الفصل الثاني

في تلك الآونة عادت مورجانا لي فاي إلى بلاط الملك آرثر متظاهرة بالتواضع والندم تطلب العفو الأخوي. وعندئذ دار حوار ودي بينها وبين الملك آرثر حول سيف «إكسكاليبور».

قالت مورجانا: «أود أن ألقي عليه نظرة عن كثب أكثر من ذي قبل، أتسمح لي؟»

سار الملك آرثر نحو إكسكاليبور الذي كان موضوعًا في مكان يليق به في أحد الأركان، وأخذ السيف وغمده وسمح لمورجانا أن تتفرس فيهما. وذكرها — كما أُذكرك الآن عزيزي القارئ — أن النصل السحري لا مثيل له في القطع، وأن الغمد يصون من الجرح أي شخص يرتديه.

تنهدت مورجانا وقالت: «أوه يا أخي، إكسكاليبور غاية في الجمال، ولا يمكنني أن أتحمل أن أعيده بعد، أيمكنني أن آخذه معي إلى منزلي وأحتفظ به وقتًا قصيرًا فحسب حتى يمكنني أن أتأمل جماله وقتًا أطول؟»

تردد آرثر، غير أنه كان يشعر بالامتنان الشديد بسبب عودة علاقتهما الطيبة مرة أخرى حتى إنه وافق أخيرًا. لم يكن يعرف أن مورجانا المخادعة ما كانت ستأخذ السيف إلى منزلها للنظر إليه فقط، وإنما لتستأجر صائغين وصُناع دروع وجواهرجية لصناعة نسخة طبق الأصل من السيف. ولن يستطيع أحد سواها أن يكتشف الفرق بمجرد النظر إلى السيف.

وبعد ذلك بوقت قصير، عادت مرجانا إلى البلاط الملكي مرة أخرى. وبعد أن رحب بها الملك آرثر ترحيبًا حارًّا سألها عن إكسكاليبور.

قالت مورجانا: «لقد نسيت أن أحضره معي، إذ كان يتملكني الحماس الشديد من أجل الهدية الأخرى التي أحضرتها لك.» وأخبرته عن الجواد الأسود الجديد الجميل الذي ينتظره بالأسفل. ولما كان آرثر يخطط للخروج في رحلة صيد، كانت الهدية مناسبة تمامًا. وبعد أن طلب من أخته أن تحضر السيف المرة القادمة، شكرها على الهدية وانطلق في رحلته.

كان الجواد سريعًا للغاية وهو يطارد كلاب الصيد والأرانب الوحشية، حتى إنه سبق جياد الجميع فيما عدا جوادًا يخص صديق آرثر سير أكالون من جول. وسرعان ما وجد الرجلان أنفسهما وحدهما تائهين في مكان بعيد من الغابة أشجاره متشابكة بكثافة. قررا أن يتبعا غرائز جواديهما في قيادتهما إلى منزلهما أو على الأقل إلى مكان آمن آخر. وتصدر جواد آرثر المسير وسافر الرجلان طوال الليل.

وفي الصباح التالي انطلق الجوادان عبر الغابة ثم توقفا عند شاطئ يطل على بحر هادئ. وفي الأفق رأى الرجلان سفينة ذات أشرعة حريرية أنيقة تسير باتجاههما بسرعة.

وعلى متن السفينة وقفت اثنتا عشرة امرأة فائقة الحسن يلوحن لهما. صاحت النسوة: «هيا، اصعدا إلى متن السفينة. قطعًا أنتما جائعان وظمآنان ومتعبان!»

قال الملك آرثر: «ماذا عسانا أن نخسر؟ لعلها تكون مغامرة عظيمة أخرى.» وافقه سير أكالون الرأي، وصعدا إلى متن السفينة.

وفجأة بدأت السفينة تتحرك بعيدًا عن الشاطئ. اضطرب الرجلان، لكن سرعان ما لهتهما النساء، ونعما بأمسية ممتعة. وفي آخر الليل، سمحا للنساء أن يقدنهما إلى أماكن النوم حيث سيقضيان ليلتهما.

