الفصل الثاني

فيما كان سير بيلياس بالخارج في مغامرته الخاصة بالدفاع عن جمال الملكة جوينيفير، كان هناك فارس آخر في كاميلوت يثير أعصاب الملكة. كان هذا هو سير جيواين الذي كانت تمقته منذ زمن طويل، وكانت تحمل له مشاعر البغض، ربما منذ ذلك اليوم الذي لم يرفض فيه فحسب المساعدة في حماية مملكة والدها وإنما أيضًا رد على طلبها بوقاحة. كان يراه الكثيرون على أنه شخصية ساحرة، غير أنها كانت تراه متشامخًا مغرورًا، وقد قسى قلبها تجاهه.

في يوم من الأيام قفز أحد الكلاب المفضلة لدى الليدي جوينيفير على سير جيواين وهو متسخ القدمين. ولمّا لم يكن سير جيواين يعلم أن جوينيفير تراقبه، ضرب الكلب على أذنيه. هرعت جوينيفير نحوه، وسألته لماذا ضرب كلبها.

رد سير جيواين: «لأن كلبك هاجمني، وعندما يهاجمني شيء أهاجمه بالمثل.»

انتصبت جوينيفير في شموخ وسألته: «أنسيت إلى من تتحدث؟ كيف تجرؤ على الحديث إليّ هكذا؟»

انتصب جيواين بنفس الشموخ وقال: «ربما أنتِ يا سيدتي التي لا تذكرين أنني ابن ملك عظيم، وأنا أجرؤ على فعل ما يجب عليّ فعله دفاعًا عن حقوقي.»

شهق جميع الحاضرين وأداروا نظرهم بعيدًا في الحال. ووقفت جوينيفير مستشاطة غضبًا لحظة قبل أن تتحدث إليه مرة أخرى، وأخيرًا نطقت وقالت له: «سير جيواين، أنت متشامخ ومغرور بما يفوق كل الحدود. أنا الملكة وهذا بلاطي، وأنا آمرك أن ترحل وألا تريني وجهك إلى أن تكون مستعدًّا للاعتذار لي عن الطريقة الوقحة التي تعاملني بها دائمًا!»

وبهذا استدارت جوينيفير واتجهت إلى غرفتها، غير أنها ما إن دخلتها حتى بكت في الخفاء من شدة الغضب والخزي. لقد كرهت الموقف الذي حدث للتو، لكنها في الوقت نفسه كانت فخورة بما فعلته، وكانت ستفعله مرة أخرى لو تكرر الأمر.

لمّا سمع سير إيواين أن من المزمع أن يغادر ابن عمه كاميلوت، طلب من الملك آرثر أن يأذن له بمغادرة البلاط بالمثل. وافق الملك آرثر بكل سرور، ورحل الفارسان معًا بحثًا عن مغامرة أخرى عظيمة.

أخبرهما الرهبان في الدير عن بقعة في أحد المروج حيث يتدلى ترس من أحد أشجار الجميز، وقال الرهبان إن ثمة بعض النساء اللاتي أسأن معاملة هذا الترس للغاية. وفكر جيواين وإيواين أن هذا أمر في غاية الغرابة، لكنهما انطلقا للعثور على أولئك النساء.

وبالطبع عثرا على المرج، وعلى شجرة الجميز، وعلى الترس، وثلاث فتيات حسناوات يَسبُبن الترس ويرشقنه بالحجارة والوحل، وكان صاحب الترس فارسًا يتسربل بملابس سوداء بالكامل يجلس في هدوء على جواده لا ينبس ببنت شفة ولا يفعل شيئًا.

هجم سير جيواين على الفتيات وهو يصيح فيهن: «ابتعدن!» وبعد أن ألقين حفنة أخيرة من الوحل، فررن بسرعة. اقترب الفارس الأسود، وما أدهش سير جيواين أنه سأله عن سبب تدخله. وأجاب جيواين متعجبًا: «لأنهن كن عديمات الاحترام مع ما بدا لي ترسًا فروسيًّا أصيلًا.»

أجاب الفارس الأسود في ضجر: «إنه ترسي، وأنا قادر تمامًا على الدفاع عنه.»

قال جيواين متحديًا الفارس: «ليس هذا واضحًا!» وعندئذ تبارى الرجلان، فيما احتشد جميع الناس الذين داخل القلعة ونظروا من فوق الأسوار. شعر جيواين، الذي لم يطرحه أحد قط عن صهوة جواده — عدا الملك آرثر — بالثقة الشديدة في أنه سوف يفوز في المبارزة. ولكن قبل أن يفطن، وجد رمحه مكسورًا إلى أجزاء عديدة، وكان هو نفسه يطير في الهواء عن صهوة جواده وينطرح بقوة على الأرض المتربة.

