روكامبول في سيبيريا

١

ومضى ثلاثة أيام على البارون فيليب دي مورلكيس دون أن يرى أخاه الفيكونت كارل، ومضى خمسة أيام دون أن يرى ولده أجينور.

غير أن هذا البارون كان (كما يعرفه قراء رواية سجن طولون) منخلع القلب ضعيف الإرادة؛ فكان يخشى حدوث مصيبة من انقطاع أخبار أخيه وولده، فلم يجرأ على السؤال عنهما.

وكان لا يزال في فراشه يشكو صدع رجله، فلما كان اليوم الرابع جاءه خادم غرفته بالجرائد، ففتح إحداها وقرأ فيها تلك المقالة التي عرفها القراء بعنوان حادثة سجن لازار.

فلما وقف على موت أنطوانيت اضطرب اضطرابًا شديدًا، وكبرت عليه جريمة قتلها، وتمثل له خيال الطبيب فنسانت يعيد عليه قوله السابق: اندم كما ندمت عسى يغفر لك الله، وذكر أن ابنه يهوى الصبية؛ فخشي أن تقتله مصيبته فيها.

وفيما هو على هذا الاضطراب دخل عليه أخوه الفيكونت كارل، فلما رآه زاد اضطرابه فقال له بلهجة القانطين: أماتت الفتاة؟

فأجابه كارل ببرود: كيف عرفت موتها؟

– من الجرائد؟

– تبًّا لهذه الجرائد! فإنها تتداخل في كل شأن ولا تخفاها خافية، وبعد فما هذا الاستياء من موتها؟ ألعلك لم تكن تتوقعه؟

– وأنت فما هذه السكينة؟ ألعل موت الفتاة لم يؤثر عليك؟

– كيف يؤثر عليَّ موتها ولا راحة لنا إلا بهذا الموت؟! ولكنك إذا رأيتني اليوم ساكنًا فقد كان لي بالأمس موقف شديد ترتعد له الفرائص.

– كيف ذلك؟

– ذلك أن تيميلون الذي يدبر تلك المكيدة أوشك أن يخوننا أمس.

– أمن أجل المال؟

– كلا، بل لخوفه من رجل شقي هرب من سجن طولون وهو يدعى روكامبول، ألم تسمع بهذا الاسم؟

– نعم، فهو اسم لص شهير.

– هو ذاك، وقد خافه تيميلون خوفًا شديدًا حتى بات يتمثل له بكل مخيل؛ لاعتقاده أنه عارف بأمرنا وهو مصيب في اعتقاده، ألا تذكر أنه عادك يومًا طبيب إنكليزي؟

– نعم.

– فلم يكن هذا الطبيب غير روكامبول، جاءك متنكرًا للوقوف على أسرارنا.

ثم قص على أخيه جميع حوادث الليلة الماضية.

ولما فرغ من حديثه قال له البارون: إني أخشى أن يكون ظن تيميلون صادقًا، وأن يكون روكامبول هذا واقفًا على دخائل أسرارنا.

– وهبه كان صادقًا في ظنونه، وكان روكامبول متداخلًا في شئوننا؛ فإن ذلك يدل على ضعفه لأننا كنا نسعى إلى إخفاء أنطوانيت، وقد فزنا بكل ما نريد.

فقال البارون: أواثق أنت من موت أنطوانيت؟ (اقرأ رواية سجن طولون قبل هذه).

فضحك كارل وقال: أتحسب أن إدارة السجون تمزح بنقل الأخبار الكاذبة وتسجيل الوفيات الكاذبة؟

– أماتت حقيقة مسمومة كأمها؟

– نعم، لأن تيميلون تعهد بتسميمها مقابل خمسين ألف فرنك ستدفعها له أو لمن يرسله، لأني سأبرح باريس بعد ساعة.

– أنت تسافر بعد ساعة؟! وإلى أين؟

– إلى روسيا، وإن المركبة تنتظرني على بابك، وأنا بملابس السفر كما تراني.

فزاد عجب البارون وقال: ماذا يدعوك إلى السفر إلى روسيا؟

– يظهر أن التعب قد أضعف ذاكرتك، أنسيت أن لأنطوانيت أختًا تدعى مدلين، وإنها معلمة في روسيا، كما أخبرني ابنك أجينور.

فاضطرب البارون وأدرك قصد أخيه الهائل؛ فقال له: بربك يا أخي كفانا آثامًا، وحسبك قتل أنطوانيت، فدع أختها، ألا تخشى العقاب؟

– لا يخشى العقاب غير البلهاء الذين يدعون البوليس يقبض عليهم.

– أما أنا فخوفي شديد.

– ممن؟

– من الله.

فهز كارل كتفيه وقال: أما أنا فلا أخاف إلا من المشنقة، وقد اتخذت ما ينبغي من الاحتياط؛ بحيث بت في مأمن من الشرع.

– ولكنك قتلت أنطوانيت لأنها عرفت اسم أمها، وأما مدلين فكيف تخافها وهي لا علم لها بشيء؟

– بل إنها تعلم كل شيء، وهي عائدة من روسيا إلى فرنسا، وأنا ذاهب للقائهم في الطريق.

– أتقتل كل يوم نفسًا بشرية؟ وترتكب كل يوم جريمة احتفاظًا بهذه الثروة؟ وما هي بثروتنا لأنها مسروقة! رباه إن هذا الأمر شديد لا تحتمله النفوس.

– بل إنك ضعيف أبله، فلا تغمس يدك بالجريمة، فإني أتكفل بها وحدي، ولا تنس أن تدفع لتيميلون ما وعدته به من المال.

ثم ودعه ومضى، وبعد ساعة ركب القطار وهو يقول: فرغنا من أنطوانيت، فلننظر الآن في شأن مدلين.

٢

ولنعد الآن إلى خمسة عشر يومًا مضت ولنبرح فرنسا إلى روسيا.

قبل تلك الحوادث بأسبوعين كانت مركبة بريد يجرها ثلاثة جياد تقطع تلك السهول التي يغمرها الثلج في أقسام روسيا، وهي تسير إلى موسكو بين الغابات الكثيفة، فكلما بلغت محطة أبدلت الجياد بسواها، واستأنفت السير.

وكانت السماء مدلهمة والثلوج تمطر منها، فكانت تنهمر وتجتمع أكداسًا على الأرض وفوق سطوح المنازل وقباب الكنائس وفي كل مكان.

وكان في هذه المركبة رجل ملتف برداء مبطن بفراء السمور، بينما السائق يحث الجياد على السير بصوته وسوطه.

وكان هذا الرجل أبيض الشعر يناهز الستين من عمره، وقد ارتسمت على وجهه علائم الاهتمام، وهو يدعى الكونت بونتيف، من نبلاء الروسيين، وكان يتفقد أراضيه، فوصل إليه من امرأته في موسكو الكتاب الآتي:

إن ولدنا إيفان انتهت مدة إجازته كما تعلم، ولكنه لم يذهب إلى بطرسبرج، بل بقي في موسكو، وقد أخطأنا لعدم مراقبته، فقد صرح لي اليوم أنه يهوى المدموازيل مدلين الفرنسية، معلمة ابنتنا، وأنه يريد أن يتزوجها، فوقع هذا القول وقع الصاعقة على رأسي، ولا أدري ماذا أصنع، فاحضر.

فاضطرب الكونت لهذا الكتاب الوجيز؛ لأنه كان شديد الطمع، وقد فقد جانبًا عظيمًا من ثروته، فجعل يسعى لزواج ابنه بالكونتس فاسيليكا، وهي من أعظم غنيات بطرسبرج، فأحبط عشق ولده لمدلين جميع أمانيه، ولهذا فإنه أسرع بالقدوم من أراضيه إلى موسكو كي يتلافى هذا الخطر.

وفي اليوم الثامن من سفره وصل إلى الكرملين، ولكن موسكو كانت لا تزال بعيدة، وقد أنهكت قوى الجياد، فطلب من المحطة تغيير الجياد فأمر ناظرها بإعدادها، وبعد ربع ساعة خرج سائق من الاصطبل وشد الجياد على المركبة، فقال له الكونت: إني أكافئك خير مكافأة إذا كنت تسرع بي إلى موسكو، ولو هلكت الجياد فإني أدفع ثمنها.

فأجابه السائق بالفرنسية قائلًا: سأمتثل لأمركم خير امتثال.

فارتعش الكونت عندما سمع صوت السائق، وجعل ينظر إليه نظر الفاحص.

وكان هذا السائق قصير القامة طويل الوجه غائر العينين، تدل سحنته على المكر والشر، فسأله الكونت بعد أن تأمله مليًّا: من أنت؟

– إني أدعى بطرس.

– أأنت روسي؟

– نعم.

– كيف اتفق أنك تتكلم الفرنسية؟

– كنت سائقًا عند البرنس دولو غوسكي، فلما ذهب لفرنسا صحبني معه، فتعلمت هذه اللغة فيها.

فقال الكونت في نفسه: ما هذا التشابه الغريب في الأصوات؟ فقد خُيِّل لي أني أسمع صوت ولدي إيفان، ثم قال له: لماذا امتهنت هذه المهنة؟

– لأني لا مورد لي سواها.

– ألعلك مرتاح إلى هذه المهنة؟

– كلا، لأني أؤثر أن أكون سائقًا خاصًّا في أحد المنازل لا سائقًا عموميًّا كما أنا الآن، غير أن هذا مستحيل لنكد طالعي.

– لماذا؟

فأطرق السائق برأسه مستحييًا وقال: لأني ارتكبت جريمة قتل في عنفوان شبابي، وحكم علي بالنفي إلى مناجم سيبيريا.

فارتعش الكونت أيضًا، وقال له: سر بنا وأسرع كما قلت لك.

وكان في أثناء سيره لا يفكر إلا بهذا السائق وما وجده من التشابه بين صوته وصوت ولده إيفان، ولما وصل إلى موسكو خرج الكونت من المركبة فنفحه بمكافأة حسنة، وقال له: إذا أحببت أن تكون في خدمتي فاحفظ ما أقوله لك.

فبرقت أسرة وجهه سرورًا، وقال: مر يا مولاي بما تشاء.

– أريد منذ الآن أن تمثل لدى جميع سكان هذا القصر وسائر الناس أنك مصاب بالخرس، فإذا رضيت أن تمثل هذا الدور لقيت عندي كل ما تطمع به وكنت من الرابحين.

ولما رأى منه حسن الامتثال تركه وصعد إلى امرأته فقصت له ما كان بين تلك الفتاة الفرنسية اليتيمة وبين ابنها، وكيف أن أشعة غرامها قد نفذت إلى قلبه حتى بات لا يجد بدًّا من زواجها.

فقال لها الكونت: أهي تحبه أيضًا؟

– الحب بينهما متبادل على السواء.

– إذن، هي التي أوحت إليه هذا الغرام لدهائها طمعًا بمقامه وجاهه.

– كلا، لأنه كان البادئ، وقد أنكرت عليه غرامه زمنًا طويلًا حتى سقطت في شراكه.

– يجب إطلاق سراحها وإرجاعها إلى بلادها.

– ولكني أخشى على إيفان أن يتبعها، وأخشى عليها أن تموت حزنًا لفراقه.

ففتح الكونت نافذة الغرفة المشرفة على ردهة المنزل ونادى بطرس السائق الذي كان ينتظره فيها، فصعد السائق إليه، وجعل يقلد أشائر الخرس، فقال له الكونت: تكلم.

فقال السائق: إذن، بماذا يأمر مولاي؟

ولكنه ما لبث أن قال هذا القول حتى اضطربت والدة إيفان، وقالت: إن هذا الصوت صوت ولدي، فما هذا التشابه الغريب؟

وأشار الكونت إشارة إيجاب، وقال لبطرس: اذهب الآن إلى الإصطبل، ولا تنس أنك أخرس.

ولما ذهب بطرس قالت والدة إيفان لزوجها: قل لي ماذا تريد أن تصنع في هذا الرجل؟

– سأقول لك في الحال، والآن اصغي إلي، إنك تعرفين ثروتنا؟

– نعم، وا أسفاه! فإنها أوشكت أن تضمحل بعد الخسائر الأخيرة.

– إذن، فقد وجب علينا تزويج إيفان بالكونتس فاسيليكا؛ لأنها تحبه كما علمت، وأموالها لا تُحصى.

– ولكن إيفان لا يرضى.

– لا بد له من الرضى متى اختطفت مدلين.

– أتظن ذلك ممكنًا؟

– كل شيء ممكن، إنما يجب أن تعلمي مقاصدي وتشاركيني فيها.

– إني تعودت طاعتك.

– لي كلمة أقولها أيضًا، وهي أنه: إذا علمت مدلين أن إيفان لا يحبها أتمتنع من العودة إلى فرنسا؟

– كلا، إلا إذا ماتت من الحزن.

– ذلك ليس من شأننا، والآن لنبدأ بالعمل.

٣

عندما عاد الكونت بونتيف إلى موسكو، كانت مدلين تناجي نفسها بأحلام السعادة وتفسح لديها المجال، فإن إيفان كان يحبها، وقد باح لها بغرامه، وهو جاث على ركبتيه أمامها، وأقسم لها: أنه لا يتزوج الكونتس فاسيليكا، وأنه لا يتخذ زوجة سوى حبيبته مدلين، ولم يكن إيفان كاذبًا فيما قال؛ لأنه كان يحب مدلين حبًّا صادقًا، وكان واثقًا من موافقة أبويه على زواجه بها لشدة دلاله عليهما، ولفرط حنوهما عليه.

فلما علم بقدوم أبيه من أراضيه أسرع إليه وباح له بهيامه بمدلين كما باح لأمه، وأخبره عن عزمه على الاقتران بها، فأصغى إليه أبوه دون أن تبدو منه بادرة غضب، ولكنه قال له باكتئاب: إنك ستدفع بنا إلى هاوية الخراب إذا رفضت الزواج بالكونتس فاسيليكا.

غير أن إيفان كان يحب مدلين حبًّا مبرحًا، فلم يكترث لحالة أبيه، وقد نزهه الغرام الصادق عن أن يبيع نفسه بيع السلع.

فلما رأى أبوه ما كان من عناده قال له: لا بأس إنما أستمهلك إلى الغد كي نبحث في هذا الشأن الخطير، وأباحث مدلين، فأعلم إذا كانت تحبك حقيقة كما تحبها أنت.

– أتشك بذلك يا أبي؟

– إن شرطي بسيط كما يظهر، لا سبيل إلى رفضه.

– إني لا أرفضه يا أبي فافعل ما تشاء.

– تعدني أنك لا تقول كلمة لمدلين إلى الغد.

فأجابه إيفان بملء البساطة، سأجتهد أن أفي بهذا الوعد.

– ما زلت تخاف أن لا تتمكن من الوفاء بوعدك، فإن لدي طريقة لحملك على الوفاء، فأين هي مدلين الآن؟

– إنها مع أختي.

– إذن، فاركب مركبة وسر بها إلى منزل صديقي البرنس ك، فإنه يبعد مرحلتين عن موسكو فبلغه سلامي وقل له: إني عدت إلى موسكو، ولا شك أن البرنس سيدعوك إلى العشاء؛ بحيث إنك لا تسطيع العودة إلا بعد نصف الليل، أي بعد أن تنام مدلين، وعلى هذا: فإنك لا تستطيع أن تراها قبل غدٍّ، وأكون أنا قد رأيتها الليلة وحادثتها فيما أريد.

فلم يسع إيفان إلا الامتثال لاضطراره إلى إرضاء أبيه، فركب مركبة وذهب، وبعد ساعة كان في قصر هذا البرنس.

أما هذا البرنس فقد كان من قواد الجيش المعتزلين، وكان شديد التمسك بالمبادي القديمة، كثير السخط على المبادي الاصطلاحية الجديدة التي وضعها إسكندر الثاني، فكان يجتمع إليه في منزله كثيرون من الناقمين أمثاله، ويظهر كل منهم ما يعن له من أقوال السخط، ويتمنون المحافظة على القديم.

فلما جاءه إيفان برسالة أبيه انخرط بينهم، وتمكن منه الشراب فاندفع مثلهم في هذا المجال، فجعل يشكو شكوى مرة من بطء الترقي في الجيش.

وفي الساعة الأولى بعد منتصف الليل — حين انفض المجلس — برحه إيفان فركب مركبته، وحاول الرجوع إلى موسكو.

فلما بلغ باب المدينة المقدسة سأله ضابط الحرس عن اسمه فذكره له، فقال: أنت ابن الكونت بونتيف، ورتبتك ضابط في الحرس الإمبراطوري؟

– نعم.

– أما كنت قادمًا من منزل البرنس ك؟

– نعم، وهل علي حرج بقدومي من عنده؟

– ولكني مأمور بالقبض عليك.

ثم أطلعه على الأمر وهو ممضي بتوقيع رئيس البوليس في موسكو.

فبذل إيفان جهده كي يأذن له بمقابلة أبيه، غير أن الضابط أبى عليه إجابة ملتمسه، فأنزله من مركبته وركب وإياه في مركبة أخرى، فسارت بهما في طريق بطرسبرج دون أن يستطيع كتابة كلمة إلى أبيه أو إلى مدلين.

ولا بد أن يكون عرف القراء بأن صدور الأمر بالقبض عليه وإرساله إلى بطرسبرج لم يكن إلا بإيعاز من أبيه؛ فإنه فضل مفارقة ابنه فراقًا وقتيًّا على أن يراه زوجًا لفتاة فرنسية لا تعرف اسم أبيها.

وفي اليوم التالي اجتمعت والدة إيفان بمدلين، وجعلت تمشي وإياها قرب غرفة ولدها، وهي تظهر لها من طباعه ما خفي عليها، وتذكر لها عن طيشه وقلة وفائه أمورًا جعلتها شبه مقدمة لما سيجيء.

ولما وصلت إلى غرفة إيفان وقفت بها أمامها فسمعت مدلين صوت السيوف تقرع على الأرض، فعلمت أن إيفان مجتمع فيها بأصحابه.

ثم سمعت صوت إيفان يتكلم ويضحك فوقفت كي تسمع وتشاغلت الكونتس عنها، فسمعته يقول: إن أبي وأمي شديدا القسوة عليَّ، فقد تداخلا في أمري مع هذه الفتاة الفرنسية، وأفسدا جميع المساعي التي بذلتها حين كدت أبلغ مرادي من إغوائها.

فقال له أحد الحاضرين: إذن، لا صحة لما أشيع من أنك ستتزوجها؟

فسمعت مدلين صوت إيفان يضحك ويقول: ومتى صح أن يتزوج مثلي فتاة لا نسب لها؟! ولكني كنت أعدها هذه الوعود إلى أن حال والدي دون قصدي، وأنا مسافر إلى بطرسبرج للزواج بالكونتس فاسيليكا.

فلما سمعت كلامه هذا سقطت مغميًّا عليها، فأمرت الكونتس الخدم بحملها إلى غرفتها.

وفي اليوم التالي كتبت إلى أختها أنطوانيت ذلك الكتاب الذي تقدم ذكره في رواية سجن طولون.

ولم يكن الصوت الذي سمعته مدلين صوت إيفان، بل كان صوت السائق بطرس، وقد حمله الكونت وامرأته على تمثيل هذا الدور منعًا لزواج ابنهما إيفان بمدلين.

ولم يكن يرضي الكونت الشرس أن تبرح مدلين من روسيا إلى فرنسا، بل كان يريد أن لا يدع سبيلًا لابنه كي يتبعها بعدما عرفه من هيامه بها، كي لا يبقى حائل دون زواجه بفاسيليكا، فخط خطة جهنمية، وأمر في اليوم التالي أن تسافر مدلين وهي لا تزال تتلهب من الحمى.

فأرسلت في مركبة بريد كانت مسافرة فيها امرأة عجوز، وأرسل معها السائق بطرس، وقد تزيا بزي الخدم وجلس أمام السائق.

وكان الكونت قد عرف ما انطوى عليه هذا الرجل من الشر، ورآه ينظر إلى مدلين نظرة المعجب بجمالها فاختلى به، وقال له: أراك تنظر إلى هذه الفتاة بإعجاب فهل راقت لعينيك؟

فضحك بطرس وقد أدرك قصده، فقال له الكونت: إني لست بأبيها وما أنا بوصي عليها، ولكني نفحتها بعشرين ألف فرنك كي تكون مهرًا لها، وهي تحمل هذا المال أوراقًا مالية في جيبها.

فنظر كلاهما إلى الآخر نظرة تغني عن كل قول، وصعد بطرس إلى مكانه أمام السائق، وسارت بهما المركبة، تنهب تلك السهول الشاسعة ولسان حال مدلين يقول:

وتلفتت عيني فمذ بعدت
عني الديار تلفت القلب

٤

وظلت تلك المركبة تجري بها ٨ أيام لا تستريح إلا في المحطات حين تغيير الجياد، ولا أنيس لها غير تلك المرأة العجوز التي كانت منشغلة عنها بكلبها تداعبه وتضمه إلى صدرها وقاية من البرد.

وكانت مدلين لا تزال تحب إيفان بالرغم عما سمعته من حديثه، كأنما قلبها كان يناجيها أن الحديث زور، وكانت ترى أنها سوف تجتاز حدود بولونيا إلى ألمانيا ومنها إلى فرنسا، تلك البلاد العزيزة التي ربيت فيها بين أنطوانيت ومربيتها مدام رينود فيخفق قلبها، ولكنها لا تلبث أن تذكر إيفان حتى تنسى كل عزيز لديها في الوجود وتلتفت إلى ورائها كأنما تطمع أن ترى ذلك القصر وقد بعدت عنه ٨ أيام.

أما بطرس فكان ينظر إليها نظرات الهائم ولا يتكلم إلا بالإشارات، وكان هذا الرجل وحشي الأخلاق، فاسد السريرة منطويًّا على الدهاء، وهو على هذه الأخلاق شديد الشراهة إلى المال، كثير التهور في مجاري الشهوات.

وقد قال له الكونت: إن مدلين لديها ٢٠ ألف فرنك، فبات يطمع بمدلين وبمال مدلين، وكان يقول في نفسه: إن مدلين لا تستطيع الدفاع عن نفسها وهذه العجوز منشغلة بكلبها، فلا أخشى غير السائق، إذ قد يتفق أن يكون شريف القلب فلا يوافقني في أغراضي.

وما زال يبحث منذ ٨ أيام عن طريقة تنيله إربه فلا يجدها، وما زالت مركبة البريد تسير والثلج من تحتها ومن فوقها حتى توارت الشمس في الحجاب في اليوم الثامن لمسيرها من موسكو، فوقفت أمام منزل معتزل وسط غابة كثيفة وهو إحدى المحطات.

وبينما كانوا يغيرون الجياد خرجت مدلين من المركبة وتبعتها العجوز إلى المحطة ليستريحا فيها، وخلا عند ذلك بطرس بالسائق الجديد الذي يقود المركبة، فقال له: ألا تريد أن تسرع بالسير؟

– أسرع بقدر المكافأة.

وكانت علائم البلاهة بادية في وجه السائق، فتمكن منه بطرس كل تمكن، وبينما هو يحادثه أقبلت مدلين والعجوز فسكت؛ لأنه كان يمثل دور الخرس، وصعد إلى مكانه بقرب السائق …

وانطلقت بهم المركبة في ذلك الغاب.

وكانت الشمس قد توارت وتكاثف ظلام الليل، وقد أضنك التعب مدلين، فأغمضت عينيها ونامت نومًا عميقًا.

وكان بطرس يلتفت إليها من حين إلى آخر، ولما رأى أنها توغلت في رقادها دفع السائق بكوعه، وقال له: ألا يوجد قرية قريبة أو فندق معتزل ندركهما قبل طلوع الفجر.

– إن هذه الغابة متسعة لا قرى فيها، إنما يوجد فندق معتزل يبعد قليلًا عن هذا المكان الذي نحن فيه الآن.

– صف لنا الفندق.

– لا حاجة إلى وصفه، بل أقول لك عنه: إن من كان جائعًا أو ظمآنًا فلا يجب أن ينزل فيه.

– لماذا؟

– لأن الشراب فيه سيء والطعام قليل.

– إذن، فهو منعزل أتم الاعتزال فلا يقيم فيه أحد؟

– هو ما تقول لا سيما وأن لهذا الفندق سمعة سيئة تبعد المسافرين عنه، فقد حدثت فيه جرائم كثيرة على مرأى من صاحبته، فكانت تتغاضى عن المجرمين وتدعهم يفعلون ما يشاءون، وفوق ذلك فإن اسم ذلك الفندق ساوا، وهو اسم طائر يتشاءم به الروسيون ويتطيرون منه أشد التطير، وربما دعي بهذا الاسم لكثرة وجود هذا الطير في أكنافه، فإذا سمع الروسي صوته هرب منه كما يهرب من الخطر.

– كم يبعد هذا الفندق؟

– يبعد مرحلتين، ولكنكم تستطيعون تجنب الإقامة فيه إذا واصلنا السير حتى نبلغ إلى محطة أمينة.

– لا أجد سبيلًا لذلك، فإن سيدتي أضنكها التعب، ولا بد لنا من الاستراحة في هذا الفندق، أما أنت، فتعود إلى المحطة أو تواصل سيرك كما تشاء.

– إنك متفق معي على الوصول إلى بترهوف، ولا بد من أن تدفع لي الأجرة كاملة.

– أدفعها وزيادة.

ففكر السائق هنيهة، وقال: لا بأس فإني أتشاءم كسواي ولا أخشى أن يصيبكم سوء في هذا الفندق، فأنا سأبقى معكم فيه، وعند الصباح أعود إلى المحطة.

– كلا، بل إنك تعود في الحال عند وصولنا، وإني أدفع لك مقابل ذلك عشرة ريالات، إنما أطلب إليك الإسراع.

فأوشك السائق أن يجن سرورًا بهذه الهبة، وضرب الخيل بالسوط، فاندفعت تمرق مروق السهم بين تلك الأشجار الكثيفة، حتى انتهت إلى ذلك الفندق، فوقفت عنده.

٥

وكان منظر هذا الفندق مهيبًا، يحمل على الخوف، فقد كان مصبوغًا باللون الأحمر، وهو معتزل أتم العزلة، تكتنفه الأشجار الكثيفة من جميع جهاته بين غابة متسعة لا تحيط بها الأبصار.

ولما وقفت المركبة انتبهت مدلين من رقادها ونظرت وهي في المركبة إلى ما يحيط بها فوجف قلبها من الخوف، ونادت بطرس وسألته لماذا وقفت المركبة أمام هذا الفندق؟ فأجابها بالإيماء أنه لا بد من المبيت في هذا الفندق إلى الصباح.

ولم تستطع أن تفهم منه، ونادت السائق وقد كان علمه بطرس ماذا يقول، فسألته عن السبب في وقوف المركبة عند هذا الفندق، فأخبرها: أن الذئاب تكثر في الليل في هذه الغابة وأن المسافرين فيها ليلًا لا يسلمون من أنيابها.

وكانت مدلين تسمع حقيقة عواء الذئاب فلم تشكك بكلامه، ولكنها كانت تضطرب لمنظر هذا الفندق لا سيما حين فتح بابه على أثر وقوف المركبة، فبرزت منه امرأة عجوز ما رأت في حياتها أقبح من سحنتها ولا أدل منها على الشرّ.

غير أنها اضطرت مكرهة إلى التسليم، ودخلت إلى الفندق مع بطرس ورفيقتها العجوز، فكان أول ما رأته ردهة ضيقة بسطت فيها مائدة صغيرة وقد جلس حولها ثلاثة من القوزاق أعمى السكر بصائرهم وجعلوا ينظرون إلى الداخلين نظرات جامدة.

ورأت صاحبة الفندق ضيوفها الجدد وبينهم تلك الفتاة الحسناء، فعلمت أن في الأمر مكيدة، وتبودلت بينها وبين بطرس نظرة سرية باغتتها مدلين، فهلع فؤادها من الخوف، وهاجت ظنونها بهذا الخادم الذي يصحبها.

أما صاحبة الفندق فإنها طردت أولئك القوزاق من نزلها فامتثلوا مكرهين وخرجوا ما خلا واحدًا منهم لم يستطع المسير، فصحبته العجوز إلى زاوية في الردهة وألقته فيها على الأرض، وهو لا يعي لسكره، ثم أشارت إشارة خفية لبطرس محصلها أن هذا الجندي بات أشبه بالأموات فهو لا يضايقك في شيء، فرأت مدلين أيضًا تلك الإشارة وأيقنت أنها مقدمة على خطر عظيم.

ثم عادت صاحبة الفندق إلى مدلين فدخلت بها إلى غرفة وعرضت عليها طعامًا وشرابًا فأبت، وقالت: إني ألتف بردائي إلى الصباح.

فتركتها وعادت إلى العجوز التي كانت تصحبها فعرضت عليها ما عرضته على مدلين فقبلت شاكرة، وجلست إلى المائدة تأكل وتشرب، ولكنه لم يكد الشراب يستقر في جوفها حتى تثاقلت أجفانها ونامت ذلك النوم العميق الذي يصاب به من يشرب المخدرات.

أما مدلين فإنها أقامت في تلك الغرفة، وقد علمت أنها لا رجاء لها بتلك العجوز التي كانت تصحبها، فقامت إلى باب الغرفة فأوصدته من الداخل بالزلاج، وجعلت تفكر بموقفها، وبهذا الخادم الذي أرسله معها الكونت، وبتلك النظرات السرية التي رأته يتبادلها مع صاحبة الفندق، وذكرت أنها أقامت في منزل والد إيفان سنتين فلم تر وجه هذا الخادم، وزادت هواجسها وأيقنت أنه يريد منها شرًّا لا محالة، ولكنها وطنت النفس على الدفاع واستوثقت من متانة الباب، وقالت في نفسها: إن غاية ما يطمع به الخادم هو المال، فإذا قوي على كسر الباب أعطيته ما بيدي وأمنت شره.

ثم استرسلت إلى الافتكار بإيفان، وجعلت تناجيه بضميرها ألطف مناجاة، وتعيد ذكرى أيامها السابقة بقربه وما كانت تستشفه من حديثه من الغرام الصادق والحب الطاهر الشريف، فكذبت أذنيها وقالت: محال أن يكون إيفان من الخائنين، وقد تسرعت بسوء الظن به.

وفيما هي على هذا التناجي إذ سمعت وقع أقدام على الثلج خارج الغرفة ثم جعل الصوت يقرب ويتدانى حتى انتهى عند باب غرفتها، وسمعت طرق الباب، فهبت مذعورة، وقالت: من هذا؟

فأجابها صوت من الخارج: مدلين هذا أنا افتحي.

فصاحت صيحة فرح لا توصف، وقالت: إيفان أهذا أنت؟

ثم أسرعت وهي شبيهة بالمجانين ففتحت الباب.

٦

ولما فتحت الباب رأت مدلين أمامها بطرس، فحسبت في البدء أن حبيبها إيفان واقف وراءه، فظلت واقفة تنتظر دخوله على العتبة، غير أن بطرس دفعها إلى داخل الغرفة فقالت له: أين إيفان؟ وما لي لا أراه وقد سمعته يناديني؟

فضحك بطرس ضحكًا شديدًا، وقال لها: عفوك يا سيدتي، فإن إيفان في بطرسبرج وهي بعيدة جدًّا عن هذا المكان.

فصاحت مدلين صيحة ذعر وقد علمت بلحظة كل شيء؛ لأنها سمعت هذا يتكلم وهي تعهده أخرس، وعلمت أن إيفان غير موجود، وأن صوت هذا السافل يشبه صوت إيفان، فتراجعت وهي تنظر إلى بطرس نظر القانط.

أما بطرس فإنه أقفل الباب وعاد إليها وقال: أكنت تحسبينني أخرس يا سيدتي؟

فنظرت إليه مدلين نظرة احتقار وقد عاد إليها شيء من بسالتها فقالت له: من أنت أيها الرجل الذي يقلد صوت إيفان إلى هذا الحد؟

– أنا كما ترينني خادم الكونت بونتيف، ولدت في ألمانيا، ولما دخلت في خدمة الكونت كنت سائق مركبات عمومية.

فعادت المخاوف إلى مدلين بعد هذا الإقرار وقالت: ماذا تريد؟

فقال وهو يتلعثم: إنما أتيت لأرى: إذا كنت في حاجة إلى شيء.

– وكيف تجاسرت على أن تدعوني باسمي دون لقب، كما يتنادى الأخوان؟

– لأني خشيت أن لا تفتحي، وتفطني لأمري لو ناديتك بلقب السيادة.

فظهر الغضب في وجه مدلين، وأشارت بيدها إلى الباب وقالت له بعظمة: اخرج.

فأطرق بطرس نظره وقد أثرت فيه كبرياؤها وحاول الخروج ممتثلًا، ولكنه لم يمش خطوة إلى الوراء حتى عادت جرأته فوقف وقال لها: إن لدي نبأ خطيرًا يا سيدتي أحب اطلاعك عليه.

وكان قد عاد إلى المظاهرة بالخضوع والوقوف موقف الخدم، فخدعت مدلين بهذه الظواهر وقالت: ماذا تريد أن تقول لي؟

– أريد أن أكلم سيدتي عن الفيكونت إيفان.

فنسيت مدلين كل شيء وقالت: ماذا عهد إليك أن تقولي لي؟

– لم يعهد إلي بشيء ولكني أريد أن أكلمك عنه.

– تكلم.

– إني يا سيدتي لم أدخل في خدمة الكونت بونتيف إلا لما رآه من التشابه الغريب بين صوتي وصوت ولده.

– أمن أجل هذا التشابه لم تكن تجسر على الكلام أمامي؟

– كلا، ولكن الكونت نفسه قد منعني عن الكلام؛ لأنه كان يخشى أن تعلمي الحقيقة.

فانقشع ضباب السر عن عيني مدلين، وقالت: أية حقيقة تعني؟ تكلم قل إني أريد أن أعرف كل شيء.

– ولكن هذه الحقيقة سهل معرفتها يا سيدتي؛ لأن الكلام الذي سمعتيه من غرفة إيفان لم يكن قوله بل قولي.

فصاحت صيحة منكرة، وقالت: أهو أنت … أنت الذي كان يذكر الكونتس فاسيليكا.

– نعم يا سيدتي.

فاضطرب صوت مدلين وقالت: إذن، أين كان إيفان وقت حدوث هذه الجريمة؟

– إن أباه أوعز إلى البوليس كي يقبض عليه؛ لأنه خشي أن يحول دون سفرنا.

– إذن، إن إيفان ما زال يحبني! فاذهب بالله، وقل للسائق أن يهيئ المركبة.

– لماذا؟

– كي نرجع على أعقابنا؛ لأني لا أحب العودة إلى فرنسا، بل أريد العودة إلى بطرسبرج.

– أظن أن سيدتي تمزح فيما تقول!

فحسبت مدلين أن هذا الرجل يطمع في مالها، فقالت: قلت لك إني أحب العودة إلى بطرسبرج، وإذا كنت تريد مالًا، أعطيتك ما تريد.

ثم أخذت كيسها وأخرجت منه ورقة مالية وألقتها إليه.

غير أن بطرس لم يلتقطها، ولم يتدان إلى النظر إليها، بل قال: إن سيدتي كريمة الأخلاق ولكني لا أريد مالها.

– إذن، ماذا تريد؟

فقال لها ببرود: أتعلمين أن هذا النزل يدعى باسم طائر يتشاءم منه الناس؟

فهزت كتفيها إشارة إلى عدم الاكتراث وقالت: وبعد ذلك؟

– إن هذا النزل بعيد عن كل مسكن، لا يزوره أحد من الناس ونحن في منتصف الليل.

فلم تفهم مراده وقالت: ماذا يهمنا اعتزال النزل؟

– إن هذه العجوز التي كانت تصحبك نامت فلا رجاء بصحوها، فقد شربت شراب ألقي فيه مخدر ولا تزال بقيته في الكأس على هذه المائدة، وهذا القوزاقي بات صريع سكره فهو يشبه الأموات.

– وماذا يهمنا سكر القوزاقي، أما العجوز فإننا نتركها في النزل ونسافر.

– ولا أريد أن أسافر.

ثم خطا خطوة إليها وهو يرمقها بنظر وحشي، فأدركت بعض قصده وتراجعت منذعرة إلى الطاولة التي كانت تأكل عليها العجوز، وقالت لا تريد أن نسافر؟

– ألم تعلمي بعد؟

– كلا.

– إذن، فاعلمي أني لا أريد؛ لأني منذ ثمانية أيام أشعر أن دمائي تلتهب في عروقي، ولأني أصبحت معك في مكان منعزل لا أخشى فيه اعتراض أحد، ولأني أحبك، وقد أصبحت في قبضة يدي.

فصاحت مدلين صيحة منكرة، وقفزت مسرعة ووقفت وراء الطاولة تحتمي بها.

٧

ولم يكن بين مدلين وهذا السائق السافل غير تلك الطاولة اتخذتها الفتاة متراسًا لها فكان بينهما ما يكون بين الجلاد والضحية، فإن الجلاد يصمم على القتل والآخر يصمم على الدفاع، فكان المنظر هائلًا إذ إنه كان يناديها بألفاظ التحبب، وهو يوشك أن يفترسها بأنظاره، وهي تصيح مستغيثة وتفر منه.

وجعلا يدوران حول تلك المائدة، وكلما أوشكت أن يدركها أسرعت بالفرار منه، حتى وقع بصرها على سيف ذلك القوزاقي السكران معلقًا في الجدار فانتزعته بسرعة البرق وجردته من غمده، ووقفت وراء الطاولة تهدد بطرس به، وتقول: إذا دنوت مني خطوة قتلتك لا محالة.

وبينما كان بطرس واقفًا وقفة التردد يدفعه خلقه الوحشي إلى الإقدام ويمنعه عن الهجوم، كانت مدلين تصيح وتستغيث وهي تنذره بالسيف ولا تغفل عنه طرفة عين.

