجلجاميش يختال غرورًا،
يتفجر طربًا كالثور.

(تنطفئ الأضواء على الراوية والشيوخ، وتُسلَّط على قاعة في قصر نينسون العظيم الإيجال ماخ.)

جلجاميش (يدخل مُندفعًا، يتردد إنكيدو عند الباب) : أمي، أين أنت يا أمي الحكيمة؟ هل تُنصتين إليَّ لحظة؟ هل تُباركين خطواتي؟
نينسون (تدخل من بابٍ جانبي وتتجه إليه في قلق) : جلجاميش؟ ولدي، ماذا بك؟
جلجاميش : جئت أخبرك يا أمي.
نينسون : مُضطرب كالعادة؟ تكلَّمْ يا بُني.
جلجاميش : عزمت على الرحيل إلى موطن خمبابا الرهيب. سأقطع طريقًا لا أعرفه، وأدخل معركة لا أعلم نتائجها. فإلى أن أذهب وأعود، إلى أن أصل إلى غابة الأرز وأقتل خمبابا، وأمحو من البلاد كل شر يكرهه شمش؛ صلِّي من أجلي عنده.
نينسون : تعرف أن صلاتي لا تنقطع أبدًا يا ولدي. ماذا يدفعك لهذا؟
جلجاميش : عندما أُجهِز عليه وأقطع أشجاره، سيعمُّ السلام ربوع البلاد، وسأقيم أمامك نصب النصر.
نينسون : ألهذا تُضْني نفسك؟ تذهب للمجهول وقد لا ترجع؟
جلجاميش : سأحفر لنفسي اسمًا خالدًا مع أسماء الخالدين. وإذا سقطت صنعت لنفسي شهرة.
نينسون : آه الخلود والشهرة! وهل تذهب وحدك؟
جلجاميش (يتلفَّت حوله) : وحدي؟ لا. لا. إنكيدو، أين أنت يا إنكيدو؟
إنكيدو (يتقدَّم خجلًا) : سيدي. سيدتي.
جلجاميش : أسد البرية، فاقت قوَّته قوة كل الأبطال، لا يغلبه أحد في أوروك، ولا يقدر أحد أن يتحداه.
نينسون (تتأمله في عطف) : النجم الساطع في الحلم؟
جلجاميش : والفأس المطروحة على الطريق. صدقت نبوءتك يا أمي. عَوْني في وقت الشدة ودليلي.
نينسون (تتقدم من إنكيدو، تُمسك بيده هامسة) : ولدي.
جلجاميش (يربِّت على ظهر إنكيدو ضاحكًا) : أم صديقك هي أمك أيضًا يا إنكيدو، لا تتأخر.
نينسون : إلى أين تذهب؟
جلجاميش (أثناء انصرافه) : إلى السوق يا أمي. لقد أمرت صُناع السلاح أن يتجمعوا هناك، وكذلك الشيوخ سيحضرون. لا بد من السيوف والفئوس والدروع، ولا بد من الحكمة أيضًا! (ينصرف ضاحكًا.)
نينسون (تتقدم نحو إنكيدو وتُمسك بيده وتتحسس شعره الكث) : إنكيدو، يا إنكيدو القوي، لستَ ابن جسدي ولم تحملك أحشائي، لكني أتحدث إليك الآن …
الراوية (يقطع حديثها) : النص هنا شديد الاضطراب. سطورٌ قليلةٌ غامضة، تتبعها فجوة من أربعة وثمانين سطرًا. ماذا قالت نينسون لابن البرية الذي لا أم له ولا أب؟ ربما تكون قد أوصته قائلة: احمِ صديقك يا إنكيدو، ارعَ رفيقك. وربما تكون قد قالت له ما ستقوله في صلاتها لشمش: أعِدْه إليَّ سالمًا! أو تكون قد بخَّرته وباركته في حضرة الكاهنات والعرَّافات، وعذارى المعبد وعرائسه المنذورات للإله، لكن الذي أثبته النص الصحيح أنها طوَّقت عنقه بقلادةٍ نفيسة أو تميمةٍ مقدَّسة محلَّاة بالجواهر، ثم تركته ودخلت مخدعها لتتخذ زينتها قبل إقامة الصلاة.