جُرح كبرياء سير جيواين الذي اندفع بغضب شديد نحو الفارس الأسود، واستجاب الفارس الأسود بالمثل إلى أن أقحم سير إيواين جواده بينهما.

صاح سير إيواين: «يا للعار يا جيواين! أن تتعارك هكذا مع فارس قاتلك بطريقة ودية في مبارزة عادلة!»

هز جيواين كتفيه وأعاد سيفه إلى غمده، وفعل الفارس الأسود الشيء نفسه. وبعدما ساد السلام مرة أخرى، دعا الفارس الأسود سير جيواين وسير إيواين إلى منزله لتناول الشراب. وجدا منزله فخمًا وملكيًّا، واتضح أن الفارس الأسود هو سير مارهوس ابن ملك أيرلندا. وشعر جيواين بالارتياح لأنه على الأقل تلقى هزيمته على يد شخص رفيع الشأن.

أخيرًا أوضح مارهوس سبب وقوفه بالقرب من الترس وعدم الدفاع عنه. فمنذ فترة مضت، أطاح سير مارهوس عن طريق الخطأ بمحبوبة أحد الفرسان عن جوادها حيث وقعت في الماء، وعقابًا له قبِل ليس فقط أن يقف على مقربة من الترس مكتوف اليدين فيما تقوم جواري السيدة بقذف الترس بالإهانات والطين، ولكن أيضًا أن يدرأ عنهن هجمات أول سبعة فرسان يأتون ليدافعوا عن الترس. وكان سير جيواين هو الفارس السابع، ومن ثم حرر سير مارهوس من الواجب الذي كان عليه. وهكذا أصبح سير مارهوس طليقًا الآن كي ينضم إلى سير جيواين وسير إيواين في بحثهما عن مغامرة.

•••

في اليوم التالي صار الرجال وسط «غابة المغامرات»، وكان الصمت مطبقًا للغاية حتى إنهم ما كادوا يسمعون وقع حوافر أحصنتهم على الأرض. تبعوا ظبيًا صغيرًا فوصلوا إلى نافورة تجلس بجانبها امرأة جميلة ذات وجه أبيض كالعاج، وشعر حالك السواد، وعينين مشرقتين ومتلألئتين كالجواهر، لم تكن سوى الجنية نيمو، كبيرة سيدات البحيرة.

أخبرت نيمو الرجال أن سير مارهوس سيصير يومًا ما أحد أشهر فرسان الطاولة المستديرة. غير أن مغامرة اليوم هي مغامرة سير جيواين. وأخذت نيمو الرجال إلى قمة أحد التلال حيث نظروا إلى أحد الوديان بالأسفل فرأوا منظرًا في غاية الغرابة بحق. رأوا فارسًا متسربلًا بملابس حمراء بالكامل، قاتل بمفرده عشرة فرسان هجموا عليه، وفي منتهى البراعة ضرب أول ثمانية فرسان منهم وبدا آخر فارسين على وشك الهروب. لكن عندئذ، تصرف الفارس الأحمر أغرب تصرف يمكن توقعه؛ لقد ألقى بسيفه بعيدًا واستسلم لهما، فأخذاه إلى قلعة قريبة.

قالت نيمو: «انتظروا فحسب.» وبعدها ببضع ثوانٍ رأوا نفس الفارس يُطرد من القلعة ويداه موثقتان خلف ظهره وقدماه تحت بطن جواده.

أخبرت نيمو جيواين: «والآن يمكنك أن تذهب، فهذه مغامرتك.»

نزل سير جيواين، وسير إيواين، وسير مارهوس إلى الوادي ودهشوا كثيرًا حينما رأوا خيام سير برانديلز وسير مادور دي لا بورتيه وشعاريهما أيضًا. جلس الفرسان الخمسة الودودون وتناولوا الشراب معًا. لكن عندما سأل جيواين سير برانديلز وسير مادور عن المنظر الذي شاهدوه في الوادي، بدا عليهما عدم الرغبة في الإجابة، وبدلًا من أن يجيباه، طلبا منه أن يتبعهما ليعرف الإجابة بنفسه.

قال جيواين في صرامة عندما رأى أن الفارس الأحمر هو سير بيلياس: «سير، أنت أحد فرسان البلاط الملكي للملك آرثر، كيف تذل نفسك والبلاط الملكي هذا الإذلال المخجل؟»

لم يجبه بيلياس.

