الفصل الأول

والآن سوف أخبركم بقصة سير بيلياس، الذي كان يلقبه الكثيرون بـ«الفارس اللطيف». بدأت القصة بخروج الملكة جوينيفير في يوم ما للتنزه بصحبة وصيفاتها وبعض الفرسان. كان اليوم رائعًا، وكانوا يستمتعون بنزهتهم عندما اقتربت منهم على حين غرة امرأة تمتطي جوادًا أبيض، وكان يرافقها ثلاثة خدام يمسك أحدهم بشيء مربع كبير مغطى بقماشة من الستان الأحمر.

كان اسم المرأة بارسنت وقد جاءت من بلاط الليدي إيتارد من أجل غرض محدد للغاية؛ إذ كان كثيرون في بلاط الليدي إيتارد ومن المحيطين بها يعتبرون الليدي إيتارد أجمل امرأة في العالم، وكان قد تناهى إلى مسامعها أن جوينيفير بارعة الحسن أيضًا، من ثم أرسلت بارسنت كي تتحقق من صحة هذا.

قالت بارسنت: «وحقًّا هذا حقيقي.»

قالت جوينيفير: «هذا رائع للغاية، لكن من المضحك أن تأتي كل هذه المسافة من أجل مسألة تافهة كهذه. أخبريني، ما هذا الشيء المربع المغطى بالستان الأحمر؟»

وبإيماءة من بارسنت نزع الخادم الستان الأحمر ليكشف عن لوحة لليدي إيتارد.

قالت جوينيفير في لطف: «إذا كانت هذه هي الليدي إيتارد، إذن فهي غاية في الحسن أيضًا، بل إنها أجمل مني بكثير.»

اعترض سير بيلياس قائلًا: «ليس صحيحًا يا سيدتي! أنتِ الأجمل يا سيدتي، وأنا على استعداد للدفاع عن ادعائي هذا في مبارزة.»

قالت بارسنت: «من حسن حظك أننا هنا ولسنا هناك في بلاط الليدي إيتارد، وإلا كان سير إينجامور من مالفيرات، المنوط به حماية الليدي إيتارد، أجبرك على الدفاع عن ادعائك في مبارزة!»

أكد سير بيلياس أنه يرحب بمثل هذه المبارزة الودية، وترجى الملكة أن تمنحه إجازة من أجل القيام بهذا. ومع أنها ظلت تنظر إلى الأمر كله على أنه أمر تافه، فقد سُرت بالإطراء ووافقت على هذه المغامرة.

كان سير بيلياس شديد الحماس لهذا القتال، حتى إنه لم يُضع الوقت في تجهيز أو ارتداء زي القتال الخاص به، إذ كان على يقين كما ذكر من أنه سوف يعثر على درع ملائم لهذا الغرض في مكان ما على الطريق.

وفيما كان يجتاز بيلياس وبارسنت والمجموعة المرافقة لها «غابة المغامرات»، صادفوا امرأة عجوزًا تجلس على ضفة مكسوة بالطحالب لنهر متلاطم الأمواج. كانت عينا المرأة شديدتي الاحمرار كما لو كانت تبكي منذ سنوات، ووجهها نحيل ومليء بالتجاعيد، والشعر الخشن ينتشر في وجنتيها وذقنها.

ارتجفت بارسنت، وجال ببالها أن هذه المرأة بلا شك قبيحة المنظر على خلاف جوينيفير والليدي إيتارد! ومن ثم عندما طلبت المرأة العجوز من سير بيلياس أن يقلها على جواده عبر النهر متلاطم الأمواج، أخبرتها بارسنت أن سير بيلياس هو رجل ذو شأن رفيع لا يقوم بمثل هذه المهمة.

لكن سير بيلياس وبخ بارسنت في لطف، وذكرها بأن الفارس الحقيقي هو من يساعد أي شخص مضطر. وعندئذ نزل عن جواده، ورفع المرأة وأركبها على الجواد، وعبر بها إلى الضفة الأخرى من النهر.