ولبثت تصيح مدة طويلة دون أن يجيبها أحد، فهجم عليها بطرس، وقد خيل له أنه وجد الفرصة موافقة للهجوم فطعنته بالسيف وسالت دماؤه، ولكنه لم يتراجع عنها، بل هجم عليها هجوم القانطين.

ولم يكن غير هنيهة حتى قبض عليها وجردها من السيف فألقاه وراءه، وبدأ بينهما العراك العنيف وهي تستغيث وتصيح وتدفع عن نفسها بما بقي لها من القوة.

ودام هذا العراك بينهما نحو ربع ساعة، حتى أوشك أن يتغلب عليها، وشعرت أن قوتها قد تلاشت، وكادت تصبح فريسة هذا الفاجر.

وعند ذلك سمعت صيحة منكرة، وشعرت أن يدي هذا السائق الذي كان يحاول أن يلقيها على الأرض قد تخلتا عنها، ففتحت عينيها فرأته غارقًا بالدماء، ورات وراءه ذلك الجندي القوزاقي.

وكان ذلك القوزاقي قد صحا من سكرته بعض الصحو وشعر بالبرد القارص فقام وهو يترنح من السكر إلى المائدة، فرأى عليها كأسًا فيه بقية من ذلك الشراب الذي شربته العجوز فشربها بجملتها، وسمع الفتاة تستغيث فالتفت وهو لا يعي، ورأى سيفه على الأرض، ورأى بطرس، ثم رأى الدم يقطر من ذلك السائق فهاجه منظر الدماء وضربه بسيفه تلك الضربة الشديدة بين كتفيه، وهو إنما قتله رغبة في القتل وحده.

ولكنه كان لا يزال سكرانًا فالتفت بعد مقتله إلى ما حوله فرأى عجوزًا نائمة لا تعي، ورأى بطرس منطرحًا على الأرض يئن أنين النزاع، ورأى مدلين واقفة تنظر إليه، وهي لا تعلم أترجوه أم تخشاه.

فما لبث أن تفرس فيها حتى جعل يضحك ويقول أقوالًا لا تفهمها مدلين، فعلمت أنها أصيبت بخطر شديد.

وعاد القوزاقي إلى النظر إليها، ثم وطد النفس على أن ينوب معها مناب ذلك السائق.

وأدركت غرضه السافل من عينيه، فهربت من الغرفة، وجعلت تصيح، وجد في أثرها وهو يصخب ويلعن حتى خرجت من الفندق، وجعلت تركض هائمة على وجهها، وهي تعلم أنه إذا أدركها لا بد لها من الموت.

غير أن القوزاقي كان يركض في أثرها وهو بعيد عنها، ولكنها تسمع وقع أقدامه الغليظة على تلك الأرض المفروشة بالثلج، وتجن من ذعرها.

وما زالت تركض وهو يجد في أثرها إلى أن تلاشت قواها فسقطت على ذلك الثلج ثم شعرت بدنوه منها فهبت لديها قوة خفية، ونهضت من سقطتها، وجعلت تركض هائمة مذعورة لا تعلم كيف تسير في تلك الغابة الكثيفة والظلام الشديد.

غير أن القوزاقي كان أشد منها على الركض فكان يعثر مرات كثيرة لسكره ولكنه ينهض ويجد في مطاردتها حتى تمكن من إدراكها وقبض عليها بيد من حديد، فصاحت تلك المسكينة صياح القنوط، ووقعت في يده وقوع العصفور بين مخالب البازي، فتلاشت قواها ووهت ركبتاها وانطبقت مقلتاها، وقبل أن تسقط مغميًّا عليها شعرت أن يد ذلك الضاري أفلتتها ولم تعد تعي بعد ذلك على شيء، وكان آخر ما لفظته أنطوانيت وإيفان.

أما القوزاقي فإنه لم يفلتها إلا لأن دماغه قد تخدر بذلك الشراب الذي وجده في كأس ذلك العجوز، فانطرح أمام مدلين، وقد فقد رشاده وجعل يغط غطيط النائمين.

٨

ولم يطل إغماء مدلين، ولكنه تحول إلى حمى شديدة محرقة، فلم تكن تشعر بقوارص البرد وهي منطرحة على الثلج، ولكنها كانت تحلم أحلامًا مختلفة، وترى صورًا غريبة تشترك في تمثيلها لها الحمى والحقيقة، فقد مثل لها أنها تسير مع إيفان في حديقة قصره في موسكو وجعلت تناجيه، ثم ذهب خياله عن بصيرتها فرأت مركبة قادمة إليها من مكان بعيد، وسمعت أجراس خيلها تقرع أذنيها، ثم رأت أنوارًا كثيرة، ولكنها تختلف عن المصابيح الطبيعية.

وظلت هذه المرئيات تتعاقب على بصرها وهي بين النائمة والصاحية حتى فتحت عينيها فوجدت نفسها طريحة على الثلج.

ورأت مركبة قادمة إليها من مكان بعيد استدلت عليها من أجراسها ومن مصابيحها، ثم رأت أمامها نور ثلاثة مصابيح، ولكنها علمت أن هذه الأنوار لا تشبه أنوار المصابيح العادية، فنهضت، وحاولت أن تمشي، غير أنها ما خطت خطوة حتى رأت أن هذه الأنوار تضاعفت فجأة، ثم رأت أنها تضاعفت أيضًا وجعلت تدنو منها، فكانت تشبه جمرة النار على الأرض.

فوقفت تلك المسكينة، وقد أخذ الرعب منها كل مأخذ، فنظرت إلى المصباحين البعيدين فأيقنت أنهما مصباحا مركبة، ولكنها تسير ببطء إليها، ونظرت إلى تلك الجمرات فرأت أنها لا تزال تتضاعف وتحدق بها، وقد باتت منها على بضعة أمتار، وهي لا تزال آخذة بالدنو، فعلمت في الحال أنها باتت قرب قطيع من الذئاب المفترسة.

ولم يطل بها الأمر حتى رأت أجسامها بعد أن كانت لا ترى إلا عيونها الملتهبة، ومع ذلك فإن المركبة كانت لا تزال بعيدة عنها غير أن الذئاب وقفت بالقرب منها، ولم تجسر على مهاجمتها.

وكانت مدلين في مدة إقامتها في روسيا سمعت أن بعض الفلاحين افترستهم الذئاب؛ لأنهم حاولوا الهرب منها، وأن من يريد السلامة من أنيابها ينبغي له أن يظل محدقًا بها، ويتراجع ببطء، وما زال ناظرًا إليها فلا تهاجمه لأنها تهاب نظرات الإنسان، فعلمت أنها إذا هربت أدركتها الذئاب، وإذا غفلت النظر إليها مزقتها، وجعلت تتراجع ببطء وهي لا تحول نظرها عن عيونها الهائلة ولا تنظر إلى الطريق التي تسير بها.

وفيما هي تسير والذئاب تتبعها على خوف عثرت بذلك القوزاقي فلم تلتفت إليه، ولم تصرخ، ولكنها علمت أن الذي عثرت به كان جسم القوزاقي الذي كان يطاردها.

وعند ذلك علا غطيط القوزاقي فوقفت الذئاب وقد رأت أن ذلك الرجل قد تحرك.

فتراجعت مدلين وهي لا تزال محدقة بالذئاب حتى ابتعدت عن القوزاقي.

أما الذئاب فإنها لما سمعت غطيط القوزاقي ورأته يتحرك وهو لا ينظر إليها هجمت عليه هجمة واحدة تمزقه تمزيقًا وهو لا يستطيع دفاعًا.

حتى إذا سمعت مدلين صوت تكسير عظامه تحت أنياب هذه الذئاب الضارية، اضمحلت قواها ولم تعد تستطيع الرجوع وقالت ويلاه لقد فرغت منه وستبدأ بي.

٩

عندما وصلت مدلين مع بطرس والعجوز إلى فندق سيوا دخل في بترهوف رجلان، وهما الفيكونت كارل دي مورليكس، ورجل آخر من فرسوفوا يدعى هرتمن كان من أخص الذين عاونوا كارل على قتل أخته والدة أنطوانيت ومدلين، وهو الذي كان يطاردها في كل بلد ذهبت إليه فلم يفلح في قتلها، ولكن كارل كان يعتمد كل الاعتماد عليه في شئونه السرية.

ولما فرغ من أمر أنطوانيت وحسب نفسه أنه قتلها أراد أن يتفرغ لمدلين، فذكر عامله القديم وجاء إلى بلاده، حتى إذا أطلعه على حقيقة قصده واتفق معه على اختطاف مدلين من قصر الكونت بونتيف، سافر وإياه قاصدين موسكو، فبلغا بترهوف عند هجوم الليل في الساعة التي وصلت بها مدلين إلى فندق سيوا.

وقد أراد كارل استئناف السفر فمنعه هوتمن، وحذره من السفر ليلًا؛ لكثرة الذئاب في تلك الغابة التي تمر بها، فأبى الكونت، وأصر على السفر لساعته.

فلم يجد هرتمن بدًّا من الإذعان، وركب وإياه في تلك المركبة التي كانت مدلين ترى مصابيحها تدنو منها وهي واقفة في ذلك الموقف الرهيب أمام الذئاب.

وانطلقت بهما المركبة من بترهوف، وهي لا تبعد غير مرحلتين عن فندق سيوا، فلما بلغت بهما المركبة إلى تلك الغابة الكثيفة صاح السائق يقول: هو ذا الذئاب مقبلة بأجمعها.

فنظر كارل فرأى أشباحًا سوداء تتراكض خفافًا على جانبي المركبة، فأخذ بندقيته وحاول أن يطلق النار، فأمسك هوتمن يده، وقال له: إياك أن تفعل.

وأطلق السائق العنان للجياد، فمرقت بين الذئاب مروق السهم، فكانت الذئاب تطاردها ولكنها لا تجسر أن تهجم عليها حذرًا من نور المصابيح، فكانت تسير في أثرها محاذية لآخر حد تبلغ إليه الأشعة، وكان السائق يلتفت من حين إلى حين إلى الكونت ويحذره إطلاق النار.

غير أن الذئاب زادت في جرأتها، وتجاسر أحدها على الدخول في منطقة النور، فجعل كارل ينظر إليه بإعجاب، ثم هاجت به عاطفة الصيد؛ فلم يحفل برفيقه وإنذار السائق، وأطلق النار من بندقيته على الذئاب؛ فسقط الذئب ميتًا على الثلج، وجمحت الجياد منذعرة، وجعل هرتمن والسائق يقذفان الشتائم، أما الذئاب فقد شغلت عن المركبة إلى حين، وأقبلت على رفيقها تنهشه بأنيابها، ولكن ذئبًا واحدًا لا يشبع قطيعًا من الذئاب.

وظلت المركبة تجري والذئاب في أثرها، وقد زادت جرأتها ولم تعد تحفل بالأشعة، وكلما قتل كارل أو رفيقه ذئبًا توقفت الذئاب هنيهة إلى أن تأكله ثم تعود إلى شأنها في مطاردة المركبة.

أما مدلين؛ فإنها لبثت واقفة تنظر تلك الوحوش الكاسرة تفترس القوزاقي، وتنتظر أن يجيء دورها، وقد ساد السكون في تلك الغابة المقفرة؛ فلم تكن تسمع غير قرقعة عظام ذلك المسكين تحت أنياب الوحوش، وأجراس تلك المركبة القادمة إليها، فإنها كانت تدنو منها بسرعة كثيرة، فلا تجسر أن تستغيث حذرًا من تنبيه الذئاب حتى مرت المركبة بها مسرعة، فلم تتمالك عن الصياح، غير أن المركبة لم تقف، واستمرت في سيرها.

ولما سمعت الذئاب صوتها أقبلت عليها، فوقفت مدلين تحدق بها تحديقًا كان يهولها؛ فلا تجسر على الهجوم، ثم صاحت مستغيثة صيحة يأسٍ رن صداها في جوانب ذلك الفضاء، ونظرت إلى تلك المركبة فرأتها وقد رجعت إليها، ثم شعرت أن يدًا قوية قد انتشلتها ووضعتها في المركبة، وكان هذا آخر عهدها بتلك المناظر الهائلة، وجهد ما تحملته قواها، فسقطت بين كارل وهرتمن لا تعي وقد أغمي عليها.

ولبث كارل وهرتمن يطلقان النار على تلك الذئاب الضارية، حتى تكاثرت عليهما، ونفذ ما عندهما من الذخيرة؛ فأيقنا بالموت.

وفيما هما حائران يتوقعان العراك بأيديهما؛ إذ قال السائق لهرتمن: لا تخشيا فقد دنونا من فندق سيوا، فانزع المصباح، وألقه بين الذئاب يتفرق شملها.

فامتثل هرتمن، وما لبث أن رماها بذلك المصباح ورأت أشعته المتلألئة تتدفق على ذلك الجليد حتى تفرقت منذعرة، ثم جمعت شملها وعادت إلى المطاردة، ولكن المركبة كانت وصلت إلى الفندق وأمنت كل شر.

١٠

ولندع الآن مدلين هنيهة بقبضة كارل، ولنذهب بالقارئ إلى قرية قريبة من فندق سيوا تدعى سنيديانكا، وهي قرية أصبحت تاريخية لإقامة نابليون ليلة فيها قبل عبوره نهر البريزينا، فإنه في نفس الليلة التي التقى فيها كارل بمدلين كان جمهور عظيم من الناس مجتمعين قرب فندق القرية للفرجة على فلاح محكوم عليه بالجلد.

وكان في هذا الفندق رجل ألماني وامرأته، فانذهلا لاحتشاد الناس، وسألا صاحب الفندق عن السبب، فأخبرهما، ولم يكن هذان الغريبان غير روكامبول وفاندا، وقد تنكر روكامبول بزي الألمان.

وجعل روكامبول يستقصي من صاحب الفندق عن تلك العادات الروسية، فعلم أن الفلاحين الروسيين عبيد لأسيادهم، يتصرفون بهم تصرفهم بالسلع، وذلك قبل أن يصدر أمر الإمبراطور إسكندر الثاني بإلغاء العبودية، ومما علم منه: أن هذا الفلاح — المحكوم عليه بالجلد — يشتغل في أراضي الكونت بونتيف، وأن الذي يصدر هذه الأوامر وكيله، وهو رجل عات شرير تتري يدعى نقولا أرسوف.

وفيما هم يتحدثون وقد وقفت الجنود حول المحكوم عليه؛ إذ أقبلت مركبة تجرها الجياد وفيها هذا الوكيل، فخف الناس لاستقباله، ووقف الفلاحون أمامه فوقف العبيد، فأصدر أمره بجلد المحكوم عليه، وصعد إلى الفندق بأبهة وإجلال، فكان الخدم يتسابقون إلى الامتثال لأوامره.

ووقف الوكيل في المشرف المطل على ساحة الحكم، وكان واقفًا بإزائه روكامبول وفاندا ينظران إلى جلد هذا الفلاح المنكود وقلباهما يتقطعان من الإشفاق، خلافًا لنقولا أرسوف؛ فإنه شغل عن ضحيته بالنظر إلى فاندا، وقد أعجب بجمالها غاية الإعجاب.

ولما فرغ الجلاد من جلد هذا المسكين، وتمت تلاوة الرواية الفظيعة نادى وكيل صاحب الفندق، وقال: من هذه المرأة؟

– هي زوجة هذا الألماني.

– إذن، قل لهما: إني أدعوهما إلى التشرف بمناولة الطعام على مائدتي.

ولم يسع صاحب الفندق إلا الامتثال، وأبلغ روكامبول أوامره، فابتسم روكامبول وأجابه بالقبول.

وبعد ساعة كان روكامبول وفاندا وهذا التتري جالسين حول مائدة وضعت عليها أصناف الشراب والطعام، فأخذ نقولا كيسًا من الجلد فأخرج منه كتابًا عليه كثير من الطوابع فقرأه بإمعانٍ، وهو يتشاغل به عن ضيفيه، ثم أخرج كتابًا آخر وقرأه وأعاد الكتابين إلى الكيس وانعكف على الشراب.

وغمز روكامبول فاندا، فجعلت تسقي هذا الوكيل بيدها وتجامله خير مجاملة، ففتن بها وسألها إلى أين ذاهبة مع زوجك.

– إلى موسكو لحضور الميلاد.

– إن زمن هذا الاحتفال لم يحن بعد، فهلا ذهبت معي إلى قصري فأقمت أسبوعًا في ضيافتي ثم تذهبين إلى موسكو.

– إذا شاء زوجي بالذهاب إلى قصرك قبلت دعوتك بالشكر الجزيل.

وكان روكامبول متشاغلًا عنهما، فلما عرضت عليه فاندا دعوة التتري أظهر سرورًا عظيمًا، وقال: حبًّا وكرامة، فإن لنا بذلك غايتين عظيمتين؛ إحداهما التشرف بزيارة هذا الرجل العظيم، والثانية أنا إذا كنا بحمايته أمنا الأخطار على ما لدينا من المال، فقد قيل: إن الطريق غير آمنة.

فسر التتري وعاد إلى الشراب، فما زال يشرب، وكلما فرغت كأسه أملتها له فاندا، وروكامبول يحثها على أن تسقيه حتى ضاع رشده، وقام إلى فاندا يريد تقبيلها، فضعف ساقه عن حمله، وسقط صريعًا من السكر.

فرفسه روكامبول برجله، وأسرع إلى كيسه، فأخرج منه الرسالتين اللتين قرأهما على المائدة قبل أن يصرعه السكر، وفتحهما فرأى أنهما مكتوبتان باللغة الروسية، ودفعهما إلى فاندا، وقال لها: انظري ما فيهما، فإن قلبي يحدثني أنهما كتبا بشأن مدلين.

وقد صدق ظن روكامبول، فإن أحد الكتابين كان من والد إيفان إلى وكيله التتري يخبره فيه أنه ستمر به فتاة فرنسية تدعى مدلين، ويأمره أن يعد وسائل السفر إلى خارج الحدود الروسية، والكتاب الثاني: من هرتمن يخبره فيه أنه قادم إليه مع الكونت دي مورليكس للمخابرة في شأن يعود عليه بالربح الجزيل، فإن الكونت من أهل الكرم الأغنياء.

ثم فحص روكامبول تاريخ الكتاب الأخير؛ فعلم أن كارل لم يصل بعد، فتنفس الصعداء، وعند ذلك دخل صاحب الفندق، ورأى التري منطرحًا على الأرض، فقال: لا تعجبوا؛ فإنه ما أتى مرة إلى فندقي إلا صرعه السكر كما ترون.

فقال روكامبول: ألعل سكره يطول؟

– نعم، فإنه يلبث على هذه الحال عدة ساعات، فيحمل إلى مركبته، ويعود به السائق إلى بترهوف.

– إذن، مُر بإعداد هذه المركبة، فإننا سنذهب معه فيها، فقد دعانا إلى قصره كما تعلم.

فامتثل صاحب الفندق، وبعد حين نقل التتري إلى المركبة وهو لا يعي لفرط سكره، وركبت فاندا بإزائه، وركب روكامبول جنب السائق، فسارت بهما المركبة إلى بترهوف.

ولما وصلوا إلى هذه القرية التي تبتدئ منها أراضي الكونت بونتيف غيروا جياد المركبة في محطتها، ورأى روكامبول أثر عجلات مركبات فدخل إلى إدارة المحطة، وسأل مديرها عن الذين سافروا في المركبة التي تقدمت، فقال له: إن رجلًا فرنسيًّا سافر بها مساء أمس، ولكن هذا الأثر الذي رأيته ليس من الأمس، بل هو من هذا الصباح، ذلك أن هذا الفرنسي لم يكد يتوسط الغابة حتى هاجمته الذئاب فلجأ إلى فندق سيوا، وقد عاد في هذا الصباح، فقال لي: إنه رجع عن السفر إلى موسكو لما لقيه من أخطار الذئاب.

فقال روكامبول: أهي مخطرة إلى هذا الحد؟

– نعم، فقد افترست أمس جنديًّا من القوزاق، وأوشكت أن تفترس فتاة فرنسية لو لم ينقذها هذا الفرنسي، ولكنها باتت شبيهة بالمجانين لما تولاها من الرعب، وقد سافرت معه في هذا الصباح بمركبة البريد.

فاكتفى روكامبول بما علمه، وخرج وهو يضطرب اضطرابًا شديدًا، فصعد إلى جانب السائق، وكانت فاندا مقيمة في المركبة والتتري بإزائها وهو لا يزال صريع سكره، فلما سارت بهما قال روكامبول للسائق: إني أود أن تدرك المركبة التي تقدمتنا في هذا الصباح.

– إن هذا صعب علي.

فحشا روكامبول مسدسه أمام السائق وقال له: اختر بين أمرين؛ إما أن تدركها فأعطيك عشرين ريالًا، وإما تعجز عن لحاقها فأقتلك بهذا المسدس.

١١

قبل هذه الحادثة ببضع ساعات كان كارل عائدًا إلى بترهوف من فندق سيوا يصحبه عامله هرتمن ومدلين.

وكانت مدلين جالسة بجانب كارل وهي تنظر إلى ما حواليها نظرات تائهة، وقد بدت عليها أعراض الجنون، فلم تكن تذكر شيئًا مما جرى لها.

وكان الرجلان يتحدثان باللغة الألمانية، فقال هرتمن لكارل: أرى أنك أخطأت خطأ شديدًا …

– لماذا؟

– ألم تحضر إلى روسيا بغية إخفاء آثار هذه الفتاة، فإذا كان هذا قصدك؛ فكيف أنقذتها من أنياب الذئاب؟

– هو الحق ما تقول، ولكني لو تركتها عرضة للذئاب فافترستها؛ فأين أجد البرهان الثابت على موتها؟ أما وقد أصبحت في قبضة يدي فسوف أنظر في أمرها.

– لقد أصبت أيضًا؛ فإن غرضنا أن نقبض عليها ولا بد لنقولا أرسوف أن يساعدنا على إخفاء أثرها من الوجود.

فنظر كارل إلى مدلين وهي منشغلة عنهما بالنظر إلى تلك البراري الشاسعة، وقال إنها بارعة في الجمال.

فابتسم هرتمن حين سمعه يعجب بجمالها وقال: لا يحق لي أن أسديك نصيحة غير أنك إذا أذنت لي فعلت.

– قل ما تشاء.

– ماذا تبغي من القبض على هذه الفتاة أليس الاحتفاظ بثروتها؟

– دون شك …

– أيوجد غير فتاتين تنازعانك هذه الثروة؟

– كلا …

– ألم تمت إحداهما وهي أنطوانيت؟

– إنها ماتت في السجن.

– إذن، لم يبق غير هذه الفتاة التي بقربك الآن؟

– ماذا تعني؟

– أعني أنك إذا تزوجت بها ألا تكون قنعت بجمالها الذي تعجب به، وأبقيت لنفسك ثروتها التي تحافظ عليها؟

فاضطرب كارل وقال: من أنبأك أنه لم يخطر لي هذا الخاطر؟

ثم ساد السكون بينهما حتى وصلت المركبة إلى بترهوف فأبدلت جيادها، وفي خلال ذلك أخبر هرتمن مدير المحطة ما جرى لهم مع الذئاب وإنقاذهم الفتاة الفرنسية.

وهو الحديث الذي نقله المدير إلى روكامبول.

وبعد مرور مركبة كارل بساعة كانت مركبة روكامبول سائرة في أثرها، وقد أوشك السائق أن يطير بها لا لطمعه بالمكافأة، بل لخوفه من القتل، ولما جرت بهم شوطًا بعيدًا نظر روكامبول إلى التتري، فإذا به لا يزال صريع سكره، فوثب من مكانه بجانب السائق إلى داخل المركبة وقال لفاندا: يجب أن يصحو هذا الأبله.

فهزته فاندا بيدها ففتح إحدى عينيه ثم أغمضها السكر، وعاد إلى ما كان عليه.

فأخرج عند ذلك روكامبول زجاجة فيها أمونياك وأدناها من أنفه، فما لبث أن شمها حتى صحا من سكرته، وفتح عينيه، ونظر إلى ما حواليه، فرأى فاندا تبتسم له، وركامبول يتكلف هيئة البلاهة، فقالت له فاندا: أرأيت كيف أننا قبلنا ضيافتك وجئنا معك إلى قصرك؟

فنظر إليها التتري نظرة إعجاب وقد هام بها، فشكرها شكرًا جزيلًا، وأخذ يدها غير مكترث يريد تقبيلها، ولكنه ما لبث أن أدناها من فمه حتى رأى مسدس روكامبول مصوبًا إلى رأسه وهو يقول له: إذا جسرت على شيء من هذا بعد فإن رصاص هذا المسدس يخترق دماغك.

وكان هذا التتري جبانًا، ولكنه كان قد خرج من رق العبودية منذ ٢٠ عامًا، وأصبح وكيلًا مطلقًا يحكم على كثير من العبيد دون أن يجسر أحد من الناس على اعتراضه فيما يفعل، فكبر عليه تهديد روكامبول، وقال له: من أنت أيها الرجل؟

– أنا سيدك ومولاك، بل أنا الذي ينبغي عليك أن تطيعني في كل ما آمرك به.

فنظر إليه نظرة الإنكار، وقال: إني أعرفك سيدًا لي، ولا أمتثل لأوامرك.

فانبرت له فاندا عند ذلك، وقالت: إذن، تمتثل لأوامري.

فنظر إليها التتري فرأى أنها استحالت وتلبست بملابس العظمة والكبرياء.

فهاله منظرها، وكأنما قد جالت في خاطره ذكرى قديمة، فجعل ينظر إليها نظرة المتردد في أمره، إلى أن قالت له فاندا: لقد تغيرت عليك ملامحي كثيرًا حتى إنك لم تعرفني.

فتلعثم لسانه وقال: أهذا أنت يا سيدتي؟

– نعم. أنسيت أنك قبل أن تكون في خدمة الكونت بونتيف كان لك سيد آخر يدعى البارون شركوف؟

– أأنت هي البارونة شاركوف.

– نعم، أنا هي أيها العبد.

فركع التتري أمامها، وجعل يعتذر بكلام منقطع، فقالت له فاندا: اصغ إلي أيها العبد، واستعد لطاعتي.

– إني مستعد للامتثال.

– إن رجلًا فرنسيًّا يسير الآن إلى قصرك.

– أتعرفين هذا؟

– إن الفيكونت كارل دي مورليكس يصحبه رجل من أصحابك.

– نعم، وهو هرتمن من فرصوفيا.

– وإنك تنتظر قدوم فتاة فرنسية.

– نعم، وهي مرشدة السيدة أولغا بونتيف.

– إذن، فاعلم أن الفتاة والفيكونت سائران إلى قصرك، وقد تقدمتنا مركبتهما بنحو ساعة، ولكن أتعلم مقاصد هذا الرجل؟

– كلا!

– إنه جاء إليك ليستعين بك على قتل الفتاة المسكينة أو تلويث شرفها.

فأطرق التتري برأسه دون أن يجيب، أما فاندا فإنها نظرت إليه نظرة ملؤها الكبرياء، وقالت له: أما وقد عرفت أني البارونة شركوف فاعلم أني لا أريد أن تحدث هذه الجريمة.

وقال له روكامبول: وهي لن تحدث ما زلت أدعى روكامبول.

١٢

في مساء ذلك اليوم اجتمع في قصر التتري روكامبول وفاندا وكارل وهرتمن ومدلين، وكانت مدلين قد ذهب ما بها، وأوشكت تلك الهموم أن تزول من قلبها لوثوقها من حب إيفان لها بعدما علمت حقيقة الخدعة من بطرس، وقد أمر التتري أن تخصص لها أجمل غرفة في القصر، وتولت فاندا حراستها، فلم تكن تفارقها متذرعة إلى ذلك أمام كارل بعامل الإشفاق، وهي في الحقيقة لا تريد إلا حراستها لخوفها عليها من أعدائها.

ولم يكن لكارل أقل شبهة في روكامبول لمبالغته في التنكر، فكان يحسب أنه ألماني وأن فاندا زوجته، لأنه لم يكن رآها من قبل، خلافًا لعامله هرتمن؛ فقد ارتاب بأمر هذين الزوجين، وكان التتري حليفه وشريكه في الآثام كما تقدم، فلم يمضِ على إقامتهم في هذا القصر يومان حتى علم كل فريق حقيقة حال الآخر، فعلمت فاندا أن كارل يهوى مدلين، وعلم هرتمن من التتري أن فاندا هي امرأة البارون شركوف سيده القديم، وأن الرجل الذي يصحبها يدعى روكامبول.

وكان التتري يهوى فاندا ويخشاها، وقد لقي من احتقارها ما دفعه إلى الانتقام منها، فباح لصديقه هرتمن بحقيقة أمره عله يساعده برأي يجد فيه سبيلًا إلى بلوغ مأربه منها.

ولما علم كارل من هرتمن حقيقة الأمر اضطرب فؤاده، ولكنه بقي مترددًا في تصديقها، إذ لم يخطر في باله أن روكامبول يستطيع المبالغة إلى هذا الحد، وأن يتعقبه إلى هذه البلاد، ولكنه بقي مضطرب الخاطر، ونام تلك الليلة ويده على مسدسه.

وفي صباح اليوم التالي جاء بريدان؛ أحدهما للتري، والآخر للفيكونت كارل دي مورليكس، فصعد الخادم برسائل كارل إليه، فأخذ كارل رسالة منها عليها كثير من الطوابع، فأجفل حين رأى الخط، إذ عرف أنه خط تيميلون، وقال فيه نفسه: ألعل أخي لم يدفع له الخمسين ألف فرنك فأرسل يطالبني بها؟ ثم أسرع إلى فض الرسالة وقرأ فيها ما يأتي:

سيدي الفيكونت

ربما لا نلتقي إلى آخر العمر، فإني مسافر بعد ساعة إلى أميركا حذرًا من روكامبول، وقد قبضت من أخيك البارون المال الذي اتفقنا عليه، وهو يكفيني مع ما كان عندي للعيش في العالم الجديد.

وإنما أنا هارب من روكامبول لاعتقادي أنه قد تغلب علينا، فإني حضرت جنازة أنطوانيت ورأيتها جثة هامدة في التابوت، ولكني أعتقد أنها لم تمت.

وبعد يومين من حادثة سجن سانت لازار كنت عبدًا لروكامبول، فإن ابنتي كانت رهينة عنده، ولم يردها إلي إلا في الليلة التالية لدفن أنطوانيت.

ثم إن هذا الداهية وضع محفظته المسروقة في منزلي، ودفع البوليس إلى كبس منزله، فوجد المحفظة، وأصبحت أنا السارق، فلم أجد بدًّا من الفرار، ولكني إذا كنت لا أستطيع أن أنتقم من روكامبول بيدي فلا بد لي من الانتقام منه بواسطتك، فاعلم الآن أن أنطوانيت لم تكن ميتة حين دفنت، بل كانت مخدرة، فأخرجت بعد دفنها من النعش، أما ابن أخيك أجينور، فقد عاد إلى باريس، وهو له علاقة مع روكامبول.

ثم اعلم أننا حين طوقنا منزله ضحك علينا كما يضحك على الأطفال، وفرَّ من ذلك المنزل من نفق تحت الأرض يتصل بالمقبرة.

وآخر ما أقوله عن روكامبول: إنه له شريكة تدعى فاندا، وقد كانت تدعى من قبل البارونة شركوف، وهي من أشد النساء خطورة، وقد اتهمتها الحكومة الروسية مرَّة بالمؤامرة مع البولونيين العصاة، ولا يزال البوليس يبحث عنها إلى الآن، فكن على حذر، وأرشد السفارة الروسية إليها كي تتخلص منها، فإنها خطر شديد عليك.

هذا ما أكتبه إليك، وأرجو أن تكون قيمة هذه الإفادات تعادل قيمة ما قبضته منك دون استحقاق أجرة عن قتلي لأنطوانيت؛ لأنها لم تمت.

تيميلون

فاضطرب كارل اضطرابًا شديدًا حين قراءة هذا الكتاب، ولكنه كان شديد العزم، قوي الإرادة، فعوَّل على دخول المعركة مع روكامبول.

أما بريد نقولا أرسوف التتري؛ فقد كان بين رسائله رسالة من الحاكم العسكري في تلك المقاطعة يطلب إليه فيها أن يرسل ٣ من الفلاحين عنده أصابتهم القرعة العسكرية، وأن يسرع بإرسالهم مخفورين.

وبعد ساعة اجتمع به كارل في القاعة العمومية، فرأى عليه ملامح الاضطراب، فسأله عن شأنه، فأجابه أن الحكومة طلبت إلي إرسال ثلاثة من الفلاحين، ولا أعلم من أختار، وقد وقع اختياري على اثنين؛ أحدهما الذي أمرت بجلده أمس، والآخر رجل سكير لا ينفعني بشيء والقيصر أولى به مني، ولا أعلم: أين أجد الثالث؟

فاضطرب كارل وقد خطر له خاطر هائل: أتقبل مني نصيحة؟

– قل.

– ألعلك لا تزال تهوى امرأة هذا الألماني؟

فارتعش التتري وأجاب: لماذا تسألني هذا السؤال؟

– ذلك لأنه حلت فرصة مناسبة للتخلص من زوجها.

وانذهل التتري من هذا الفكر الغريب، وجعل كل من الاثنين ينظر إلى الآخر نظر لصين سيتفقان على جريمة هائلة.

ثم ساد السكون بينهما هنيهة، إلى أن افتتح كارل الحديث؛ فقال: لماذا هذا التردد … ألا تحب امرأة هذا الرجل؟

– لم يعد حبي لها سرًّا من الأسرار.

– ولكنك تخشاها لأنها امرأة مولاك السابق، ثم إنك تخشاها لشدة حذرك من الرجل الذي يصحبها.

– الحق يقال: إنه رجل مخيف.

– إذن، فلماذا لا تسرع إلى إرساله للخدمة في جيش القيصر بدلًا من أحد الفلاحين الذين أصابتهم القرعة؟

– ذلك لأن المندوب الذي يرسله الحاكم العسكري لا ينخدع به، ولا يمكن أن يحسبه فلاحًا، فإنه يصرح باسمه وينقضي كل إشكال.

– إنك منخدع، لأن هذا الرجل لا يجسر على التصريح باسمه، بل هو يؤثر ألف مرة أن يكون جنديًّا في جيش القيصر على أن يذكر اسمه أمام الناس.

فقال التتري بلهجة المشكك: أحقًّا ما تقول؟

– ليس هذا كل شيء، بل إن تلك المرأة التي تخشاها لا يزال يبحث عنها البوليس السري إلى الآن.

ثم أطلعه على الفقرة التي تقدم ذكرها في كتاب تيميلون بشأن فاندا، فانتعش فؤاد التتري وقال: ما زال الأمر كذلك، فقد أصبحت تلك المرأة في قبضتي، لأني أدرى الناس بأهمية تهمة المؤامرات في الحكومة الروسية.

– ولكنها لا تكون إلا إذا تخلصت من الرجل الذي يصحبها.

– إذا صح ما تقول وكان يؤثر التجند على الإباحة فإن أمره مقضي.

– نعم، ولكن …

وظهرت على كارل علائم التردد ثم قال: إنك تحب فاندا، وأنا أحب هذه الفتاة المريضة، فإذا أعنتني فيما أريد أعنتك أنا أيضًا على بلوغ قصدك، إذ لا يمكن التسلط على مثل هذا الرجل الذي يدعونه روكامبول دون خطر شديد.

– لدي من المسدسات ما يكفي …

– ولكن هذا الرجل لا تغني معه المسدسات، وإذا علم بشيء من مقاصدنا عبث بنا.

ففكر التتري هنيهة، ثم قال: لدي طريقة أغل بها يديه عدة ساعات. اصغ إلي: عندما نريد إخضاع فلاح عصي علينا، أو خشينا منه المقاومة، نضع معه من يخونه في منزله؛ فيضع هذا الرجل في شرابه أو طعامه شيئًا من الأفيون.

فابتسم كارل وقال: إن هذه الأمور لا تجوز على روكامبول، ولا أحسب أن الأفيون يؤثر عليه.

– إن الأفيون يؤثر على أشد الناس بنية، فيصعقه ويصيبه بالبلاهة عدة ساعات، بل عدة أيام حسب القدر الذي يشربه.

– إني لا أعرف جميع هذه الحقائق، ولكني لا أدري كيف تدس له الأفيون في طعامه أو في شرابه؛ لأنه شديد الحذر.

– إذا تعذر دسه في الطعام والشراب، فلا يتعذر دسه في السيكار التي يشربها، وقد رأيت أنه يخرج كل مساء بعد العشاء ست سكاير من علبة ويشربها بجملتها، وهو الآن قد خرج للصيد حسب عادته، فهلم معي إلى غرفته لترى ماذا أفعل.

ثم تركه هنيهة وعاد بعد حين بالأفيون ودخلا سوية غرفة روكامبول وفتحا صندوق السكاير، فجعل التتري يضع الأفيون في كل واحدة منها، حتى أتى على آخرها فرتبها حسب وضعها القديم، ثم خرج مع كارل وهو يقول: لقد قضي عليه، إذ لا بد له من شرب السكاير وإرساله إلى حاكم ستيديانكا.

١٣

قبل أن يضع التتري الأفيون في سكاير روكامبول خلا روكامبول بفاندا، وقال لها: لقد أدهشتك كيف إني لم أقتل كارل وأنا قادر على قتله، ولكن إذا قتلته فمن يرد لنا ثروة الأختين؟

– لقد أصبت، ولكني لا أعلم إلى الآن لماذا أتينا إلى هنا؟

– لإنقاذ مدلين.

– كيف تستطيع إنقاذها إذا لم تتخلص من كارل؟

– اصغي إلي أتظنين مدلين تستطيع السفر؟

– إنها لا تزال ضعيفة ولكنها قوية الإرادة.

– وهي لا تعلم من نحن إلى الآن أليس كذلك؟

– نعم، فإنها تحسب أن الأقدار أوصلتني إليها للعناية بها.

– إذن، أخبريها بعزمنا فقد آن الأوان.