(في هذه الأثناء تودِّع نينسون ابنها بالتَّبنِّي وتتجه إلى مخدعها. يقف إنكيدو مُرتبكًا، بينما تدخل خادمات يحملن مباخر ومواقد وأوعيةً مختلفة يضعنها على منصةٍ عالية في عمق المسرح، يتأملهن إنكيدو لحظات ثم ينصرف وهو يتلفَّت وراءه ويختفي.)

الراوية : وضعت عليها رداءً يليق بجسدها، وحليةً تليق بصدرها. لبست الحزام والتاج، وسكبت الماء من الجفنة على الأرض. ارتقت الدرج وصعدت إلى المنصة، أحرقت البخور لشمش، قدَّمت القربان ورفعت ذراعَيها أمامه.

(تفعل نينسون ما يقوله الراوية ثم ترتِّل صلاتها.)

نينسون : لمَ أعطيت ابني جلجاميش قلبًا لا يهدأ؟ وها أنت ذا تحفِّزه على الرحيل إلى طريقٍ بعيد حيث يسكن خمبابا، والدخول في معركة لا يعرف نتائجها. إلى أن يذهب ويعود، وإلى أن يصل إلى غابة الأرز ويصرع خمبابا الرهيب، ويقضي على كل شر تكرهه ويمحوه من البلاد، لتذكرك به عروسك ربَّة الفجر «آيا» وأنت تُطل على طريقه بالنهار، ولتعهد به بعد رقادك في حضن الأرض إلى النجوم وحُراس الليل، وإلى أبيك إله القمر سين.
إلهي شمش وراعي ولدي جلجاميش، أنت يا من سوَّيت فؤاده القلِق فسكن القلق فؤادي، كيف أستريح من السر الذي يختبئ فيه؟ كيف أُطلعك عليه وأنت الأدرى به؟ أما هو، فكيف أُطلعه عليه؟ كيف أفجعه في نفسه وفي أبيه؟ أأقول له: لست ابن «لوجال بندا» الذي رفعوه بعد الموت وألَّهوه؟ هل أجرؤ أن أعلنه بالسر وأصرخ فيه: لست إلهًا يا جلجاميش. لست إلهًا. إنك فانٍ وأبوك كذلك بشرٌ فانٍ؟ لا. لا. ليس هو الملك الأسطوري الذي ألَّهوه على عادتهم بعد موته. إنه … آه يا شمش! كيف أُصارحه به؟ كيف سأتحمَّل صدمته حين يعرف أن أباه كاهنٌ مغمور، أحد المجهولين الذين يأتون من التراب ويذهبون إلى التراب؟ هل يتحمَّل قلبه الطائش المسكين هذه الطعنة؟ هل سيُصدقها وهو الذي يردِّد عليه الجميع: ثُلثاك إلهي والثلث الباقي بشري فانٍ؟ بل كيف سأتحمل نظرته لي؟ كيف أردُّ على التهمة تنفذ حربتها في قلبي؟ آه! أنت الأدرى يا شمش الخالد أنِّي بشرٌ أخطئ كالبشر، وأن ابني بشرٌ مِثلي؛ بشرٌ فانٍ، بشرٌ فانٍ. لكن، كيف سأبلغه الخبر؟ ومن يُبلغه له؟ أخبِرني يا شمش الخالد، ماذا أفعل كي يهدأ ولدي المسكين؟ فأنا أمٌّ فانية وابني فانٍ. زجَّتنا الأسطورة بين الآلهة وما نحن سوى قبضة ريح أو قبضة طين. يا من تكلأ برعايتك المظلومين، وتهدي الحيرى في الصحراء وليل التِّيه، احرس جلجاميش وأعِدْه إليَّ معافًى؛ ولدي المُضطرب الطائش، ولدي البشري الفاني.
الراوية : كان إنكيدو قد سمع صلاة نينسون وهو مُتخفٍّ وراء الباب. لما أطفأت البخور وأنهت صلاتها، واتَّجهت والدموع في عينَيها إلى مخدعها؛ وجد نفسه يقف وحيدًا ويُوشك على البكاء. تذكَّر صديقه الذي ينتظره، هزَّ رأسه وهو يُتمتم في ذهول:
إنكيدو : جلجاميش بشرٌ فانٍ؟ جلجاميش ليس إلهًا، بل بشر فانٍ؟ كيف أصدق هذا؟ من سيُصدقه؟ آه! لكني لن أتخلى عنه، لن أتخلى عنه أبدًا.