قال سير جيواين بعنف شديد: «سير، أجبني بطريقة أو بأخرى، أجبني بالكلمات أو بمقاتلتي لأنني لن أسمح بمثل هذا الخزي أن يلحق بملكنا دون أن أدافع عنه. لقد كنا أنا وأنت أصدقاء يومًا ما، لكن إن لم تفسر لي الأمر في الحال، فسأعتبرك عدوي.»

وعندما أوضح بيلياس الأمر أخيرًا، اتفق معه سير جيواين أنه يبدو وكأنه مسحور، مثلما فعل أحد الأشخاص بالحكيم ميرلين مؤخرًا. وأقسم سير جيواين، ليس فقط أن يكشف سبب المشكلة وإنما أيضًا أن يسترد كرامة صديقه. وكانت لديه خطة لهذا.

فبعد أن ارتدى سير جيواين ملابس قتال سير بيلياس الحمراء وامتطى جواده، اتجه نحو قلعة ليدي إيتارد بشجاعة. وحدث أنها كانت تسير في تلك الأثناء بطول أحد الأسوار الخارجية ورأت الفارس الأحمر يقترب.

فنادته: «لماذا رجعت؟ ألا تفهم أنك كلما أتيت إليّ ازددت كرهًا لك؟»

خلع سير جيواين خوذته وأراها وجهه وقال: «أنا لست الرجل الذي تكرهينه، لقد هزمته وأخذت درعه وجواده، ولن يسبب لكِ أي إزعاج بعد الآن.»

انبهرت ليدي إيتارد، فقد كان سير بيلياس أحد أعظم الفرسان بالعالم، لذا لو أن هذا الفارس الجديد قد هزمه بالفعل، فلا بد أنه بطل بحق. كما لاحظت أيضًا أنه شديد الوسامة وذو لحية وشعر سوداوين وكثيفين، وعينين زرقاوين زرقة الفولاذ. فدعته إلى داخل قلعتها.

سارت كل الأمور على ما يرام حسب خطة سير جيواين، إلى أن بدأ سحر القلادة السحرية يؤثر فيه بالمثل، وبدأ جيواين يقع في غرامها تمامًا مثلما حدث مع صديقه بيلياس. ولأن ليدي إيتارد أصبح لديها الآن بطل عظيم، رجع سير إنجامور المسكين إلى المرتبة الثانية مرة أخرى الآن.

وبعدما قضى سير جيواين العديد من الأيام السعيدة هناك يغرق في الحب أكثر فأكثر تحت تأثير القلادة السحرية، وجد نفسه يتسأل: لماذا يجدر به أن يرحل من الأساس؟ فعلى أي حال، لقد أُجبر على ترك بلاط الملك آرثر على نحو يشعر أنه ظالم. لماذا لا يمكث إذن مع ليدي إيتارد الجميلة ويكوّن البلاط الخاص به؟

وعندما لم يعد جيواين، شك سير بيلياس في أنه ربما وقع مكروه، لذا تنكر في زي راهب يرتدي زيًّا أسود وشق طريقه متجهًا نحو القلعة معلنًا أن لديه رسالة هامة للسير جيواين.

ولمّا دخل إلى سير جيواين وليدي إيتارد، ورآهما يتبادلان نظرات الحب والهيام، نزع سير بيلياس قلنسوته وسار نحو ليدي إيتارد مباشرة ونزع القلادة السحرية من رقبتها.

صرخ سير بيلياس: «هذه قلادتي، وليس لكِ أدنى حق فيها!» ثم قال لسير جيواين: «أما أنت فقد خنتني وخنت الفروسية!» ثم صفع جيواين بقوة شديدة حتى إن خاتمه علّم على وجهه.

قال سير جيواين: «لقد خنتك، لكن الجرح الذي أصبتني به الآن يجعلنا متعادلين.»

اشتد غضب بيلياس وقال: «كلا لسنا متعادلين، لأنني جرحت وجنتك فحسب، لكنك جرحت قلبي! سأدفع لك ثمن صفعي إياك، لكنك سوف تدفع لي ثمن خيانتك لي!»

قال جيواين متوعدًا: «أنا على أهبة الاستعداد لمبارزتك!» ولمّا نظر إلى ليدي إيتارد في اشمئزاز؛ إذ لم تعد ترتدي القلادة، استدار كي ينصرف.

سخرت منه إيتارد قائلة: «أجل انصرف! لكن انصرف وعلى وجهك علامة الفارس الأعظم.»

أقسم سير جيواين في غضب: «انظري إلى وجه سير بيلياس غدًا، ولسوف ترين العلامة التي ستكون على وجهه حينها.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