– أتظن أنها تصدقني؟

– لا بد لها من تصديقك متى تكلمت معها عن ميلون وعرضت عليها كتاب أنطوانيت أختها، ويجب أن تخبريها الآن بكل شيء؛ لأننا سنسافر بها في المساء، وقد اتخذت جميع الاحتياطات، واتفقت مع هذا الفلاح الذي أمر التتري بجلده على الفرار مع امرأته، وهو سيوافينا بمركبة عند انتصاف الليل، فسنسافر كلنا بمدلين، فأخبريها بكل شيء واستعدوا.

ثم تركها ومضى إلى ذلك الفلاح، وأخبره أن الفرار قد تقرر في منتصف الليل، وبعد أن استوثق منه، وأعطاه التعليمات اللازمة، تركه وعاد إلى القصر.

أما فاندا؛ فإنها أخبرت مدلين بالحقيقة، وأطلعتها على كتاب أختها أنطوانيت، ففرحت فرحًا شديدًا، وعلمت شدة موقفها، ووافقت فاندا على الفرار، وقد ردت إليها العافية بهذا الخبر السار.

ولما اجتمعت فاندا بروكامبول عند المساء أخبرته بما كان فقال لها: تأهبي وموعدنا منتصف الليل.

ثم خلا بنفسه وجعل يدخن تلك السكاير التي دسَّ فيها الأفيون.

وعند منتصف الليل كانت مركبة الفلاح واقفة خارج القصر، ومدلين متأهبة للرحيل، وفاندا تنتظر قدوم روكامبول؛ ولما رأته تأخر عن ميعاده ذهبت إلى غرفته، وكان بابها لا يزال مفتوحًا، فدخلت ورأت روكامبول جالسًا في كرسيه وهو نائم، فدنت منه ونادته باسمه بصوت منخفض فلم يرد عليها، فهزته هزًّا عنيفًا فاستيقظ، ولكنه لم يبرح مكانه وجعل يقول: دعوني أنام!

فقالت له فاندا: قم ألا تزال حالمًا؟

– اذهبي لحاك الله!

وقام ومشى خطوتين، وهو يترنح كالسكارى، ويقول: لقد أصاب غوليلو بقوله إن الأرض التي تدور لا الشمس، لأني أشعر أنها تدور تحت قدمي، ثم جعل يضحك ضحك البلاهة.

فارتاعت فاندا، وقالت: رباه إنه سكران!

أما روكامبول فإنه عاد إلى الكرسي وجلس عليه وهو ينظر نظرات جامدة إلى فاندا، ثم ابتسم لها، وقال: من أنت أيتها الحسناء؟ فإنك بارعة في جمالك، ولكني ما رأيتك قبل الآن.

فصاحت فاندا صيحة يأسٍ وقالت: رباه! ماذا أصابه؟ إنه أصبح لا يعرفني.

ولكن روكامبول لم يكترث لها، بل جعل يضحك ضحك المجانين، ويقول: إنهم يتوهمون أني روكامبول، ولا شك أن الوهم قد أضاع رشدهم، وإذا أردت أن تعرفي أين هو روكامبول فاذهبي إلى سجن طولون، فإنه يدعى فيه مائة وسبعة عشر.

فصاحت به فاندا، تقول: اسكت سوف تفضحنا.

ثم أخذت يده تريد الخروج فانتزع يده وقال لها: تبًّا لك من شقية خائنة فإنك أنت التي قلت: إني أدعى روكامبول.

ثم تغيرت سحنته وهاج غضبه، وحاول أن يضربها، ولكنه تراجع، وقال: إني أعلم أنك تبتغين أن تعرفي من أنا، فإذا كان هذا قصدك فاعلمي أن أدعى الماجور أفاتار، وقد حاربت مع الجيش الفرنسي في حصار سباستبول.

وضاع رشد فاندا وقالت: ويحك أجننت؟

وكأنما هذه الإهانة قد هاجت روكامبول، فهجم عليها يريد أن يقتلها، ولكنه تراجع وقال: ويح لي أأكون الماجور أفاتار وأقتل امرأة؟

ثم جعل يبكي بكاء شديدًا كبكاء الأطفال.

وفيما هي على ذلك سمعت فاندا وقع أقدام على السلم، ثم رأت الفيكونت كارل دي مورليكس داخلًا إلى الغرفة بملابس النوم وبيده مصباح ووراءه مدلين وهرتمن وبعض الخدم.

فلما رآهم روكامبول مسح دموعه فتأملت فاندا أن يصحو من سكره الغريب حين يرى هذه الجموع.

ولكن روكامبول عاد إلى غضبه فوقف مشيرًا بيده إلى فاندا، وقال: أترون هذه المرأة إنها علة شقائي وهي التي قادتني إلى الهاوية.

ثم وضع يده على لحيته المستعارة فانتزعها، وجعل يخلع ثيابه ويلقي بها ساخطًا إلى الأرض.

فقطب كارل حاجبيه، واصفر وجه فاندا، وساد السكوت على جميع الحاضرين.

أما روكامبول فإنه بعدما خلع معظم ثيابه انطرح على مقعد طويل، وقال: ليقتلوني كما يشاءون … إني مستعد وأعلم أني أستحق الموت.

فقال كارل: إنه مجنون.

وقالت فاندا: بل هو سكران.

وعند ذلك دخل نقولا أرسوف التتري، ولم يكن قد سكر تلك الليلة خلافًا لعادته منذ ٢٠ عامًا.

ودخل في أثره ٦ رجال بالملابس العسكرية فتظاهر التتري أنه لم ير فاندا، والتفت إلى رئيس أولئك الجنود، وقال له: هذا هو الرجل الذي قلت لك عنه.

وأشار إلى روكامبول وإلى لحيته المستعارة الملقاة على الأرض، ثم قال: إن هذا الرجل من عبيدنا، ولد في أرضنا، وهو يدعى جريجوار فرلوف، وقد هرب من عندنا وهو في مقتبل الشباب، وسافر إلى ألمانيا.

فصاحت فاندا تقول: لا تصغ إلى هذا الرجل فهو من الكاذبين.

ثم مشت إلى التتري وقالت له بلهجة الوعيد: إنك كاذب.

فلم يحفل بها التتري وقال لرئيس الجند: لا تصدقها فيما تقول؛ لأنها شريكة لهذا الشقي، وهو يطمع أن ينجو بتمثيله دور الجنون.

أما روكامبول فإنه لما رأى الجنود أمامه قال: لقد عرفت السبب بقدومكم إنكم قادمون لقتلي، نعم، إني أستحق الموت لانضمامي إلى الأعداء، افعلوا بي ما تشاءون.

ثم تقدم وانخرط بينهم.

فصاحت فاندا: ألا ترون أن هذا المسكين مصاب بالجنون؟

ولكن روكامبول لم يرضَ أن يتهم هذه التهمة، فقال: لا تصدقوا هذه المرأة، لأنها سبب شقائي وما أنا بمجنون.

فاضطربت فاندا ورفعت يدها فوق التتري وقالت: أيها العبد الذميم إذا لم تقل الحقيقة سحقتك مثل الزجاج.

فتراجع التتري خائفًا ووقف حائرًا لا يعلم ماذا يفعل، فقالت له فاندا: اركع أيها الوقح واعترف بالحقيقة.

وكان جميع الحاضرين قد اضطربوا حتى الجنود، لما رأوه من نظرات فاندا الملتهبة، وخشي كارل أن تضغط نظراتها على التتري فتحمله على الإقرار، فتداخل في الأمر، وقال لرئيس الجنود: أتعلم من هي هذه المرأة التي تتكلم بهذه اللهجة؟

فقالت بعظمة: إني البارونة شركوف.

فأجاب كارل: نعم ولكن البارونة شركوف جاسوسة بولونية، والبوليس مجد في البحث عنها.

فصاحت فاندا صيحة منكرة ونظرت إلى روكامبول نظرة يأس.

١٤

أما الضابط فإنه لم يحفل بهذه الوشاية، وقال لكارل: إني ما أتيت لمثل هذا، بل أنا قادم لأخذ الجنود الثلاثة.

فقال كارل: ولكني أشير عليك بالقبض عليها من باب النصيحة؛ لأن الحكومة عينت جائزة ألف ريال لمن يعثر بها.

فتغيرت ملامح الضابط وظهر عليه الطمع، وقال: لا بد للبارونة من أن تسير معنا إلى الحاكم العسكري.

ورأى التتري أن الأمر جاء على غير مرامه، وخشي أن تفلت فاندا منه، فقال للضابط: إذا صحت هذه الوشاية فإن السيدة موجودة في قصري، ولي الحق بنصف الجائزة، ولكني أتنازل لك عن حقي وأبقي المرأة عندي بحيث أكون مسئولًا عنها إلى أن تتحقق جنايتها، فإذا ثبتت سلمتها للحكومة وكانت الجائزة كلها لك.

فرضي الضابط بالشرط، وقال: بقي علينا الآن أن نأخذ الفلاحين الثلاثة، فإني لا أجد منهم غير هذا الرجل.

– إن ثانيهما عندي وقد ذهب الخدم يبحثون عن الثالث.

ولم يكد يتم حديثه حتى دخل الخدم يقودون ذلك الفلاح الذي وافق روكامبول على الهرب، وقد وجدوه في المركبة مع زوجته تحت نافذة مدلين، فأمر الضابط عند ذلك بالقبض على المزارعين، وعلى روكامبول، وسار بهم الجنود، فشيعهم التتري حتى تواروا عن الأبصار.

ولبثت فاندا واقفة مع كارل وهي توشك أن تجن من يأسها، فقال لها كارل ضاحكًا: لقد كان النصر في هذه المرة لي يا سيدتي، أليس كذلك؟

فلم تجبه فاندا، فقال لها: ولكنك إذا أردت أن نتفق، كان اتفاقنا ميسورًا!

– ماذا تريد بذلك؟

– أريد أن أطلق لك السراح، بشرط أن لا تتداخلي بعد ذلك في شئوني.

فنظرت إليه بأنفة وكبرياء ولم تجبه بحرف، ثم خرجت من الغرفة، وركضت مسرعة إلى غرفة مدلين، وأقفلت بابها من الداخل، وقالت لها والرعب باد في وجهها: هلمي بنا إلى الهرب قبل أن يقضى علينا.

– وركامبول؟

– لا أعلم ما جرى له، فقد أصيب بالجنون.

ثم حكت لها بإيجاز جميع ما مرَّ، وقالت: إن الحبل لا يزال معلقًا في النافذة وسنتدلى به؛ فإما نسلم ونبلغ إلى محل أمين، وإما تفترسنا الذئاب وهو خير لنا من الوقوع في قبضة هذين الأثيمين.

فوافقتها مدلين وهي تضطرب اضطراب الريشة في مهب الريح، وأقبلت فاندا إلى النافذة واعتصمت بالحبل وتدلت، ولكنها قبل أن تبلغ إلى منتصف الجدار رأت خيالين يسترهما الظلام، فحدقت بهما فرأت أنهما رجلان فذعرت؛ لأنها أيقنت أن كارل قد وضعهما في ذلك المكان حذرًا من فرارها بمدلين، وعادت فصعدت إلى الغرفة واليأس ملء قلبها، وأخبرت مدلين بما رأته قائلة لها: لم يبقَ لنا رجاء إلا بالدفاع حتى الموت.

ثم وضعت جميع أثاث الغرفة أمام الباب وأخرجت خنجرًا من صدرها، وقالت لمدلين: إنهم لن يصلوا إليك وبي رمق من الحياة.

وذرفت الدموع من عيني مدلين، وقالت: إن الله من ورائنا، غير أني أتوسل إليك أن تقتليني بخنجرك متى يئست من إنقاذي.

وبعد حين طرق باب الغرفة طرقًا عنيفًا، فوقفت فاندا وراء الباب في موقف الدفاع، ووقفت مدلين من ورائها، ولما يأس الذين يطرقون الباب من فتحه كسروه، فتبعثر الأثاث المكدس أمامه، ودخل الغرفة خلق كثير يتقدمهم كارل، فانقضت عليه بخنجرها وطعنته طعنتين أصابتا ذراعه، وحاولت أن تجهز عليه، ولكنها شعرت بيد من حديد قبضت على كتفها وألقتها إلى إلأرض، وكان الذي ألقاها إلى الأرض هو هرتمن عامل كارل، وركع فوق صدرها واستعان بالخدم على تقييد يديها ورجليها، وكل ذلك والتتري واقف خارج الغرفة لا يجسر على الدخول، ولما رأى ما كان من تقييد فاندا سر سرورًا وحشيًّا لا يوصف.

أما كارل فإنه ألقاها في زاوية من الغرفة والدم يسيل من يدها، وقال للتتري: أرجو أن تنتقم لي من تلك المرأة بعد سفري.

أما مدلين فإنها سقطت على الأرض من الرعب، ولما رأت ما حل بفاندا، ويئست من النجاة سقطت مغميًّا عليها، فأمر كارل هرتمن أن يحملها إلى المركبة التي كانت معدة للسفر خارج القصر، فامتثل هرتمن وخرج كارل في أثره فوضع مدلين في المركبة وغطاها كارل بثوب كبير من الفرو وجلس بإزائها، ثم صعد هرتمن إلى مكانه أمام السائق، وسارت بهم المركبة تقطع تلك الفلوات الشاسعة ومدلين لا تعي على شيء.

وظلت تسير بهم حتى بلغت إلى تلك الغابة التي اجتازها كارل منذ أربعة أيام، وكارل يتفرس بها مندهشًا بجمالها، وهي مغمي عليها إلى أن افتتح هرتمن الحديث قائلًا: ألا تزال تحبها؟

– بل، لا أزال عازمًا على الزواج بها.

– ولكنك مخطئ لسببين؛ الأول: أن أنطوانيت لم تمت كما كنا نحسب من قبل، والثاني: أنها تحب إيفان.

– وماذا يهمني ذلك؟

– أتريد برهانًا ثالثًا؟ إذن، اسمع: إن مدلين لم توافق فاندا على الهرب إلا بعد أن علمت منها جميع أمرك، فهي تحتقرك وتكرهك ولا يعقل أن ترضى بك زوجًا لها، على أنك إذا شئت أن تعمل بنصيحتي لنجوت من جميع المتاعب.

– وما هي نصيحتك؟

– هي أن ترد للذئاب ما سلبته منها، وها هي محدقة بنا كما تراها، فارم إليها بالفتاة واخلص من المتاعب.

– اسكت أيها الشقي؛ لأن هذا الخاطر الهائل لا يخطر في بال إنسان؟

– ولكنك مضطر إليه، وإذا لم تلقها فاتتك الفرصة ولا يبقى أثر للذئاب، وإذا كنت تشفق عليها، فأنا أتولى عنك الجريمة.

ثم هم أن ينزل إلى داخل المركبة ويلقيها فاعترضه كارل وقال له: مكانك أيها التعس ألا ترى جمالها الذي يدهش الأبصار؟

– نعم، ولكني أرى أيضًا ما يكتنف حبك لها من الأخطار، فدع تلك الأوهام، وانتصح بما قلته لك، فهو خير لك وأبقى، وهب أن الذئاب افترستها منذ ٤ أيام قبل أن تخلصها، وليس حبك لها غير عرض يزول كما جاء في حين قصير.

وما زال به حتى رأى من ملامحه أنه قد اقتنع فنظر حواليه، فإذا الذئاب لا تزال تطارد المركبة، وهي تخشى النور، ونزل إلى داخل المركبة وحاول أن يطرح مدلين وهي مغمى عليها إلى تلك الذئاب الضارية، فهال كارل ما رآه من شناعة تلك الجريمة وقال له: عد إلى مكانك، ودعني أقتلها على الأقل قبل أن ألقيها كي لا تفترسها الذئاب وهي في قيد الحياة، ثم أخذ المسدس من جيبه وصوبه إلى صدغها.

وأوشك أن يطلق النار على تلك الفتاة التي لم تتجاوز بعد عشرين عامًا بحيث قضي عليها القضاء المبرم ولا ينقذها من الموت غير أعجوبة من عجائب الله، وقد جرت الأعجوبة، فإنه قبل أن يطلق النار عليها صحت من إغمائها وفتحت عينيها، فأرجع كارل يده، وجعل ينظر إليها وهو يضطرب.

أما مدلين فإنها أدركت لأول وهلة صعوبة موقفها فنظرت إلى كارل نظر المتوسل، وقالت له: رحماك أشفق علي!

فارتعش كارل حين سمع توسلها، وخاف هرتمن أن يرجع عن قصده، فجعل يحمسه باللغة الألمانية ويدعوه إلى قتلها، ولكن مدلين كانت تتغلب عليه بتوسلها وظواهر انكسارها إلى أن طال الحديث بينهما، فقالت له: إني أعرف يا سيدي من أنت؟ إنك أخو أمي، وإنك تريد قتلي وقتل أختي كي لا ترد لنا ثروتنا، ولكني أقسم لك بالله إذا أشفقت علي فإني وأختي لا نطالبك بشيء، ولا نذكر اسم أمنا مدى الحياة، ونعيش من أشغال يدنا بملء الطهارة والشرف.

فقاطعها كارل قائلًا: إذا فعلت ما تريدين أتتزوجين بي؟

فصاحت صيحة ذعر وجعلت تنظر إليه مروعة مضطربة.

– لا تنظري إلي هذه النظرات، إني أريد أن تكوني امرأتي.

فتراجعت إلى آخر المركبة، وقالت: كلا إن هذا لا يكون.

– بل يكون، وسأرجع ثروتك وثروة أختك.

– إن يدك لا تزال ملطخة بدم أمي فاقتلني.

وصاح به هرتمن يقول: أسرع يا سيدي لأن الذئاب سترجع، لأننا قربنا من المحطة.

وتحمس كارل وحاول أن يطلق عليها المسدس ولكنه رجع، وقال: كلا لقد عزمت على أن تكوني لي، ولا بد لي أن أنال منك ما أريد.

– قلت لك: ذلك لا يكون، افعل بي ما تشاء لقد سئمت الحياة.

ودنا منها وحاول تقبيلها فدفعته عنها بعنف شديد حتى أوشك أن يسقط على قفاه فارتد إليها قائلًا: لا بد أن تكوني لي كيفما اتفق.

– اقتلني أيها الفاجر السفاك فهذا خير لي.

فتمكن منه الغضب وقال: سأقتلك كما تشائين.

ثم أخذ مسدسه وهم أن يطلقه عليها، ولكن هرتمن صاح به قائلًا: قف لقد فات الأوان، وقد بلغنا المحطة.

فتوقف كارل عن قتلها وبعد دقيقة وقفت المركبة عند منزل صغير، وهو إحدى المحطات في تلك الغابة الكثيفة فغيروا الجياد والسائق.

أما مدلين؛ فكان لا يزال لها بقية رجاء برحمة هذا الضاري، فلبثت ساكنة ساكتة والدموع تنهمر من عينيها.

وخلا كارل بهرتمن فسأله: إن المركبة ستسير بنا فينبغي أن تعزم عزمًا أكيدًا، فعلى ماذا عزمت؟

– إني عزمت على أن أتخذها حليلة لي وإذا أبت جعلتها خليلة.

فلم يجبه هرتمن بحرف، وصعد إلى مكانه بجانب السائق، وانطلقت بهم المركبة وسارت في أثرها الذئاب.

وجعل هرتمن يراقب السائق في الطريق، ويتأمل وجهه، فتعذر عليه أن يتبينه؛ لأنه كان لابسًا قبعة نزلت إلى عينيه، وحاول أن يباحثه، فسأله: ألم تر جنودًا تقود ثلاثة من الفلاحين الذين أصابتهم القرعة؟

فلم يجبه السائق، فكرر عليه السؤال بالفرنسية والألمانية والروسية، فلم يجب أيضًا، بل ضرب الجياد بسوطه فاندفعت تجري.

فساء هرتمن هذا السكوت، والتفت إلى كارل، فرأى الزبد يخرج من شدقيه لشدة غضبه على مدلين، وكانت الذئاب قد بدأت تحيط بالمركبة، فقال له: كفاك يا سيدي ترددًا.

– لا سبيل إلى العزم الأكيد؛ لأني أحبها.

وكانا يتكلمان باللغة الألمانية كي لا تفهم مدلين، فقال له هرتمن: إنك لن تبلغ مرادًا ما دامت على هذا العناد، فاجهز عليها، ولكن احذر من السائق، ولا تطلق عليها النار، ولا تحملها على الاستغاثة، بل ادفعها خارج المركبة؛ فتتولى الذئاب مهمة القضاء عليها، أسرع يا سيدي قبل أن تصل إلى بترهوف أو ستيديانكا، فتستعين عليك بالجند وتنجو منك.

فقال بغضب: كلا إذ يجب أن تكون لي.

– قلت لك: أسرع لأن أنوار مدينة بترهوف قد بدت لنا.

فلما رأى كارل ذلك أعاد السؤال عليها، قائلًا: أتتزوجين بي؟

– كلا، إني أؤثر ألف موت على الزواج بفاجر سفاك.

فهاج كارل هياجًا شديدًا واحتمل الصبية يريد إلقاءها على الذئاب، فصاحت صيحة عظيمة، ثم تلا صياحها صيحة أخرى هائلة، وكانت هذه الصيحة صيحة هرتمن؛ لأن سائق المركبة حمله بيده، وألقاه على الثلج فريسة للذئاب.

أما مدلين؛ فقد دافعت عن نفسها دفاع القانطين لا سيما حين سمعت صراخ هرتمن قد طبق أرجاء الفضاء، وسمعت صوت أنياب الذئاب تكسر عظامه.

١٥

ولنعد الآن إلى روكامبول؛ لقد تركناه في المركبة مع الجنود تسير به إلى الحاكم العسكري، وهو سكران من الأفيون ومقيد اليدين والرجلين، غير أن الأفيون لا يطول تأثيره بأصحاب الأمزجة العصبية، فإنه بعد أن ابتعدت المركبة ساعة عن قصر التتري صحا روكامبول من سكرته وعاد إليه كل صوابه، فأوشك أن يفقده ثانية حين رأى نفسه مقيد اليدين والرجلين يكتنفه الظلام الدامس في مركبة تسير به سيرًا حثيثًا.

ولو اتفق ما اتفق له لكل إنسان سواه، لصاح وحاول أن يتخلص من قيوده، غير أن روكامبول لم يكن رجلًا عاديًّا، وقد تمرس في السجون، وعرف فائدة الصبر في مواقف الأخطار، فصبر وجعل يفتكر بما صار إليه بادئًا بالرجوع إلى حوادث أمسه، فذكر أنه اتفق مع ألكسيس الفلاح على إعداد مركبة للفرار بها بمدلين عند منتصف الليل، وأنه عندما عاد إلى قصر التتري أخبر فاندا بما جرى، فأخبرته أن مدلين مستعدة للفرار فتعشى مع الحاضرين، وقام إلى غرفته فأشعل سيكارته وجعل يدخن فشعر بتثاقل أجفانه.

وهنا انقطع حبل تذكاره، وبعد أن فكر هنيهة أيقن أنه شرب مخدرًا فغاب صوابه، ولم يعد لديه شك في أن ذلك من صنع كارل، وأن مدلين وفاندا وقعتا في قبضته، فاضطرب فؤاده، وجحظت عيناه من الخوف عليهما.

وكانت المركبة مقسمة إلى قسمين منفصلين؛ قسم يقيم فيه الجنود، وقسم وضع فيه روكامبول وألكسيس والفلاح الآخر يغط في نومه، فقد قبض وهو سكران، أما الجنود فكانوا يغنون ويضحكون.

وبينما كانت المركبة تسير سمع روكامبول رئيس الجنود يقول للسائق: ألا تميل بنا إلى الغرب، فنعرج على فندق سيوا، ونشرب فيه غيثًا من العرق، لأن البرد شديد؟

– افعل ما تريد على أن تشاركني شرابك.

– حبًّا وكرامة فعرج بنا.

وسمع روكامبول هذا الحديث، وكان قد عرف أخبار هذا الفندق، فقال في نفسه: إذا قام أولئك الجنود مدة في الفندق يشربون، فلا أعدم وسيلة للنجاة.

ثم جعل يفحص ما حواليه فسمع انتحاب ألكسيس وعرفه من صوته، فزحف إليه، وقال همسًا: كفاك انتحابًا وأنا روكامبول وسأنقذك.

فسكت ألكسيس، وقد اطمأن باله، ثم سأله روكامبول: قص علي ما جرى، فقد عاد إلي صوابي.

فحكى له الفلاح جميع ما عرفه، وكيف أن التتري اغتنم فرصة جنون روكامبول وادعى عليه أنه من عبيده الذي أصابتهم القرعات العسكرية، فعلم روكامبول سر المكيدة، وقال لألكسيس: ألعلك موثق مثلي؟

– نعم.

– إذن، نم على بطنك.

ففعل وكانت يداه مشدودتان بحبل إلى ظهره، فجعل روكامبول يعالج عقدة الحبل بأسنانه حتى فكها، ولما أطلقت يد ألكسيس قال له: أطلق يدي كما أطلقت يديك.

ففعل، ثم حل كل منهما قيوده وعادا إلى موضعيهما، بعد أن أشار روكامبول على رفيقه بالعودة إلى الانتحاب، وعند ذلك وصلت تلك المركبة المزدوجة إلى فندق سيوا، فنزل الجند ورئيسهم والسائق، ودخلوا إلى ذلك الفندق فرحين يترنحون، فوجدوا تلك العجوز الشمطاء، وبطرس السائق، وقد أوشك أن يشفى من مرضه، فطلبوا مدامًا وجلسوا يشربون.

أما ألكسيس؛ وقد حسب أن روكامبول سيفر من المركبة مغتنمًا فرصة غفلة الجنود فتأهب للوثوب منها.

غير أن روكامبول أمره أن يبقى في مكانه، وحمل الأسير الثالث السكران، وألقاه خارج المركبة، ثم صعد مكان السائق، وهو يخاطب ألكسيس: إني لا أحب الفرار على الأقدام؟

وضرب الجياد بالسياط، فاندفعت تجري في تلك الغابة، وتمر مرور السحاب.

ولما سمع السائق والجنود صوت مسير المركبة تراكضوا إليها، وهم يحسبون أن الجياد جمحت، فوجدوا الأسير السكران ملقيًّا على الأرض، والمركبة قد توارت، فجمدوا في أماكنهم جمود تلك الثلوج الواقفين عليها، وقد فطنوا للمكيدة، وعلموا: أن الأسيرين قد هربا.

وكان روكامبول يفتكر بفاندا ومدلين، فلما ابتعدت المركبة وأفاق ألكسيس من ذهوله، قال لروكامبول: إلى أين تسير بنا؟

– إلى قصر التتري.

– أتعود إليه كي نقع في قبضته مرة أخرى؟

– كلا، بل هو الذي سيقع في قبضتنا هذه المرة، ثم لا يخلق بنا أن ندع امرأتك وتينك المرأتين في أسر ذلك الوحش.

– أصبت، ولكننا لا نبلغ المحطة الأولى حتى تنهك جيادنا، ولا مال لنا لاستئجار سواها.

ويذكر القراء أن روكامبول حين اشتدت عليه عوارض الجنون جعل ينزع ثيابه ويرمي بها إلى الأرض، وحين قبض عليه الجنود أشفق عليه أحدهم من البرد فألبسه جميع ملابسه، فلما قال له ألكسيس لا نقود لنا مد روكامبول يده إلى جيبه فوجد فيها محفظة الأوراق المالية مكدسة، وقال: طب نفسًا فسنجد ما نستأجر به خيلًا جديدة.

ولبثت المركبة تجري وركامبول يفكر في كارل، ويضع لنفسه خطة يجري عليها، وقد علم أن كارل خصم شديد يكون كفؤًا له فقال في نفسه: إما ان يكون هذا الرجل الآن في معركة شديدة مع فاندا؛ فإنها لا يمكن أن تتخلى عن مدلين وفيها رمق من القوة، وعلى هذا الافتراض فإن مدلين لم تسقط بعد في يد عدوها، وإما ان تكون فاندا غلبت ويكون كارل فر بمدلين، فإذا صدق الفرض الأول فإن الوقت لا يزال فسيحًا لدي، وإذا صدق الفرض الثاني فلا بد لي أن ألتقي بكارل ومدلين في طريق بترهوف.

وقد صح حساب روكامبول كما سيجيء؛ فإن مركبته بعد أن سارت غاصة في تلك الغابة، وقفت في المحطة الأخيرة قبل بترهوف، فنزل روكامبول إلى مدير المحطة، فأخرج من جيبه بعض أوراق، وقال: إني أريد جيادًا لمواصلة السفر.

– ذلك محال يا سيدي، فإن الجياد التي عندنا محجوزة لأمر غريب سيمر بنا قريبًا.

– من أين هو آت هذا الرجل؟

– من قصر الكونت بونتيف.

فاضطرب روكامبول، وقال: كيف عرفت هذا؟

فأشار المدير بيده إلى رجل كان نائمًا قرب المستوقد، وقال: عرفت من هذا الرجل فقد أرسله إلي نقولا أرسوف منذ ساعة لحجز الجياد.

– إذن، فسأضع جيادي في إصطبلك إلى أن تستريح فأستأنف السير.

– لا بأس، وإن شئت أن تنام تجد فراشًا من القش بجانب السائق الذي سيقود المركبة.

ثم أعطاه مصباحًا ودخل إلى غرفته كي ينام فيها، ودخل روكامبول مع ألكسيس إلى الإصطبل، فقال له ألكسيس: على ماذا عولت؟

– سوف ترى.

١٦

من عادة السائق الروسي في تلك المحطة أن ينفق معظم فراغه في النوم، ولا يوقظه غير سائق المركبة التي يحل محله فيها، ويكون نائمًا بملابسه، فينهض من فراشه إلى خيله، فيشدها بالمركبة، ويسير بها إلى أول محطة.

ولما دخل روكامبول وجد هذا السائق نائمًا على فراش من القش، وهو متشح بوشاح من الفرو الغليظ، ولابس قبعة عظيمة تغطي أذنيه، فدنا منه روكامبول وأيقظه فلم يستفق، فصفر بأذنه كما يفعل سواق المركبات فهب من رقاده في الحال، وأسرع إلى الخيل حسب المعتاد غير أن روكامبول هجم عليه وضغط على عنقه، وقال له: إذا فهت بكلمة قتلتك.

ثم ألقاه على فراشه وركع فوقه، وقال: لا تخف، فإني لا أريد بك شرًّا، بل إني أريد لك كل الخير، وإذا أطعتني فيما أريد أعطيك مائة ريال.

ومثل هذا المبلغ يعد ثروة عظيمة لدى سائق لا يكسب في يومه ربع ريال، فظهرت علائم الطمع بين عينيه، وسأله: ماذا تريد أن أصنع لك مقابل هذه المحبة؟

– أريد أن تطيعني.

– مر بما تشاء، أتريد أن أشد جيادي إلى مركبتك؟

ونهض روكامبول عنه بعد وثوقه من حسن طاعته، وقال له: كلا، ليس هذا الذي أريده منك، بل أريد منك ثلاثة أشياء؛ وهي: سوطك وقبعتك ورداءك.

– ألعلك تريد أن تسوق أنت المركبة؟

– نعم.

– وأنا ماذا أصنع؟

– تعود، وتنام إلى أن يشرق الصباح.

– ولكن إذا فعلت هذا الفعل أفقد مركزي.

– إني أعوضك عنه بخير منه وهذه مقدمة هباتي لك.

ثم أخرج محفظته وأعطاه مائة روبل، فلم يصدق السائق ما يراه، وأسرع إلى خلع ردائه وقبعته وجزمته فأخذها روكامبول ولبسها جميعها، ثم قال للسائق: عد إلى فراشك.

فامتثل السائق وهو يوشك أن يجن من فرحه بهذه الثروة.

وعند ذلك سمع صوت قدوم مركبة فأخرج الجياد المرتاحة بمساعدة ألكسيس، وقال له: انتظرني هنا، فلا أعلم متى أعود إليك، ولكن لا بد لي من الرجوع قريبًا فكن مطمئن الخاطر.

وقد عرف القراء الآن ماذا حدث، فإن السائق الذي ألقى هرتمن إلى الذئاب لم يكن إلا بطل هذه الرواية روكامبول؛ فإنه كان جالسًا بإزاء هرتمن لا يهيم بمدلين، ولكنه كان يصغي إلى حديثه مع كارل، وحثه إياه على إلقاء مدلين، فأراد أن يعاقبه بنفس الموت الذي كان يتوقعه لتلك الفتاة الطاهرة التي آثرت الموت في سبيل الدفاع عن عرضها وشرفها.

ولما ألقي هرتمن إلى الذئاب وثب إلى داخل المركبة، فقبض على كارل بيد من حديد، وقال لمدلين: لا تخافي فقد سلمت من الموت، ثم نزع القبعة على رأسه، ونظر إلى كارل وقال: أعرفتني الآن يا حضرة الفيكونت؟

فذعر كارل وقال: روكامبول!

فانتزع روكامبول من يده ذلك المسدس الذي كان يتهدد به مدلين، وقال له: إنك يا حضرة الفيكونت قد ارتكبت كثيرًا من الفظائع والآثام، ولكن الله قد يعفو عنك إذا تبت إليه توبة صادقة فاستغفر الله، إنك ستموت.

فركع كارل وقال مستغيثًا: اصفح عني بالله.

وحسبت مدلين وقد رأت المسدس بيد روكامبول أنه سيطلق عليه النار، فقالت له: رحماك اشفق عليه …

– أتظنين يا سيدتي أنه يحق لك أن تصفحي عن قاتل أمك؟

فتنهدت مدلين وسكتت، أما كارل فإنه نظر إليه نظرة المتوسل وقال له: اصفح عني أرد كل شيء.

– كلا أيها الشقي، بل سأميتك شر ميتة تكون بها عبرة لأمثالك.

ثم قبض عليه من وسطه، واحتمله كما يحمل الطفل، فألقاه على ذلك الجليد قرب هرتمن الذي كانت تأكله الذئاب، وألقى عليه مسدسه، وهو يقول: إني لا أريد لك أن تموت من غير دفاع، فهجمت عليه الذئاب المفترسة من كل جانب.

وعاد روكامبول إلى مدلين وهي توشك أن يغمى عليها لرعبها من هذا المنظر الهائل، وقال لها: اخبريني الآن، ماذا حدث لفاندا؟

– عندما أسرني هذان الشقيان كانت فاندا موثقة اليدين والرجلين، ولا بد أن تكون الآن في قبضة التتري.

فطاش رأس روكانبول من خوفه عليها فوثب في الحال إلى مقعد السائق، وضرب الجياد بالسوط، فاندفعت تجري إلى قصر التتري.

وبعد دقيقة سمعوا صوت إطلاق المسدس، فقال روكامبول: هو ذا قضاء الله قد بدأ ينفذ في ذلك الشقي.

١٧

لقد تركنا فاندا موثقة اليدين والرجلين ملقية في زاوية غرفة مدلين عندما اختطف كارل مورليكس مدلين وفرَّ بها فبقيت فاندا تحت رحمة ذلك الوحش التتري.

وقد دخل إليها وعيناه تبرقان بأشعة الأمل، ولكن فاندا أجالت فيه نظرها فتوقف في وسط الغرفة، وأطرق وجلًا مستحييًا غير أنه تجلد وأتم مسيره إليها، فأضافت فاندا صوتها إلى نظراتها، وقالت له: قبحت من عبد يريد إتيان الموبقات ولا يجسر عليها، ويحك! إنك أردت أن تحبك امرأة من النبلاء، ولكنك خشيت لفظاعة إثمك، وخفت أن تنطبق السماوات عليك، فأبقيت تلك المرأة موثقة اليدين والرجلين؛ إنك رجل وأنا امرأة، وأنت مطلق وأنا مقيدة، ومع ذلك فإنك لا تجسر على الدنو مني أيها النذل الجبان.

فأثر كلام فاندا عليه كما كانت تتوقع؛ لأنه توقف أيضًا مترددًا أكثر من قبل، فقالت له: ماذا تخشى مني؟ فإن الرجل الوحيد الذي يدافع عني أصبح بعيدًا، وأنت رئيس هذا القصر الحاكم فيه، وكل من فيه يخضعون لأمرك، ألعلك خشيت أن أهرب؟ فاقفل هذا الباب وأنا ضامنة لك أني لا أفر.

فاضطرب التتري وقال: ألعلك تمزحين؟

– كلا، وأنا لا أفتكر بنفسي الآن، بل أفتكر بك أيها الأبله فإنك ستلقي النار بيدك في منزلك.

ولم يفهم مرادها، ولكنه توقف عن الدنو منها، وقالت له بصوت الهازئ: حل على الأقل قيد رجل كي أستطيع الوقوف، ألا تخجل أيها العبد أن تطمع بحب امرأة لك وهي على هذه الحال؟!

وكان خنجر فاندا الذي طعنت به مورليكس لا يزال على الأرض، فأخذه التتري وقطع به قيد رجليها، وهو يقول: إني أفعل لك ما تريدين، ولكنك إذا حاولت الفرار مني قتلتك لا محالة.

ووقفت فاندا وكانت يداها لا تزالان موثقتين وراء ظهرها ثم نظرت إليه تلك النظرات الساحرة وقالت: أحقيقة تحبني؟

فاضطرب التتري وأجابها بصوت يتهدج: أتسأليني هذا السؤال وقد ارتكبت الجرائم من أجلك؟!

وإذا أحببت ساعة — وأنا صاحبة الاسم النبيل — رجلًا سافلًا مثلك أتقتلني بعد ذلك؟

ثم قالت بلهجة العظمة والكبرياء: اصغ إلي فإني أحب أن أقص عليك تاريخي قبل كل شيء.