(ينصرف مُسرعًا وتُطفأ الأضواء.)

الراوية : توافَد الناس على بوابة أوروك ذات المزاليج السبعة. ملئوا الطُّرقات والأسواق بالصياح والهتاف والتهليل، بالرقص والغناء والضجيج.

(تتردد أصوات رجال ونساء وصبايا وأطفال):

– غنَّوا للبطل الكامل والملك العادل.
– المجد لأوروك وابن أوروك الباسل.
– الراعي الطيب والثور الوحشي القاتل.
– سيُخاطبنا الآن ونسمع منه.
– ونودِّعه للقاءٍ قادم.
– تلك مغامرةٌ خطرة.
– فليحفظه شمش وباقي الآلهة.
– ويرجع ملَّاح أوروك إلى المرفأ.
– أو ينضم لمجمع آلهة العالم.
– بل يرجع للوطن وقد خلَّد ذكر الوطن ومجده.
– أم ذكر البطل الخالد وحده؟
– ولسان الحاقد مثلك.
– يقطعه كي يمحو حقده.
– المجد لجلجاميش وحده.
– ولأوروك.
– هو أوروك.
– كانت أوروك خرابًا قبله.
– حتمًا ستصير خرابًا بعده.
– انظر يا ولدي. انظر.
– جلجاميش.
– العربة تهدر والموكب يزحف.
– لا تزدحموا! لا تخرج عن هذا الصف!
– من خرج عن الصف استخدمنا معه العنف.
– جلجاميش، من هذا الواقف معه؟
– أوَلا تعرف؟
– إنكيدو وحش البرية.
– بطل الأبطال مصارع.
– أمل أوروك.
– أمل أوروك الضائع.
– غنُّوا للبطل الكامل.
– البطل الطائش.
– جلجاميش. جلجاميش.
– الراعي الطيب والملك العادل.
– جلجاميش. جلجاميش.
– والثور الوحشي القاتل.
– والأسد الباطش.
الشيوخ :
الشعب يُهلل بالفرحة ويؤجج ناره.
والنار ستحرق وتُدمر في غده داره.
ويظل يُساق إلى المجزرة، يظل يُمجد جزَّاره.
ويمنِّي النفس بمحو الشر من العالم
وخلود الذكر،
للبطل المنتصر الخالد كخلود الدهر.
والشعب المسكين الساذج
يدفع دومًا ثمن النصر.
الراوية : لا. لا. أرجوكم، سيأتي دوركم بعد قليل. أما الآن فعليكم أن تستعدوا لسماع جلجاميش وتقديم النصيحة التي يطلبها منكم. ها هو ذا يقف أمامكم.
جلجاميش :
أصغوا إليَّ يا شيوخ أوروك ذات الأسواق.
وأنت أيها الشعب الذي تقف أمامي.
أريد أن أرحل لمُواجهة خمبابا الرهيب.
أريد، أنا جلجاميش، أن أرى ذلك الذي يجري اسمه على شفاه الجميع وأصرعه في غابة الأرز.
أريد أن تسمع البلاد كلها بقوة ابن أوروك.
أريد أن أضع يدي على أشجار الأرز وأقطعها.
وبذلك أصنع لنفسي اسمًا يخلد ويدوم.
الراوية : وتكلَّمتم يا شيوخ أوروك وحكماءها الكبار.
الشيوخ :
حذَّرناه ونصحناه، قلنا له:
لأنك ما زِلت فتيًّا
يجرفك القلب بعيدًا.
إنك لا تعلم ماذا تصنع.
خمبابا، فيما نسمع، منظره بشعٌ مُفزع.
من يجرؤ أن يصمد
طرفة عين لسلاحه؟
والغابة يتسع مداها، يمتد لساعات،
والساعات مضاعفة، عشرة آلاف.
من يقدر أن ينحدر إليها أو يتوغل فيها؟
خمبابا يزأر فيها كالطوفان،
يتنفس موتًا،
يزفر حممًا كالبركان.
ماذا يدعوك لهذا الفعل؟
وماذا يدفعك إليه؟
هل تدخل في حرب معه؟
تتوهم أن تنتصر عليه؟
لما سمع نصيحتنا، نظر لصاحبه
والضحكات تقهقه في عينَيه.
الراوية : وهنا ينقطع كلامك، وتظهر على اللوح فجوة تتعذر معها قراءة تسعة سطور. هل عبَّرت هذه السطور عما قاله جلجاميش لصديقه إنكيدو؟ وماذا تُراه قد قال؟ وكيف رد عليه إنكيدو؟ إن السطور التالية تُبين أنكم أذعنتم لمشيئته وباركتم مغامرته. أليس كذلك أيها الشيوخ؟
الشيوخ :
لم نُذعن لمشيئته، لم نستسلم له.
لكنا حين يئسنا منه،
لم نتخلَّ كذلك عنه، ولم نقسُ عليه.
حذَّرناه وأنذرناه.
قدَّمنا النصح
دعونا الرب الحارس أن يرعاه.
قلنا: يا جلجاميش لا تغترَّ بقوَّتك كثيرًا.
