الفصل الأول

أتينا بالفعل على ذكر ميرلين بصفته عونًا ومغيثًا للملك آرثر. لكن ميرلين نفسه له قصة أيضًا، قصة رجل شديد الحكمة، لكنه مع ذلك شديد الضعف أيضًا، حتى إنه ينخدع هو نفسه في نهاية الأمر. أنصت كيف حدث هذا وتعلم منه.

في إحدى المعارك الطويلة والخطيرة مع خمسة ملوك، فقد آرثر ثمانية فرسان عظماء. وبعد فترة من الحزن، اضطر آرثر أن يختار ثمانية رجال آخرين ليملئوا المقاعد الثمانية في الطاولة المستديرة.

عقد آرثر العزم على أن يختار أربعة فرسان قدماء مهرة، وأربعة فرسان جدد، وهكذا سار الأمر إلى أن تبقى مقعد واحد، واحتار بين فارسين على هذا المقعد؛ سير تور ابن سير بيلينوري، وسير بوديماجوس ابن أخته غير الشقيقة مورجانا لي فاي. وبعد كثير من التروي وإنعام النظر، خلص آرثر إلى أن أعمال سير تور العظيمة في الفروسية جعلته أجدر بالمقعد.

وعند سماع هذا الخبر، وثبت مورجانا لي فاي من على مقعد قريب كانت تجلس عليه وصرخت: «ماذا؟ أتؤثر سير تور على سير بوديماجوس ابني، ابن أختك؟»

اعتذر آرثر، غير أنه لم يتراجع عن قراره، فقد شعر أن هذا هو القرار الصائب. غير أن مورجانا لي فاي وبوديماجوس ظلَّا مستاءين وغادرا المملكة. رحل بوديماجوس سعيًا وراء مغامرات مختلفة وذهبت مورجانا لي فاي سعيًا للثأر من بعيد.

وإذ كان آرثر لا يعرف ما تضمره له أخته غير الشقيقة، ودعها وداعًا لائقًا إلى جزيرة أفالون. وكانت مورجانا تملك قوى سحرية معينة، كان قد علمها إياها ميرلين عندما كانت لا تزال فتاة صغيرة جميلة. شيء واحد لم يعلمها إياه، هو كيف تعرف المستقبل. غير أنها كانت على يقين من أنها لن تستطيع أن تثأر من آرثر ما دام ميرلين موجودًا.

لكن مورجانا لي فاي دبرت خطة؛ فقد عثرت على فتاة جميلة اسمها فيفيان لا يعرف قلبها الرحمة، فكانت باردة وقاسية تجاه كل أولئك الذين لا يرضخون لها. وكانت مورجانا تعلم أيضًا أن فيفيان تلتمس الحكمة بشغف شديد.

وعدتها مورجانا قائلة: «يمكنني أن أساعدك في امتلاك المعرفة التي تسعين وراءها.» وشرحت لها أن ميرلين، مع كل هذه القوى الخارقة التي يتمتع بها، فإن لديه نقطة ضعف كبيرة للغاية، ألا وهي عشقه للجمال. كما أفشت مورجانا أيضًا سر ميرلين الكبير؛ فمع أنه يستطيع أن يرى مستقبل أي شخص آخر، فهو لا يستطيع أن يرى مستقبل نفسه.

أقسمت فيفيان قائلة: «لأخدعنَّ ميرلين بجمالي! لأجعلنَّه يعلمني كل شيء! وعندما أملك كل حكمته وقوته السحرية، فسأسحره حتى يصبح عاجزًا.»

قالت مورجانا لي فاي: «يا لروعة هذا الشر!»

أرسلت مورجانا فيفيان ومعها سلاح خفي: خاتمان من شأنهما أن يوحدا قلبي من يرتديانهما إلى الأبد. ذهبت فيفيان إلى بلاط الملك آرثر وسط إحدى الحفلات، وبعد أن ارتدت خاتمًا من الخاتمين، قدمت الخاتم الآخر في صورة تحدٍّ؛ إذ قالت إن أحكم الرجال وأكثرهم أهمية هو وحده من يستطيع أن يرتدي الخاتم.

حاول الملك آرثر أولًا، لكن الخاتم انكمش عندما لمسه حتى إنه لم يدخل في طرف إصبعه. وحاول جميع الفرسان الآخرين بالمثل، لكن الحظ لم يحالف أيًّا منهم. وأخيرًا وقفت فيفيان أمام ميرلين، الرجل الوحيد في القاعة الذي لم يجرب الخاتم بعد.

كان ميرلين مرتابًا، غير أنه لا يستطيع رؤية المستقبل إذا كان يتعلق به شخصيًّا، وكانت فيفيان في غاية الجمال. جرب ميرلين الخاتم فوجد أنه مقاسه، فابتهج وشعر بالزهو. غير أنه عندما حاول أن يخلعه، علق في إصبعه كما لو كان الخاتم جزءًا لا يتجزأ من لحمه.

أدرك ميرلين في الحال أنه خُدِع. لكن المفعول السحري للخاتم بدأ يعمل سريعًا جدًّا حتى إنه نسي كل شيء باستثناء صِبا فيفيان وجمالها.

سألها ميرلين: «كيف أبرهن لكِ على حبي؟»

ردت فيفيان: «يمكنك أن تمنحني حكمتك وتعلمني سحرك.»

وهذا بالضبط ما فعله الساحر العجوز المريض بالحب.

استغرق الأمر وقتًا طويلًا، لكن فيفيان كانت صبورة. وأخيرًا تعلمت كل شيء يعرفه ميرلين، بما في ذلك كيفية بناء قلاع من لا شيء سوى الأرض والرياح والنار والسماء، ثم جعل كل هذا يختفي مرة أخرى بتلويحة من عصا سحرية.

وفي يوم من الأيام أحضرت فيفيان وجبة شهية لميرلين، ولم يدرك ميرلين أن الوجبة تحتوي على جرعة منوم قوية، فأكل وبدأ يشعر بنعاس شديد.

أدرك ميرلين مرة أخرى أنه خُدع، ولكن هذه المرة لم يستطع حبه لفيفيان أن يلهيه. وقبل أن يغط في النوم، طلب من فيفيان أن تذهب وتنقذ الملك آرثر من بعض الأخطار الآتية التي استطاع ميرلين أن يرى أنها وشيكة الحدوث. اجتاح فيفيان شعور غريب بالذنب لذا وعدته أنها سوف تذهب لإنقاذه، ظنًّا منها أن هذا قد يخفف من ذنبها، وراح ميرلين في النوم.

وما إن راح ميرلين في النوم وأصبح خائر القوى تمامًا، حتى سلبته فيفيان كل قوته، فقد نسجت شبكة فضية حوله، من ثم لم يستطع أن يحرك عضلة واحدة، حتى بعد أن أفاق من نومه. وابتسمت فيفيان فيما انتزع خدمها شعر لحية وشارب ميرلين. وأخيرًا، كي تتأكد من أن ميرلين سيظل في مكانه، وضعته في صندوق ضخم ثقيل ودفنته جزئيًّا وغطته بضباب سحري.

وهكذا كانت النهاية المخجلة لرجل عجوز شديد الحكمة ولكنه شديد الضعف أيضًا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