فانذهل التتري وأجاب: أي تاريخ تعنين؟

– أتظن — أيها الأبله — أنني لو كنت إلى الآن البارونة شركوف تلك السيدة الروسية العظيمة أكنت تراني هنا مع رجل أجنبي أخضع له كما كنت تخضع لي أنت من قبل؟

– وماذا حدث لك؟ وكيف أنت الآن؟

– قبل أن أخبرك بحالي أريد أن أعرف كيف بات مولاك الكونت بونتيف فقيرًا بالنسبة إليك. أليس كذلك؟

– لا أعلم …

– بل أنا أعلم فإن صاحب الأرض بات فقيرًا وبات وكيله عليها غنيًّا، قل: ألست بغني؟

– ربما!

– وإذا أردت أن تجتاز إلى تلك الهوة العميقة التي تفصل بين الضفة والنيل فكيف تجتاز؟

– على جسر من الذهب.

– ولكني أرجوك أن تحل قيد يدي فقد ضاقت أخلاقي.

ففعل التتري وهو غير موجس خوفًا منها؛ لأن الخنجر كان بيده، فلما أفلتت يديها وضعتهما على كتفه وقالت له بدلال: هل ظننت أن قلوب النساء تشترى بالخناجر وتقييد الأيدي؟ فاجلس أمامي ولنتحدث، إنك قلت لي: إنك غني أليس كذلك؟

فاضطرب فؤاده لما رأى من دلالها، وأراد أن يظهر أمامها بمظهر العظمة؛ فأجاب: إن أموالي لا تحصى.

– ولكني أريد أن أجعلك فقيرًا.

وضحك ضحكًا عاليًا قائلًا: إن هذا مستحيل …

– أين أودعت أموالك؟

– في محل أمين لا يصل إليه أحد.

– إني أحب أن أعرف هذا المكان.

فاضطرب التتري وقال: يستحيل علي أن أخبرك عن مكانها فإني أعطيك كل ما تشائين ولكني …

وقاطعته وقالت بغنج: إذن، أحب أن أكون الآمرة الناهية في قصرك هذا، وأن تطيعني في جميع ما أريد كما كنت تطيعني من قبل.

– مري بما تشائين، فلا أخالف لك أمرًا.

– إني أريد أن تحتفل الآن حفلة لا مثيل لها، وتدعو إلى خدمتي خدمك ونشرب سوية من خير خمورك، فإني سأغدو منذ الآن ملكة هذا القصر، ثم طوقت بذراعها عنقه، فجن من اضطرابه، وجعل يدعو الخدم فيفدون إليه أفرادًا وأزواجًا، ويلقي إليهم الأوامر اللازمة لإعداد تلك الحفلة.

وكانت الساعة الثانية بعد منتصف الليل، وفي الساعة الثامنة، أي بعد أن تمكن الشراب من التتري، أصبحت فاندا الحاكمة المطلقة عليه بعد أن كانت مقيدة، وكان الخدم يرقصون ويغنون من حوله حسب أمره وهم يقولون: لقد أصبح الآن عاشقًا ولا بد أن يرق قلبه ويمنعه غرامه من عذابنا.

ولم يطل به الأمر حتى سكر، فأطلقت فاندا سراح الخدم؛ وعادت تسأله عن كنزه المخبوء فكان لا يزال مصرًّا على الكتمان بالرغم من سكره.

ونظرت فاندا ورأت خنجرها على المائدة واختطفته وصوبته إليه وهي تقول: قل أين خبأت أموالك؟

فخاف أن تقتله وحاول الهجوم عليها، ولكنها تراجعت وهي تقول والخنجر بيدها: قل أين خبأت المال؟

أما التتري فقد ذكر ما رآه من فاندا منذ ثلاث ساعات، حين انقضت بخنجرها انقضاض الصاعقة على كارل وكادت تبطش به لولا أن انقض عليها هرتمن من الوراء، وهلع قلبه لا سيما وأن السكر قد هد حيله وأضعف أعصابه، وجلس في مكانه وجعل يضحك قائلًا: إنك تمزحين دون شك.

– كلا، فإني أريد أن أعرف أين خبأت مالك؟!

– ولماذا … أتريدين أن تأخذيه؟

– ربما …

– كلا، فإني أعطيك ما تريدين، ولكني …

– وأنا أريد أن أعرف أين خبأت مالك، ثم ابتسمت له ألطف ابتسام، وطاب قلبه ودنا منها وهو يقول لها: أحبك …

فابتسمت له فاندا ولكنها أشارت إليه بخنجرها أن يقف بعيدًا، وقالت: أريد أن أعرف مكان هذا الكنز.

– ولكني أعطيك منه ما تشائين.

– كلا … بل أريد أن آخذ منه بيدي ما أشاء؟

– أتريدين أخذ كل المال …

– كلا … إنما أريد أن أعرف ذلك المكان لأعلم إذا كنت ماهرًا في اختيار الأماكن الصالحة لدفن الكنوز.

فابتسم ابتسام الإعجاب وأجاب: إنها مخبوءة في مكان لا يخطر في بال إنسان وإنه يوجد من الذهب ما يملأ عشر مركبات.

– إذا كان ذلك ما تقول فكيف تخشى أن أحمل هذا المال الكثير؟ ولكني لا أصدق ما تقول فإنك تحاول إغرائي.

وتغلب السكر والغرور على الحكمة، قائلًا: كلا، بل ما قلته لك هو الحقيقة بعينها، فإذا كشفت لك هذه الخبايا أتحبينني؟

– أحبك دون شك، ولكني لا أحبك إلا متى عرفت مكان كنزك.

– إذن، فاعلمي أنه ليس في القصر بل في الحديقة.

– ألعله مدفون فيها؟

– كلا، بل هو معرض للهواء ولكنه لا تبصره العيون فهلم بنا إليه.

ثم خاصر فاندا وسار بها إلى الحديقة فكان يتعثر لسكره وهي تسنده والخنجر بيدها حتى انتهيا إلى حوض، وكانت جدران الحوض عالية مبنية بالرخام الأبيض، والقمر يتلألأ في السماء وجعل الليل نهارًا، فوقف التتري مع فاندا أمام الحوض، وقال لها: انظري هذا الحوض فإنه لا يخلو من الماء غير ثلاثة أيام في العام وهي الأيام التي أجبي فيها المال من الفلاحين فإذا انقضت هذه الأيام الثلاثة فتحت تلك الحنفية الكبيرة المشرفة عليها وتنصب فيه المياه ويبقى الحوض ملآن كل العام.

– وأية علاقة بالماء وجباية الضرائب؟

– ألا تنظري في أرض هذا الحوض حلقة سوداء؟

فحدقت فاندا وقالت: نعم.

– إني إذا جذبت الحلقة انزاحت بلاطة كبيرة وظهر من تحتها كنزي المخبوء.

وتظاهرت فاندا بالانذهال الشديد، وقالت: إني أريد أن أرى كل شيء فافتح أمامي باب الكنز.

ولم يكن للحوض سلم ينزل إليه بها على عمقه، بل كان يوجد فيه حبل مربوط بتلك الحنفية الضخمة وهو ينتهي عند أسفل الحوض، فقال التتري: سمعًا وطاعة، ثم تمسك بذلك الحبل ونزل إلى الحوض فاتقدت عند ذلك عينا فاندا بأشعة الحقد الدفين.

ولم يكد هذا التتري يمسك الحلقة بيده ويحاول جذبها حتى أحس برشاش الماء على رأسه، لأن فاندا فتحت حنفية الماء.

ولم يفطن التتري للأمر وقال لفاندا اقفلي الحنفية لقد أصابني ماؤها والبرد شديد.

غير أن فاندا لم تجب وظل الماء يسقط عليه فالتجأ إلى آخر الحوض وصاح بها قائلًا: اقفلي اقفلي.

فضحكت ضحك المتهكم وقالت: لا شك أنك أبله.

فأسرع راكضًا إلى الحبل المدلى من الحنفية وتمسك به يحاول الصعود، فلم تعترضه فاندا، وتركته يصعد والماء ينصب عليه من فم تلك الحنفية الواسعة كأفواه القرب.

وما زال يصعد وفاندا تضحك وهي جالسة على طرف الحوض قرب الحنفية حتى أوشك أن يدنو منها، فأسرعت وقطعت ذلك الحبل بخنجرها فاندفع يهوي إلى الأرض، وقد صاح صيحة شديدة أجابته عليها بضحك أشد، ثم قالت له: لقد نجا الناس من شرك أيها العبد الزنيم فلا أنت بضارب عبيدك، ولا أنت بسارق سيدك، ولا تجسر شفتاك على التصريح بالغرام للنساء الشريفات، فإذا كنت تؤمن بالله فاستغفره، فإن كنزك سيكون قبرك.

وجعل التتري يركض وهو يصيح ويستغيث فأجابته فاندا: مهما بلغ من صراخك فإنه لا يسمع وهب أنهم سمعوك فإني بإشارة أرجعهم، ألم تجعلني السيدة المطلقة أمامهم في هذا القصر؟

وكان الماء لا يزال ينصب في الحوض، وكلما انصب ارتفع حتى بلغ ركب التتري وجعل يصيح بها ويقول: اقفلي الحنفية أيتها الخائنة ألعلك تريدين إغراقي؟

وكانت تجيبه هازئة وتقول: كنت أريد لك شرًّا من هذا الموت، فإنك تستحق أعظم منه، ولكن إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون.

وجعل هذا المسكين يصيح صياحًا مؤلمًا، وهو كلما استقر هنيهة في الحوض يشعر أنه تجمد من حوله لشدة البرد؛ بحيث لم يعد يستطيع أن ينقل قدمًا، وقد ضغط عليه الماء المتجمد ضغط القيود، وكلما انصب قدر من الماء علا من حوله وتجمد، حتى بلغ إلى صدره وشعر بدنو أجله، فجعل تارة يشتم وطورًا يتوسل ألطف توسل ويستعطف فاندا أن تقفل الحنفية وتغيثه، وهي تعبث به وتضحك عليه، وتقول: لو جسرت أيها الشقي أن تنظر إلي وأنا البارونة شركوف لقضيت عليك جلدًا بالسياط، ولكنني ما تمكنت من قتلك إلا بالحيلة، والموت واحد مهما تنوعت الأسباب.

وظل الماء يصعد ويتجمد حتى بلغ إلى عنقه وضغط عليه ضغط الحديد، فلما رأته على هذه الحال قالت: سأفعل الآن ما تريد وأقفل الحنفية، ثم أقفلتها وانقطع الماء، ولكن لم يبق غير رأس التتري.

وكان الفجر قد بدأ ينفجر، فوقفت فاندا تراقب هذا الشقي غير مكترثة بذلك البرد الشديد الذي يهز جسمها حتى رأت علائم النزع بدأت تظهر من عينيه، ففتحت ساعتها، وجعلت تعد دقائق نزعه الهائل الأليم.

بينما كانت فاندا تعاقب ذلك التتري ذاك العقاب الشديد، كانت مركبة تنهب الأرض سائرة إلى قصر ذلك الرجل تنقل مدلين وركامبول، وهو يجهد الخيل بسوطه، ويكرر اسم فاندا، فلما بلغت روح التتري التراقي كانت المركبة قد وقفت عند باب القصر، وخرج منها روكامبول فاندفع في ردهة القصر اندفاع القانطين، قائلًا: أين فاندا؟

فاستقبله أحد الخدم وقال له: إنها باتت الآن الحاكمة المطلقة على القصر وساكنيه.

ثم اجتمع من حوله جميع الخدم، فكان بعضهم يضحكون لاعتقادهم أن روكامبول زوج فاندا، وبعضهم يتمايلون من السكر، ولكن علائم السرور كانت بادية في تلك الوجوه.

ولما ألح عليهم روكامبول السؤال عن فاندا ذهبوا به إلى تلك الحديقة، فرأوا فاندا واقفة عند الحوض تراقب نزع ذلك الرجل الذي تجاسر على أن يكاشفها بغرامه بعد أن كان عبدًا لها، فأسرع الخدم إلى ذلك الحوض وقد أوجسوا شرًّا من وقفة فاندا، فرأوا سيدهم محصورًا بين الثلج فلم يقدم أحد على إنقاذه، بل إنهم أظهروا سرورًا لا يوصف عندما أيقنوا أنه أسلم الروح لشدة ما يلقونه من مظالمه.

ثم التفتت فاندا فرأت بالقرب منها روكامبول ينظر إلى التتري وقد أدرك كل شيء، فصاحت صيحة الدهش وقالت: ومدلين؟

– لقد نجت.

فسرت فاندا، وقالت: لقد كنت أتوقع كل ذلك.

ثم انطرحت على ذراعيه تعانقه، فقال لها روكامبول: لقد فرغنا الآن من روسيا فهلمي بنا إلى فرنسا.

١٨

قبل أن نسير بالقارئ في أثر روكامبول وفاندا العائدين إلى فرنسا بمدلين، نعود إلى أحد أعضاء هذه الرواية، فقد تخلينا عنه منذ حين، وهو إيفان دي بونتيف عاشق مدلين، بعد أن تركناه في شر حالة، وقد قبض عليه بوليس موسكو وسار به إلى بطرسبرج.

ولا يوجد بين البلاد على اختلاف حكامها بلاد كالبلاد الروسية في خضوع شعبها للحكام والشرطة؛ لأن الطاعة واجبة ملزمة فيها من أحقر خادم إلى أشرف سيد، ولذلك فإن إيفان على علوِّ منزلة أسرته لم يعترض بكلمة، ولم يداخله أقل ريب بأن نكبته إنما كانت من أبيه، بل كان مطمئن البال لكثرة أصدقائه في البلاط الروسي، ولاعتقاده أنه لم يخطئ خطأ يستوجب العقاب، فاجتاز تلك المسافة الشاسعة بين موسكو وبطرسبرج، وهو لا يفكر إلا بمدلين.

وقد أذن له الضابط الذي يصحبه إلى بطرسبرج أن يكتب إلى أبيه إذا شاء، فلما بلغا أول محطة كتب إلى أبيه وإلى مدلين، وقد رجا أباه في آخر كتابه أن يسرع بموافاته إلى بطرسبرج، حتى إذا كان ألقي القبض عليه بوشاية بعض أعدائه، يتمكن من إنقاذه بما له من النفوذ في تلك العاصمة.

وبعد خمسة أيام مرت به في هذا السفر الشاق وصل إلى بطرسبرج، فذهب به الضابط إلى القلعة المعدة لإيقاف الضباط، وأعطى حاكم القلعة التقرير المرسل إليه بشأنه، فلما اطلع عليه الحاكم قال له: إنك ستبقى ضيفي في هذه القلعة إلى أن يصدر أمر آخر بشأنك، إنما يسرني أن أخبرك أن أمرك غير خطير.

ثم أمر أن يوضع في غرفة خاصة، وأن يعين جندي لخدمته، فاستبشر إيفان خيرًا بهذه الرعاية، وأقام في سجنه يومين دون أن يجيئه أحد؛ لأنه كان واثقًا أن أباه سيسرع إليه لإنقاذه، فتوالت الأيام دون أن تتحقق ظنونه.

وكان الحاكم يتلطف معه ويدعوه كل يوم لمناولة الطعام على مائدته إلى أن طالت الأيام عليه في ذلك السجن الفسيح وهو يحسبها دهورًا، فجعل يتضجر أمام الحاكم ويشكو من أن رسائله لا تصل إلى أبيه.

فقال له الحاكم: أتحسب أن أباك مهتم بك؟

– إذا لم يهتم بي فبمن يهتم؟

– يهتم بشئونه.

– ماذا تعني بما تقول؟

فابتسم الحاكم وقال له: أيروق لك أيها الشاب أن نتحادث قليلًا عنك؟

– كيف لا يروق لي حديثك عني وأنت تراني على أحر من الجمر.

– قل لي: لأي ذنب قبض عليك؟

– لأنهم رأوني عائدًا من منزل البرنس ك وفي هذا المنزل يبحثون المباحث السياسية.

– وما دعاك إلى الذهاب إلى ذاك المنزل؟

– إنه صديق لعائلتنا، وقد أرسلني أبي إليه كي أخبره بعودته من أراضيه وإبلاغه سلامه.

فابتسم الحاكم وقال: أتظن أنه لو حسب بوليس موسكو أن وجودك خطر وأنك تجري في أعمالك على مناهج المقاومة وتمتثل لمبادئ ذلك البرنس أكان يحضر بك إلى بطرسبرج ويتكلف عناء الأسفار؟

– وماذا كان يصنع بي في مثل هذه الحال؟

– كان يزجك أولًا في سجن من سجون موسكو.

– وبعد ذلك؟

– ينتظر أول مركبة تسير بالمجرمين إلى سيبيريا فيوصلك معهم، ولكن بوليس موسكو لم يفعل شيئًا من هذا، بل إنه جاء بك إلى هنا؛ حيث أصبحت تعامل بملء الرعاية والإكرام خلافًا للمسجونين، أليس كذلك؟

– ذاك أكيد.

– وليس ينقصك شيء في السجن؟

فابتسم إيفان وقال: ما عدا الخروج للنزهة في الشوارع العمومية.

– إني آذن لك بالتنزه إذا كنت تعود إلى سجنك من تلقاء نفسك كل مساء وأن تتعهد لي بعدم الفرار.

– أتعهد.

– وأنا أرضى بتعهدك على ثلاثة شروط.

– قل شروطك.

– أولها أنك لا تدخل إلى السراي الإمبراطورية، ولا تطلب مقابلة أحد من رجال البلاط، ولا تعرض أمرك على البوليس أو سواه من كبار الموظفين.

– رضيت بهذا الشرط فهات الثاني.

– والثاني: أنك لا تكتب عريضة إلى الإمبراطور.

ثم ضحك وقال: لا بد لي من أن أقول لك الحقيقة، وهو أني مأمور بحجز عرائضك إلى الإمبراطور، ولهذا لم يصل إلى جلالته شيء من عرائضك السابقة.

فظهر الاستياء على ملامح إيفان وقال: إذا كان الأمر كذلك فأنا أستطيع القبول بهذا الشرط.

فأجاب الحاكم ببرود: لك أن تختار بين أمرين إما ان تمتثل لشروطي فتخرج من سجنك كل يوم إلى حيث تشاء وتعود إليه في المساء، وإما أن ترفضها فتبقى فيه سجينًا كما كنت.

فتمعن إيفان هنيهة، وقال: قد رضيت بشرطك هذا، فلا أكتب إلى الإمبراطور.

– إذن، اسمع شرطي الثالث.

– ها أنا مصغٍ.

– إنك لا بد أن تلتقي بكثير من أصحابك إذا خرجت من السجن، فإن كان ذلك فلا يحق لك أن تخبرهم بأنك سجين.

– ولكن جميع ما تقوله يدل على أن في الأمر سرًّا لا يدرك.

– بل يدرك إذا عرفت أن تزيح النقاب عنه، فابحث وفتش عن المرأة كما يقال.

ثم انصرف الحاكم وغادره عرضة للاندهاش والاضطراب.

وبعد ذلك بساعة دخل إليه الجندي الذي يخدمه، فأعطاه من قبل الحاكم محفظة، ففتحها ووجد فيها بعض أوراق مالية وكتابًا من الحاكم يدل على أن المال أرسل من الكونت بونتيف.

فزاد انذهال إيفان، وقال: لا شك أن أبي في العاصمة.

ثم جعل يلبس ثيابه على عجل.

وكان ذلك الوقت ظهرًا والجو صافٍ والشمس تسطع في قبة السماء، فخرج إيفان من محبسه وتيقن أن الحاكم لم يهزأ به، فإنه كلما بلغ بابًا حياه الجندي الذي يحرسه ولم يعترضه في خروجه.

ولما انتهى إلى خارج القلعة ركب مركبة وقال لسائقها: سر بي إلى الجسر، وذلك لأن والد إيفان كان يقيم ضيفًا حين قدومه إلى العاصمة في منزل الكونت كالوجين الكائن قرب ذلك الجسر.

وكان يفكر مدة سيره بكلام الحاكم وجعل يتمعن بما قاله، وهو أن يفتش عن المرأة، فلم يخطر في باله غير ابنة فاسيليكا.

ولم يكن يخطر لإيفان في بال أن يتهم أباه، فحصر تهمته بالكونتس فاسيليكا، وذلك لأنها كانت هائمة به وترغب في زواجه، ثم إنها هي التي سعت دون شك في القبض عليه كي تبعده عن حبيبته مدلين، فهاج غضبه هياج المجانين على تلك المرأة، وقال للسائق: سر بي إلى بوبورج. وهو شارع على ضفاف نهر نيفا.

وكانت تلك السيدة المثرية الحسناء تقيم في قصر لها في ذلك الشارع، وهي التي أراد والد إيفان أن يزوجه بها طمعًا بثروتها، وأبى إيفان زواجها لشغفه بمدلين.

وبعد ساعة وقفت المركبة أمام باب قصرها، فنزل إيفان وهو يرغي ويزبد، قائلًا: سوف نرى أيتها المرأة.

١٩

كانت الكونتس فاسيليكا واسرتوف أرملة، وهي في السادسة والعشرين من عمرها بارعة الجمال بيضاء كالزنبقة شقراء الشعر.

وكانت رشيقة القوام سوداء العينين، حادة النظر، تدل شفتها على احتقار ما يبدو لها، وجميع ملامحها تشير إلى إرادة ثابتة، وقوة عقلية كما يدل تركيب جسمها على القوة البدنية.

وكانت واسعة الثروة وهي مطلقة التصرف في جميع أموالها، وإنما شغفت بإيفان لأنه قبل أن يعرف مدلين كان يتزلف منها ويتصبب إليها حتى وثقت من غرامه بها، فهامت به وجلعت زواجه نصب عينيها ومحط آمالها.

ثم إن عائلتها وعائلة بونتيف كانت تربط بينهما صلات القربى وكانت تعلم أن زواجها بابن بونتيف ينقذ تلك العائلة من وهدة الخراب بعدما أصيبت به من الخسائر الفادحة.

وكان إيفان قد كتب إليها خمس مرات بعدما برح بطرسبرج، فكانت رسائله الأولى تشف عن غرام أكيد، ثم جعلت لهجتها تخف تباعًا وذلك بعد هيامه بمدلين.

غير أن فاسيليكا كانت تحسب أنها محبوبة، فكانت تتمادى في حبها، وقد كتبت إلى والد إيفان تخبره أنها توافق على الزواج بابنه.

أما إيفان فإنه حين وصلت مركبته إلى قصرها، خرج منها خروج المجانين، ودخل إلى القصر مغضبًا، فاعترضه أحد الخدم، وقال له: إن سيدتي منحرفة الصحة.

فلم يكترث له إيفان وقال: إني أريد أن أراها في الحال، ثم أبعد الخادم من طريقه ودخل.

وكانت فاسيليكا متمددة في مقعد شرقي مفروش عليه بساط من جلد النمر وحولها الزهور المختلفة النادرة، لأنها كانت شديدة الولوع بالأزهار.

فلما رأت إيفان داخلًا إليها نهضت بتكاسل فمدت إليه يدها، وقالت: أهذا أنت؟ وحاولت أن تجلسه بقربها على المقعد.

غير أن إيفان كان مصفرَّ الوجه تدل ملامحه على الاضطراب، فقالت له: من أين أتيت؟ أمن موسكو؟ ومتى أتيت؟

فهاج هذا السؤال غضب إيفان وكان قد استمر واقفًا، فقال لها: إنك تعلمين أكثر مني.

فنظرت إليه بانذهال شديد كان يجب أن يقنعه، ولكن الغضب والاضطراب أعميا بصيرته فقال بلهجة الغضب: إني مسجون منذ عشرة أيام بسعيك وبأمرك.

فزادت دهشتها، وقالت: أأنت مسجون؟

– نعم، وقد قبض علي في موسكو منذ نصف شهر.

– ولكن لماذا قبض عليك؟

فضحك إيفان ضحكًا عاليًا بدت منه علائم الهزء والاحتقار، وقال: تسأليني أيضًا؟

– أسألك دون شك.

فضرب الأرض برجله مغضبًا، وقال: إن النساء خائنات ماكرات.

فوقع هذا الكلام على فاسيليكا وقع الصاعقة، فنهضت كما تنهض الملكات حين الإهانة وأشارت بأصابعها إلى الباب، فقالت له: أخرج من هنا.

وعلم إيفان أنه جرى شوطًا بعيدًا فلفق بعض الأعذار، غير أن الكونتس أعادت إشارتها وأدارت له ظهرها.

فلما رأى إيفان أن اعتذاره لم يقبل، وأنها مست كبرياءه عاد إليه الغضب، فوقف في مكانه وقال: إني لا أخرج من منزلك قبل أن أقف منك على الحقيقة.

فنظرت إليه نظرًا جامدًا وقالت: أية حقيقة تعني؟

– أريد أن أعرف: لماذا سعيت في سجني؟

– أنا؟

– نعم، لأن ذلك كان بأمرك.

وكان يقول هذه الأقوال وهو يضطرب اضطراب الريشة في مهب الريح حتى خشيت أن يكون قد أصيب بالجنون، فعادت إلى محادثته بلطف، قائلة: اصغ إلي، وعد إلى رشدك، فلست أنت الذي يجب أن تسألني عن الحقيقة، بل أنا الذي ينبغي أن أسألك، فلقد قلت لي: إنهم قبضوا عليك في موسكو منذ ١٥ يومًا، فقل لي الآن: بأية حجة؟

– إن اتخاذ الحجة للقبض علي سهل، فقد انتحلوا لذلك أسبابًا سياسية.

– إذا كان ذلك يا ابن عمي العزيز فثق أني لا شأن لي مع رجال البوليس ولا علاقة برئيسهم.

– ولكن أليس لك علاقة مع أبي؟

– هذا لا ريب فيه لا سيما وأنه قد دار بيننا مرة حديث زواج.

فضاع صواب إيفان، وقال: نعم فإنك لم تسعي في القبض علي إلا لأني أرفض هذا الزواج.

ولما سمعت الكونتس هذه الإهانة فرغت جعبة صبرها، فأخذت جرسًا عن الطاولة وقرعته قرعًا شديدًا، فأسرع إليها وكيل قصرها ومعه اثنان من الخدم، فقالت له: أرشد المسيو دي بونتيف إلى الباب.

ثم فتحت باب الغرفة فخرجت منها، وقد تركت إيفان لا يعي لفرط اضطرابه.

وما لبث إيفان أن ذهبت فاسيليكا حتى ذهب غضبه، وعلم أنه أهان ابنة عمه إهانة لا تغتفر؛ فأخذ عصاه وقبعته من يد الوكيل، وخرج إلى المركبة التي كانت تنتظره، فقال للسائق عد بي إلى القلعة.

وجعل إيفان يفكر أثناء سيره فيما فعل، وقنع لما رآه من فاسيليكا أنها كانت تقول الحق فعقب الغضب السكينة، وتلا السكينة الإمعان المرتب، فعلم أنه أتى منكرًا لا يأتيه سواه، وأنه قد تجرأ على الكونتس جرأة نادرة.

فلما دخل إلى سجنه طلب مقابلة الحاكم، فقيل له: إنه خرج، فكتب إلى الكونتس فاسيليكا كتابًا طويلًا اعتذر فيه عن إساءته، ثم بسط لها الأسباب التي حملته على تصرفه المنكر، وباح لها بغرامه بمدلين بسلامة تدعو إلى الرأفة به، ثم التمس منها في ختام كتابه أن تسعى في سبيل إطلاق سراحه، وأرسل الكتاب إليها.

فما مرت ساعة حتى ورد منها الكتاب الآتي:

يا ابن عمي العزيز!

ما زلت أحسبك مجنونًا بعد انصرافك من منزلي، حتى ورد إلي بريد موسكو يثبت جميع ما قلته لي في كتابك، وعلى ذلك فقد وثقت بجميع أقوالك وجميع ما كتبته لي عن شغفك بالآنسة مدلين، فأسرع يا ابن عمي العزيز إلى اللحاق بهذه الحسناء.

ولأجل ذلك أرجو أن تقبل نصحي وأن تثق بكلامي، فإن حبيبتك مدلين ليست في موسكو، فلا يجب أن تبحث عنها في تلك البلاد، لأن أباك الذي كان يطمع أن يسترد أملاكه المفقودة، بما كنت سأحمله إليك من المهر، أرسل تلك الفتاة إلى فرنسا، إذن، يجب أن تذهب إليها في بلادها.

وأنت تعلم يا ابن عمي العزيز أني أحترم القربى، وإني أود خدمة أهلي بكل ما استطعته، ولما كنت عالمة بأحوال أبيك الحاضرة، وأنه لا يستطيع أن يعطيك ما تحتاج إليه من النفقات في هذه الرحلة، فقد أرسلت إليك في طي هذا الكتاب حوالة على البنك الألماني بخمسين ألف ريال، وحوالة أخرى على بنك روتشيلد في باريس، وبالقيمة نفسها، وإنما أرسلت إليك هذا المال على سبيل الإعارة، وأنا أرجو لك ولمن تهواها كل خير.

فاسيليكا واسرتوف

«حاشية»: لقد نسيت أنك سجين، وسأكتب إلى شقيقي، وهو من أركان حرب جلالة الإمبراطور فيسعى في إطلاق سراحك في الحال، أما أنا فإني سأبرح بطرسبرج بعد انتهاء هذا الكتاب لأتجول في أراضيَّ.

فلما أتم إيفان تلاوة الكتاب دهش دهشًا عظيمًا، وقال: ما هذه المرأة إنها ملك كريم، فقد أحسنت إلي غاية الإحسان بعد أن أسأت إليها كل الإساءة.

وبعد حين استدعاه الحاكم فقال له: لقد صدر إلي الأمر بإطلاق سراحك إنما يشترط عليك أن تبرج العاصمة هذه الليلة، وأن رئيس البوليس قد أرسل إليك جواز سفر؛ بحيث يمكنك أن تسافر مدة عامين.

فشكره إيفان وخرج، ولما برح القلعة لقي رجلًا بملابس السفر دنا منه فحياه، وقال له باللغة الفرنسية: إني يا سيدي خادم الكونتس فاسيليكا، وقد رحلت رحلات كثيرة، وأتقنت الكلام بمعظم اللغات الأوروبية، وقد رأت سيدتي الكونتس أني قد أكون نافعًا لخدمتك في سفرك، إذا تنازلت إلى قبول خدمتي والسفر في هذه المركبة التي أرسلتها إليك سيدتي، على سبيل التذكار.

فسر إيفان بما أظهرته فاسيليكا من العواطف الكريمة، وقال: إني أقبل هديتها شاكرًا ممتنًّا وأقبل خدمتك أيضًا.

فابتسم الخادم ابتسامة سرية وصعد إلى العربة إلى مكان السائق، وصعد إيفان في المركبة فسارت به وهو لا يعلم أن انتقام فاسيليكا يسير معه.

وواصل إيفان سفره هذا الليل والنهار، وهو لا رفيق له إلا خادم الكونتس فاسيليكا.

وكان هذا الرجل إيطالي الأصل، ولكنه كان يتكلم بجميع اللغات الأوروبية وقد طاف جميع البلاد، فكان يعرف جميع الفنادق وطرق السرعة في السفر، وهو ما كان يتمناه إيفان؛ لأنه كان يود لو كان له أجنحة ليطير إلى من يحب.

فكان يعطي النقود بسخاء كي لا يعيقه شيء عن قصده، وإنه خشي أن يدركه أبوه قبل وصوله فيتمكن من القبض عليه وإرجاعه عن قصده بما له من النفوذ.

ولبث ثمانية أيام يسير مع هذا الإيطالي، حتى وصل إلى ولاية لأبيه فيها أراضٍ واسعة، ولكنها كانت مرهونة، فلم يكن يأسف عندما يرى تلك الثروة المتسعة آخذة بالخروج من يده، لأنه لم يكن يفكر إلا بحبيبته مدلين.

وقد خطر له أن يمر بوكيلهم نقولا أرسوف عساه يقبض منه شيئًا لعلمه أن زمن الجباية قد حان، فأمر السائق أن يسير به إلى بترهوف كي يغير الجياد في محطتها؛ ويذهب منها إلى قصر ذلك الوكيل التتري.

فلما وصل إلى تلك المحطة دخل إلى غرفة وكيلها كي يصطلي بنار مستوقدها إلى أن يفرغوا من إعداد الجياد.

وكان في هذه الغرفة المتسعة كثيرون من المصطلين يتدفئون حول المستوقد، فيتحدثون ويتسامرون، وقد استرعى أسماعهم حديث سائق فانضم إيفان إليهم، وجعل يسمع معهم حديث هذا السائق الغريب، فسمعه يقول ما يأتي: إن البرنس ماروبولزف من أغنى أغنياء البلاد الروسية، وإن جميع المجاورين من الأغنياء أصحاب الأملاك الواسعة يحسبون بالنسبة إليه فقراء، فإن لديه في أراضيه مائة ألف فلاح، وله مناجم تستخرج منها الفضة في جبال أورال، فهو يستطيع عند الاقتضاء أن يجهز فرقة على نفقاته، وهو على هذه الثروة الواسعة لا يتجاوز الثلاثين من عمره وله في الصيد ولع شديد.

وقد صحب الإمبراطور إسكندر مرة إلى صيد الدبّ؛ حيث كان وليًّا للعهد، ولكنه لا يوجد دبب في هذه الأقاليم التي يقيم فيها الآن غير ذئاب كثيرة، كما تعلمون، وولعه في اقتناص الذئاب والمخاطرة في صيدها لا يحيط به وصف، فإنه ما كانت تتوارى الشمس في الحجاب ويسدل الظلام نقابه حتى يبرح قصره الفخيم على ضفاف البريزينا، ويذهب إلى الشمال أي إلى جهات موسكو، يصحبه ٧ أو ٨ من أصدقائه في العاصمة، فيركبون مركبة تجرها جياد لا يرى أشد منها، فيدفعها بسوطه وصوته فتندفع فوق الجليد اندفاع السيل.

ويكون خادم جالسًا في مؤخرة العربة يحمل جديًا صغيرًا، فمتى توقفت المركبة في الغابات جعل الخادم يشد أذن الجدي، فيصيح، وتسارع الذئاب عند سماع صوته، فيطلق البرنس وأصحابه النار عليها دون انقطاع، ويلبثون على ذلك إلى أن يشرق الصباح، فيرون جثث الذئاب جامدة على الثلج، وهي أعظم ملذات هذا الأمير، فإنه عندما تشرق الشمس في الغابات ترجع الذئاب إلى أوكارها، فترجع مركبة البرنس في الطريق التي قدمت منها، والخدم يلتقطون الذئاب المقتولة، فإذا بلغوا بها القصر نزعوا جلودها وحفظوها فيه.

وقد اتفق أول أمس مساء أن البرنس أمر رجاله أن يشدوا المركبة، وقد خطر له صيد الذئاب، وعند غياب الشمس خرجت المركبة به وبأصحابه، وجلس خادم في مؤخرة المركبة وبيده الجدي، وجلس آخر بقربه، وقد تكدست أمامه البنادق والذخيرة، فكلما فرغت بندقية حشاها.

وتابع السائق: وكنت أنا الذي أسوق تلك المركبة، فلما انسدل الظلام، ودخلنا في الغاب صهلت الجياد وهجمت الذئاب، فأطلق البرنس وأصحابه النار، فكانت الذئاب تسقط فرادى وأزواجًا، والمركبة سائرة في سيرها الحثيث، فما مرت ساعة حتى قُتل من الذئاب مقدار كبير.

ثم خرجنا من الغابة إلى سهل منيع، ولكن الذئاب بقيت تطاردنا.

فما توغلنا في ذلك السهل حتى سمعنا صوت إطلاق النار، فاستاء البرنس، وقال: من هذا الذي يتجاسر ويصطاد في أرضي، في نفس اليوم الذي أصطاد أنا فيه؟

ثم أمرني أن أسرع إلى الجهة التي خرج منها الصوت، فدفعت الجياد دفع التيار.

وبعد هنيهة سمعت البرنس يأمرني ويقول: أسرع ما استطعت لأني أرى رجلًا في خطر الموت، وهو عرضة لأنياب الذئاب.

فامتثلت ثم سطع ضوء القمر على نحو ثلاثين ذئبًا يأكلون ذئبين، ورأيت على مسافة عشر خطوات منها رجلًا واقفًا من غير حراك، وبيديه مسدسان فرغ رصاصهما دون شك.

فلما اقتربت المركبة من الذئاب لم تحفل بها، ولبثت تنهش الذئبين القتيلين بأنيابهما، غير أني رأيت ثلاثة ذئاب منها هجمت على ذاك الرجل ولم تبعد عنه غير مائة متر، فسمعنا صياحًا شديدًا، ثم رأينا أحد هذه الذئاب قد سقط على الأرض، وذلك أن الرجل صدعه بحديد مسدسه فهجم عليه ذئب آخر وتعلق في عنقه، وعند ذلك أطلق الرئيس بندقيته فسقط الذئب وسقط الرجل.

ثم رأينا الرجل قد نهض، فعلمنا أن الرصاصة قد أصابت الذئب دونه، فهجمت الذئاب عند ذلك بجملتها على ذلك الرجل، ولكن المركبة قد بلغت إليها لحسن حظه، فصلاها البرنس وأصحابه نيرانًا حامية، وعقد دخان بارود البنادق ضبابًا كثيفًا حول الذئاب، وفوق الرجل.

ولما انقشع هذا الضباب رأينا الرجل لا زال واقفًا وكان دامي الجسد، ساهي الطرف يوشك أن يجن من يأسه، فرمى إليه البرنس في الحال حبلًا أمسك طرفه الآخر فتعلق به إلى المركبة وهي تجري، فسلم المسكين من الموت، ولكنه لم يسلم من الجنون.

ووقف السائق في حكايته عند هذا الحدِّ، فاضطرب إيفان لهذه الحكاية، وسأله: من هو هذا الرجل؟

– لم أعرف اسمه، وكل ما عرفته عنه أنه فرنسي.

وكان رئيس المحطة واقفًا فدنا من إيفان، وقال: أنا أعرفه.

