الفصل الأول

سنتناول في هذا الجزء الأخير قصة سير جيواين، الذي يكون عنيفًا وفظًّا في طريقته أحيانًا، كما رأينا، لكنه يتمتع أيضًا بطبيعة رقيقة وولاء عظيم.

في أحد الأيام، فيما كان الملك آرثر ورجال حاشيته يتنزهون في الأراضي، اندفع غزال أبيض لطيف وسط الأشجار على بعد يطارده كلب أبيض جميل. وبعد قليل من المطاردة في بقعة خالية من الأشجار، رجع الغزال المذعور إلى وسط الأشجار، والكلب في أعقابه مباشرة.

وقبل حتى أن يتمكن رجال البلاط من الالتفات مرة أخرى لتناول طعامهم، اندفع كائنان آخران من الغابة في جلبة. كانا فارسًا وسيدة يرتديان ملابس تبدو كملابس الصيد. وأخيرًا ظهر مخلوق آخر؛ فارس وحيد يمتطي جوادًا أسود وقد بدت عليه أمارات الغضب، وهجم على الفارس الآخر وطعنه بسيفه، وجذب السيدة التي كانت معه، وألقى بها وهي تصرخ على صهوة جواده ثم عاد أدراجه نحو الغابة. وبعد لحظة، جاء اثنان من حاملي الدروع، وحملا الفارس الجريح ورحلا بالجوادين.

ولأن الأمر برمته حدث بسرعة بالغة وفي بقعة بعيدة عن البقعة التي يتنزه فيها رجال البلاط، لم يستطع أي منهم أن يخطو خطوة واحدة. غير أن الملك آرثر طلب من سير جيواين أن يتحقق من الأمر وأن يأخذ معه أخاه جيهاريس حاملًا لدرعه.

أول شيء عثر عليه جيواين وجيهاريس هو فارسان يتقاتلان. واتضح أن الفارسين هما أخوان، يتبارزان من أجل نفس الغزال والكلب، وقد شرعا في قتالهما لأن أحدهما تمنى أن يهرب الغزال من الكلب والآخر تمنى أن ينال الكلب من الغزال ويقتله. وبعد ذلك بدآ يتشاجران حول من ينقذ السيدة وهما لا يزالان بصدد هذا إلى الآن.

ترك جيواين وجيهاريس هذين الفارسين ومضيا قدمًا في مغامرتهما. وكان الشيء التالي الذي عثرا عليه هو قلعة كبيرة. وعلى أعتابها رقد الكلب ميتًا جرّاء رشقه بالعديد من السهام. أحب جيواين الكلاب وألقى باللوم على الغزال، وبعدما ركض الغزال مرة أخرى بالقرب منهما بعدها بلحظة، أمسكه جيواين وقتله. ولمّا رأى اللورد والليدي صاحبا القلعة هذا المنظر من النافذة، هرعا على الفور إلى جيواين.

صرخت الليدي التي سقطت على الأرض باكية: «أوه، ماذا فعلت بغزالي المحبوب؟»

اعتذر جيواين، لكن عندما ضربه اللورد بسيفه، اندهش وثارت ثائرته. ومع أن اللورد طلب عفوه، شهر جيواين سيفه كي يذبحه.

غير أن ما حدث بعدها لم يكن جيواين يقصده. فعندما كان يلوح بسيفه، هرعت الليدي إلى الأمام كي تدافع عن زوجها، وحاول جيواين أن يتراجع عن طعنته، لكن السيف لمس رقبة السيدة مما جعلها تنزف وتخر على الأرض وكأنها ماتت مثل الغزال.

لكن من حسن الحظ أنها لم تمت. وشعر اللورد بالامتنان الشديد من أجل هذا، حتى إنه سامحه على كل شيء ودعاه هو وجيهاريس إلى العشاء. وأثناء العشاء، أخبرهم اللورد بقصة أخيه الذي اتخذ أخت زوجته زوجة له.

قال اللورد إن امرأة غريبة تتسربل بملابس حمراء بالكامل وشعرها أحمر قد أعطت إحدى الأختين الغزال، والأخرى الكلب. وكانت الأختان غاية في السعادة، غير أن المطاردة بدأت في التو تقريبًا فتشاجرتا معًا. واعترف اللورد أنه كان هو ذلك الفارس الغاضب الذي يرتدي ملابس سوداء الذي طعن أخاه وخطف زوجته. وقد فعل هذا انتقامًا منه من أجل كرامة زوجته وغزالها.

ارتاب جيواين في الأمر، فالمرأة التي وصفها اللورد بدت مثل فيفيان الساحرة، التي تشتهر بارتكاب أفعال مؤذية كهذه بغرض التسلية. قال جيواين: «لمّا صار كل من الغزال والكلب ميتًا الآن، دع شجارك مع أخيك يموت الآن أيضًا.»

وافق اللورد، غير أنه عندما عاد جيواين إلى كاميلوت وأخبر آرثر وجوينيفير بكل ما حدث، حكمت عليه جوينيفير أنه هو من أحدث المتاعب. وقد حدَّثت إحدى جواريها سرًّا أن جيواين لم يظهر أي رحمة مع اللورد، وضرب امرأة وجرحها، قالت جوينيفير: «بالطبع، أصبح سيفه الآن غير شريف.»

ولمّا سمع جيواين هذا مصادفة، خلص إلى أن جوينيفير ستظل تمقته إلى الأبد، ولن تمنحه فرصة لإثبات ولائه. غير أن جيواين أخفى غضبه، وبدافع احترامه للملكة، كسر سيفه الذي صار غير شريف على ركبته.

لكن لا تقلق عزيزي القارئ بشأن جيواين، فقد استطاع لاحقًا أن يثبت نفسه للملكة جوينيفير؛ وربما لك أنت أيضًا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