الفصل الأول

كان الفارس النبيل سير إيكتور من بونمايسون وسط النبلاء العظام الكثيرين الذين وفدوا إلى لندن من أجل المسابقة، وقد أحضر السير إيكتور معه ولديه؛ الابن الأكبر سير كاي، الذي أبدى بالفعل شجاعة ومؤشرات نجاح عظيمة، والأخ الأصغر آرثر الذي كان لا يزال غلامًا في الثامنة عشرة من العمر فحسب، والذي كان يعمل الآن حامل الدرع لأخيه، أي بمنزلة مساعد فارس.

أحضر سير إيكتور وولداه مجموعة أمتعة رائعة، فقد أحضروا خيمًا جميلة من الحرير الأخضر مزخرفة بشعار النبالة الخاص بالعائلة. وعندما وصلوا الميدان الذي سيجتمع فيه المتبارون، لم يكونوا وحدهم؛ فقد كان هناك ملوك ودوقات مع حاشيتهم، وما لا يقل عن عشرين ألف لورد وسيدة. وكان يوجد عدد هائل من الأعلام والرايات حتى إنها حجبت السماء تمامًا.

ولما رأى رئيس أساقفة مدينة كانتربيري المشهد ابتسم، إذ سيكون هذا حدثًا عظيمًا. لن يتبارى الرجال من أجل نزع السيف في يوم عيد الميلاد فحسب، بل ستُعقد أيضًا مسابقة مفتوحة خلال الأيام الثلاثة التي تسبق يوم نزع السيف. وقد دعا رئيس الأساقفة إلى هذه المسابقة جميع الفرسان ذوي الحسب بالدرجة الكافية والذين يتمتعون بصحة جيدة وكفاءة عالية للتباري.

وبالطبع وُجد السير كاي كفؤًا ومن ثم اشترك في المسابقة. وكان آرثر الصغير شديد الفخر بأخيه، وقد سعد بأن يحمل علم كاي ويسير أمامه إلى ميدان المعركة.

وعندما جاء يوم المسابقة، جلس الجمهور على مقربة شديدة بعضهم من بعض، حتى إن الميدان بدا مسورًا بجدار مصمت من الأجساد البشرية. وعند إعطاء رئيس الأساقفة إشارة البدء، تقدم نافخ الأبواق ونفخ في البوق بقوة، ففُتحت الأبواب عند الأطراف المتقابلة لساحة القتال، ودخلت الفرقتان الأوليان من الفرسان. ملئوا ساحة القتال بدروعهم البراقة وأدوات القتال الأخرى. ولمّا نفخ مرة ثانية، وثب الفرسان بعضهم نحو بعض شاهرين رماحهم.

بدت الأرض كلها تئن تحت الأقدام المجهدة لجياد الحرب التي يمتطيها الفرسان، والصليل الناجم عن تصادم الرماح وانكسارها. وعندما انتهت المعركة الأولى وغادر الفرسان، كانت قطع المعادن المكسورة تغطي الساحة. وبدا وكأن الجمع — الذي أدرك أفراده أنهم كانوا يكتمون أنفاسهم — يزفرون معًا وكأنهم شخص واحد. ونُظفت الساحة استعدادًا للجولة الثانية.

أبلى سير كاي بلاء حسنًا في الجولة الأولى، وتصدى في لحظة من اللحظات لهجمات خصمين في وقت واحد. ومن أجل هذا، كان واثقًا من أنه مستعد للجولة الثانية التي ستتضمن سيوفًا بدلًا من الرماح. ونُفخ في البوق مرة أخرى، وخرج الفرسان. وعلى الفور تقريبًا أثبت سير كاي جدارته مرة أخرى. لقد درأ هجمات خمسة خصوم هذه المرة.