٢٠

فنظر إيفان إلى وكيل المحطة وسأله: ماذا تعرف من أمر هذا الرجل؟

– أعرف أنه فرنسي من النبلاء، وأنه كان مسافرًا مع رجل ألماني فمرا من هنا منذ ستة أيام، وكانا ذاهبين إلى قصر الكونت بونتيف إلى لفروا، أتعرف هذا الكونت يا سيدي؟

– كيف لا أعرفه وهو أبي؟!

فحياه الوكيل باحترام وذهب به إلى الغرفة، وقال له: أحقيقة يا سيدي أنك ابن الكونت بونتيف؟

– دون شك.

– وأنت ذاهب الآن إلى قصر أبيك في لفروا؟

– نعم.

– إذن، قد علمت بما جرى فيه حديثًا.

فدهش إيفان وسأله: ماذا جرى؟

– إن وكيلك قد مات.

– نقولا أرسوف؟

– نعم.

فذعر إيفان لهذا الخبر؛ لأنه كان يرجو أن يقبض مالًا من وكيله، وسأله: كيف مات؟

– مات محصورًا بالجليد وقد قتلته تلك المرأة الشقراء.

– ماذا تقول؟ وعن أية امرأة تتكلم؟

– إني لا أعني بها تلك الآنسة الحسناء التي اختطفها الفرنسي، بل المرأة الأخرى.

فزاد ذهول إيفان، وقال: إني لا أفهم شيئًا من هذه الألغاز.

– سأوضح لك هذه الألغاز مبتدئًا من البدء كما يقولون؛ وذلك أنه منذ ستة أيام عند هجوم الليل مرَّ بهذه المحطة ذلك الرجل النبيل الفرنسي الذي قلت لك عنه، وطلب إلي أن يغير جياد مركبته في الحال، فإنه كان عازمًا على مواصلة السفر بالرغم عن اشتداد البرد.

فأعطيته الجياد وسافر، ولم يوشك أن يتوغل في الغابة حتى طلعت عليه الذئاب، فأطلق عليها النار كما يفعل البرنس مارزوبولوف، وقد تمكن من إنقاذ فتاة كادت تفترسها الذئاب لولا إسراعه إليها، وهي فتاة لم أرَ أجمل منها، وقد ظهر لي أنها فرنسية.

– أهي شقراء الشعر؟

– نعم.

واضطرب إيفان وسأله: أتعرف اسمها؟

– أتذكر أني سمعت الرجل الفرنسي يدعوها مدلين.

وصاح إيفان صيحة شديدة، وقال: أعرفت من أين كانت قادمة؟

– نعم إنها قادمة من موسكو إلى فندق ساوا، ويظهر أن الخادم الذي كان يصحبها في رحلتها أراد الاعتداء عليها في ذلك الفندق، ثم أخذ يعاملها معاملة وحشية.

فاصفرَّ وجه إيفان من الخوف، وسأله: وبعد ذلك؟ أسرع بالإجابة.

– وبعد ذلك تمكنت تلك الفتاة الطاهرة من الفرار، ولحسن حظها سقطت منهوكة القوى على الجليد، واتفق مرور ذلك الفرنسي فأنقذها.

وفي اليوم التالي عاد الثلاثة فمروا بهذه المحطة، وهم: الفرنسي والألماني والفتاة، وذهبوا إلى قصركم في لفروا.

وزال عند ذلك كل ريب من فؤاد إيفان، وأيقن أن هذه الفتاة الفرنسية التي نكبت هذه النكبات هي مدلين نفسها، وأن أباه بونتيف أرسلها دون شك إلى وكيله نقولا أرسوف كي يرسلها إلى ألمانيا، ولكنه عاد إلى وكيل المحطة، وسأله: وماذا جرى بعد ذلك؟

– بعد أن سافر الفرنسي وأخبرنا كيف أنقذ الفتاة مرَّ بهذه المحطة في أثره وكيلك نقولا أرسوف وكان عائدًا من ستيديانكا؛ حيث كان يجلد فيها أحد الفلاحين، وكان يصحب معه رجلًا ألمانيًّا وامرأة.

ويظهر أن نقولا أرسوف قد شغف بها؛ فإنه كان ينظر إليها نظرة تشف عن غرامه، ولا أعلم ما حدث في قصركم منذ خمسة أيام، ولكن الذي أعلمه أن الرجل الألماني والمرأة الشقراء والفتاة الفرنسية قد مروا بهذه المحطة صباح أمس وهم ذاهبون إلى الحدود الألمانية، وبعد سفرهم بساعة جاء أحد الفلاحين وأخبرنا أن وكيلكم نقولا أرسوف وجد في بركة في حديقة القصر محصورًا بالجليد إلى عنقه، وهو ميت، فسافر رجال الشرطة في الحال ولا بد أن يكونوا الآن عندكم يحققون.

فلم يكترث إيفان لموت وكيله، بل قال له: وهي ماذا حدث لها؟

– لقد قلت لك يا سيدي إنها مرت بهذه المحطة أمس مع الألماني وامرأته ويظهر أنها غير خائفة، بل إنها كانت تبتسم.

وارتاح فؤاد إيفان وتنهد تنهد المنفرج بعد ضيق، فقال له ناظر المحطة: إنه لا بد لك يا سيدي من الذهاب إلى القصر، فإن كل شيء قد انقلب فيه بعد موت الوكيل، ويحسن بك بعد ذلك أن تعرج في طريقك على فندق ساوا.

– لماذا؟

– لأن ذلك الخادم الذي حاول الإساءة إلى مدلين لا يزال جريحًا في ذلك الفندق، فإذا لقيته وقفت منه على الحقيقة بتفاصيلها.

فاتقدت عينا إيفان بشرر الغيظ وقال: لقد أذكرتني هذا الشقي وكنت قد نسيته، وسأجعله عبرة لأمثاله.

وعند ذلك دخل الخادم الإيطالي الذي يصحبه إيفان في رحلته وقال له: إن الجياد شدت إلى المركبة وهي على أهبة السفر.

ووقف إيفان وقفة المتردد، وذلك أنه بات واثقًا الآن كل الثقة أن حبيبته مدلين التي يسافر للبحث عنها قد سافرت إلى الحدود الألمانية، وهي ستسير منها إلى فرنسا، إذن، لا بد له من اللحاق بها، وماذا يهمه موت نقولا أرسوف؟ لأن الاهتمام به من شئون أبيه، ثم ماذا يهمه ما طرأ بعد موته من الحوادث بعد أن عرف الطريق التي سارت بها مدلين.

غير أنه تذكر أن ذلك الخادم الذي كان يصحب حبيبته قد تجاسر برفع نظره إليها فهاجت في فؤاده عوامل الانتقام.

ثم قال في نفسه: من هو هذا الرجل الذي يذكرون مرة أنه سائق، ويقولون عنه مرة: إنه خادم أرسله أبي مع مدلين؟ ألا يمكن أن يكون أبي علة هذه الموبقات وسبب هذه النكبات التي أصابت مدلين.

ولما دار في خاطره ذلك الخاطر قال: لا بد لي من أن أرى هذا الرجل.

ثم التفت إلى وكيل المحطة وسأله: أأنت واثق أن هذا الرجل لا يزال في الفندق؟

– نعم …

ولم يشأ إيفان أن يعلم أكثر مما علم، وخرج يتبعه الإيطالي، فركب المركبة، وأمر السائق أن يسير به إلى فندق ساوا.

وبعد ساعتين وقفت المركبة عند باب الفندق، وكانت السكينة تكتنفه، ولا يسمع في جوانبه غير حفيف الأشجار، ويجاوب ذلك الطير الذي لقب الفندق باسمه، وكان كل شيء حوله يدل على أنه غير مأهول.

ولكنه كان لا يزال يوجد فيه ثلاثة أشخاص، وهم: تلك المرأة العجوز التي شربت المخدر، وتلك الداهية الشمطاء صاحبة الفندق، وذلك الخادم السافل الذي كان يصحب مدلين.

وكانت العجوز تبكي كلبها الذي شاركها في شرب المخدر فمات، وبطرس السائق يعالج جراحه ويأسف لإفلات مدلين من يده، وصاحبة الفندق تتوقع فرصة جديدة وإثمًا جديدًا تبلغ به خير أمانيها من الكسب الشائن.

ودخل إيفان وكان أول من رآه رجلًا نائمًا على مقعد بادية في وجهه علائم التألم، وهو بملابس الفلاحين الروسيين.

غير أن إيفان عرفه في الحال فانقض على عنقه انقضاض العقاب، وقال له: أيها الشقي ماذا فعلت بمدلين؟ إني سأقتلك شر قتل، ولكني أريد قبل ذلك أن تعلم أني أنا إيفان دي بونتيف.

ولم يكن بطرس يعرف إيفان لأنه لم يكن رآه من قبل فاصفرَّ وجهه وارتعدت فرائصه وسقط جالسًا على ركبتيه، ثم ضم يديه مستعطفًا، وقال له بلهجة المتوسل: رحماك لا تقتلني فإني لم أكن غير آلة بيد أبيك.

فأحدث هذا التصريح رد فعل لا يوصف في نفس إيفان، وقد زال غضبه، وجعل ينظر إلى ذلك الرجل المضطرب أمامه لضعفه وخوفه، وقال له: تكلم، إني أريد أن أعرف كل شيء.

وكان بريتو الخادم الإيطالي قد دخل مع إيفان، فانذهل انذهالًا شديدًا حين سمع صوت بطرس يتكلم لما رآه من التشابه بين الصوتين، خلافًا لإيفان فقد كان منشغلًا بما فيه عن الانتباه إلى هذا التشابه الغريب.

٢١

لا بد لنا قبل التوغل في الحديث من أن نبين حقيقة ما رواه السائس على البرنس مارسوبولف في محطة بترهوف.

لقد صدق فيما قاله عن ذهاب هذا البرنس إلى الصيد مع أربعة من أصحابه، وصدق في قوله إن البرنس أنقذ الرجل الفرنسي بحبل رماه إليه فاجتذبه والمركبة سائرة.

غير أن الذي أخطأ به السائق هو ما توهمه من جنون هذا الفرنسي، وهو الفيكونت كارل دي مورليكس، كما لا بد أن يكون قد تبادر إلى ذهن القراء.

وحكايته أن روكامبول حين ألقاه إلى الذئاب ورمى إليه مسدسه لم يكن يريد بذلك أن يعد له وسيلة للنجاة، فإن السلاح مع الذئاب يكون أدعى إلى قتله، بل إنه أراد أن يعد له موتًا هائلًا يعادله ذنوبه العظيمة.

ولكن كان يقول في نفسه: إنه إذا قدر له أن ينجو بعجيبة من أنياب الذئاب لا بد له أن يعود إلى باريس فأعاقبه عقابًا هائلًا لا يخطر في بال إنسان.

وكان كارل قد تعلق بالمركبة — كما تقدم — فاستمرت المركبة على سيرها الحثيث تجنبًا للخطر الشديد الذي كان محدقًا بها.

وذلك لأنه ما زالت المركبة تجري لا تجسر الذئاب على مهاجمتها، بل تطاردها مقتفية أثرها، فإذا قتل واحد منها توقفت هنيهة إلى أن تأكله ثم تعود إلى ما كانت عليه من مطاردة المركبة.

والويل لركابها إذا وقفت بهم والذئاب تطاردها فإنها تهجم عليهم وتمزقهم كل ممزق مهما بلغ من بسالتهم وعددهم وذخيرتهم.

ولذلك كانت حياة أولئك الصيادين موقوفة على الجياد والسائق؛ فكان البرنس يختار أشهر الجياد وأمهر السواق لهذا الغرض.

ولما أنقذوا الفيكونت كارل وضعوه في المركبة بينهم، ولكنهم لم يكونوا يستطيعون العناية به لاهتمامهم بالذئاب وإطلاق النار المتواصل عليها.

أما كارل فقد كانت ثيابه ممزقة ملوثة بالدماء، فإن بعض تلك الذئاب نهشت ذراعه ويده، وكان الدم يتدفق منهما، وكان وجهه مصفرًّا يشبه لون الأموات، وعيناه ساهيتان ولم يكن يفرق في شيء من المجانين.

وكان أول من تنبه له أحد أصحاب البرنس، فإنه نظر إلى ملابسه ورأى أنها غير ملابس الفلاحين، وأنها تدل على أن لابسها من النبلاء.

ودنا منه وسأله باللغة الروسية: من أنت؟

وأجابه كارل: إنني فرنسي …

ثم سقط في المركبة لضعفه، وقد سحق الخوف واليأس قوته، وظلت المركبة تجري.

وكان القمر قد توارى في السحاب، وغارت النجوم في سمائها، وبدت أشعة الفجر، وخرجت المركبة من مواقف الخطر بعد أن اجتازت تلك الغابة الكثيفة، وبعدت بعدًا شاسعًا عن نهر البريزينا، وعن قصر البرنس، وهبت الذئاب عند طلوع الصباح، ووصلت المركبة إلى المحطة.

وأمر البرنس السائق أن يعود بالمركبة إلى القصر، وقال لأصحابه: إننا لا نبعد الآن غير ستة فراسخ عن قصر صديقي الكونت كوروف، فهلم بنا نتغدى عنده، فإنه من أحب الناس إلي.

وتلقت الجماعة هذا الاقتراح بالقبول والاستحسان، وقال واحد منهم: لقد نسيتم أيها الرفاق أنه يجب علينا الاهتمام بهذا المنكود الذي أنقذناه من أنياب الوحوش.

ونظر البرنس إلى كارل فوجده نائمًا في المركبة، وهو لا يتحرك كأنما قد فاجأه الموت.

وكانت أشعة الشمس قد أنارت الفضاء فجعل البرنس يتأمل وجه كارل، ويقول: ما هذه الهيئة إنها لا تشبه وجوه الروس في شيء؟

فأجابه رفيق: إنه فرنسي.

ورد آخر: يظهر أنه من النبلاء، فإن آثار ملابسه تدل على أنه من كبار القوم.

وقال ثالث: هو ذا حقيبة معلقة في وسطه، ولا بد أن يكون فيها ما يدل على منزلته.

وكانت هذه الحقيبة محشوة بالأوراق المالية، وقد بالغ كارل بالحرص عليها، حتى إنه شدها إلى وسطه حذرًا عليها من الضياع.

ثم أنهم رأوا في خنصره خاتمًا من الماس، ففحصه البرنس، وقال: يظهر أننا قد أنقذنا رجلًا من كبار النبلاء أو هو من وجهاء قومه على الأقل.

فأجابه صديقه: ولكن كيف اتفق وجوده وحيدًا في المكان المخيف الذي وجدناه فيه.

ورد البرنس: إن ذلك سرٌّ من الأسرار الغامضة لا نستطيع أن نعلمه إلا من فمه إذا قدر له أن يستفيق، فإني أرى عليه علائم الموت.

وأجاب آخر: وهبه استفاق، فلا بد أن يكون ذهب الذعر بصوابه، فإني رأيت عليه علائم الجنون.

وعند ذلك تحرك كارل، ولكنه لم يفتح عينيه، فغطوه بما لديهم من الفرو وقاية له من البرد، ثم تركوه وشأنه إلى أن يستفيق، وجعلوا يتحدثون بحوادث العاصمة وملذات الشتاء.

أما كارل دي مورليكس فإنه لم يكن نائمًا، ولم ينم منذ إنقاذه، وكان قد أصيب بذهول شديد بعد نجاته من ذلك الموقف الرهيب، حتى أوشك عقله أن يذهب، ولكن هذا الذهول لم يطل؛ فإنه ما لبث أن وثق من النجاة حتى جعل صوابه يعود إليه تباعًا، فنفض عنه غبار الجنون كما نفض غبار الموت.

ولكنه كان يتظاهر بالنوم كي يتسنى له أن يفتكر كما يريد، وينظر في أمره وما صار إليه، ويضع الخطة اللازمة للمستقبل.

وكان أول ما خطر في باله روكامبول، فتمثل في خاطره بشكل هائل يحمل الرعب، وذكر في الحال ما كان يجده من اضطراب تيميلون عند ذكره ومخاوفه من هذا العدو الشديد.

ولم يكن في حاجة إلى الإمعان الكثير كي يذكر حالته وما مضى وما سوف يكون؛ فلقد أيقن أن روكامبول لا بد له من أن يعود إلى ليفروا لإنقاذ فاندا من قبضة التتري، وأنه — أي الفيكونت كارل — بينما هو نائم في تلك المركبة، لا بد أن يكون روكامبول سائرًا في مركبة أخرى مع مدلين إلى فرنسا.

ولكنه كان إذا افتكر أن مدلين أفلتت من يده يلتهب من غيظه غير أنه لم يقنط من الفوز النهائي، وقال في نفسه: إنه مهما بلغ من انخذالي مع هذا الداهية روكامبول فقد يبقى لي أرجحية عظيمة عليه، وهي اعتقاده أني من المائتين، فمتى عدت إلى فرنسا حاربته متنكرًا، وصببت عليه الويل، وهو لا يعلم من أين تأتيه هذه الكوارث.

وبينما كان كارل يناجي نفسه بمثل هذه الأماني كان البرنس وأصحابه يتحدثون، وكان البرنس يحدثهم عن صديقه الكونت كوروف فيقول: إنه خير رجل عرفته بدماثة الأخلاق ولين الطباع، فإنه رجل رحلات كثيرة، وأقام في باريس زمنًا طويلًا؛ فاكتسب لين أهلها، وظرف آدابها، وهو فوق ذلك ميال إلى الآداب، ولا يحيط به غير الكتاب والشعراء والمصورين والممثلين وكل من شغف بفن جميل.

فسأله أحد الحضور: ألعلك لم تره منذ عهد بعيد؟

– منذ ستة أشهر.

– إذن، سيبدو لك بشكل لم تعهده فيه من قبل.

– كيف ذلك ألعله أصيب بمكروه؟

– إنه بات منقبض الصدر حزين الفؤاد تبدو عليه آثار الكآبة فلا تفرح نفسه بشيء.

– لماذا وكيف انقلب هذا الانقلاب؟

– لأن قلبه كان خاليًا من الهوى فتمكن الغرام منه كل تمكن.

– إنك تدهشني فيما تقول، ومن عسى تكون الفتاة التي شغف بها؟

– إنه يهوى امرأة لا تهواه وهي الكونتس فاسيليكا.

– أهي مدام واسرنوف الحسناء؟

– هي بعينها.

– ولماذا لا تريد الزواج به؟ ألعلها لا تزال طامعة بزواج ابن عمها إيفان دي بونتيف؟

– إنها لا ترضى سواه على فقره.

– إني أشفق على هذا الشاب؛ فإنه سوف يجد عناءً شديدًا مع هذه الكونتس، فقد عرفت أخلاقها، وهي تشبه الفرس الجموح.

وأجاب آخر: إن إيفان لا يستطيع ترويض هذا الفرس.

ولما سمع كارل اسم إيفان، اضطرب وانتبه انتباهًا شديدًا لما يجري من الحديث.

٢٢

وعاد البرنس إلى افتتاح الحديث فقال: أحقًّا ما تقوله إن الكونت كولوف أصبح على هذه الحال؟

– هي الحقيقة، فقد تدله بغرامه.

– إذن، فقد أخطأنا بما عزمنا عليه من الذهاب لزيارته؛ إذ لا يروق له وهو في هذه الحال أن يرى أنيسًا، ولا أحب له من الاختلاء ومناجاة من يحب.

– وأنا أرى عكس ما تراه؛ فإنه سوف يتعزى بقربنا عما هو فيه، وربما باح لنا بغرامه فآسيناه.

وعند ذلك تحرك كارل؛ فقال البرنس: هو ذا الرجل قد استفاق، فلننظر في مسألته.

وكان كارل قد فتح عينيه ونظر إلى حواليه نظرًا حائرًا وهو يتكلف الانذهال والدهشة، ثم نظر إلى الأشخاص المحدقين به، وقال: أين أنا؟

فأجابه البرنس باللغة الفرنسوية: إنك عندنا في محل أمين بعيد عن أنياب الذئاب، فوقف كارل عند ذلك وتكلف هيئة الذعر، وقال: نعم، نعم، فقد ذكرت كل شيء الآن.

فحياه البرنس التحية المألوفة في القاعات الكبرى، وقال له: إني أهنئك بنجاتك.

فرد كارل التحية بأحسن منها، وقال: لا بد لي أيها السادة قبل أن أشكركم عما أحسنتم به إلي من إنقاذي من الوحوش الضارية أن أستأذنكم وأتشرف بذكر اسمي لكم، فإني أدعى الفيكونت كارل دي مورليكس من أشراف الفرنسيين.

فانحنى الجميع أمامه باحترام، وجعل كل منهم يذكر اسمه وألقابه.

فلما تم التعارف حسب العادات المتبعة سأله البرنس: أتؤلمك كثيرًا هذه الجراح التي أصابتك بها الذئاب؟

– كلا، فإنها قد خدشتني، ولولا ثخانة ملابسي لكانت افترستني قبل أن تتمكنوا من إنقاذي فقد كنت في معترك شديد.

– أتأذن لي يا سيدي أن أسألك: كيف اتفق وجودك فردًا في ذلك المكان الهائل الذي وجدناك فيه؟

– إنني كنت عائدًا من موسكو؛ إذ كنت فيها لقضاء بعض أشغال خصوصية، وكنت راكبًا في المركبة مع خادم غرفتي الذي كان جالسًا بإزاء السائق، وقد طال بنا السير، فنمت ثم استفقت مرعوبًا، وقد سمعت صراخًا مزعجًا وشعرت أن المركبة تسير بسرعة فائقة الحد.

فحسبت أننا معرضون لخطر السقوط في هوة من الجليد أو أن الخيل قد جمحت فأسرعت في الحال، ووثبت من المركبة بغية النجاة دون أن يشعر بي السائق وخادمي الجالس بجانبه.

أما الصراخ الذي كنت سمعته وإسراع المركبة بالسير فلم يكونا ناتجين عما توهمته من خطر السقوط في هوة أو جموح الجياد، بل كانا لخطر مخيف، وهو أن الجياد رأت عصابات الذئاب فتراكضت مذعورة تجر المركبة بسرعة البرق، وأما أنا فقد سقطت بين الذئاب، واستمرت المركبة في سيرها دون أن يشعر سائقها بسقوطي ويسمع ندائي.

وكانت حكاية كارل على تلفيقها ظاهرًا الصدق فيها لا يستطيع أحد أن يحملها على شيء من محامل الريب.

واغتنم كارل تلك الفرصة، فجعل يحدث الجماعة بأرق الأحاديث، ويظهر من لطف آدابه وحسن تخريجه ورقة عشرته ما يدهش الحاضرين، حتى شغف البرنس بحديثه، وقال له: إني أرجوك يا سيدي الفيكونت أن تأذن لي بدعوتك إلى قصري فتقيم فيه أسبوعًا قبل عودتك إلى فرنسا.

فانحنى كارل إشارة إلى الشكر والقبول، وأتم البرنس حديثه: سنذهب سوية قبل ذلك لزيارة صديقي الكونت كورولوف في قصره القريب من هنا، وهو كائن بين الأشجار الملتفة التي تراها.

وأشار البرنس بيده إلى مكانها، فرأى كارل قصرًا عظيمًا أبيض بجدران عالية تحدق به الأشجار من كل جانب.

وبعد ساعة دخلت مركبة البرنس في ردهة ذلك القصر، يحف به الفيكونت دي مورليكس وبقية أصحابه، فأسرع الكونت كارولوف إلى ملاقاة ضيوفه.

وقد اندهش أصحاب البرنس حين رأوا هذا الكونت على غير ما كانوا يتوقعونه من انقباضه وانكماش نفسه مما ذكروه عن غرامه؛ فإنه كان باسم الثغر طلق المحيا ولا أثر في وجهه للحزن والكآبة.

وبعد أن نزلوا جميعهم من المركبة وجلسوا هنيهة يتحادثون ودخلوا إلى قاعة الطعام.

وفيما هم يأكلون ويتنادمون، قال البرنس لصديقه الكونت: أرجوك أن تقبل تهنئتي.

– بماذا؟

– لأني أراك قد تعافيت وشفيت.

فأجابه منذهلًا: كيف أني شفيت ومتى كنت مريضًا؟

– لقد قيل لنا: إنك كنت مريضًا بداء الغرام.

– هل اتصل بك ذلك أيضًا؟

– نعم، وهل مثل غرامك المبرح يخفى على أحد من أصدقائك؟

– إذن، اعلم إذا كنت لم أتنصل تمامًا من هذا الداء؛ فإنه معي على طريق الشفاء.

– ألعلك رجعت عن حب الكونتس فاسيليكا؟

– كلا، بل إن حبي لها قد استحال إلى عبادة.

– إذن، كيف تقول: إنك آخذ بالشفاء؟

– ذلك لأنه قد ترجح زواجي بها بعد شهرين.

– وإيفان؟

فضحك الكونت وأجاب: إن رأيي في النساء هو أن كل من يجسر على القول بأنه يعرف قلب المرأة فهو أبله لا محالة.

فوافقه البرنس على الضحك وقال له: وأنا من رأيك أيضًا؛ فإن النساء صناديق مقفلة.

– إن الكونتس فاسيليكا قد غادرتني حليف اليأس في العام الماضي، فإذا شكوت لها غرامي هزأت بي، وإذا بكيت أمامها ضحكت علي.

وقد قلت لها يومًا: إنك بالغت في الجور علي، فإذا قتلت نفسي، فماذا تصنعين؟ فضحكت وقالت: لا أعلم، ولكني أؤكد لك أني لا أنتحر.

فتركتها، وتركت بطرسبرج لأجلها، وجئت إلى هنا واليأس ملء قلبي، وكنت عازمًا عزمًا أكيدًا على الانتحار.

ولكن وردني منها خطاب منذ يومين.

فصاح البرنس يقول: كتاب من الكونتس؟

– نعم، فإن الغيم يعقبه الشتاء، والظلمة يجيء في أثرها النور، ولا بد للأزمة متى اشتدت من الانفراج.

ثم فك أزرار سترته وأخرج من جيبه كتابًا وقال للحاضرين: اسمعوا سأقرأ لكم هذا الكتاب.

وأصغى إليه الحاضرون كل الإصغاء، وقرأ لهم ما يأتي:

أيها الكونت العزيز

لا بد أن تكون قد أخطأت في حكمك علي، فإذا كان ذلك فإن الحيف واقع عليك، وإذا كان لا يزال في قلبك شيء من الأمل فقد يكون ذلك لخيرك وخيري؛ لأني أحبك وأرضى بك زوجًا لي، وأعدك بالاتفاق على الزواج في الربيع إذا كنت لا تزال في قيد الحياة ولم يقتلك اليأس.

واسمح لي أن أقول لك أيها الصديق العزيز: إني ما أحببت إيفان بونتيف، ولكني كنت وعدت رجلًا أن أتزوج به وهو الآن قد مات، فتخلصت من هذا الوعد، وهذا الذي كان يدعوني إلى ما كنت أعاملك به من الجفاء.

أما إيفان: فقد أصبح الآن من المجانين؛ لأنه يهوى فتاة فرنسية تدعى مدلين، وهو لا بد له من زواجها لفرط شغفه بها.

أما هذه الفتاة: فلا توجد إلا في مخيلته؛ لأنها غير كائنة في الوجود، إنما الجنون مثل له هذا الغرام وهذه الفتاة.

وقد سافر إلى باريس للبحث عن هذه الفتاة الوهمية، فأرسلت معه أحد خدمي للعناية به ولمراقبته طبقًا لإرادة أبيه الذي أوشك أن يجن من يأسه وإشفاقًا عليه.

أما جنون إيفان: فليس من نوع الجنون المطبق، ولكنه منحصر في أمرين؛ أحدهما: هيامه بتلك الفتاة الفرنسية وهي لم توجد في العالم، والثاني: اعتقاده أنهم سجنوه في قلعة بطرسبرج كي يكرهوه على الزواج بي، وفي ما خلا ذلك فهو عاقل؛ بحيث لا تظهر عليه أعراض الجنون إلا في هذين الأمرين.

فإذا كنت لا تزال تحبني — أيها الكونت العزيز — فتعال وقف قربي شهرًا من شهور الشتاء في باريس عاصمة الفرنسيين، فإني مسافرة هذا المساء في طريق البحر.

فإذا أردت موافاتي إلى باريس فإنك تجدني في شارع بيبينيار؛ إذ أكون ضيفة في قصر الكونت أرتوف زوج باكارا.

والسلام عليك من التي تهواها وتهواك.

فاسيليكا واسرنوف

فلما فرغ من تلاوة الكتاب نظر إلى الحضور نظرة المستطلع، وقال: ما رأيكم في هذا الكتاب؟

فقال البرنس: إن الذي أراه أنا هو: أنه لولا جنون إيفان لما ورد إليك هذا الكتاب.

فابتسم الكونت ابتسام الحزين وأجاب: ربما، بل إني أرجح رأيك كل الترجيح.

– وهل عزمت على السفر إلى فرنسا؟

– سأسافر بعد غد.

– ولكن كيف جن هذا المسكين؟

– لا أعلم سبب جنونه وما علمت هذا الجنون إلا من الكونتس.

وقال أحد الحاضرين: لقد بلغني أنه كان يفرط من شرب الأبسنت، وكأنه كان يحب الكونتس حبًّا شديدًا، ولكنها كانت تسيء إليه، وتعده مع ذلك، فيضطرب فؤاده بهذا التباين.

– هذا نفس ما سيتفق لك.

فرد الكونت: أما أنا فإني أؤثر العبودية للنساء على السيادة عليهن، وأفضل أن أمتثل وأطيع على أن أنهى وأأمر.

وبينما كانوا يتحدثون بقصة هذه الكونتس وأطوارها كان الفيكونت كارل دي مورليكس يحدث نفسه فيقول: وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم، وإن الشر قد ينتج منه الخير، ولو لم يلحقني روكامبول ويطرحني إلى أنياب الذئاب لما استطعت أن أعرف ما عرفته الآن، وهو أن إيفان دي بونتيف يسير إلى باريس في أثر مدلين، وأن الكونتس فاسيليكا يهمها أن يظهر إيفان بمظاهر الجنون.

إن هذه المرأة أعظم عون أرسلته إليَّ جهنم، وعاد الأمل فحل في فؤاده محل القنوط.

٢٣

لقد تركنا إيفان في فندق ساوا يقول لبطرس السائق: إذا كنت تؤمن بالله واليوم الأخير فاستغفر الله؛ لأنك ستموت، وقل لي كل شيء.

وكان بطرس جبانًا، منخلع القلب، فكانت نظرات إيفان إليه ومظاهر غضبه كافية لحمله على الإقرار بتفاصيل الجناية.

وكان إيفان يضطرب اضطرابًا شديدًا، وقد احمرَّت حدقتاه من الغضب، فنظر بهما إلى بطرس، وقال: إني أريد أن أعرف كل شيء، وقد أخذ مسدسه من جيبه ووضعه على الطاولة.

وارتجف بطرس من خوفه: سيدي لست أنا الجاني بل هو أبوك.

– أبي؟

– نعم.

– إذن، أوضح كل شيء بالتفصيل.

وقد تكلف اللطف حين قال له هذا الكلام، وعاد إلى بطرس بعض الأمل، وحسب أن إقراره ينجيه من الموت.

وكان خادم فاسيليكا الإيطالي قد دخل في أثر إيفان وسمع كل شيء، فإن بطرس السائق لم يكتم عن إيفان شيئًا من جميع الحوادث المتقدمة دقيقها وجليلها، فذكر له كيف لقيه أبوه؟ وكيف استلفت أنظاره إليه تشابه الصوتين؟ وكيف أنه عهد إليه حين وصوله إلى موسكو أن يتظاهر بالخرس إلى أن عهد إليه بالذهاب مع مدلين؟ وإطلاق السراح له معها كيف شاء.

وكان إيفان واضعًا يده فوق صدره وهو يسمع خيانة أبيه من فم هذا السائق، فيصفرُّ وجهه ويصغر في عيني نفسه.

فلما أتم السائق حديثه قال لإيفان: اعلم يا سيدي أن أباك لم يكن يريد أن تنظر مدلين، فأبعدها عنك، ثم قدر أنه يتفق اجتماعك بها فأراد أن تجدها ساقطة إلى الحضيض؛ بحيث يستحيل عليك أن تجعلها امرأتك بعد سقوطها.

فرد إيفان ببرود: وبعد ذلك؟

– وبعد ذلك رأيتها جميلة وراقت لعيني.

– ويح لك أيها الشقي! ماذا تقول؟

– ألم تأمرني يا مولاي أن أعترف بكل شيء؟

– حسنًا قل.

– إن أباك يا سيدي قال لي حين سفرنا: إن هذه الفتاة لديها في كيسها عشرون ألف فرنك، وهذا المبلغ مهر لها، فقلت في نفسي: إنني قد أكون كفؤًا لها كغيري من الأزواج.

فرشوت السائق وجاء بنا إلى فندق ساوا، وهنا اتفقت مع صاحبة الفندق، فوعدت أن تأذن لي بفعل ما أريد.

– وبعد ذلك، قل وأسرع.

– وبعد ذلك حاولت أن أغتصب الصبية بكل ما يبلغ إليه الجهد.

– ويحك! قل، ألم تدافع عن نفسها؟

– إنها دافعت دفاعًا لم يكن يخطر لي في بال، وهذا الجرح الذي تراه في صدري آثار دفاعها الهائل.

– وهذه المرأة ماذا فعلت؟

– لم تفعل شيئًا، بل كانت متناومة متشاغلة عنا.

فهاج إيفان هياج العواصف، وأخذ صاحبة الفندق من يدها فاجتذبها فوقعت على الأرض والذعر ملء قلبها، فسألها: أصحيح ما يقوله هذا الرجل؟

فلم تجب بحرف لما تولاها من الرعب، وجعلت تنظر إليه نظرات الخوف الشديد دون أن تستطيع الكلام لتلعثم لسانها.

فقال لها: إن ذنبك أشد من ذنب هذا الرجل، فيجب أن تعاقبي قبله.

ثم نظر في ساعته فوجد أنه لم يبق غير ساعة من النهار.

وكانت المركبة لا تزال واقفة على باب الفندق والسائق جالسًا مكانه فيها، فنادى إيفان خادمه بيريتو، وقال له: اتبعني.

ثم احتمل تلك المرأة وهو يلتهب من الغضب، وسار بها إلى المركبة ووضعها فيها، والتفت إلى الخادم الإيطالي: إنك إذا أردت أن تبقى في خدمتي فما عليك إلا أن تنفذ أوامري، والذي آمرك به هو أن تركب المركبة بجانب هذه المرأة الأثيمة، وتسير بها في طريق موسكو، وعندما يهجم الظلام وتصل إلى غابة تلقيها وتعود؛ بحيث تموت من البرد والجوع أو تفترسها الذئاب.

فصاحت المرأة صياحًا منكرًا وجعلت تستغيث، غير أن الخادم لم يجد بدًّا من الامتثال، وركب بجانبها، وأمر إيفان السائق بالمسير، وسارت جياده تنهب الأرض.

أما إيفان؛ فإنه عاد إلى الفندق وجلس بسكينة قرب المستوقد.

وكان بطرس واقفًا أمامه لا يجسر أن يفوه بكلمة، ولكن حسب أنه نجا من خطر القتل المحدق به؛ لأنه كان ينظر إلى إيفان فيجده غارقًا في لجج تصوراته لا ينظر إليه ولا يفتكر فيه.

وما زال إيفان يدخن بسكينة وهو غير مكترث لشيء نحو ساعة، وكانت الشمس قد توارت في حجابها وساد الظلام.

وعند ذلك سمع أجراس مركبة قادمة إلى الفندق وهي المركبة التي سار بها بيريتو الخادم، فوقف إيفان على عتبة الباب، وجعل ينتظر، ولما رأى بيريتو وحده أيقن أنه أنفذ أمره وألقى العجوز في الغابة.

وعند ذلك عاد الرجل إلى بطرس ونظر إليه نظرة هائلة ما شكك المسكين بعدها أنه من الهالكين، فقال له: استغفر الله، فإنك سوف تموت.

– ولكن يا سيدي.

– قلت لك استغفر الله، وصلِّ إذا كنت تعرف الصلاة أيها الأثيم.

ثم أخرج المسدس ووضعه أمامه على المائدة.

وركع بطرس قائلًا: اعف عني يا سيدي وارحمني يرحمك الله.

– كلا، لا رحمة لك، ولا أمهلك غير عشر دقائق لإتمام الصلاة.

وجعل بطرس يستعطف ويتوسل، وإيفان يتشاغل عنه بفحص زناد مسدسه، والنظر من حين إلى حين في ساعته لمراقبة سير دقائقها.

وعند ذلك سمع صوت أجراس مركبة أخرى قادمة إلى الفندق، فاضطرب إيفان وبرقت أسرة بطرس بأشعة الأمل لرجائه أن ينقذه القادمون في المركبة من الموت.

غير أن إيفان أظهر أنه لم يحتفل بالقادمين فأعاد النظر في ساعته، فقال لبطرس: لم يعد لك غير سبع دقائق فاستعد للموت.

وعاد بطرس إلى التوسل والاستعطاف وعيناه تنظران المرة بعد الأخرى إلى الباب؛ لأنه سمع وقع خطوات أولئك القادمين في المركبة التي وققت على باب الفندق.

أما هذه المركبة فكانت مركبة البرنس مازوبولف ولما دخل مع أصحابه رأى إيفان فدنا منه وصافحه.

ولكن إيفان كان الغضب باديًا في وجهه، ورد تحية البرنس بلطف متصنع قائلًا له: أرجوك يا سيدي البرنس أن تعود من حيث أتيت.

غير أن البرنس لم يحتفل بكلامه وأجابه: ما هذا الاصفرار البادي في وجهك؟ ولماذا أرى هذا المسدس في يدك؟

فأشار إيفان بيده إلى بطرس وأجابه: أترى هذا الرجل؟

– نعم …

– إنه يجب أن يموت.

– لماذا؟

– لارتكابه جريمة هائلة يقل في عقابها الموت.