وما إن وصلا الضفة الأخرى، حتى قفزت المرأة العجوز عن الجواد وتحولت فجأة، فبدلًا من العينين الحمراوين والتجاعيد والشعر الخشن، أصبح لديها عينان سوداوان مثل الجواهر، وبشرة بيضاء كالعاج، وشعر طويل ناعم كالحرير، وحول عنقها قلادة جميلة عبارة عن حلقة ذهبية مرصعة بأحجار الأوبال والزمرد. وعرف الجميع في التو أنها نيمو كبيرة سيدات البحيرة، ولم يكن تنكرها في شكل امرأة عجوز سوى اختبار لفروسية سير بيلياس.

قالت نيمو: «لقد نجحت في الاختبار، من أجل ذلك ستحوز مكافأة.» ثم مدت يدها ونزعت عن رقبتها القلادة الذهبية وأعطتها لسير بيلياس ليعلقها على كتفه كالنيشان.

وما لم يعرفه سير بيلياس هو أن القلادة كانت سحرية؛ إذ يقع في حب من يرتديها كل من ينظر إليه. وواصل الجمع سيرهم.

•••

في اليوم التالي، وأثناء وجودهم في الغابة، صادف سير بيلياس وبارسنت امرأة باكية أخرى، لكن هذه المرأة كانت صغيرة السن، ويتبعها حامل درع حزين أيضًا.

سأل سير بيلياس: «ما الخطب؟»

تنهدت المرأة وقالت: «لا عليك، فأنت لا تستطيع أن تساعدني.»

سألها سير بيلياس: «وما أدراك؟» ثم ساعدها على النزول عن جوادها برفق، وأعطاها بعض الماء، وطلب منها مرة أخرى أن تخبره بمتاعبها.

وكانت القصة التي روتها أخيرًا قصة محزنة. كانت المرأة تصطاد بصحبة عريسها سير براندميري، فركض كلبهما المحبوب عبر جسر طويل ضيق يمر بجدول ماء عنيف الأمواج، وعندما بدآ يعبران الجسر، خرج فارس مرعب من قلعة مبنية بحجارة داكنة اللون على الجانب الآخر من الجسر، وكان الفارس وجواده يتسربلان بملابس حمراء.

ومع أنهما أوضحا للفارس الأحمر أنهما يريدان أن يرجعا كلبهما فحسب، فإن الفارس الأحمر أخبر سير براندميري أنه لا بد أن يهزمه أولًا إن أراد العبور. وكان سير براندميري غير مسلح ولا يرتدي سوى ملابس صيد خفيفة، غير أنه كان شجاعًا، فاستل سيفه وتقدم للأمام. ضرب الفارس الأحمر سير براندميري على رأسه فجعله يسقط للأمام على جواده وينزف بشدة. ومن دون أن يكلم الفارس الأحمر السيدة كلمة واحدة، أخذ بلجام جواد سير براندميري وسحبه هو وجواده عبر الجسر إلى القلعة المظلمة.

قالت المرأة باكية: «ولا أعرف إن كان ميتًا أم لا يزال على قيد الحياة!»

قال سير بيلياس: «سيدتي، يمكنني مساعدتك حقًّا.»

قالت المرأة: «لكنك لا ترتدي درعًا.»

رد سير بيلياس: «خذيني إلى هناك فحسب.» ففعلت المرأة كما قال.

وعندما بدأ سير بيلياس يعبر الجسر، جاء الفارس الأحمر مندفعًا مرة أخرى سائلًا من ذا الذي تجرأ على الاقتراب. أوضح سير بيلياس أنه جاء فحسب كي يسأل عما حدث لسير براندميري.

أجاب الفارس الأحمر: «لقد حدث له نفس ما سيحدث لك!»

قال سير بيلياس: «لكنني لست مسلحًا.»

رد الفارس الأحمر: «إذن، أقترح عليك أن تعود أدراجك.»

وبدلًا من أن يرحل بيلياس، التقط أضخم حجر استطاع أن يجده؛ حجر ربما لا يستطيع خمسة رجال عاديين أن يرفعوه، ورمى الفارس الأحمر بالحجر فأطاح به عن جواده، وعندئذ استل سيف الفارس الأحمر ووضعه عند رقبته طالبًا منه بعض المعلومات.

عرف أن الاسم الحقيقي للفارس الأحمر هو سير أدريساك، وأن سير براندميري ما زال على قيد الحياة، لكنه يحتفظ به سجينًا لديه، بل إنه يحتفظ فعليًّا بنحو واحد وعشرين سجينًا آخرين، فقد كان يمسك عبر السنين بأي شخص يحاول أن يعبر الجسر، فيأخذه أسيرًا ويطالب بفدية هائلة. وثمة اثنان وسط هؤلاء الأسرى من بلاط الملك آرثر بالفعل هما: سير برانديلز، وسير مادور دي لا بورتيه.