على أنه ربما زادت ثقة سير كاي في نفسه هنا في هذه المباريات؛ فعندما أقبل فارس ضخم قوي، اسمه بالامورجنيز، ليبارزه، ضحك سير كاي الفتيّ وقبِل المبارزة في الحال. ولمّا أقسم كاي أن يهزم بالامورجنيز كما فعل بالآخرين، ضرب رأس خصمه بسيفه، فارتطمت الضربة بخوذة بالامورجنيز وارتج مخه بقوة، لكن لسوء الحظ، بينما كان يُفيق من الدوار الذي أصابه، اكتشف كاي أن نصل سيفه انكسر نصفين. لقد صار أعزل الآن.

صرخ كاي: «آرثر، هيا أسرع إلى خيمة أبينا وأحضر لي سيفًا آخر!» ركض آرثر بأقصى سرعة لديه، لكن عندما بلغها لم يجد هناك أحدًا ولم يجد سلاحًا. وفجأة تذكر أنه رأى سيفًا موضوعًا في سندان، على مقربة منه. وقد ظن يقينًا أن هذا السيف سيفي باحتياج أخيه تمامًا.

وعندما وصل آرثر الكنيسة حيث يوجد سيف ميرلين والسندان، لم يكن الحراس هناك، إذ كانوا هم أيضًا يشاهدون المباراة. لذا لم يكن هناك من يردعه حينما قفز إلى كتلة الرخام وانحنى وانتزع السيف بكل سهولة ثم دثره في عباءته وركض ليعطيه لأخيه.

وعندما رأى سير كاي السيف، الذي عرفه لتوه بالطبع، ذُهل حتى إنه تسمر في مكانه كالصنم، كأنما حوله أحدهم إلى حجر بفعل قوة سحرية. وأخيرًا تمتم: «من أين جئت بهذا السيف؟» شرح آرثر — الذي كان في غاية البراءة — الأمر لأخيه، وعليه قرر سير كاي — الذي لم يكن شديد البراءة على الإطلاق — أن يدعي أنه هو من انتزع السيف من السندان بنفسه. قال كاي لآرثر: «لا تخبر أحدًا البتة بهذا.» ومرة أخرى وافق آرثر بكل براءة.

غير أن سير كاي أراد أن يخبر أحدهم لذا قال لآرثر: «اذهب وأحضر والدنا.» وركض آرثر وطلب من سير إيكتور أن يأتي في عجالة، إذ لم يسبق له أن رأى كاي في هذه الحالة قط. قال آرثر: «قطعًا حدث شيء مهم.»

وعندما وصل سير إيكتور رأى أن آرثر كان على حق؛ إذ كان وجه ابنه الأكبر شاحبًا كخشب الدردار، وعيناه تبرقان بشدة. قال سير كاي: «أبي، لا بد أن أريك شيئًا رائعًا.» أخذ سير كاي والده من يده وذهب به إلى طاولة وضع عليها سيف آرثر الذي دثره في عباءة أيضًا. ونزع سير كاي العباءة ليُري أباه السيف البراق.

عرف سير إيكتور السيف على الفور فسأل ابنه: «كيف حصلت على هذا؟»

ماطل سير كاي في إجابته قائلًا: «لقد كُسر سيفي الأصلي، ثم حصلت على هذا بدلًا منه.»

قال إيكتور في عجب: «بُني، إذا كنت قد انتزعت هذا السيف من السندان، فأنت إذن ملك بريطانيا الشرعي. لكن إن كنت أنت حقًّا من انتزعه، ينبغي أن تكون قادرًا على إعادته إلى مكانه بنفس السهولة؛ إذ يجب أن تنتزعه مرة أخرى أمام شهود.»

ارتبك سير كاي وتساءل: «من عساه يستطيع زجَّ سيف في كتلة صلبة من الحديد؟» هذا أمر معجز! لكن إذا كان أخوه الذي لم يكن مميزًا على الإطلاق استطاع أن يسحبه، فإذن قطعًا سيستطيع هو — الذي يرى نفسه مميزًا إلى أبعد الحدود — أن يزج بالسيف في السندان ثم ينتزعه مرة أخرى أيضًا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