– وما هي هذه الجريمة؟

فأجابه إيفان بصوت يتهدج من الغضب: إنه أهان فتاة أنا أحبها تدعى مدلين وحاول تدنيسها.

فنظر البرنس عند ذكر اسم مدلين نظرة سرية إلى أصحابه تشير إلى أن الكونت كورلوف قد أصاب بما رواه عن جنون إيفان.

٢٤

من البرنس ماربولوف إلى الكونت كورولوف في باريس:

صديقي العزيز

لا ريب عندي أنك قد سافرت إلى باريس في أقرب الطرق المؤدية إليها؛ لأننا غادرناك منذ ثلاثة أيام تتأهب للسفر، فإذا اضطررت إلى الكتابة إليك، فلا بد لي من إرسال كتابي إلى باريس.

ولا ريب عندي أنك ستصل إلى العاصمة الفرنسية قبل أن يصل كتابي إليها، فإن ذلك الفرس الكريم الذي تصفه شعراء العرب، وذلك البرق الخاطف الذي يخترق حجب الظلام، وتلك الرياح التي تمر مرور التصور في الخواطر لا تبلغ من السرعة ما يبلغه عاشق ولهان يجب في أثر من يحب.

والآن أتعلم لماذا أكتب إليك؟

إني لا أكتب إليك لأشكرك عما لقيناه في قصرك من حسن الضيافة، بل لأخبرك ببعض أمور تتعلق بمزاحمك المسكين إيفان دي بونتيف.

أرى بعين التصور إنك ستبدي إشارة دهش حين تقرأ اسم إيفان؛ إذ لا يخطر في بالك أنني رأيته، وحقيقة إنني لقيته؛ فاصغ إلى ما أقصه عليك من شأنه.

إننا برحنا قصرك منذ ثلاثة أيام في الساعة الحادية عشرة صباحًا، بعد أن استرحنا عندك كل الليل، وبعد ذلك بخمس ساعات أصبحنا على مقربة من بترهوف.

وبينما كنا نسير بتلك السرعة التي تعهدها في أسفاري إذ لقينا مركبة تعدو أمامنا فأدركناها بعد ربع ساعة.

وكانت المركبة خالية، ولكنه كان قد صعد بجانب السائق رجل عرفه أحد أصدقائنا، وقال: إن هذا الرجل هو بيريتو خادم غرفة الكونتس فاسيليكا.

والتفت هذا الخادم فرأى صديقي وعرفه فحياه باحترام.

فسأله صديقي: إلى أين ذاهب؟ ومن أين آت؟

فوجه كلامه لنا جميعًا قائلًا: إنني لا شك، أتعس إنسان في هذا الوجود!

فسأله صديقي: ماذا دهاك؟ ألعل الكونتس طردتك من خدمتها؟

– كلا، ولكنها عينتني لخدمة رجل أكاد أبلغ معه حد القنوط؛ لأنه مجنون.

فذكرنا عند ذلك ما قرأته لنا في كتاب الكونتس من أنها عينت خادم غرفتها لخدمة إيفان في رحلته إلى فرنسا، واستزدنا الخادم من الحديث، فأخبرنا بكل ما قرأناه في كتاب الكونتس، وأن إيفان يعشق فتاة لا وجود لها، وأن الوهم قد مثلها فتاة فرنسية بات يدعوها باسم مدلين.

ثم أخبرنا أنه سافر مع إيفان إلى بطرسبرج منذ ثمانية أيام، وأن إيفان يسأل عن أخبار مدلين كل راكب وفي كل محطة، وكلما رأى امرأة حسبها مدلين، فهي ممثلة له في كل مخيل.

وليس ذلك بشيء يذكر في جانب ما حدث لي معه منذ ساعتين، فإننا أوقفنا مركبتنا هنا أمام فندق منعزل يدعونه فندق ساوا.

فنزل إيفان فيه، وكان يوجد في ذلك الفندق امرأة عجوز ورجل، فلما نظر إليهما إيفان، صاح صيحة منكرة، وقال: هذان هما اللذان خدعا مدلين.

فجعل الرجل والمرأة ينظر كل منهما إلى الآخر نظرات الانذهال، فهاج ثائر إيفان وانقض في الحال على المرأة كما ينقض العقاب على فريسته، فحملها وذهب بها إلى المركبة، وأمرني أن أسير بها إلى الغابة فأطرحها فيها طعمًا للذئاب.

فصحنا جميعًا منذعرين: ألعلك فعلت؟

فضحك الخادم وأجاب: قد امتثلت لأمره بالظاهر، ولكني في الحقيقة ذهبت بالعجوز إلى أول قرية مرت بها، وأعطيتها عشرة ريالات، وتركتها فيها، وها أنا عائد إلى سيدي المجنون.

غير أنه ليس هذا كل ما حدث له؛ لأني أخشى أن يكون قد قتل في مدة غيابي ذلك الرجل المسكين الذي تركته وإياه ينذره بالقتل.

فلما سمعنا حديث بيريتو تشاورنا في الأمر كي نهتدي إلى وسيلة نتمكن بها من إنقاذ ذلك الرجل، فاتفق رأينا على أن يتقدمنا بيريتو بمركبته إلى الفندق ببضع دقائق، فإذا كان إيفان لم يقتل الرجل بعد يحول بينه وبين قتله بما يستطيعه من الوسائل إلى أن نحضر إليه.

وتم ما اتفقنا عليه فتقدمنا بيريتو، وسرنا في أثره على مسافة غير بعيدة.

ولما وصلنا إلى الفندق رأينا أن الرجل لم يزل حيًّا، ولكن إيفان كان متقد العينين أصفر الوجه، منبوش الشعر والمسدس في يده.

ورأينا ذلك السائق المسكين المتهم بإهانة مدلين جاثيًا أمامه يتوسل إليه ويستعطفه أن يبقى عليه، وكانت المهلة التي عينها له إيفان للاستغفار والصلاة قد انتهت، وهو عازم على أن يقتله.

وكان أول ما فعلناه أننا تألبنا عليه، وجردناه من سلاحه، فجرى بيننا جدال عنيف، ثم هاج علينا، واتهمنا بأننا نبالغ بالاعتداء عليه، وأن له الحق المطلق بقتل هذا الرجل حتى أوشك أن يقاتلنا جميعًا.

ولكن خطر لأحد أصدقائي خاطر لطيف؛ تمكن من إقناع إيفان على وجوب الإبقاء على هذا السائق.

وذلك أن إيفان قصَّ علينا تلك الحكاية التي حصر بها جنونه، فأخبرنا أن أباه يعترض عزمه على الزواج بمدلين، وأنه عهد إلى هذا السائق بقتلها أو تدنيسها.

وكان يتكلم بلهجة يتضح الصدق منها حتى أوشكنا أن نصدقه لو لم ينظر إلينا بيريتو ويبتسم ابتسام الحزين المشفق عليه فزعزع أركان ثقتنا، وعلمنا أن جنونه منحصر بمدلين.

وعند ذلك دنا منه صديقي كولوكين، ودار بينهما الحديث الآتي، فقال كولوكين: أهو أبوك يا صديقي إيفان الذي يأبى أن تتزوج مدلين؟

– هو دون سواه.

– أهو أيضًا الذي أمر الرجل أن يفعل ما فعل؟

– نعم.

– إن ما تقوله واضح بأتم الجلاء.

– إذن، ألا يكون هذا الرجل مذنبًا؟

– دون شك.

– ومثل ذنبه الفظيع ألا يجب أن يعاقب عليه بالموت؟

– بل هو يستحق أكثر من الموت.

فحاول إيفان أخذ مسدسه، وقال: إذن، لماذا تمنعوني عن قتله؟

– لأنك إذا قتلته لا يبقى لديك شهود على مدعاك.

– كيف ذلك؟

– ذلك لا ريب فيه ألا تريد أن تجد مدلين؟

– نعم.

– ألا تريد أن تتزوجها؟

– دون شك.

– إذن، يجب مصادقة أبيك على زواجك لها.

– أو مصادقة القيصر؛ لأن مثل هذه الأحوال تتقدم مصادقة القيصر على مصادقة الأب.

– إن ذلك دليل آخر على وجوب الحرص على الرجل.

– ولكن لماذا؟ إني لا أفهم شيئًا.

– لأنك عندما تجد مدلين لا بد لك من العودة بها إلى بطرسبرج وعرض أمرك على القيصر، وإذا لم يكن لديك مثل هذا الشاهد، فكيف تثبت ما تدعيه على أبيك؟

فاقتنع إيفان بهذا البرهان، وتمكن صديقي بهذه الخدعة من إنقاذ ذلك الرجل المسكين، الذي لا يزال لسانه معقودًا إلى الآن، لفرط ما ناله من الرعب.

وبعد ذلك رجعنا جميعنا إلى قصري ومعنا إيفان، فأبقيته عندي يومين، ولكنه في اليوم الثالث سئم البقاء، وأصر على السفر.

فسافر وأنا مطمئن عليه كل الاطمئنان، إذ كان يتولى حراسته بيريتو خادم فاسيليكا، وذلك الرجل الفرنسي النبيل الذي يدعى مورليكس.

ومن غرائب الاتفاق أو غرائب الجنون أن إيفان بات يثق بهذا الرجل الفرنسي ثقة غريبة، وكان يؤثره علينا جميعنا بصداقته، فجعله مستودع سره ولم يكن يفارقه لحظة.

وقد سافروا جميعهم في هذا الصباح إلى فرصوفيا، فودعنا إيفان ونحن مشفقون عليه، لأن جنونه لا يظهر إلا حين الكلام عن مدلين، وفيما خلا ذلك فهو على أتم الظرف والعقل، وقد صفح عن بطرس السائق وجعله من خدمه.

أما الفيكونت دي مورليكس؛ فإنه يعرف في باريس طبيبًا حاذقًا بمداواة المجانين، وهو يرجو أن يتمكن من شفاء إيفان.

وقد كتبت إليك أيها الصديق العزيز جميع هذه التفاصيل لاعتقادي أنها تروق لك والكونتس فاسيليكا التي صرت عبدًا لها، فاقبل تحياتي ودعائي لك بحسن التوفيق.

البرنس ماربولوف

وقد كتب البرنس هذا الكتاب وهو واثق كل الثقة من صحة ما كتب، فكانت ثقته داعية إلى انتصار مورليكس مرة ثانية.

وسافر الفيكونت كارل دي مورليكس مع إيفان كما ورد في كتاب البرنس ماروبولوف.

ولم يكن يجهل إيفان أنهم كانوا يحسبونه مجنونًا، فكان لا ينفك عن محادثة كارل بغرامه، وهو يحسب هذا العدو الألدّ أصدق صديق له.

وكانت المركبة تسير بهما دون أن تقف إلا لتغيير الجياد، فاجتازت نهر البريزينا، ثم اجتازت الحدود الروسية وبلغت بولونيا، وفي اليوم الثالث وصلت إلى فرصوفيا.

فنزل كارل مع إيفان في أحد فنادق المدينة للاستراحة، ثم تركه كارل في الفندق، وذهب إلى إدارة البريد؛ لأنه كان يرجو أن يلقى رسائل واردة إليه من فرنسا.

فما أخطأ ظنه؛ لأنه وجد رسالتين، إحداهما من أخيه فلم تستلفت أنظاره، ولكنه لما قرأ عنوان الثانية اختلج؛ لأنه عرف أن الخط خط تيميلون.

وقد زاد عجبه لأن تيميلون أخبره في آخر رسالة أرسلها إليه أنه سافر إلى البلاد الأميركية، ولكنه عندما فحص الطوابع وجد أن الرسالة مرسلة من باريس.

ومع كل عجبه وضعها في جيبه، وبدأ بقراءة خطاب أخيه، فقرأ ما يأتي:

أخي العزيز

أكتب إليك إلى فرصوفيا، ولكن قلبي يحدثني أنك في باريس.

ولا أدري إذا كنت مخطئًا بما أوحاه إلي تصويري، ولكن إن المخاوف قد عادت إلي فتمكنت مني وحرمتني طيب الرقاد.

ولكن أرى كلما مرت بي الأيام يزيد تمثل آثامنا القديمة لي، ولهذا أرجو — أيها الأخ العزيز — أن تمتنع عن مطاردة الصبية، وترجع عن قتلها إذا لم تكن يدك قد انغمست في دمها الطاهر.

واعلم يا أخي أنك لست بأب، فلا تشعر بما يشعر به الآباء في مثل هذه المواقف، وحسبي عذابًا أن ابني الوحيد في باريس، وأنه يهرب مني كي لا يراني، ولا يدعني أراه؛ أليس ذلك وحده ما يكفي لعقابي عن جريمتنا؟

ألم تضربه في قلبه ضربة شديدة قد لا يبرأ منها؟ ألا يحب أنطوانيت دي ميلر ابنة أختنا، ألم تقتل الفتاة المسكينة كما قلت لي؟

غير أن نفسي تحدثني أن هذه الفتاة التي قلت لي إنك قتلتها لا تزال حية ترزق، خلافًا لما تعتقد، وأن أولئك الذين توهمت أنهم خدموك بأمانة وإخلاص قد خدعوك شر خداع.

واصغ إلي الآن يا أخي العزيز، إنك سافرت منذ شهر، وتكون أنطوانيت قد ماتت منذ شهر، فكنت أنتظر كل يوم أن يعود إلي أجينور، وهو مجنون من اليأس.

ولقد قلت لي: إذا كنت تذكر أنه أصيب بضربة سيف إثر مبارزة فاضطر إلى البقاء في أنجر، ولكن شيء من ذلك لم يحصل؛ لأن أجينور عاد إلى باريس في يوم سفرك منها.

ولا أقول هذا الكلام وأنا مشكك فيه، بل أنا منه على أتم الثقة، فقد خرجت يومًا أتنزه في المركبة فرأيت مركبة قابلتني وفيها أجينور فرأيته ورآني، ولكني ناديته فما رد علي واحتجب بمركبته عن أنظاري، فحسبت أنه سيأتي إلي في منزلي عند المساء فمضت أيام دون أن يزورني، وهو يعلم أني لا أزال مريضًا.

ونعم إني ما رأيته إلا لحظة، ولكني لم أر على وجهه ما يدل على كآبة لا بد أن تبدو في وجه من تموت حبيبته، فانشغل قلبي، وسألت عنه، فعلمت أنه في باريس، منذ رحلت عنها، ولكني لم أعلم السرَّ في احتجابه عني.

والآن فإن كتابي هذا قد يصل إليك، وأنت لا تزال في روسيا، فإذا كنت لم ترتكب تلك الجريمة مع مدلين، فأستحلفك بالله أن ترجع عن هذا القصد، وأن تعود إلى باريس كي تندم، فعسى أن ينفع الندم، وعسى أن نتمكن من إصلاح ما أفسدناه، وعندي رأي نافع لك؛ وهو أن تتزوج بمدلين بدلًا من أن تقتلها، ونزوج أنطوانيت لولدي أجينور؛ فينقضي كل إشكال، ولا يفوتك شيء من تلك الثروة التي اختلسناها.

أخوك فيليب

فلما قرأ كارل هذا الكتاب ارتعش واصفرَّ، فمزقه ورمى به مغضبًا إلى الأرض، وهو يفتكر بإيفان الحائل بينه وبين مدلين، ذلك الفتى الساذج الذي اتخذ كارل أصدق صديق له وهو أعدى عدو.

ثم عاد إلى كتاب تيميلون فقرأ فيه ما يأتي:

سيدي

بينما كنتَ مسافرًا إلى روسيا كان خادمك الأمين يتأهب للسفر إلى أميركا، وقد قبضت الخمسين ألف فرنك، وعزمت على السفر بابنتي التي لولا حنوي عليها لما هربت من روكامبول، ولما تمكن من الفوز علي.

وقد كنت تركت في باريس بعض جواسيس من عمالي لمراقبته، ليس لمجرد خدمتك؛ بل مدفوعًا بعامل الانتقام؛ لأني لا أنسى تنكيله بي.

وفي اليوم الذي عزمت على السفر فيه، ورد إلي من أحد الجواسيس تلغراف يقول فيه: إن روكامبول سافر مقتفيًا أثر مورليكس إلى روسيا، فهاج بي الانتقام، وبدلًا من أن أسافر وضعت ابنتي في محل أمين وعدت إلى باريس.

وليس روكامبول بالعدو السهل، ولكني أرجو أن تكون قد فزت بالنجاة منه على الأقل، فإذا كان ذلك فاعلم أن ابن أخيك أجينور وأنطوانيت عائشان بملء السعادة، ولا ينتظران غير عودة روكامبول بمدلين، كي يتزوجا.

ولكني عكَّرت عليهما كأس هنائهما، فإن أنطوانيت قد وقعت في قبضتنا أيضًا، ولا أستطيع أن أزيد على ما قلته شيئًا؛ فإذا سلمت من روكامبول وعدت إلى باريس، فأسرع إلى شارع لندرة نمرة ٢، واطلب أن ترى المسيو جيبين.

خادمك المطيع
تيميلون

فلما اطلع كارل على هذا الكتاب دهش دهشة شديدة، فأعاد تلاوته وهو يتعجب، ثم قال في نفسه: لا شك أن أنطوانيت في قبضة تيميلون، وأن هذا الرجل لم يعد إلى باريس، إلا وقد وجد حيلة يتمكن فيها من الفوز على روكامبول، وفي الحال أسرع إلى الفندق، فأخذ إيفان وبرح فرصوفيا عائدًا به إلى فرنسا.

٢٥

لا بد لنا — قبل التوسع في الحديث — أن نبسط للقراء كيف غادر روكامبول وفاندا، وكيف كانت الحالة قبل سفرهما لإنقاذ مدلين، فإن روكامبول سافر آمنًا مطمئنًا؛ لأن كارل قد سبقه إلى روسيا فأمن كيده، ولم يكن يخشى أخاه والد أجينور لما يعلمه من ضعفه وندمه، وكان يعتقد أن تيميلون لا يجسر على العودة إلى باريس لخوفه من الحكومة؛ لأن جريمة السرقة كانت ثابتة عليه، ولذلك لم يكن يخشى على أنطوانيت.

ولكنه أبى أن يغادر باريس قبل أن يتخذ الاحتياطات اللازمة مبالغة في الحرص عليها.

فلما استيقظت أنطوانيت من رقادها — كما قدمنا — نزل بها يصحبه أجينور وميلون وفاندا، فركبوا مركبة، وساروا بها إلى منزل كان أعده لها كي تختبئ فيه إلى أن يعود إليها من روسيا.

ولما وصلوا إلى هذا البيت، دهشت أنطوانيت دهشًا عظيمًا حين رأت فيه مربيتها مدام رينود، فهجمت عليها وجعلت تعانقها وهي تذرف دموع الفرح بلقائها.

وقد اغتنم روكامبول فرصة انشغالهما فخلا بأجينور، ودار بينهما الحديث الآتي: فقال روكامبول: إنك تعلم شروطي.

فأطرق أجينور برأسه إلى الأرض وأجاب: نعم.

– إني لم أرد إليك أنطوانيت إلا بعد أن اشترطت عليك طاعتي.

– وأنا مستعد للامتثال.

– إذن، اصغ إلي، إن لأنطوانيت أختًا، وهي معرضة لأشد من الخطر التي كانت معرضة له أنطوانيت، وذلك أن عمك وثق من موت أنطوانيت فذهب لقتل مدلين، ولولا ذلك لم يبرح باريس.

– ولكني أدافع عنها وأرد كيده إلى نحره.

– لست أنت الذي سينتقم بل أنا!

أما أبوك فإني أحمل الأختين على الصفح عنه، ولكنك في مقابل ذلك تخليت إلي عن عمك كارل بأنطوانيت، ثم يجب أن تعلم أن ما تجده الآن من السعادة في اجتماعك بأنطوانيت يشبه تلك القصور التي يبنيها اللاعبون بأحجار الدومينو، إذا لمستها يد أو نفخ فيها فم تقوضت أركانها وتهدمت، فلا يتم هناؤك الصحيح ما بقي عمك في الوجود.

أما عمك؛ فقد سافر إلى روسيا، كما قلت لك، ولكنه أبقى في باريس عيونًا وأرصادًا عليك يرصدونك كيفما مشيت، فلا يجب أن يعلم بوجودك أحد مدة غيابي.

– كيف ذلك ألعلك عازم على السفر؟

– سأسافر إلى روسيا للدفاع عن مدلين، أتعدني أن لا تدع أنطوانيت تخرج من البيت مدة غيابي وأنك لا تقابل أباك؟

– أعدك وعدًا صادقًا.

فلما وثق منه روكامبول تركه وعاد إلى ميلون فأوصاه وصايا كثيرة، وبعد ساعتين برح باريس مع فاندا.

وبعد سفره بشهر عاد إلى باريس مع فاندا ومدلين، فلما وصل إلى كولون أرسل إلى ميلون هذا التلغراف:

نصل في الساعة الرابعة من صباح غد، احضر لملاقاتنا في محطة الشمال.

فلما وصل القطار بهم إلى باريس خرج روكامبول، وجعل يبحث عن ميلون في قاعات الانتظار، وخارج المحطة فما وجده، فاسودت الدنيا في عينيه وشعر بحدوث مصاب جلل.

ورأت فاندا علائم الاضطراب بادية في وجهه، فدنت منه وسألته عن السبب، فقال لها: لقد حدث مصاب عظيم دون شك، وهو إما أن يكون ميلون قد مات، أو أنه سجين، إذ يستحيل أن يتأخر عن الحضور لغير هذين السببين، والآن اصغي إلي فإنه لا يجب أن نعرض مدلين للخطر بإرسالها إلى حيث تقيم أنطوانيت، بل يجب أن تذهبي بها إلى المنزل الذي نسكن فيه باسم الماجور أفاتار.

– ولكننا وعدنا مدلين أن نجمعها بأختها.

– نعم. ولكني لم أكن أتوقع غياب ميلون.

ثم التفت إلى مدلين وقال لها: لا أكتمك يا سيدتي أننا متى برحنا باريس بغية إنقاذك تركنا أختك مريضة، ولذلك أخشى إذا قابلتها أن تؤثر عليها المباغتة فتؤذيها، فاذهبي الآن مع امرأتي إلى منزلي، وأنا أسرع إلى أختك وأخبرها بقدومك، ثم أرجع فأعود بك إليها.

فقبلت مدلين على الكره منها وسارت مع فاندا وروكامبول إلى منزله.

وكان روكامبول قد ترك في البيت نويل الذي كان حداد سجن طولون وفر معه، فلما وصل روكامبول أسرع نويل إلى استقباله، ورآه روكامبول مصفر الوجه، فسأله: ماذا أصابك؟

– لا شيء، سوى أني لا أعلم ماذا جرى لميلون، لأني لم أره منذ ثمانية أيام.

فاستغرب روكامبول ولم يعد لديه شك بوقوع الشر، فإنه كان أمر ميلون أن يأتي كل يوم إلى المنزل كي يرى إذا كان يوجد فيه رسائل باسمه، ورجع إلى مدلين، فقال لها: إني ذاهب الآن لأرى أختك.

– أتجيء بها إلي؟

– نعم. إلا إذا كانت لا تزال مريضة، فأذهب بك إليها.

ثم تركها وانصرف إلى البيت الذي ترك فيه أنطوانيت، فنزل في مركبته وطرق الباب فتتح له بواب البيت، وكان أول سؤال ألقاه عليه: أين ميلون؟

فأجاب البواب: إنك تعرف يا سيدي مقره أكثر منا؛ لأنه سافر منذ ثمانية أيام لموافاتك.

– لموافاتي أنا؟

– نعم، وقد سافر مع المدموازيل أنطوانيت.

فتراجع روكامبول منذعرًا إلى الوراء، وعند ذلك أسرع إليه أجينور، وقد سمع طرق الباب، فلما رآه سأله باضطراب: ألعلك جئت بأنطوانيت؟

فاضطرب روكامبول وأمسك أجنينور وهزه بعنف، وسأله: قل لي ماذا حدث؟

فكان أجينور ينظر إليه نظرًا ساهيًا وهو لا يفهم شيئًا، فسأله روكامبول: قل أين ميلون؟

– إنه سافر.

– وأنطوانيت؟

– سافرت معه.

– ولكن متى وإلى أين؟

– إلى كولون؛ حيث ضربت لهما موعدًا لموافاتك بالتلغراف الذي أرسلته وهذا هو: ثم أخرج تلغرافًا من جيبه، وقدمه له فقرأ روكامبول ما يأتي:

يسافر ميلون مع أنطوانيت في قطار الساعة العاشرة من هذا المساء إلى كولون؛ حيث اضطررت إلى البقاء فيها؛ لأن مدلين مريضة.

الماجور أفاتار

وكان تاريخ التلغراف منذ ثمانية أيام، فاختلج روكامبول واضطرب حتى أوشك أن يسقط وتابع: إني لم أكتب هذا التلغراف.

٢٦

غير أن روكامبول لم يطل اضطرابه، وما لبث أن عاد إليه رشده وتأنيه، فجعل يخاطب نفسه: من عسى يكون الخاطف لأنطوانيت؟ أهو والد أجينور أم أخوه كارل أم تيميلون؟ ثم يرجع فيتابع: إن كارل قد طرحته للذئاب، فلا أظنه سلم من أنيابها، ووالد أجينور لا يقدم على هذا المنكر لضعفه وسلامة نيته، بقي تيميلون، ولكن هذا الداهية لا يستطيع أن يعود إلى فرنسا، إذ يخشى أن يقبض عليه.

وطال به التفكير دون أن يهتدي إلى وجه صواب ثم أخذ التلغراف، وجعل يفحصه فوجد أنه وارد من كولون، فقال: هو ذا قد عدنا إلى استئناف المعارك، إذ يجب أن نجد أنطوانيت وميلون.

وكان لأجينور ثقة عظمى بروكامبول فسأله وهو يوشك أن يجن من يأسه لاختطاف أنطوانيت: إنك ستجدها دون شك؟

– هذا ما أرجوه، ولكني أريد أن أعرف كل شيء بالتدقيق، فقل لي كيف ذهبت أنطوانيت؟

– كنا منذ ثمانية أيام جالسين على المائدة، فورد هذا التلغراف إلى ميلون فقرأته، ثم دفعته إلى أنطوانيت، فلما اطلعت عليه قالت وهي تضطرب: هلم بنا إلى السفر.

وقد حاولت أن أسافر معها غير أن ميلون اعترضني قائلًا: يجب طاعة الرئيس، فلو أرادك أن تصحبنا لكان ذكرك في التلغراف.

فأذعنت مكرهًا، وكانت أنطوانيت مضطربة لمرض أختها، فوعدتني أن تكتب لي من كولون، وقد كتبت لي وهذا كتابها.

فأخذ روكامبول الكتاب منه، وما لبث أن اطلع على خطه حتى صاح صيحة منكرة قائلًا: قد عرفت الآن من أين أتتنا هذه النكبة.

فدهش أجينور وسأله: أليس الخط خطها؟

– كلا، فهو زور، ولكنه محكم التقليد.

وكانت خلاصة الكتاب: أن أنطوانيت وصلت إلى كولون، ولقيت أختها مريضة، ولكنها أخذت بالعافية حين رأتها وغير ذلك، فأعاد روكامبول نظره في الكتاب، وقال لأجينور أعيد عليك ما قلته، وهو أن الكتاب قد زوره رجل ماهر أعرفه حق المعرفة.

فأجابه أجينور بصوت مختنق: ألعله عمي كارل؟

– كلا، بل هو هذا الشقي تيميلون الذي أخطأت في الإبقاء عليه، ولكن لا بأس لأني لم أقنط من إنقاذ أنطوانيت، اصغ إلي الآن: إنه يجب أن تركب في مركبة، وتذهب مسرعًا إلى أبيك، فتقول له بملء الإيجاز ما معناه: «إني إذا لم أجد أنطوانيت من الآن إلى الغد مساء قتلت نفسي.»

– سأذهب.

– اسمع أيضًا: إن أنطوانيت لا خطر عليها، ولكنها أسيرة في أحد البيوت، والذي أراه: أن تيميلون الذي طردته من باريس اغتنم فرصة غيابي فعاد إليها، ونصب لكم هذا الفخ فوقعتم فيه، وأصبح ميلون وأنطوانيت في قبضة يده الآن.

فقاطعه أجينور قائلًا: ألا يمكن أن يكون البوليس قد قبض على ميلون لهربه من السجن؟

– إن البوليس لا يمكن أن يهتدي إليه إلا إذا أرشده تيميلون، وتيميلون لا يستطيع أن يظهر أمام البوليس لأن البوليس يبحث عنه، والذي أرجحه أن ميلون وأنطوانيت أسيران لدى تيميلون وعصابته في بيت خفي من بيوت باريس، ولكني لا يخفاني خافية في هذه العاصمة، وسيكون لي مع هذا الشقي الغادر شأن.

– ولكن أية غاية لهذا الرجل من القبض عليها؟

إنه ينتظر رجوع عمك من روسيا، فيبيعه أنطوانيت بأغلى الأثمان، إنما اطمئن؛ لأن عمك لم يعد بعد، وقد يكون تيميلون أخبر أباك بقبضه على أنطوانيت، فإذا تهددته بالانتحار أرجعها إليك دون شك حالًا.

وعند ذلك افترق الاثنان، فأسرع أجينور إلى بيت أبيه، وذهب روكامبول إلى منزله الذي ترك فيه فاندا ومدلين.

وكان روكامبول يسير وهو يقول في نفسه مخاطبًا تيميلون: لقد أخطأت أيها الغادر بالعودة إلى باريس والتعرض لي في شئوني؛ لأني غير مشفق عليك في هذه المرة.

وكانت المركبة تسير به وهو غارق في هواجسه، لا يكترث لشيء، فلم ينتبه لمركبة كانت تسير في أثره حتى وصل إلى منزله، ونزل من مركبته فرأى تلك المركبة، وقد وقفت أيضًا أمام بابه، وخرج منها ثلاثة رجال.

فاصفر وجه روكامبول حين نظرهم؛ إذ رأى أنهم بملابس الجنود، وفي الحال دنا منه رئيسهم، وسأله: ألست أنت الماجور أفاتار؟

فاضطرب اضطرابًا قليلًا، وأجاب: نعم أنا هو.

فأشار الضابط إلى الجنديين أن يقفا في سبيله، وقال له: إني مأمور بالقبض عليك يا حضرة الماجور.

فابتسم روكامبول، وأجابه بسكينة: إني أعلم السبب، فإن السفارة الروسية أوعزت إلى الحكومة المحلية أن تقبض علي لاتهامي بدسائس سياسية، فلما علمت بقدومي اليوم من فرصوفيا …

فقاطعه الضابط قائلًا: إنك منخدع.

– إذن، بأية تهمة يتهمونني؟

– إنهم يتهمونك بالهرب من سجن طولون جين كنت فيه ١١٧ وأن اسمك الحقيقي روكامبول، وليس الماجور أفاتار.

٢٧

ورأى روكامبول أنه قد وقع في قبضتهم، فتجلد وقال للضابط: إني قادر على إقناعك وإثبات خطئك بأسطع برهان، غير أني أعلم أن الجدال مع رجال الشرطة محال؛ إذ لا بد لهم من تنفيذ الأوامر الصادرة إليهم، ولذلك لا أضيع الوقت عبثًا بالجدال، ولكني ألتمس منك قضاء أمر أرجو أن لا تأباه علي.

– ذلك يتعلق بالطلب.

– كن مطمئنًا، فإن ما سأطلبه إليك سهل ميسور؛ لأني لا أسألك أن تأذن لي بالدخول إلى منزلي وأخذ أوراقي، ولا أحاول الفرار منك، ولكن الذي أطلبه إليك هو أن تأذن لي بمعانقة امرأتي على عتبة هذا الباب.

وقبل أن يجيبه الضابط أسرع إلى الباب وطرقه طرقتين متواصلتين كانتا إشارة متفقًا عليها دون شك؛ فإن الباب لم يفتح على أثرها، بل فتحت منها نافذة وبرز منها رأس فاندا، وعلمت لأول وهلة كل شيء.

أما روكامبول فإنه قال لها باللغة الفرنسية: تعالي عانقيني.

ثم تابع باللغة الروسية: إني وقعت في الشرك واختطفت أنطوانيت فأحضري لي حبة من الحبوب السوداء، وأنت وحدك الآن قادرة على إنقاذ الجميع.

وكان روكامبول يتكلم بملء السكينة وليس بين الجنود من يعرف الروسية فلم يشككوا بشيء مما قاله.

وبعد حين أتت فاندا فقال لها روكامبول: لقد تعاظم اضطهادي، فإنهم يتهمونني بأني كنت في السجن وهربت منه.

وابتسمت فاندا وقالت: لا بأس يجب أن نحتمل كل شيء.

ثم أقبلت تعانقه وتقبله فدست في فمه تلك الحبة السوداء دون أن يراها أحد، ثم صافحته بيدها، وتبادلت معه نظرة خفية، وأخذ الجنود روكامبول ثم صعدوا به إلى المركبة وسارت بهم في طريق السجن.

ففيما هم على الطريق افتتح روكامبول الحديث فقال: إن إمبراطور روسيا قد شرفني تشريفًا عظيمًا لاهتمامه بي إلى هذا الحد.

فأجاب الضابط: إنك مخطئ كما قلت لك، فإننا لم نقبض عليك إلا بتهمة الهرب من السجن.

– نعم لقد قلت لي هذا القول، ولكن ما هو الاسم الذي لقبتني به.

– روكامبول.

– إنه اسم جميل، ولكن لا بد لي أن أقول لك يا حضرة الضابط إن البوليس الفرنسي لا يحق له مساعدة البوليس الروسي والقبض على رعايا القيصر إلا إذا تذرع بحجة.

فغضب الضابط وأجابه: إني أدعوك إلى السكوت، فإنك تطعن بالبوليس الفرنسي، وهو لا يتداخل بشأن من شئون القيصر.

– إذن، لماذا قبضت علي؟

– ذلك ما يكشف قاضي التحقيق فإنك ذاهب إليه.

– سوف ترى أني لم أكن أنا المخطئ، بل أنتم المخطئون.

ثم سكت الاثنان، فجعل روكامبول يفتكر بحالته الحاضرة، وهو غير مهتم بالقبض عليه؛ فإن من يفر من سجن طولون لا يصعب عليه الفرار من سجن باريس، ولكنه كان يفتكر مهتمًّا بسواه؛ أي بميلون وبهاتين الأختين اللتين أصبحتا مرة ثانية في قبضة عدوهما وليس لهما نصير.

وكان يحسن ظنه بفاندا وبنويل، ولكنه كان يعلم أنهما على ذكائهما ومهارتهما لا يستطيعان مقاومة تيميلون، لا سيما إذا نجا كارل وانضم إليه.

ثم حسب أن اليوم يوم السبت، وأن القاضي قد لا يحقق في أمره إلا يوم الاثنين، فلا سبيل له إلى الخروج من السجن بالتبرئة أو بالفرار قبل الاثنين؛ فاغتم غمًا شديدًا لشدة حاجة الأختين له في هذه المدة، ولكنه أظهر الجلد، ولم يبدِ شيئًا من دلائل الكآبة.

وظلت المركبة سائرة حتى بلغت إلى باب السجن، فنزل الضابط والجنديان ونزل روكامبول بعدهم، وفيما هو ينظر إلى ما حواليه رأى رجلًا واقفًا على الرصيف فارتعش عندما رآه؛ لأنه كان تيميلون، وعرف في الحال أن تيميلون قد تعهد للحكومة أن يسلمها روكامبول مقابل صفحها عنه وهو ما يتفق كثيرًا للصوص، فقال في نفسه: لا شك أن هذا الشقي أقوى مما كنت أعهده، ثم نظر إلى تيميلون نظرة نارية تدل على ما أعد له من الانتقام الهائل.

ولما مثل روكامبول أمام رئيس البوليس قال: إني أدعى الماجور أفاتار، وليس لي أقل اتصال بالرجل الهارب من السجن، فأرجو إجراء التحقيق على الفور.

فأجاب الرئيس: يستحيل استنطاقك اليوم، إذ يجب مقابلتك مع رجل كان يعرفك في سجن طولون.

فابتسم روكامبول ابتسامًا يشف عن الاحتقار، ثم قال: وبعد ذلك؟

– وأن هذا الرجل الذي كان مقيدًا معك بقيد واحد في ذلك السجن يدعى ميلون.

فضبط روكامبول نفسه جهد الطاقة، وسأله: لماذا لا تجمعوني به الآن؟

– ذلك مستحيل الآن؛ لأن هذا الرجل قبض عليه في محطة فلانسيان وهو يحاول اجتياز الحدود، ولم يصل به إلى الآن.

– متى يصل؟

– بعد يومين أو ثلاثة.

– إذن، ليكن ما تريد.

فأخذه الحراس إلى السجن، ولما خلا بنفسه فيه وضع رأسه بين يديه، وقال بلهجة القانط: إن ميلون أبله لا حيلة له، فإذا قبض عليه فقدنا كل شيء.

٢٨

لقد أصاب روكامبول بما ظنه بتيميلون، فإن هذا اللص كان يكره روكامبول كرهًا لا حد له، لا سيما وأنه قد غلبه، وهو يعتقد في نفسه أنه أكثر خبرة من روكامبول في أساليب المهنة فعد اندحاره معه عار لا يزول إلا بأخذ الثأر.

فبينما كان يتأهب للسفر مع ابنته إلى البلاد الأميركية ورده من أحد جواسيسه في باريس هذا التلغراف:

مورليكس سافر قبضت المال، روكامبول برح باريس.

فاطمأن قلبه لسفر روكامبول، وثارت فيه عوامل الانتقام، فوضع ابنته عند عائلة إنكليزية عرفها في ليفربول، وبرح ليفربول إلى دوفر.

وجعل يخابر من تلك المدينة رئيس البوليس في باريس فأفضت المخابرات إلى الإذن لتيميلون بالعودة إلى باريس، ويكون مطلق السراح فيها بشرط أن يقبض على روكامبول في مدة شهر.