احفظ نفسك، وافتح عينَيك.
وثق بصديقٍ عرف الغابة.
سلك الدرب الوعر مشاه.
دع إنكيدو يتقدمك عليه.
دعه يدل خُطاك.
فهو عليم بفنون الحرب،
وجرَّب حيل المارد ورآه.
ليحقِّق شمش الراعي رغبة قلبك،
وليجعل عينك تشهد ما قد أعلن فمك،
ويفتح لك أبواب الطرق،
ويكشف أنفاق الجبل لقدمَيك.
فكم حفظ التائه وحماه!
يا جلجاميش.
ندعو الليل بأن يهبك ما يُفرح صدرك.
نبتهل للوجال بندا أن يقف جوارك ويؤيد نصرك.
في نهر المارد خمبابا،
اغسل قدمَيك،
واحفر بئرًا بعد مغيب الشمس،
واملأ قربتك بماءٍ صافٍ،
واسكب لإلهك شمش، وقرِّب لإلهك لوجال بندا
قربانًا من ماءٍ عذب.
إنكيدو، احمِ صديقك،
واحفظ في السفر رفيقك.
إنا نعهد بالملك إليك،
أعِدْه لمرفأ أوروك مُعافًى.
جنِّبه مهاوي الجبل.
أعِدْ للزوجة
في القصر العالي جسد الزوج.
إنا نكِل الملك إليك،
وعلى أرض الوطن الغالي نأخذه منك.
الراوية : لما انتهيتم من كلامكم فتح إنكيدو فمه وقال لجلجاميش في غضب:
إنكيدو : لقد اتخذت قرار السفر، فهيَّا نذهب. انظر لي، ضع ثقتك فيَّ، وقلبك فاطرد منه الخوف. هيَّا إني أعرف موطنه، أعرف كل طريق يسلكه خمبابا، فأْمُر أن نبتدئ الرحلة، وأْمُر أن يذهب هؤلاء الشيوخ ويرجعوا إلى بيوتهم.
الراوية : فتح جلجاميش فاه وقال لعجائز أوروك، معذرة، قال لكم يا شيوخ أوروك:
جلجاميش : سأفعل ما أخبرتكم به. لقد سمعت نصائحكم عن طيب خاطر.
الشيوخ :
لما أن ختم القول توسَّلنا له:
اذهب يا جلجاميش،
وليَسِر الحظ بجانبك،
ويمشِ شمش الحارس بجوارك؛
ليبسط فوقك ظل هداه،
ويُبلغك السعد،
وإنجاز الوعد.
الراوية : وانصرفتم أيها الشيوخ، ثم تقدَّم الصُّناع بأسلحتهم إلى البطلين. جاءوا بالسيوف العظيمة والدروع والأقواس ووضعوها بين أيديهم. أخذ جلجاميش البلطة والفأس، علَّق جعبته حول وسطه وقوس أنشان٣ وثبَّت سيفه في حزامه. أما إنكيدو فوقف صامتًا كالتمثال الأخرس، وضعوا الدروع على صدره فلم ينتفخ، علَّقوا السيف ذا الغمد الذهبي في حزامه فلم يزهُ به، ناولوه بلطة وفأسًا لامعة النصل فلم يفتح فمه، انهمرت الدموع من عينَيه على أيدي الصناع، فنظروا إلى وجهه واحتبس الكلام في لهاتهم. وظل جلجاميش يُصلصل بأسلحته ويتبختر كطاوسٍ إلهي مدجَّج بعدة الحرب حتى وقع بصره على صديقه. اقترب منه وهو يهمس: معك الحق. لقد نسينا أن نكشف الطالع، أهملنا نصح الملكة الحكيمة والشيوخ العجائز. لم ينطق إنكيدو. ربَّت جلجاميش على ظهره، مدَّ يده ليجرَّه من يده. لم يتحرك إنكيدو، زاد بكاؤه. تركه جلجاميش وانزوى في ركنٍ بعيد. كان الصناع قد انصرفوا وانصرف الناس. لم تبقَ إلا أصداء من دعواتهم ووقعُ أقدامهم على أرض الطرقات والأسواق. ركع ورفع يدَيه بالصلاة وقال:
جلجاميش : ليكُن ما قاله الشيوخ! سأذهب الآن يا شمش، وإليك أرفع يدي. احفظ روحي من الأذى، وأعِدني سالمًا إلى الحمى والسور، ابسط ظل حمايتك عليَّ. سأمضي على طريق لم أسِر عليه، طريق لا أعرف إلى أين يُفضي بي. آه يا إلهي! إن الدموع تنساب من عيني. هل ستُبقي روحي في مأمن من الشر؟ إن كان هذا فسوف أحبك من صميم قلبي كما فعلت على الدوام، سأُشبع نفسي من نشوة العبادة في بيتك، وسأجلسك فوق العروش.٤ إلهي، أنصِت لي، اجعل صوتي مسموعًا لك.
في هذه المدينة يموت الإنسان يائسًا مقهور الفؤاد. نظرت من فوق السور ورأيت الجثث تطفو على النهر. أعلم أن هذا سيكون نصيبي أيضًا، بل إني أعلمه منذ الآن.