•••

عندما فتح آرثر عينيه ظن أنه لا يزال يحلم؛ إذ وجد نفسه في زنزانة حجرية مظلمة كئيبة. ورأى حوله العديد من الفرسان يتأوهون في حالة مؤسفة.

شرح له أحد الفرسان أن من سجنهم هو فارس يُسمى سير دوماس. فعندما مات والد سير دوماس ترك له ولأخيه الأصغر، سير أونتزلاك، ضيعة كبيرة. غير أنه بمرور السنين سلب سير دوماس أخاه الأصغر كل شيء تقريبًا فيما عدا قلعة واحدة صغيرة.

قال الفارس: «وقد أراد الحصول على هذه القلعة الأخيرة، لكنه لا يستطيع الحصول عليها بنفسه ولا يستطيع العثور على فارس يتولى أمر قضيته الجشعة نيابة عنه؛ لذا جميعنا هنا سجناء، فجميعنا رفضنا مساعدته.»

قال آرثر: «سأساعده أنا نظير إطلاق سراحي، لكنني بعدئذ سأعاقبه على ما فعله.»

وعندئذ دخلت امرأة الزنزانة، وعرفها آرثر. إنها واحدة من النساء اللاتي استدرجنه هو وسير أكالون إلى السفينة. سألته المرأة: «سمعتك تقول إنك ستساعد سير دوماس في قضيته؟»

قال آرثر: «سأتولى قضيته بشرط واحد؛ لا بد أن تعديني بأن تذهبي إلى كاميلوت وتطلبي من مورجانا لي فاي أن ترسل إليَّ سيفي الذي تحتفظ به.»

ضحكت مورجانا لي فاي عندما سمعت الرسالة لأنها هي بالطبع من دبر الأمر برمته. وتعالت ضحكاتها أكثر عندما أعطت المرأة السيف المُقلد وليس إكسكاليبور الحقيقي.

وحدث أنه عندما فتح سير أكالون عينيه لم يجد نفسه في زنزانة، وإنما في سرداق غامض يحرسه قزم قبيح الصورة. أخبر القزم سير أكالون أن هذا السرداق هو ملك الليدي جومين الشقراء، التي دعت سير أكالون إلى الإفطار.

وبالطبع كانت الليدي تعمل بالمثل لصالح مورجانا لي فاي. وفيما كانا يتناولان الطعام، أخبرت الليدي جومين سير أكالون بقصة حزينة بشأن فارس نبيل اسمه سير أونتزلاك، الذي كان له أخ أكبر شرير.

قالت الليدي جومين باكية: «لم يكتف سير دوماس بتجريد سير أونتزلاك من كل ممتلكاته، وإنما وجد فارسًا الآن كي يسلبه آخر شيء يمتلكه، وهو قلعته الأخيرة المتبقية. ولا يستطيع سير أونتزلاك أن يدافع عن نفسه لأنه جُرح مؤخرًا في إحدى المعارك. أرجوك يا سيدي، هلا ساعدته؟»

قال سير أكالون: «كنت سأساعده بكل سرور، لكنني لا أملك سلاحًا.»

ابتسمت الليدي جومين وقالت إنها ستعود في الحال، فعادت تحمل شيئًا ملفوفًا في وشاح قرمزي. وعندما فتحه سير أكالون شهق شهقة عالية.

صرخ أكالون وهو يحمل سيفًا يستحيل أن يعرف أنه إكسكاليبور الحقيقي: «سيدتي، هذا السيف مطابق تمامًا لسيف صديقي وملكي آرثر!»

وهكذا دُبر الأمر بحيث يتقاتل آرثر وسير أكالون، على أن يكون إكسكاليبور الحقيقي مع سير أكالون، والسيف المزيف مع الملك آرثر. ولمّا كان كل منهما يرتدي زي القتال بلون زي الرجل الذي يحارب من أجله، لم يتمكن أحدهما من رؤية وجه الآخر، ومن ثم لم يدرك كل منهما أنه يقاتل الآخر.