كان بمقدور سير بيلياس أن يقتل سير أدريساك الشرير الوقح، لكنه قرر أن يعفو عنه بعدما توسل إليه أن يرحمه. غير أنه في المقابل سيمنح درعه إلى السير بيلياس الذي ما زال غير مسلح، ويطلق سراح كافة المساجين، ثم يذهب إلى كاميلوت ليطلب عفو الملك آرثر.

وفيما كان سير بيلياس يحرر المساجين، عثر على كل الثروات التي سلبها سير أدريساك عبر السنين، ولم يأخذ أي شيء لنفسه وإنما قسم كل شيء بين الضحايا، وقد أحبوه من أجل طيبته أكثر مما أحبوه من أجل تأثير قلادته السحرية. ترجوه ألا يرحل، لكنه كان في مهمة ما، لذا رحل بصحبة سير برانديلز وسير مادور ليتممها.

وعندمـا وصل بيـليـاس وبـارسنت حدود أرض «جرانتمسنيل»، أرض الليدي إيتارد، نصب هو ورجاله الخيام، وطلب من بارسنت أن تنقل رسالة إلى السيدة.

قال لها: «أخبريها من فضلك أن ثمة فارسًا هنا كي يعلن أن جمال الملكة جوينيفير أعظم، وكي يدافع عن هذا الإعلان ضد أي فارس قد يباريه.»

ولم تستطع بارسنت، بسبب وضعها، أن تتمنى أن يكون بيلياس الفائز في القتال، لكنها تمنت له حظًّا طيبًا بالطبع.

وفي اليوم التالي، ارتدى سير بيلياس الدرع الأحمر الذي أعطاه إياه سير أدريساك وبلغ القلعة من أجل الدخول في مبارزة ودية. وتجمهر حشد كبير من الناس، وأُنزل أمامهم الجسر المتحرك الذي خرج عبره فارس ضخم مرفوع الهامة متسربل بالكامل بملابس خضراء، وكان يُعرف بالفارس ذي الأكمام الخضراء، واسمه الحقيقي سير إنجامور من مالفيرات، وقد حيا سير بيلياس بتهذيب. غير أنه كان متحمسًا بشدة من أجل ليدي إيتارد، تمامًا مثلما كان سير بيلياس متحمسًا من أجل الملكة جوينيفير.

اندفع الرجلان أحدهما نحو الآخر بسرعة وقوة هائلتين، فأطاح سيف سير بيلياس بسير إنجامور عن جواده وطرحه أرضًا بقوة شديدة، فشهق الجميع لا سيما ليدي إنجامور إذ لم ير أي واحد منهم سير إنجامور يُهزم من قبل. واضطرب سير إنجامور أيضًا لخسارته، وشعر بالخزي والخجل. ونزع سير بيلياس خوذته ومضى كي يقدم نفسه إلى الليدي إيتارد.

غير أنه ما إن وقف أمامها حتى أدرك أنها أجمل بكثير من صورتها، فأضمر لها شيئًا من الحب بسبب جمالها الشديد، وهي أيضًا أحبته بسبب القلادة السحرية التي يرتديها. كانت حتى هذه اللحظة تحتفظ بسير إنجامور إلى جانبها، لكنها طلبت سير بيلياس بدلًا منه على مدار الأيام القليلة التالية. وعاد سير برانديلز وسير مادور دي لا بورتيه أخيرًا إلى الخيام، لكن سير بيلياس مكث عند الليدي ضيفًا مكرمًا. وفي تلك الأثناء كان سير إنجامور يراقب بحزن وغيرة.

قال بيلياس لليدي إيتارد: «سيدتي، ماذا يمكنني أن أفعل كي أبرهن لكِ كم أهتم بكِ؟»

أجابته: «أعطني القلادة الجميلة التي ترتديها حول عنقك.»

لم يشأ سير بيلياس أن يتخلى عن القلادة التي كانت هدية خاصة من سيدة البحيرة، غير أن ليدي إيتارد سُرت بها للغاية، لذا وافق أن يتركها ترتديها بعض الوقت.