مَن من أبناء البشرية طالت قامته حتى بلغ السموات؟ من استطاع منهم أن يحتوي الأرض بين ذراعَيه؟ لذلك ضِقت بأوروك وضاقت بي؛ ولهذا أدخل تلك الأرض المجهولة، أرض الأحياء، وأنقش اسمي فوق الحجر كما قرَّر قدري. سأدخل البلاد التي يُقطع فيها شجر الأرز وأتوغل في الغابة، وسأكتب اسمي حيث كُتبت أسماء العظماء الخالدين. وإذا لم أجد اسمًا فسأرفع نصبًا للآلهة هناك. ها هي ذي الدموع لا تزال تجري من عيني. كُن في عَوني يا شمش الحارس! إنها رحلةٌ طويلة أقطعها إلى بلد خمبابا الرهيب. إن لم تحقِّق رغبتي فلماذا حرَّكتني إليه؟ لماذا غرست بنفسي الشوق القلِق إليه؟ كيف سأنجح إن لم يُسعفني عونك؟ وإذا مت هناك فلن أندم. أما إن رجعت سالمًا فسأقدِّم لك الهدايا وأقرِّب قربانًا لك، وسيلهج بالحمد لساني ويُسبح لك.
الراوية : كان إنكيدو ينظر إليه ويسمع دعاءه. راح يسأل نفسه:
إنكيدو : هل يبكي للآلهة إله أو نصف إله؟ هل يمكن أن ترتفع الشكوى إلا من بشرٍ فانٍ؟ حقًّا، جلجاميش بشرٌ فانٍ، بشرٌ فانٍ.
أعرف هذا الآن، ولكن كيف سأخبره به؟ كيف أبوح له بالسر؟

جلجاميش! جلجاميش! أخي وصديقي.
جلجاميش : فلنمضِ الآن!
إنكيدو : وعلى بركة شمش وباقي الآلهة!
الراوية : وانصرفا في طريقهما إلى غابة الأرز. رنَّت الأسلحة الهائلة على الجسدين وفي الأذرع والأقدام. رنَّت أصوات الشعب وصوت المسكينة شمخات:
أصوات :
يا جلجاميش، لا تنسَ أوروك! لا تنسَ الأرملة الثكلى والأيتام!
عُد لأوروك المرفأ والسور! ارجع لتراب الوطن ولا تتأخر عنا!
صوت :
إنكيدو! يا إنكيدو! حذَّرتك فلماذا تذهب؟!
آه! احفظ نفسك! لا تتهور! احفظ نفسك! قلبي يدعو لك.

(ينصرف البطلان مُتشابكي الأيدي تسمع أسلحتهما الثقيلة، وتُطفأ الأنوار.)

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١