وصلت فيفيان في الوقت الذي بدأت فيه المعركة بالضبط، ومع أن مهمتها كانت إنقاذ الملك آرثر، لم تستطع أن تعرف في الحال أي فارس هو. غير أنه سرعان ما أصبح جليًّا للعيان أنه لا بد أن يكون آرثر هو الفارس الواقع في ورطة كبيرة، وحقًّا كان آرثر في محنة كبيرة؛ فسيفه المزيف لم يكد حتى يحدث خدشًا واحدًا في جسد خصمه، في حين قطع سيف خصمه قطعًا غائرًا في جسده. علاوة على أن غمد سيفه الذي كان يحميه في الماضي من أي جروح بدا غير فعال، فيما تدفق الدم بقوة من جسده.

كان سير أكالون على وشك أن يقضي على الملك آرثر حينما تقدمت فيفيان وألقت تعويذة فأطاحت بسيف إكسكاليبور من يده. ركض آرثر كي يلتقط إكسكاليبور الحقيقي مدركًا في الحال أن هذا هو سيفه الحقيقي. وعندما أمسك بالغمد الذي سقط من أكالون أيضًا، توقف نزف كل جروحه. وفي الحال تقريبًا، بدأ سير أكالون ينزف بدلًا منه. وقبل أن يفقد سير أكالون الوعي على إثر فقدان الدماء، نزع عنه خوذته فرأى آرثر وجه صاحبه.

حاول آرثر أن يساعده، لكنه كان قد فقد بالفعل قدرًا كبيرًا من الدماء وصار واهنًا للغاية. واستخدمت فيفيان سحرها لشفاء آرثر كما وعدت، لكنها رفضت أن تساعد سير أكالون الذي مات بعد حين. أعطى آرثر — الذي تملكه الحزن الشديد وما زال لا يفهم ما حدث — كل ثروة سير دوماس (فيما عدا قلعة صغيرة) لسير أونتزلاك وعندئذ عاد إلى وطنه.

بعدها بفترة، جاءت مورجانا لي فاي وهي مضطربة لزيارة آرثر يساورها القلق الشديد من أن يكون قد انكشف أمرها. لكن عندما وصلت، كان آرثر نائمًا، فتسللت إلى غرفته وقررت أن تحاول أخذ إكسكاليبور مرة أخرى. لكن لأن آرثر كان يضع السيف تحت وسادته وهو نائم، لم تستطع أن تسرق سوى الغمد.

وعندما استيقظ آرثر من نومه ووجد الغمد مفقودًا وعلم أن أخته كانت هنا، أدرك أخيرًا أنها هي التي كانت وراء كل المحن التي مرّ بها مؤخرًا.

عرضت فيفيان أن تساعد آرثر في القبض على مورجانا لي فاي، ووافق آرثر. لكن قبل أن يتمكنا من الإمساك بها، كانت مورجانا قد ألقت بالغمد بالفعل في منتصف بحيرة واسعة. وبينما كانت تفعل هذا، بزغت من البحيرة ذراع بيضاء مغطاة بالعديد من الأساور الذهبية، فأمسكت بالغمد وجذبته تحت الماء إلى أغوار البحيرة إلى حيث لن يرتفع مرة أخرى.

ولمّا شعرت مورجانا بأن فيفيان وآرثر وراءها، تنكرت هي وحاشيتها، إذ حولتهم جميعًا إلى مجموعة من الصخور والأحجار الملقاة على الأرض. وعند وصول آرثر وفيفيان، شعرت فيفيان في التو بالسحر وعرضت أن تُعيد جميع الرجال مرة أخرى شريطة أن يعدها آرثر بقتل مورجانا عقابًا لها.

لكن آرثر رفض وعنفها أمام أعين بعض الأشخاص، فمورجانا هي أخته بالرغم من كل ما حدث. ابتسمت فيفيان ونعتت آرثر بالأحمق، وأخبرته في سرور بما حلَّ بصديقه العزيز ميرلين. وعندئذ غادرت المكان. ومن ذلك الحين فصاعدًا، أضمرت فيفيان مشاعر الكره والضغينة لآرثر لأنه رفض طلبها أكثر مما أضمرت له مورجانا.

وهكذا انتهت قصة وجود ميرلين في حياة آرثر.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