وما إن نزع سير بيلياس القلادة حتى توقف تأثير السحر وبدأت ليدي إيتارد يراودها شعور آخر غير الحب؛ شعور بالغضب الشديد لأنها افتتنت بسير بيلياس بهذه السهولة، ولأنها تجاهلت بطلها الذي طالما اعتنى بها طويلًا سير إنجامور. وبدلًا من أن تبوح إلى سير بيلياس بأن حبها له قد تلاشى، استمرت تبتسم له وتنظر له حُبًّا، وفي نفس الوقت تخطط بينها وبين نفسها للانتقام منه.

طلبت ليدي إيتارد من بارسنت أن تحضر لها عقارًا منومًا كي تعطيه لسير بيلياس. وترجتها بارسنت ألا تفعل هذا، غير أنها أصرت. وأخيرًا تناول سير بيلياس العقار الذي دسته له ليدي إيتارد في العشاء.

وعندما غط سير بيلياس في النوم، جردته ليدي إيتارد من كل ملابسه عدا ملابسه الداخلية وأخذته إلى مكان عام خارج القلعة. وعندما تشرق الشمس، سيتجمع كل الناس حوله يهزءون منه فيشعرونه بنفس الخزي الذي جعل سير إنجامور يشعر به عندما هزمه.

وهذا ما حدث بالضبط عندما استيقظ سير بيلياس في اليوم التالي؛ فقد وقف هناك مرتبكًا، شبه عارٍ، ومذلولًا، إلى أن ركضت بارسنت إليه حاملة بطانية كي تغطيه بها.

تملك الغضب الشديد من سير برانديلز وسير مادور دي لا بورتيه من أجل ما فعلته ليدي إيتارد، وتوسلا إلى بيلياس أن يسمح لهما بأن يحضرا الدعم من كاميلوت كي يلقنا ليدي إيتارد درسًا لا تنساه.

لكن سير بيلياس رفض؛ فهي — كما أخبرهم — امرأة في المقام الأول، ومن ثم، سوف يدافع عن كرامتها حتى الموت، ومن أجل سبب آخر كما اعترف لهما ألا وهو أنه واقع في غرامها. وبعد أن قال سير بيلياس هذا، طلب من حامل الدرع أن يحضر له درعه.

قال بيلياس: «سأحاول أن أزورها. لا أعرف نوع السحر الذي أنا خاضع له، لكنني سأموت قطعًا إذا لم أرها وأتحدث إليها مرة أخرى.»

ارتدى سير بيلياس زي القتال الكامل، ثم اتجه إلى طرف جرانتمسنيل وانتظر. وبعثت ليدي إيتارد عشرة فرسان كي يعاقبوه. ولمّا كان سير بيلياس فارسًا عظيمًا بالفعل علاوة على أن الحب أمده بالقوة في تلك اللحظة، فقد هزم سريعًا ثمانية منهم، وكان الفارسان الأخيران على وشك الالتفاف والفرار منه، لكن سير بيلياس رفع يديه عندئذ معلنًا استسلامه. جراه إلى القلعة، فابتسم سير بيلياس في نفسه، لأن هذا هو عين ما أراده. وظن أنه سوف يرى محبوبته مرة أخرى في غضون لحظات معدودة، لكن ليدي إيتارد رأته أولًا.

صرخت ليدي إيتارد من أعلى البرج فيما وصل الفرسان بسجينهم: «لا تحضروه لي! ضعوه على جواده وأوثقوا يديه خلف ظهره وقدميه تحت بطن جواده، ثم أرسلوه إلى الخارج حتى يضحك الجميع عليه مرة أخرى.»

وعندما رأى سير برانديلز وسير مادور دي لا بورتيه هذه الإهانة الأخيرة، ترجيا سير بيلياس بإلحاح شديد أكثر من المرة السابقة أن يسمح لهما بأن يستردا كرامته.

قال سير بيلياس في إصرار: «لا أكترث بكرامتي.» قال هذا لأنه كان تحت تأثير القلادة السحرية التي كانت ترتديها ليدي إيتارد الآن طوال الوقت.

غير أن صديقَي بيلياس واصلا محاولاتهما: «حسنًا، وماذا عن كرامة الملك آرثر وطاولته المستديرة؟»

رد سير بيلياس بصوت عظيم ومزعج: «لا أكترث بهما أيضًا.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