وبعد ذلك بيومين عاد إلى باريس، وكان أقصى همه: أن يبحث عن أجينور دي مورليكس وأنطوانيت لاعتقاده أنه لا يهتدي إلى روكامبول إلا بواسطتهما؛ فتنكر وذهب إلى منزل أجينور فسأل عنه البواب، فأخبره أنه غير مقيم في باريس، وأنه يحضر مرة أو مرتين في الأسبوع لاستلام رسائله.

وجعل تيميلون يكمن له كل يوم، ولكن انتظاره لم يطل؛ فإن أجينور أقبل في اليوم التالي في مركبة لأخذ رسائله حسب العادة، وكان تيميلون كامنًا له عند الباب، ولما عاد في المركبة ركب تيميلون مركبة أخرى، وسار مقتفيًا أثره، وعرف البيت الذي يقيم فيه مع أنطوانيت ومرتون.

وفي اليوم التالي خطر له اختطاف أنطوانيت بذلك التلغراف الذي تقدم ذكره، فأرسل عاملًا من عماله إلى كولون، فأرسل منها إلى ميلون ذلك التلغراف باسم الماجور أفاتار.

ولما وصل التلغراف كان تيميلون متنكرًا بزي سائق، وواقفًا بمركبته قرب ذلك البيت فخرج ميلون مع أنطوانيت، وركب تلك المركبة فذهبت بهما إلى المحطة.

وهناك بينما كان ميلون مهتمًّا بنقل الأمتعة إلى القطار كان تيميلون قد دخل إلى المحطة ورأى فيها رجلًا وامرأة فدلهما بإصبعه على ميلون وأنطوانيت، وأشار لهما إشارة خفية وانصرف.

فدنا الرجل وكان عليه ملامح الجلال والمهابة من ميلون، وقال له: ألعلك مسافر مع تلك السيدة إلى كولون؟

– نعم، وأنا مسافر أيضًا مع ابنتي إليها.

ثم صعدوا جميعهم إلى القطار، فسافر بهم، وكان الرجل والفتاة يظهران لميلون وأنطوانيت من التلطف والإيناس ما وطد بينهما المحبة، فأصبحا يثقان بهما كل الوثوق.

أما تيميلون؛ فإنه أسرع إلى رئيس البوليس، فقال له: إني لم أعثر بعد بروكامبول، ولكني عثرت بأحد رفاقه في السجن.

– من هو؟

– هو الذي كان مقيدًا معه بقيد واحد.

– ميلون؟

– هو بعينه …

– وأين هو الآن؟

– في القطار المسافر إلى كولون.

– إذن، صف لي هذا الرجل وملامحه وكل ما يعرف به.

فوصف له تيميلون وصفًا تامًا، فأرسل الرئيس تلغرافًا إلى بوليس فاليسيان يأمره فيه بالقبض على ميلون بعد أن أوضح جميع صفاته بالتلغراف، وأخبره أن هذا الرجل يدعى ميلون، وأن لديه جواز سفر مكتوب اسمه فيه بالدوني، وأنه مسافر مع رجل عجوز تصحبه ابنته، إلى غير ذلك من الأدلة التي تساعد البوليس على الاهتداء إلى ميلون.

أما هذا الرجل العجوز وابنته اللذان سافرت معهما أنطوانيت وميلون فقد كانت تدل هيئته وملابسه على أنه من رجال الوجاهة والخير والصلاح، وهو في الحقيقة عامل من عمال تيميلون، وكان يدعو نفسه الكولونيل جيبين، ويتظاهر أمام ميلون وأنطوانيت بالنفوذ والبساطة، أما ابنته فكانت تلاطف أنطوانيت ملاطفة شديدة مدة السفر وهي طويلة إلى أن استأنست بها ووثقت منها كل الوثوق.

وعند منتصف الليل وصل القطار إلى فاليسيان، فلم يكد يقف حتى فتح البوليس باب المركبة المقيمة فيها أنطوانيت وقال يخاطب المسافرين: من منكم يدعى المسيو بالدوني؟

وقف ميلون، وقال له بملء البساطة: هو أنا.

– إذن، تفضل بالنزول واتبعني إلى غرفة المدير.

فامتثل ميلون وتبعه، وهو يحسب أن الأمر يتعلق بأمتعته؛ إذ لم يخطر له في بال أن البوليس يقبض عليه بعد أن ضمن له روكامبول النجاة من السجن.

ولما نزل تبعته أنطوانيت فتبعها الكولونيل وابنته بعد أن نظر إليهما نظرة خفية، حتى إذا دخلوا إلى غرفة المحطة وجد ميلون فيها قائدًا من قواد البوليس فاصفرَّ وجهه وشعر بوقع المصاب.

وعند ذلك سأله الضابط: ماذا تدعى؟

– جوزيف بالدوني.

– وما هي مهنتك؟

– خادم غرفة المدموازيل، وأشار إلى أنطوانيت.

– أأنت واثق من أنك تدعى فرنسوا ميلون؟

فاضطرب ميلون وعلم الحقيقة ولكنه تجلد، وقال: إني لا أدعى بهذا الاسم.

– إني أتمنى لك أن تكون صادقًا، وأن تكون الحكومة منخدعة، فإنها تعتقد أنك فرنسوا ميلون المحكوم عليه بالسجن عشرة أعوام، والهارب من سجن طولون.

– إنها مخطئة، فإني ما دعيت بهذا الاسم، وما هربت من السجن.

– ذلك ما تثبته في باريس، أما أنا فلا بد لي من القبض عليك الآن.

فاضطربت أنطوانيت واصفرَّ وجهها اصفرارًا شديدًا، ووهت رجلاها حتى أوشكت أن تسقط، ولكن ابنة الكولونيل أسرعت إليها، فلما نظرها ميلون على هذه الحالة وهي قريبة من الإغماء، جعل يبكي وينتحب ويشجعها بألطف الأساليب.

أما البوليس فنظر إلى أنطوانيت وقال لها: ليس لدي يا سيدتي أوامر خاصة بك، فإنك تستطيعين مواصلة السفر إلى كولون، ثم أمر جنديين بالقبض على ميلون، فأكبت أنطوانيت على عنقه تودعه، وكان لوداعهما تأثير شديد على الحاضرين.

وكان الاثنان يبكيان دون أن يحتجا على البوليس، فإن أنطوانيت لم تكن تعرف الكذب حتى إن البوليس لو سألها: «ألا يدعى هذا الرجل ميلون؟» لأطرقت بنظرها إلى الأرض ولم تجب.

ولما خرجوا بميلون إلى السجن وخرج الكولونيل وابنته بأنطوانيت سمعوا صفير القطار الذي كانوا فيه وقد سافر دونهم إلى كولون، فتظاهر الكولونيل بالغضب حين رأى الجنود ذاهبة بميلون، قال للبوليس: أواثق أنك غير منخدع بهذا الرجل؟

– إني لم أفعل غير ما أمرني به رئيسي بتلغرافه الوارد إلي من باريس.

فالتفت الكولونيل عند ذلك إلى أنطوانيت، وقال له بلهجة الحنو ليس لي يا سيدتي ما يدعوني إلى السرعة بمواصلة السير، ولا أطيق أنا وابنتي أن ندعك منفردة، فاعلمي أني أدعى الكولونيل جيبين، ولي نفوذ عظيم، فلنعد إلى باريس وأنا أضمن لك خلاص هذا الرجل في بضعة أيام.

فنظرت أنطوانيت إلى هذا الرجل الذي كان يكلمها بملء الثقة من نفوذه نظرة استعطاف فصدقت كلامه، وقالت له: أتفعل ما تقول؟

– دون شك.

ثم أخذها مع ابنته وسار بها إلى محل الانتظار في المحطة وهي تبكي، فكان يعزيها ألطف عزاء ويقول لها: إن القطار الذي سيحضر من كولون إلى باريس سيمر قريبًا ونعود به إلى باريس، حيث نصل إليها في الساعة الرابعة صباحًا، وإني أعدك بإطلاق سراح هذا المسكين قبل ظهر اليوم التالي.

وبعد هنيهة سمع صفير القطار القادم من كولون، فتركها الكولونيل مع ابنته، وذهب ليشتري تذاكر السفر.

وكانت أنطوانيت تفكر بأختها المريضة في كولون، وبميلون الذي سيبيت ليلته في السجن، وبأجينور الذي لا يعلم الآن بما تقاسيه من العذاب.

ولولا أن أجينور في باريس لترددت عن الرجوع إلى أعقابها، ولكنها افتكرت أن أجينور سوف ينضم إلى الكولونيل فيسعيان إلى إنقاذ ميلون، فلم يبق في فؤادها أثر للتردد، وركبت القطار مع الكولونيل وابنته فسار بهما، وهي لا تزال تبكي ميلون.

٢٩

وكانت أنطوانيت حين السفر تشكو للكولونيل وابنته، والكولونيل يطمئنها ويذكر صداقته مع كبار الموظفين وشدة اتصاله بالوزراء وكثرة نفوذه، وهو يكلمها بحنو وإشفاق، ضامنًا لها إنقاذ ميلون، فحكت له أنطوانيت بملء الإخلاص حكاية ميلون، وأنه هرب حقيقة من سجن طولون، ولكنه لم يرتكب جريمة تستوجب العقاب، بل إنه كان بريئًا، وقد كاد له أحد الخائنين فاتهمه بتهمة وهو بريء منها.

فأظهر الكولونيل سرورًا عظيمًا، وقال: لقد أحسنت بما قلته لي؛ فإن براءته تعينني على إخراجه.

ووصل القطار بهم إلى باريس في الساعة الرابعة بعد منتصف الليل فخرجوا منه جميعهم ثم ركبوا مركبة، وأمر السائق أن يذهب بهم إلى شارع بلفوند نمرة ٢١.

وكان الكولونيل قد أخبر أنطوانيت في القطار أنه يسكن في ذلك الشارع وهو قريب من المحطة، وطلب إليها أن تذهب مع ابنته فتبقى فيه إلى أن يشرق الصباح، فيذهب إلى دار الحكومة ويعود إليها بالخبر اليقين عن ميلون.

وحاولت أنطوانيت أن تأبى هذه الدعوة، وأن تذهب إلى أجينور، ولكن الكولونيل كان يلح عليها ويكلمها بلهجة ملؤها الحنو والإخلاص، فلم يسعها إلا القبول.

وسارت بهم المركبة حتى بلغت منزلًا تكتنفه حديقة متسعة، فوقفت عند بابها ودخلوا جميعهم.

فصعدوا بضع درجات، وفتح الكولونيل باب البيت بمفتاح كان بجيبه، فولجه إلى ردهة متسعة، فأدخلت ابنة الكولونيل أنطوانيت إلى غرفة، وقالت لها: إني ذاهبة لأحضر لك المصباح، وأوقظ الخادمة كي توقد لك النار في المستوقد، فتنامين إلى أن يعود أبي.

ولما دخلت أنطوانيت وأصبحت وحدها في تلك الغرفة هاجت بها الهواجس، وتوقعت السوء، وهي لا تعلم ما يدفعها إلى هذه المخاوف.

ثم حاولت أن تفتح النافذة لترى ما يحيط بها، فإن الفجر قد بدأ ينبثق، ولما أزاحت ستائر الغرفة وحاولت فتح النافذة وجدت أنها لا تفتح فاضطرب فؤادها، وتمكن منها الخوف فأسرعت إلى الباب تفتحه فوجدت أنه موصد من الخارج.

فجعلت تنادي ابنة الكولونيل، فلم تجبها، ولما طال نداؤها لها دون أن يجيبها غير الصدى جعلت تستغيث، وتقول إلي يا أهل النجدة. وقد أيقنت أنها وقعت في فخ نصبته لها هذه العائلة.

ثم سمعت صرير مفتاح في القفل فخجلت من نفسها، وحسبت أن ابنة الكولونيل قدمت إليها، ولكنها ما لبثت أن رأت الباب قد فتح حتى تراجعت إلى الوراء واختنق صوتها ولم تعد تستطيع الكلام.

ذلك أنها رأت على عتبة الباب امرأة حاملة مصباحًا بيدها، جعلت تنظر إليها وتقول بلهجة الهزء: إذا كنت قديسة كما كانوا يقولون عنك في السجن فهذه فرصة لاختراع العجائب.

وكانت تلك المرأة مدلين الملقبة شيفيوت، وهي التي كانت عدوة أنطوانيت في سجن سانت لازار، وحاولت تسميمها بأمر من تيميلون، كما يذكر القراء في الرواية المتقدمة التي عنوانها سجن طولون.

ولما رأت شيفيوت ما كان من رعب أنطوانيت، جعلت تضحك وتقول لها: لا فائدة من صراخك إذ لا يجيبك غير الصدى.

وسمعت عند ذلك صوت رجل يقول: وأنا أيضًا، فإني لا أزال هائمًا بهذه الحسناء.

ثم ظهر هذا الرجل، ولما رأته أنطوانيت شهقت شهقة عظيمة وسقطت مغميًّا عليها.

أما هذا الرجل فقد كان اللص المدعو بوليت.

وهو الذي ادعى حين قبض على أنطوانيت، وسيقت إلى سجن لازار في الرواية السابقة أنه كان خليلها.

وأما الكولونيل وابنته فقد اختفيا ولم يظهر لهما أثر.

٣٠

ولندع الآن أنطوانيت في قبضة شيفيوت وبوليت، ولنعد إلى فاندا تلك المرأة الشديدة الذكية الصبورة التي اختارها روكامبول عونًا له، وجعل جلَّ اعتماده عليها في إنقاذ أنطوانيت.

فإن فاندا حين فتحت النافذة ونظرت منها الجنود وروكامبول علمت كل شيء فقالت لمدلين: انتظريني قليلًا سأعود إليك.

ثم دخلت إلى غرفة روكامبول وأخرجت من خزانته علبة كان فيها ست حبات سوداء صغيرة لا يزيد حجم الواحدة منها عن رأس الدبوس.

وكان لهذه الحبوب تأثير عظيم، ولم تكن فاندا تعلم حقيقة نتائجها، ولكنها ذكرت أن روكامبول قال لها مرة: إذا قبض علي يومًا فابذلي جهدك بإيصال حبة إلي من هذه الحبوب وأنا أتدبر فيها.

وسألته: ألعل فيها سم؟

– نعم، ولكنها لا تميت من يبتلعها ولا يخلص من تأثيرها إلا بعد ست ساعات.

واكتفت بهذا الجواب المبهم.

وعندما فتحت تلك العلبة أخذت حبة منها ووضعتها تحت لسانها، ونزلت لمقابلة روكامبول فودعته وعانقته ونقلت الحبة من فمها إلى فمه حين التقبيل.

ثم خرج الجند بروكامبول، وعادت فاندا إلى الداخل وهي تردد في نفسها كلمات روكامبول واعتماده عليها في إنقاذ أنطوانيت، فدخلت إلى مدلين، وقالت لها: إنك نجوت من فظاعة بطرس السائق، ومن أنياب الذئاب ومن سفالة كارل مورليكس، ولكن الأخطار لم تنته بعد.

فأجفلت مدلين، وقالت: رباه! ماذا حدث؟ ألعل الخطر قد داهم أختي وميلون؟

– لا أعلم شيئًا.

– وروكامبول؟

– إن الجنود قبضوا عليه، وهو الآن في طريق السجن، ولكني لا أخشى عليه.

– رباه! وأنطوانيت ماذا جرى لها؟

– سوف أنقذها.

وعند ذلك دخل نويل وعليه علائم الذعر والاضطراب، وقال: لقد قبضوا على روكامبول.

فنظرت إليه فاندا نظرة إنكار، وقالت: ألعلك خفت فاعلم الآن أنه إذا كان قد قبض على الرئيس فأنا للرئاسة مكانه.

– وأنا مستعد للخضوع.

– إذن، فاعلم أنه يجب أن تذهب بهذه السيدة إلى منزل أمك.

– في شارع سربنت؟

– نعم!

فقالت مدلين: لماذا لا أبقى معك؟

– ذلك لأن كارل مورليكس الذي يريد لك الموت إذا كان قد أكلته الذئاب كما أتمنى فإنه ليس الرجل الوحيد الذي يسعى إلى إعدامك وإعدام أختك، فقد ترك في باريس حين سفره إلى روسيا معاونين له اغتنموا فرصة غيابنا واختطفوا أنطوانيت، واحتجب ميلون وكادوا لروكامبول، على أن روكامبول لا يشغل بالي؛ فإن جدران السجون لا تعترضه إذا أراد الخروج منها، ولكن الذي يشغلني ميلون وأنطوانيت.

– أتنقذين أختي أليس كذلك؟

– ذلك لا بد منه ولا أستطيع إنقاذها إلا إذا رأيتك ممتثلة لي في جميع ما أريد.

– سأكون معك أطوع من بنانك.

– إذن، فاعلمي أنهم إذا كانوا قبضوا على روكامبول عند باب هذا المنزل؛ فهم يعلمون أننا نقيم فيه، ولا أكون آمنة عليك، ولهذا أحببت أن تذهبي مع نويل، فسيري معه على بركات الله، وثقي به كما تثقين بروكامبول.

– وأنت ماذا تصنعين؟

فابتسمت وقالت: إني أريد أن أبرهن لروكامبول بأني أهل له.

ثم قالت لنويل: سر الآن بهذه السيدة واعلم أنك مسئول عنها، ثم اعلم أنه يجب أن أراك في هذه الليلة، فأين أجدك؟

– أتريدين أن أنتظرك في شارع سربنت؟

– كلا … فقد يمكن أن يقتفوا أثري.

– إذن، أين تريدين؟

ففكرت فاندا هنيهة وقالت: في الساعة الثامنة من هذا المساء وراء تياترو فاندسور.

– سأحضر في الوقت المعين.

ثم خرجوا جميعهم، فذهب نويل ومدلين في مركبة، وذهبت فاندا في مركبة أخرى إلى المنزل الذي كانت تقيم فيه أنطوانيت، فرأت أن أجينور قد ذهب، ولكنها بقيت هناك مرتون الحسناء، وهي شبيهة بالمجانين لخوفها على أنطوانيت، فقالت لها فاندا: ألا تثقين بي كما كنت تثقين من قبل؟

وكان هذا الكلام بلسمًا لجراحها، وقالت لها: نعم فإني أعلم أنك قادرة.

– إني أقدر على كل شيء، إذا كنت أجد حليفًا مساعدًا.

فنظرت إليها مرتون بعينين تتقدان، وقالت: مري فإني أطوع من العبيد.

– إذن، فاتبعيني إذ لا بد لنا من إيجاد أنطوانيت.

ثم خرج الاثنان وركبتا مركبة وذهبتا.

٣١

بعد يومين من الحوادث المتقدمة، وفي الساعة السابعة من الصباح وقفت مركبة أمام قصر كارل دي مورليكس، ووراءها مركبة أخرى تحمل أمتعة، فكان في مركبة الأمتعة خادمان وهما بيريتو الإيطالي وبطرس السائق، وفي المركبة الأولى مسافران وهما كارل دي مورليكس وإيفان دي بونتيف.

وكانت المودة استحكمت بين كارل وإيفان في مدة السفر، حتى بات إيفان يثق بكارل ثقة لا حد لها، وأخص أسباب هذه الثقة أن كارل وعده أن يجد له مدلين.

ولما وقفت المركبة نزلا منها، فأخذه كارل بيده قائلًا: هلم معي، فإن هذا القصر قصرك وقد أعددت لك فيه الدور الأول.

ثم صعد به إلى محل الذي أعده له، وكان بيريتو يظهر حنوًا عظيمًا على إيفان، فإنه بينما كان الخدم يخرجون الأمتعة من المركبة كان يظهر لهم إشفاقه وخوفه على سيده إيفان، وأنه مجنون وأعراض جنونه ناتجة عن هيامه بفتاة لا وجود لها.

فكان الخدم ينظرون إلى إيفان ساكتين مشفقين، وكلهم واثقون أن إيفان من المجانين.

وبينما كانوا يتباحثون في جنون إيفان وغرامه، كان كارل مورليكس في غرفته يفض أختام رسائله ويطالعها، وقد عثر بينها على رسالة من تيميلون ففضها بيد مرتجفة، وقرأ ما يأتي:

سيدي الفيكونت

مررت أمس بمنزلك فأخبرني البواب أنه ورد منك تلغراف من برلين وهو ما يدل على أنك رجعت من روسيا، فلا تضع الوقت عند عودتك وأسرع إلى المدموازيل جينين، فإنها تنتظرك في شارع لندرا، وقد قبضت على أنطوانيت، فليطمئن بالك، فإنها في محل أمين.

تيميلون

ثم فتح كتابًا آخر علم أنه وارد إليه من طبيب خاص بمعالجة المجانين، يقول له فيه إنه مستعد لمعالجة الضابط الروسي (أي إيفان) وأنه يؤمل أن يشفيه بوقت قريب، ولكنه لا يستطيع الجزم قبل أن يرى المريض، ولذلك فهو سيزوره غدًا في منزله، فإذا وجد المريض ممكنًا شفاؤه أخذه إليه بحجة من الحجج.

فلما قرأ الفيكونت هذا الكتاب نظر في ساعته فإذا بها قد بلغت الثامنة، فقال في نفسه: كنت أود أن أذهب إلى ابنة جيبين، ولكن لا بأس فلننتظر الطبيب.

ولم يطل انتظاره، فإنه سمع بعد ربع ساعة أن الباب الخارجي يطرق، فأطل من النافذة ورأى أن الطارق طبيب المجانين فأمر بإدخاله إليه.

وخلا الطبيب بكارل، فأخبره الفيكونت عن نوع جنون إيفان وبالغ ما شاء بثروة عائلته كي يطمعه، ثم قال: إنك لا تستطيع أن ندرس الآن نوع جنونه إلا بالمحادثة، وستتم أبحاثك حين يغدو عندك، والآن فإننا على وشك العودة من سفر طويل، وقد أخذ منا الجوع، فسنجلس جميعًا على المائدة وأقدمك لإيفان بصفتك من أصحاب الأملاك.

وهو لا يعرف باريس، فتعرض عليه منزلك في شارع باسي كي يقيم فيه مع حبيبته مدلين، وهي لا وجود لها إلا في مخيلته كما أخبرتك، فإذا بلغت إلى منزلك، حجرت عليه مع من عندك من المجانين، وعالجته كما تشاء، فيكون لك غنم كبير إذا تمكنت من شفائه؛ فإنه وحيد أبيه، وهو من أغنى الأغنياء.

وبعد ساعة كانوا جميعهم على المائدة، فلما فرغوا من الطعام جعلوا يتحدثون فكان كارل يدفع إيفان إلى الكلام عن مدلين، وهو أحب حديث لديه فيندفع في الكلام عنها، ويذكر حوادثه السابقة بشكل يدفع الطبيب إلى الثقة بجنونه، لا سيما بعد أن أخبره كارل بما أخبره عنه.

ثم جعلوا يتنقلون في الحديث إلى أن أخبره الطبيب أنه يوجد لديه بيت خالٍ يليق أن يقيم فيه مع حبيبته مدلين، وسأله إذا كان يريد أن يراه بعد أن بالغ في وصفه، فتاق إيفان إلى مشاهدته، ودعاه إلى الذهاب معه، وكان كارل قد أعد المركبة، فاستأذن منه، وخرج مع الطبيب، وهو يحسبه من أصحاب الأملاك كما عرفه به كارل، ثم ركبا المركبة، فسارت بهما إلى شارع باسي.

وكانت هي المرة الأولى التي قدم فيها إيفان إلى باريس، فكان يدهش من مناظر شوارعها الجميلة، وقد انشغل بها عن محادثة الطبيب.

فبينما كانت المركبة تسير في شارع مزدحم بالمركبات وإيفان ينظر إلى المارة نظر المندهش؛ إذ حانت منه التفاتة إلى مركبة مرت بجانبه فصاح صيحة عظيمة قائلًا: هذه هي مدلين.

فانذعر بيريتو الخادم وخاطب نفسه: إذا كانت هذه مدلين حقيقة، فقد فسد حساب فاسيليكا وذهبت مساعي انتقامها أدراج الرياح.

أما إيفان فإنه استوقف السائق، فأجفل الطبيب وسأله: ماذا تصنع؟

– هو ذا مدلين قد مرت.

ثم وثب من المركبة وهو لا يلوي على أحد، وجعل يركض وراء المركبة التي رأى فيها الفتاة ويصيح بالسائق أن يقف وينادي مدلين.

فوقفت المركبة واحتشد الناس من حول إيفان وتلك الفتاة، وقد دهشوا حين رأوه دنا منها وجعل يكلمها بلهجة الحب الشديد وهي تنظر إليه منذهلة لا تفهم ما يريد إلى أن قالت له: إنك واهم يا سيدي، لأني لا أدعى مدلين بل كارولين وما رأيتك من قبل.

فلما سمع إيفان صوتها تراجع عنها بعد أن اعتذر إليها ألطف اعتذار، وكان الطبيب قد أسرع إليه وعاد به إلى المركبة، فلما رأى الناس الطبيب يصحبه وهو مشهور بينهم، عرفوا أن الفتى مجنون، فتفرقوا وهم بين ضاحك لما اتفق، وآسف لحالة هذا الشاب وجنونه، وهو في مقتبل العمر وريعان الصبا.

أما إيفان؛ فإنه جلس بجانب الطبيب، فسارت بهما المركبة، وهو يقول: ما أعجب التشابه؛ فإني لولا صوتها لما شككت أنها مدلين.

ولكن الطبيب لم يبقَ لديه بعد هذا القول، أدنى شك أنه من المجانين، فقال له: عجبًا! كيف أن هذه الفتاة كارولين تشبه حبيبتك مدلين هذا الشبه؟

– إن ذلك من غرائب الطبيعة، ولكني سمعتك تقول: إن هذه الفتاة تدعى كارولين فهل لك بها معرفة؟

– أعرفها كما يعرفها أكثر أهل باريس؛ لأنها من شهيرات بنات الهوى.

فأطرق إيفان هنيهة، ثم عاد ينزه نظره في الشوارع والمركبة تسير بهما على عجل حتى اجتازت مسافة بعيدة.

وقبل أن تدخل في شارع باسي رأى إيفان مركبة تسير بسرعة شديدة، ورأى فيها رجلًا وامرأة فصاح صيحة جديدة قائلًا: لا يمكن أن أكون مخطئًا هذه المرة فهذه هي مدلين.

ثم حاول أن يشب من المركبة فمنعه الطبيب وقبض عليه بيد من حديد.

ولم يكن إيفان مخطئًا؛ لأن التي رآها في المركبة كانت مدلين نفسها وهي ذاهبة مع نويل. وقد رأته هي أيضًا فاضطربت اضطرابًا شديدًا وضغطت على ساعد نويل.

أما الطبيب فإنه منعه من الوثوب إلى المركبة، وقال: إنك لا تستطيع أن تدرك مركبتها الآن؛ لأنها تسير بسرعة شديدة.

وكان الطبيب قد تبدل نظرة سرية مع بيريتو، ولم يعد لديه أقل ريب بجنونه؛ لأنه ادعى مرتين أنه رأى مدلين، فتعاون الخادم عليه، وقال له: لا حاجة إلى وثوبك من المركبة والعدو لأن إيجادها من أسهل الأمور.

– كيف أستطيع إيجادها؟

– ذلك لأني عرفت نمرة المركبة التي تسير فيها وهي ٣١١٩.

– وإذا كنت عرفت النمرة؟

– نذهب إلى إدارة شركة المركبات بعد زيارة منزلي فنعرف من النمرة السائق، وهو يدلنا على المنزل الذي ذهبت إليه مدلين.

فوثق إيفان من قوله، وكانت المركبة قد بعدت بعدًا شاسعًا في خلال الحديث، فاستمرت في سيرها حتى بلغت ذلك المسكن الذي أعده الطبيب مستشفى للمجانين.

فدخلت المركبة في ردهة المسكن، وأسرع الخدم إلى استقبالها، فأقفلوا في الحال الباب الكبير دون أن ينتبه إيفان لما يفعلون، ثم دخل الطبيب إلى قاعة فسيحة وقرع جرسًا فأقبل إليه ثلاثة عليهم ملابس رجال الصحة، فدفع إليهم إيفان قائلًا لهم: هو ذا ضيف جديد، أريد أن تعتنوا به كل الاعتناء، وأن تبدأوا بعلاجه بالماء البارد إلى أن أعود.

ثم تركهم وانصرف.

فأحاط الثلاثة بإيفان وقد دهش دهشة شديدة لما رآه، فقال لهم: ماذا تريدون مني؟

فجعل كل منهم ينظر إلى الآخر ويبتسم إلى أن قال له أحدهم: هلم معنا إلى الحمام البارد لأنه ينفعك.

فصاح إيفان صيحة منكرة وقد علم من ملابسهم وكلامهم أنه في مستشفى المجانين.

أما الثلاثة فإنهم هجموا عليه وقادوه بالعنف، فكان بيريتو الخادم يضحك من ورائه معجبًا بسيدته فاسيليكا وبانتقامها الغريب.

٣٢

ولنعد الآن إلى كارل دي مورليكس، فإنه بعد أن خرج من منزله الطبيب وإيفان أسرع بالخروج في أثرهما، فركب مركبة وذهب بها إلى شارع لندره؛ حيث كتب له تيميلون أن يقابله في بيت عينه له ابنه الكولونيل جيبين.

فلما وصل رأى تلك الفتاة بانتظاره، فقال لها: إني الفيكونت كارل دي مورليكس.

فانحنت الفتاة أمامه باحترام، وقالت: إني أعلم يا سيدي السبب في قدومك، فتفضل بالانتظار هنيهة إلى أن يعود تيميلون، فقد ذهب أبي يدعوه.

– من أين؟

– من المحل المحبوسة فيه الصبية؛ لأنها ليست في هذا المكان.

وبعد هنيهة جاء تيميلون فأطلق سراح الفتاة، وجلس بإزاء الفيكونت، ودار بينهما الحديث الآتي:

قال تيميلون: إن أنطوانيت باتت في قبضة يدي الآن.

– لقد كتبت لي عن ذلك.

– وهي لا تفلت مني في هذه المرة.

– ما دام روكامبول موجودًا لا أثق بشيء.

– أوثقت من قوته الآن؟

– كل الوثوق.

– أظن أنك التقيت به في روسيا؟

فهز كارل رأسه إشارة إلى المصادقة وقد اصفرَّ وجهه لذكر تلك الحوادث.

فابتسم تيميلون وتابع: لقد علمت بعض حوادثك معه، فقد ظفرت بمدلين، ثم أنقذها منك.

فعض الفيكونت شفته من الغيظ وأجاب: لا بد لي من إيجادها.

– وأنا كذلك.

– ولكن روكامبول لا بد أن يكون حذرًا عليها كل الحذر.

فضحك تيميلون وأجاب: ستقص علي حوادثك فيما بعد. والآن، اسمع حوادثي، فإني تركت ابنتي في إنكلترة إذ لولاها لما غلبنا روكامبول في المرة الأولى، وعدت إلى باريس، ولكن أتعلم إلى أين ذهبت؟

– كلا، وكيف تريد أن أعلم؟

– إني ذهبت توًّا إلى إدارة البوليس فسلمت نفسي؛ لأني كنت متهمًا بسرقة منزلك، ولكنهم أطلقوا سراحي، أتعلم لماذا؟

– ألعلك أثبت لهم براءتك؟

– لم أتكلف إلى ذكر كلمة بهذا الشأن، ولكني عرضت عليهم تسليم روكامبول مقابل إطلاق سراحي.

فهز كارل رأسه وأجاب: لقد جريت شوطًا بعيدًا في أحلامك؛ لأن روكامبول لا يؤخذ.

– إنك منخدع يا سيدي الفيكونت، فإنه سجين منذ ساعة.

فوثب كارل عن كرسيه وهو لا يصدق ما يسمع وسأله: أحقيقة ما تقوله أم أنت تهزأ بي؟

– كلا، فلا أقول لك غير الحق.

– ولكنه سيفر من السجن.

– إنهم قد اتخذوا الاحتياطات الشديدة، فلم يبق له سبيل إلى الفرار.

– ولكنهم سيعيدونه إلى سجن طولون، وسيفر كما فر من قبل.

– كلا إنك منخدع أيضًا؛ لأن روكامبول قد اتهم في سجن طولون بالاشتراك بقتل أحد وكلاء السجن الذي قتله أحد أصحابه انتقامًا لكلبه، فهم سيحكمون عليه بالإعدام، وليس بالسجن كما توهمت الآن، فإذن لم يبقَ خوف من روكامبول، فلنتحدث فإن روكامبول قد عاد من روسيا بمدلين.

فبدت علائم الاضطراب في وجه كارل، وقال: أين هي مدلين؟

– ستكون في قبضتي حين أشاء.

– إذن، ستقبض عليها في الحال.

– كلا، إذ يجب قبل ذلك أن نتفق.

– إنك تريد أن نتفق على مبلغ جديد؟

– دون شك.

– قل إني مصغٍ إليك.

– إن العيش في إنكلترا أدعى إلى النفقة منه في فرنسا، ومن عاشر الإنكليز ونظر إلى نفقاتهم يحسب الفرنسيين فقراء بإزائهم.

– وبعد ذلك؟

– إن من يكون دخله ٢٥ ألف فرنك في فرنسا يحسب نفسه غنيًّا، وأما هذه القيمة في إنكلترا فهي تدل على المسكنة، وأنا أحب العيش في تلك البلاد.

فحملق كارل بعينيه وسأله قل: ماذا تريد؟

– أريد أن أبيعك أولئك الثلاثة الذي حرموك لذة الرقاد مبتدئًا بروكامبول؛ فكم تقدر ثمنه؟

– لا أعلم.

– ثم أنطوانيت ثم مدلين. أما روكامبول فلا حاجة إلى الاهتمام به الآن، وأما الأختان فإن شأني معهما غير شأني مع روكامبول على أني أسلمهما لك أو أفعل بهما ما تريد.

– كم تطلب مقابل ذلك؟

فأجابه تيميلون ببرود مليون فرنك فقط.

– مليون فقط! لا شك أنك مجنون.

فنهض تيميلون عن كرسيه وأجاب: إني كنت أتوقع منك مثل هذا الجواب، ولكن يجب أن تعلم أني لا أنقض شيئًا من مطالبي.

– وأنا أعيد إليك ما قلته وهو أنك مجنون.

– إنك مخير بين الرفض والقبول.

فضرب كارل الأرض برجله ورد: ويحك! كيف تجسر على مثل هذا الطلب ألا تعلم كم يبلغ المليون؟

– لا أنكر أنه ثمن فاحش، ولكني أعرف رجلًا آخر يعطيني هذا المليون دون تردد.

– من هو هذا الرجل؟

– هو ابن أخيك أجينور دي مورليكس.

فنظر الفيكونت إلى تيميلون نظرة منكرة، وساد بين هذين اللصين سكوت فصيح، يدل على أن حياة الأختين اليتيمتين معقودة على كلمة تصدر من فم الفيكونت.

٣٣

ولنعد الآن إلى أنطوانيت فلقد تركناها جاثية على ركبتيها، وقد ملأ الذعر قلبها، وهي تستعيذ بالله من شر بوليت وشيفيوت.

فكان بوليت يقول لها وقد بدت في وجهه ملامح الفرح الوحشي: إنك لا تنكرين حبِّي ولا تفلتين من يدي هذه المرة.

وكانت شيفيوت تدنو منها متهددة منذرة فتقول: إنك خرجت من السجن ميتة، ثم ردت إليك الحياة، ولكنك ستموتين هنا، ولا ترد إليك الحياة!

ثم تهددها بقبضتها وتحاول ضربها.

وكانت أنطوانيت راكعة تصلي دون أن تحاول الدفاع.

ولكن يد شيفيوت قبل أن تصل إلى أنطوانيت قبض عليها بوليت من وسطها وألقاها بعيدًا عنه في أرض الغرفة، وهو يقول: احذري بعد ذلك أن تمسي هذه الفتاة بسوء.

غير أن شيفيوت لم تكترث لما أصابها من بوليت، فنهضت من سقوطها وهجمت مغضبة على أنطوانيت، فحال دونها بوليت، وجرى بينهما قتال عنيف.

وكانا يتشاتمان بأقبح ألفاظ السجون، فيتلاكمان ويتضاربان ويفترقان ويتلاحمان، كل ذلك وأنطوانيت تنظر إلى هذين العدوين الهائلين نظرات الرعب وهي تتمنى النصر لشيفيوت؛ لأنها تؤثر ألف مرة أن تموت بضرباتها على أن تقع في قبضة ذلك الفاسق الذي يدافع عنها.

وفيما هما يتقاتلان — وقد يئست أنطوانيت من النجاة — فتح الباب ووقف على عتبته رجل، فاضطرب لمنظره المتقاتلان، وتراجعا إلى الوراء، وقد صبغ وجههما بحمرة الخجل.

وكان هذا الرجل تيميلون فانتعش فؤاد أنطوانيت حين رأته؛ لأنها لم تكن رأته من قبل، فحسبت أنه قادم لإنقاذها فأسرعت إليه، وقالت له بلهجة المتوسل: أنقذني يا سيدي بحق السماء.

غير أن تيميلون لم يجبها، بل نظر مغضبًا إلى بوليت وشيفيوت، وقال لهما: أوضحا لي أسباب هذا الخصام.

فدنت شيفيوت وقالت: إن هذه الفتاة أساءت إلي إساءة شديدة في سجن سانت لازار، ولما رأيتها أردت أن أنتقم منها فمنعني بوليت.

فقال تيميلون لبوليت: وأنت ماذا تقول؟

– إن أمري بسيط، وهو أني أحببت هذه الفتاة، ولا أريد أن يضربها أحد.

– إني لا أؤذن لأحد منكما بالإساءة إليها، فإني وضعتكما معها لحراستها ومنعها عن الفرار فاخرجا الآن، واعلما أنكما إذا عصيتما أوامري أرجعتكما إلى السجن، إنكما لا تخرجان منه إلا بوساطتي.

فخرج الاثنان، وعلمت أنطوانيت أن هذا الرجل الذي كانت ترجو أن ينقذها كان ألدَّ أعدائها.

أما تيميلون فإنه أقفل الباب ودنا منها، فقال: ألا تعرفينني يا سيدتي؟

فقالت وهي ترتجف من الخوف: هذه هي المرة الأولى التي أراك فيها، ولكني أسألك بالله يا سيدي أن توضح لي ما يكتنفني من الأسرار.

– إن الأمر بسيط، فإنك تعرفين تاريخك حق العرفان، ولا سبيل إلى كتمان الحقيقة عنك، فأنا الذي قبضت على ميلون، وإن الكولونيل الذي رأيته كان من خدمي، وتلك الفتاة التي كانت تصحبه من بنات الهوى، وإنما مثلنا هذا الدور للقبض عليك وعلى ميلون.

فاشمأزت أنطوانيت من حديثه، وقالت له: ماذا تريد من القبض علي؟ وبماذا أسأت إليك؟

– إنك ما أسأت إلي بشيء، ولكن وجودك مثقل على بعض الناس، وقد وضعوا المبالغ الطائلة في سبيل القبض عليك وحبسك في هذا المكان، ثم تركها وانصرف دون أن ينظر إليها أو يسمع ما تجيب.

أما أنطوانيت فإنها أيقنت بأن عدوها واحد، وأنه هو نفس الذي ألقاها في سجن سانت لازار، فركعت وجعلت تصلي ملتمسة بصلاتها عزاء عما هي فيه، فلما فرغت من صلاتها ذهب عنها ما كانت تلقاه من الخوف، وباتت تعتقد أنه لا بد لروكامبول وأجينور من إنقاذها.

وكان باب الغرفة مقفلًا من الخارج والنافذة مقفلة أيضًا، ولا سبيل إلى فتحها لالتصاق خشبة فوق مصراعيها، وضعت خاصة لمنع فتحها، فكانت أنطوانيت في ظلام دامس لولا بقية شمعة كانت تنير الغرفة، فلما انتهت تلك البقية وانطفأت الشمعة ساد الظلام فعاد الرعب والهواجس إلى فؤادها.

ولكن بعد هنيهة سمعت أن الباب انفتح، ثم رأت شيفيوت داخلة تحمل شمعة، وفي أثرها بوليت يحمل مائدة عليها بعض الطعام، فوضعت شيفيوت الشمعة في مكانها، ووضع بوليت الطعام أمام أنطوانيت. ثم خرجا دون أن يفوها بحرف واحد، ولكنهما نظرا إليها نظرتين كانتا تشف إحداهما عن الحقد الشديد، والأخرى عن الغرام الأكيد، فكانتا أبلغ من كل كلام.

وظلت أنطوانيت على هذه الحالة سبعة أيام لا ترى أحدًا من الناس غير هذين الحارسين، وهي لا تراهما إلا حين يحضران الشمعة والطعام.

ولقد لقيت في أثرها عناء شديدًا، فكانت تارة تصلي فترجو، وتارة تذكر حبيبها وكلام تيميلون فتبكي وتقنط، وتفكر فيما تجده من نظرات بوليت وشيفيوت فتضمحل قواها من الخوف، وتسقط على الأرض واهية، وقد تمكن منها الهزال في هذه الأيام السبعة حتى أيقنت بقرب الموت، وجعلت تشتهيه.

ولما كان اليوم السابع وهي لا تعلم أكان ذلك في النهار أم في الليل؛ لأنها كانت في غرفة لا ينفذ إليها أقل شعاع من نور السماء سمعت حديثًا خارجًا من الغرفة المجاورة لها فدنت من الجدار، وجعلت تصغي إلى الحديث؛ فعلمت من صوت المتحادثين أنهما تيميلون وشيفيوت، فسمعت منهما ما يأتي:

قالت شيفيوت: إني أرى على وجهك علائم السرور والارتياح، فهل قضي الأمر؟

– نعم فقد قبضت المال، ونلت جميع ما طلبت.

– إذن، فإن أنطوانيت أصبحت لي دون منازع أنتقم منها كما أشاء.

– كلا، بل هي لك ولبوليت على السواء.

– ولكني لا أرتضي بهذه الشركة.

– لماذا؟

– لأن بوليت يحبها، فلا يأذن لي بقتلها.

– ربما كنت مصيبة.

– وهي إذا بقيت في قيد الحياة تفسد جميع أموركم، وإذا كنتَ قد قبضت ثمن موتها فلماذا تريد الإبقاء عليها؟

– لقد أصبت فافعلي ما تشائين.

ففرحت شيفيوت فرحًا وحشيًّا، وهمت أن تدخل إلى أنطوانيت، فأوقفها تيميلون وقال: احذري من أن تدفعيها إلى الصياح! لأن الجيران كثيرون.

– لا تخف لأني سأخنقها خنقًا ولا أدعها تصيح.

– وبعد ذلك؟

– لا يعنيني أمرها فإنه متعلق بك.

– نعم إنه يوجد لحسن الحظ قبو ندفنها فيه، فافعلي ما تشائين، وسأعود إليك بعد ساعة لأعد معدات دفنها.

ثم خرج فسمعت أنطوانيت وقع أقدامه، وسمعت شيفيوت تشتم أقبح الشتائم الدالة على الوعيد، ثم انقطع صوتها، فعلمت أنها قادمة إليها، وأن الساعة الرهيبة قد دنت.

فتراجعت أنطوانيت إلى النافذة المسدودة وقد قنطت من الحياة، وعولت على الدفاع حتى الموت، ولكنها ما وصلت إلى النافذة حتى سمعت من ورائها صوت قرع عليها فسرت إلى فؤادها روح الحماسة، وأيقنت أنه لم يقرع النافذة غير القادمين لنجاتها.

فوضعت فمها على تلك النافذة، وقالت: اكسروها فإنها مسدودة، أنجدوني فسوف يقضى علي …

وعند ذلك فتح باب الغرفة ودخلت منه شيفيوت.

٣٤

ولنعد الآن إلى فاندا التي تركناها مع مرتون آخذين بالبحث عن أنطوانيت، فإن فاندا كانت تخرج معها كل يوم متنكرين فتطوفان أنحاء باريس ولا تدعان وسيلة للبحث والتنقيب، ثم تعودان خائبتين دون أن تظفرا بأثر يرشدهما إلى أنطوانيت.

وظل هذا دأبهما إلى اليوم السابع، فإنهما بينما كانتا تطوفان في أحد الشوارع رأت مرتون بوليت خارجًا من خمارة وهو يتهادى من سكره، فنبهت فاندا إليه، وقالت لها: هو ذا الرجل الذي كان معنا حين قبض البوليس علينا مع أنطوانيت، وأرسلنا إلى سجن لازار، ولا بد أن يكون لخروجه من السجن علاقة بأنطوانيت.

– وكيف ذلك؟

– ذلك أنه هو الذي اختطف أنطوانيت أول مرة بإيعاز من تيميلون، وجاء بها إلينا؛ لأننا كنا عصابة واحدة، ثم سجن معنا فحكم عليه بثلاثة أعوام على الأقل، ولو كان هرب من السجن كما هربنا منه لما تجاسر أن يمشي في مثل هذا الشارع المطروق في رائعة النهار.

– هو الحق ما تقولين.

– والذي أراه: أن الحكومة أطلقت سراحه بطلب تيميلون، وأن تيميلون قد دخل في خدمة البوليس كما كان يفعل من قبل، ولما كان هو الذي اختطف أنطوانيت في المرة الأولى فلا بد أن يكون هو الذي اختطفها الآن.

– وهذا أيضًا لا ريب فيه.

– إذن، فلا بد أن يكون بوليت عارفًا أين توجد أنطوانيت. فهلم بنا إلى اقتفاء أثره.

فاستحسنت فاندا رأيها، وأيقنت من صوابه وسارتا في أثره.

أما بوليت؛ فقد كان أخذ السكر منه مأخذًا عظيمًا؛ فجعل يسير وهو يعربد ويتمتم ويذكر اسم أنطوانيت، ثم يذكر تيميلون مغضبًا، ويقول: لا بد لي من الاستيلاء عليها ولو كره تيميلون.

وكان يمشي ومرتون وفاندا بأثره، وهو لا يشعر بهما حتى وصل إلى الغرفة التي كان يقيم فيها قبل أن يسجن.

وكانوا قد أخذوا منه مفتاحها في السجن، فلم يكترث لذلك، وأخرج خنجره من جيبه كي يكسر به القفل، فانكسر الخنجر ولم يفتح الباب، فغضب غضبًا شديدًا، وتراجع متحفزًا ثم صدم الباب صدمة قوية فكُسر، ودخل إلى غرفته القديمة، فدخلت المرأتان على الفور في أثره، فلم يشعر إلا وهما واقفتان عند مدخل الغرفة تمنعانه عن الخروج.

فدنت مرتون وهي تقول لفاندا: ابقي مكانك يا سيدتي؛ فلا يخلق بمن كان مثلك أن يتدانى إلى محادثة هذا الشقي، وأنا كفؤ له.

فوقفت فاندا عند الباب كي تحول دون فراره إذا حاول الفرار، وعلم بوليت أنه أخطأ خطأ عظيمًا لكسره خنجره.

ولكن السكر أضل صوابه فلم يحذر في بدء أمره من هاتين المرأتين، إلى أن دنت منه مرتون ورأى في عينيها ما يدل على الشر فتراجع قليلًا، وقال لها: ماذا تريدين؟

– إني أتيت مع هذه السيدة قصد ممازحتك.

– ولكني لا أعرف هذه السيدة.

– لا بأس، فسأعرفك بها.

فضحك بوليت ضحكًا عاليًا دفعه إليه السكر، فاقتربت مرتون خطوة منه، وقالت له: أراك قد كسرت خنجرك.

– كسرته حين معالجتي قفل الباب.

– إن خطأك لم يقتصر على كسر خنجرك، فإنك قد أكثرت من الشراب حتى ذهب السكر بعقلك.

فغضب بوليت وقال: وماذا يهمك أمري؟ ألعلك امرأتي؟

– إني لا ألومك هذا اللوم إلا لخيرك؛ لأن إفراطك بالسكر يؤذيك.

– وما يهمك كل ذلك؟

فتقدمت خطوة أيضًا وقالت: قلت: إن ذلك لا يهمني، بل يهمك؛ فلولا سكرك لبقي لك خنجرك تدافع به عن نفسك عند الاقتضاء، ولولا سكرك لما أصبت بهذا الضعف، حتى إنك لا تستطيع الوقوف.

– أتظنين أني ضعيف لهذا الحد؟

– بل أؤكد.

– ولكني لم أفهم شيئًا مما تريدين، فماذا تقصدين من هذه الأقوال؟

فاقتربت منه وقالت: أولًا أريد أن أمازحك.

– وثانيًا؟

– أريد أن أعرف كيف أصبحت مطلق السراح، وقد غادرتك في السجن؟

– ذلك لأني هربت منه.

– كذبت.

– كيف عرفت أني كذبت؟

– لأني علمت أن تيميلون أخرجك منه، وهو ما يدل على أنه عاد إلى خدمة الحكومة.

فما تجاسر بوليت على الإنكار، وعند ذلك وضعت مرتون يدها على كتفه، وقالت له: قل لي كيف حال أنطوانيت؟

فارتعش بوليت لهذا السؤال واصفرَّ وجهه، وقال لها ولسانه يتلعثم: ماذا يهمك أمرها؟

– أحب أن أعرف شيئًا عنها.

فأجاب بلهجة وحشية: إنها على خير حال ولا أزال على هيامي بها.

ولكنه قبل أن يتم كلامه هجمت مرتون عليه وصدمته صدمة شديدة، فسقط على الأرض لسكره، فركعت فوق صدره، وقبضت على يديه حتى لم يعد يستطيع حراكًا؛ فجعل يصيح ويستغيث، ولكن غرفته كانت منعزلة في شارع مقفر، فقالت له: لا تزعج نفسك بهذا الصياح إذ لا يسمعك أحد.

– إذن، ماذا تريدين مني؟

– قلت لك: إني أريد أن أمازحك.

ثم نظرت إلى فاندا التي كانت لا تزال واقفة دون حراك نظرة سرية، ففهمت قصدها، وللحال فكت أزرار صدرها، وأخرجت ذلك الخنجر الذي طعنت به كارل دي مورليكس، ثم تقدمت ودفعته لمرتون.

وكان بوليت جبانًا، وقد زاده سكره خوفًا وحطة، فلما رأى نصل ذلك الخنجر يبرق في يد مرتون، ارتعدت فرائصه جزعًا، وقال لها: ماذا تريدين؟

فوضعت الخنجر فوق عنقه وقالت: إنك تعرفني من أنا، وتعلم أني لا أخلف بما أقول، فإذا لم تقل أين أنطوانيت …

فاضطرب بوليت لذكرها، وقال: إني أحبها.

ولكنه شعر أن الخنجر قد وخز عنقه، فصاح صيحة الخائف، وقال: لا تفعلي!

– إذن، قل لي: أين الفتاة وإلا قتلتك دون إشفاق.

فتردد هنيهة كأنه يحاول أن يختلق قولًا، فما أمهلته مرتون، ووخزته بالخنجر فجرحته جرحًا خفيفًا أسال دمه، وقالت له: إذا لم تسرع بالقول أغمدت هذا الخنجر في عنقك.

– كفى! كفى بالله!

– أتقول: أين هي الفتاة؟

– أقول كل شيء فارفعي هذا الخنجر.

فرفعت مرتون خنجرها وهي لا تزال رابضة على صدره، وقالت: قل أين الفتاة؟

– إنها في قبضة تيميلون.

– أعرف ذلك، ولكن أين هي؟

– في شارع بلفوند.

– في أي منزل؟

– نمرة ٢١.

– ومن يحرسها الآن؟

– تيميلون وشيفيوت، انهضي عني بالله، فقد عرفت كل شيء؟

– قل إذن، يجب أن تخبرني بجميع ما حدث.

– لا أعلم شيئًا سوى أن تيميلون أخرجني من السجن مع شيفيوت وعهد إلينا بحراسة أنطوانيت، فإذا خرجت شيفيوت توليت مكانها، وإذا خرجت تولت مكاني.

– وهل تسيء شيفيوت معاملتها؟

– لا تستطيع الإساءة إليها وأنا هناك.

وعند ذلك رأت فاندا أن الحديث قد انتهى مع هذا الرجل، وأنه آن لها تتداخل، فدنت منهما وقالت لمرتون: يجب أن نستوثق من صدق هذا الرجل؛ لأني لا آمن أن يكون حديثه زورًا، وحكايته مختلقة فابقي أنت بقربه، وأنا ذاهبة إلى ذاك المنزل الذي وصفه لأتحقق صدقه، وإنما أريد أن أعلم شيئًا عن صفة هذا البيت وعن الغرفة التي تقيم فيها أنطوانيت.

فأجاب بوليت: إنه بيت ذو طابقين يقيم في الدور الأعلى منه عائلة إنكليزية، وأنطوانيت في الدور الثاني، وبهذا البيت حديقة تحيط به من جميع جهاته، والغرفة التي تقيم فيها أنطوانيت تشرف على الحديقة، ولها نافذة تشرف على رواق، ولكنها مقفلة كي لا تجد سبيلًا إلى الفرار منها.

فاكتفت فاندا بما سمعت، ومضت في شأنها، وبقيت مرتون أمام بوليت تنذره بخنجرها ولا يستطيع الدفاع لسكره.

وذهبت فاندا فتنكرت بملابس الغسالات، ومضت إلى ذلك المنزل ترود حوله، ورأت تيميلون خارجًا منه دون أن يراها، ورأت شيفيوت مطلة من نافذة، ورأت الحديقة والغرفة المسجونة فيها أنطوانيت، والرواق الكائن تحت النافذة المقفلة المشرفة على الحديقة، فوثقت من صدق بوليت، وامتحنت سور الحديقة، وعلمت أسهل الطرق الموصلة إليها.

وعند ذلك عادت مسرعة إلى البيت المقيم فيه نويل مع أمه ومدلين، وقالت فاندا لنويل: إني محتاجة إليك في هذا المساء، فانتظرني إلى أن أرى مدلين.

ثم تركته وصعدت إلى مدلين، فلما رأتها فرحت بها فرحًا لا يوصف، وطوقت رأسها بذراعيها، وجعلت تبكي، وتقول: رأيت إيفان، ورآني وهو الآن في باريس.

وجعلت تقص عليها ما لقيته من التأثر الشديد حينما رأت إيفان في المركبة، فنظرت إليها نظرة المؤنب، وقالت: يجب علينا الآن أن نفتكر بأختك أنطوانيت.

فاصفرَّ وجه مدلين، وقالت: عفوك يا سيدتي، فلقد ذهب الطيش بصوابي حتى نسيت تلك الأخت العزيزة وما هي فيه.

– لا بأس؛ لأنك قد أصغيت لصوت قلبك، ولقد قلت لي: إن إيفان في باريس، وهو ما قدم إليها دون شك إلا للبحث عنك، ومتى كان كل من العاشقين يبحث عن الآخر فلا بد لهما من الالتقاء، ولكن يجب علينا قبل كل أمر أن نجد أنطوانيت، فإني قد وقفت على أثرها.

وصاحت مدلين صيحة فرحٍ، وقالت: أحقًّا ما تقولين؟

– لا أستطيع أن أزيد شيئًا على ما قلته، ولكني أدعوك إلى الرجاء.

– إن لي كل الثقة بك وبروكامبول.

– إن روكامبول سينجو بنفسه وسترينه.

ثم أخذت يدها بين يديها، وقالت لها: أتكونين طائعة لي؟

– كل الطاعة.

– وتعدينني أنك لا تخرجين من هنا إلا معي أو مع روكامبول؟

– أعدك وعدًا صادقًا بالامتثال.

– يجب أن تعلمي أن عدوك وعدو أختك واحد، وإنك معرضة للخطر الذي أصابها نفسه، فإذا خالفتني أقل مخالفة مدة غيابي وقعت في فخ العدو.

– أقسم لك أني لا أخرج من هنا، إنما أرجوك أن تخبريني متى نجد إيفان.

– بعد إنقاذ أنطوانيت.

ثم تركتها ورجعت إلى الغرفة التي تركت فيها نويل ينتظرها، فقالت له: قلت لك إني محتاجة إليك في هذه الليلة.

– متى؟

– عند منتصف الليل، وسأجيء إليك متنكرة بزي الغلمان، فتنكر أنت أيضًا، وأعد المعدات اللازمة لتسلق جدار وكسر نافذة، وانتظرني إلى أن أعود إليك، ولا تنس أن تتسلح بمسدس وخنجر.

فأحنى رأسه إشارة إلى الامتثال؛ لأنه بات يخضع لفاندا كما كان يخضع لروكامبول.

•••

لقد تركنا أنطوانيت في أحرج موقف، بين يأس يتولاها من دخول شيفيوت عليها بعدما سمعته من حديثها مع تيميلون وأنه أطلق لها السراح بقتلها، وبين رجاء بالنجاة حينما تراجعت منذعرة إلى النافذة وسمعت قرع طارق عليها ووضعت فمها عليها، وقالت: أدركوني واكسروا الباب، فإنها مسمرة من الداخل.

أما شيفيوت؛ فإنها فتحت باب الغرفة وهجمت عليها هجوم العقبان الكواسر دون أن تكترث لصياحها، وهي تقول: إنك لا تسلمين مني هذه المرة؛ لأن الرئيس أباح لي قتلك.

وجعلت تضغط على عنقها ضغطًا شديدًا حتى أوشكت أن تخنقها.

فدافعت أنطوانيت عن نفسها دفاع اليأس وأفلتت منها، وجعلت تصيح وتستغيث، فقالت لها: إن صياحك لا يطول؛ إذ لا بد لك من الموت.

ثم وثبت عليها وثبة ثانية فتخلصت منها أنطوانيت بعد عراك طويل، وجعلت تستغيث إلى أن أعادت عليها الكرة مرة ثالثة ففازت عليها وألقتها على الأرض، فركعت فوق صدرها وطوقت عنقها بيديها، فأغمضت أنطوانيت عينيها، واستسلمت للموت لعجزها عن الدفاع.

ولكن شيفيوت لم توشك أن تضغط على عنق أنطوانيت حتى سمعت البيت قد ارتج، ورأت النافذة قد كسرت ووثبت منها فاندا بملابس الغلمان، فأطلقت نار مسدسها على شيفيوت فوقعت الرصاصة في صدرها وسقطت تلك الشقية على الأرض وهي تشتم أقبح شتم والدماء تخرج من صدرها.

٣٥

ولندع الآن فاندا ونويل آخذين بإنقاذ أنطوانيت عائدين إلى روكامبول؛ حيث تركناه في السجن كما قدمنا.

وبعد أن قابله مدير الشرطة حبس في سجن البوليس ساعتين، ثم نقل إلى سجن مازاس، وذلك ما يؤيد ما قاله رئيس البوليس، وهو أنه لا يمكن استنطاقه والتحقيق في أمره إلا بعد أن يحضروا ميلون ويقرنونه إليه.

وأقام روكامبول في السجن أربعًا وعشرين ساعة، وهو سجن هائل يقيم فيه السجين وحده في غرفة مظلمة، فلا تحين ساعة استنطاقه حتى تضعف قواه ويتلاشى …

ولكن روكامبول لم يكن من أولئك الذين تهولهم السجون.

فإن من أقام عشرة أعوام في سجن طولون مقيدًا بالحديد تحيط به الأرصاد والعيون دون أن يضجر أو يبوح بسره لأحد؛ لا يتعبه سجن بسيط يقيم فيه يومًا أو يومين.

ومع ذلك فإن روكامبول كان يشعر بانقباض شديد في صدره، ولم تذق عيناه طعم الرقاد في تلك الليلة؛ حتى إنه بكى في سجنه بكاء الأطفال.

ولم يكن بكاؤه لخوفه من السجون ولصدور الحكم عليه بالإعدام؛ فإن من يتوب توبة صادقة لا يكترث للموت والعذاب غير أنه كان يبكي لإشفاقه على الأختين اللتين تركهما في قبضة عدو شديد ولا ناصر لهما غير فاندا.

ثم لما فرغ من بكائه شعر بحرج موقفه، فجثا على ركبتيه فصلى إلى الله مبتهلًا وختم صلاته بقوله:

رباه إني ما هربت من عقاب الإنسان إلا لأندفع إلى غمرات الخير وأفعل من الحسنات ما أكفر به عن ذنوبي السابقة، فأغثني برحمتك، وهبني من لدنك عونًا على إتمام ما شرعت به، ومهد لي السبيل لإنقاذ الأختين مما يكيده لهما رجال الشر، وأذن لي أن أرى مرة تلك المرأة التي أحببتها دهرًا طويلًا حب الإخاء ثم أعود إلى السجن فأقيم فيه إلى أن تحين ساعة لقياك الرهيبة.

ولا ألتمس منك منذ الآن إلى أن تحين تلك الساعة إلا أن تأذن لي بأن أنكر حقيقة أمري أمام القضاة، وأن تغتفر لي هذا الكذب؛ إذ لا أريد به غير النجاة لإنقاذ الأختين وأنت أعلم بما في القلوب.

وعند الساعة الثامنة من الصباح كان روكامبول لم ينم بعد، فجاءه السجان بالطعام أشكالًا مختلفة تدل على أنه كان مشمولًا بالرعاية.

وذلك أن مدير سجن مازاس أعجبه كبرياء روكامبول ومظاهر جلاله، فحتم أن البوليس مخطئ، وأنه قائد روسي لا شك فيه، فبالغ في إكرامه لاعتقاده أن القضاء سوف يكشف ظلامته متى تبين خطأه، وأمر أن يؤتى له بالطعام الشهي، وبالكتب لمطالعتها وتسلية أشجانه فيها.

وكان بين هذه الكتب التي أرسلها إليه لمطالعتها كتاب ضخم يتضمن تاريخ لويس الثالث عشر، وقد جيء به من مكتبة الثكنة الحربية.

وكان السبب في وجود هذا الكتاب في سجن مازاس أن أحد الصحافيين كان مسجونًا فيه فطلب مراجعة هذا التاريخ، ثم خرج من السجن وبقي التاريخ في السجن دون أن يرجعوه إلى المكتبة، فأرسله المدير مع ما لديه من الكتب إلى روكامبول.

ومن جملة عناية هذا المدير بروكامبول: أنه أذن له بالكتابة إلى من يشاء، فكتب رسائل كثيرة إلى موسكو وبطرسبرج إيهامًا لرقبائه: أنه روسي محض لا غش فيه.

وبعد أن فرغ من هذه المكاتيب جعل يقرأ تاريخ لويس الثالث، ثم خطر له خاطر فكتب فوق حاشية صفحة من صفحات الكتاب عدة سطور بحرف صغيرة متلاحمة لا يمكن تلاوتها إلا بنظارة مكبرة، ثم أخذ قطعة من الخبز فانتزع قطعة من لبابها وعالجها بالماء حتى باتت أشبه بالغراء فطلى بها جانبًا من تلك الصفحة التي كتب عليها، وألصق بها الصفحة التي تقابلها فباتت الصفحتان واحدة.

أما الذي كتبه روكامبول فلا يستطيع تلاوته غير فاندا، بقيت الطريق التي يمكن بها إيصال هذا الكتاب إلى فاندا، وهو ما يستحيل تنفيذه، ويشكل أمره على رجل غير روكامبول.

ولكن روكامبول كان يقول في نفسه إنه من حين قبض علي لا بد أن تكون فاندا أوقفت رقيبًا أمام الحقانية، فإما أن تقف هي بنفسها أو نويل أو مرتون.

ثم قال: إن المركبة التي تنقل المسجونين إلى السجون تقف عند باب الحقانية، وبين هذا الباب وغرفة قاضي التحقيق مسافة يجتازها المسجونون وخفراؤهم على الأقدام بين جماهير الناس، فلا بد لي أن أرى واحدًا من أصحابي الثلاثة بين الجماهير، ومتى رأيت واحدًا منهم هان علي الباقي.

فلما ختم روكامبول الصفحتين كما قدمناه رفع الكتاب إلى الحارس، وقال له: أرجوك أن تلتمس لي من المدير الجزء الثاني من الكتاب.

فأخذه الحارس إلى المدير ثم عاد بعد هنيهة، وقال لروكامبول: إن المدير قال: إن تصبر إلى الغد، فإن الجزء الثاني في مكتبة القلعة، وسيرجع إليها الجزء الأول، ويحضر لك غدًا الجزء الذي تطلبه.

فأحنى روكامبول رأسه إشارة الموافقة، وكان هذا جميع ما يبتغيه.

ومع ذلك فإن هذا الرجل القوي الذكي لم يتمالك عن البكاء، فجعل يبكي طول ليله بكاء المستغفر النادم لشدة إشفاقه على الأختين.

على أنه كان في قلبه جرح بليغ لا يشفيه إطلاق سراحه ولا تدمله الحرية.

وفي اليوم التالي جاء الشرطي عند الصباح كي يسير به إلى دار الحقانية، فلبس ملابسه وتأنق فيها بعض التأنق، وذلك أنه كان طلب أن يحضروا له ملابسه من منزله، فأرسلت الحكومة بوليسها لإحضار هذه الملابس لتفتيش منزله وحجز أوراقه.

وبعد أن فرغ من لباسه خرج به أحد رجال الشرطة، فركب وإياه المركبة الخاصة بالمسجونين.

ولم يكن هذا الشرطي معتادًا أن يقود مثل هذا المسجون، فكان ينظر إليه من حين إلى آخر نظرة إعجاب، ولا يتمالك عن الوقوف في موقف الاحترام، كما أن روكامبول كان يقلد حركات كبار الضباط، فيحذو حذوهم بإشاراته وكلامه كي لا يبقى شك أنه الماجور أفاتار.

وكانت المسافة بين سجن مازاس وبين الحقانية طويلة، ولا يمنع النظام الجنود عن محادثة المسجونين.

وجعل روكامبول يتحدث عن حرب القرم، وكان هذا الجندي من الذين حضروا حصار سباستول، فدهش مما سمعه منه من التفاصيل الصحيحة والدقيقة.

ثم استطرد روكامبول الحديث إلى ذكر الحكومة الروسية والطعن بأحكامها الاستبدادية، إلى أن قال لهذا الجندي: إن الحكومة الروسية تضطهده؛ لأنه من أحزاب الدستور المجاهرين بأفكارهم الحرة.

فأعجب الجندي من كلامه، وجعل يستزيده من الحديث، فيباحثه عن بولونيا، وهو يتدفق كالسيل، ويذكر المبادئ الحرة، وما تقاسيه تلك الشعوب من المظالم.

وكان الجندي يفتح من حين إلى حين علبة تبغ، فيلف سيكارة ويدخنها وهو مصغٍ إلى محدثه أتم الإصغاء، وقد طلب منه روكامبول سيكارة فسر الجندي سرورًا عظيمًا، وعد ذلك تنازلًا منه، وأسرع وقدم له ما طلب، وقد أعجب به إعجابًا شديدًا حتى قال روكامبول في نفسه: إن هذا الجندي بات خليقًا أن يشهد أنه رآني فوق أسوار سباستبول.

وبعد حين وصلا إلى دار الحقانية، فنزل الشرطي ونزل روكامبول وهو يقول له: إن انتظارنا لا يطول اليوم.

فقال له روكامبول ببساطة: ألعلنا نحتاج إلى الانتظار في غير هذا اليوم؟

– نعم، فقد يتفق أننا نضطر إلى الصبر ساعات في بعض الأيام مثال ذلك ما حدث لنا أول أمس، فقد أتيت إلى المحكمة بأحد المجرمين واضطررنا إلى الوقوف ثلاث ساعات.

– أأنت في الخدمة كل يوم؟

– كلا، بل يوم خدمة ويوم راحة.

– إذن، ستكون أنت حارسي إذا عدت إلى المحكمة بعد غد؟

فانحنى أمامه باحترامٍ، وقال له: نعم يا حضرة الماجور.

ولكن احترامه لم يمنعه عن أن يضع القيد في إحدى يديه حسب النظم المرعية.

وبينما هما يجتازان الممشى إلى المحكمة، وقد ازدحم الناس قرب سلمها رأى روكامبول شابًا أشقر الشعر نحيل الجسم ينزل درجات ذلك السلم، فارتعش؛ إذ علم أن هذا الشاب فاندا قد تنكرت بملابس الغلمان.

ولما رأته فاندا تظاهرت أن قدمها قد زلت، فنزلت أربع درجات مرة واحدة؛ بحيث التطمت بروكامبول، فشتمه، ثم أظهر أن الغضب قد تمكن منه، وجعل يتكلم باللغة الروسية بلهجة الشتائم، فكان ما قاله لفاندا: تاريخ لويس الثالث عشر المجلد الأول: مكتبة الثكنة الحربية.

وكان يقول هذه الكلمات مغضبًا وهو يقطعها تقطيعًا، ثم ذهب مع حارسه، وجعل يضحك ويقول: إن المرء عند الغضب تتغلب عليه لغته الأصلية؛ فلا يطلق لسانه إلا بها.

أما فاندا فقد برحت ذلك المكان لتذهب إلى حيث أمرها الرئيس.

٣٦

ولقد أصاب الحارس فيما قاله فإن المحكمة لم تكن أشغالها كثيرة في هذا اليوم، فإن قاضي التحقيق قد أجل النظر في كثير من الأمور للانصراف إلى قضية روكامبول، إذ قال في نفسه: إنه إذا وجد تيميلون قد قال الحق وكان هذا الماجور روكامبول الهارب من السجن، فلا بد من التأني في استنطاق مثل هذا الشقي الجسور.

فلما وصل الحارس بروكامبول أمر القاضي أن يدخلوه في الحال.

وكان هذا القاضي في عنفوان الشباب، ولكن مخائل الذكاء تجول بين عينيه، ولما مثل روكامبول بين يديه رأى على طاولته كثيرًا من الأوراق، علم أنها أوراقه ضبطت من منزله، وكان معظمها رسائل وردت إليه من روسيا.

ولكن كان بينها أوراق تؤيد خدمة الماجور أفاتار بالجيش الروسي، والفرامان الذي يثبت تعيينه، موقع عليه بتوقيع الإمبراطور.

فقال له قاضي التحقيق: إن الأوراق التي ضبطت في منزلك والبراءة الموجودة أمامي بتعيينك برتبة ماجور وشهادة المركيز ب الذي قدمك إلى النادي وعرفك بأعيان الباريسيين تدل جميعها على أنك الماجور أفاتار.

فلم يظهر عليه شيء من علائم الفرح؛ لأنه كان يعلم أن قضاة التحقيق يبدءون بتطمين المتهم وينصبون له الشرك؛ فأجابه: لا أسهل علي من أن أبرهن على هذه الحقيقة، على أنك لو كنت واثقًا من براءتي من هذه التهمة لما أوقفتني هذا الموقف ولأطلقت سراحي.

– هو الحق ما تقول، ولكن إذا كان ما لدي يثبت أنك الماجور أفاتار فلا يزال لدي أيضًا تهمة موجهة إليك يجب النظر فيها.

– ما هي؟

– هي أنهم يقولون: إنك تدعى جوزيف فيبارت الملقب بروكامبول.

– أهذا كل شيء؟

فقلب القاضي الأوراق بين يديه، وقال: إذا صدقت هذه التهمة كنت من الذين حكمت عليهم المحكمة الإسبانية بالسجن المؤبد، فسجنت في قاديس ثم هربت من السجن.

– وبعد ذلك؟

– وبعد ذلك عدت إلى فرنسا، فحكم عليك بالسجن ٢٥ عامًا مع الأشغال الشاقة.

فقال روكامبول بأنفة: لقد كنت عولت يا سيدي على أن لا أجيب بحرف، ولكني رأيت بعد التفكير أنه لا بد لي من الإيضاح.

– قل فإني مصغٍ إليك.

– إذا كنت حقيقة كما تقولون، أي أني مجرم هارب من السجن فلا أسهل عليكم من أن تضعوني أمام أولئك المسجونين وتسمعوا ما يقولون؛ إذ لا بد لهم أن يكونوا قد عرفوني مدة إقامتي معهم.

فلم يجب القاضي بشيء، ولكنه قرع جرسًا فدخل حاجب، فأشار القاضي إشارة فهم معناها وخرج.

فأطرق روكامبول رأسه إلى الأرض، وانقطع الحديث بينهما، وبعد هنيهة فتح الباب ودخل منه رجل مع الحاجب، ولكن روكامبول لم ينظر إليه، أما هذا الرجل فكان ميلون.

فحدق القاضي بميلون وهو يقول في نفسه: إنه إذا كانت تقارير تيميلون صادقة فلا بد لميلون أن يظهر اضطرابه حين يرى روكامبول؛ لأنه صديقه ورئيسه، وهو لا يعلم أنه قد قبض عليه.

غير أن ميلون لم يبدُ منه شيء مما يتوقعه القاضي، بل إنه نظر إلى الماجور أفاتار نظرة تدل على عدم الاكتراث، ونظر إليه روكامبول نظرة مثلها، فلم ير القاضي ما يدل على أنهما متعارفان.

ثم نظر القاضي إلى روكامبول، وقال له مشيرًا إلى ميلون: أتعرف هذا الرجل؟

– كلا.

فسأل ميلون نفس السؤال فأجاب سلبًا.

وقد سر روكامبول سرورًا عظيمًا؛ لأنه كان يخشى أن يضغط القاضي على ميلون لبلاهته فيحمله على الإقرار، ثم استأنف حديثه مع القاضي: عفوك يا سيدي، فقد قلت لك: إني لا أعرف هذا الرجل، ولكني تذكرت الآن أني رأيته مرة واحدة في حياتي.

– أين؟

– في سجن طولون، وذلك عندما انتهت حرب القرم، وعقدت شروط الصلح، فإن كثيرين من الضباط الروسيين جاءوا في ذلك العهد إلى طولون وزاروا سجنها، فكنت بينهم ورأيت هذا الرجل.

فلم يجب القاضي بحرف، وأشار إلى الحاجب فذهب بميلون، فخرج ميلون دون أن ينظر إلى روكامبول، وقد استحال على القاضي أن يفاجئهما بنظره.

فلما أصبح وحده مع روكامبول، قال له: إني أعترف لك بأني أصبحت مشككًا في اعتقادي.

فابتسم روكامبول، وقال: وأنا يا سيدي لا يسعني إلا أن أبدي أسفي، واعلم يا سيدي أن المرء لا يموت في السجن، بل إنه قد يستطيع النجاة منه كما رأيته من هذا الرجل، فإذا كانت الحكومة الفرنسية تعتقد أن الماجور أفاتار هو ذلك الشقي الذي يدعونه روكامبول فإنها تخدم الماجور أفاتار خدمة جليلة.

– لم أفهم ما تقول.

– أريد بما قلته أن من كان بمنزلتي وله مقامي ثم يقبض عليه كما يقبض على أشقياء المجرمين، فلا بد أن يكون له أعداء أشداء.

فامتعض القاضي وقال له بجفاء: إن الحكومة لا تعادي أفراد الناس.

– عفوك يا سيدي؛ إذ يظهر أني أسأت البيان، وسأوضح أفكاري بجلاء أوفى، وذلك أني ضحية من ضحايا السياسة الروسية الاستبدادية، وأن الحكومة الروسية لا تريد أن يرسل بي إلى السجون الفرنسية، بل إنها تريد أن أعرض أمري إلى سفارتها في باريس.

– لأي قصد؟

– بقصد أن تعرض علي السفارة شروطها.

– كيف ذلك؟

– ذلك أنها تظللني بحمايتها وتثبت أني الماجور أفاتار، وفي مقابل ذلك ترسلني إلى بطرسبرج.

– وبعد ذلك؟

– يقبضون علي في بطرسبرج وسيرسلونني إلى سيبيريا، وإن السجين في طولون قد يعود من سجنه، وأما سجين سيبيريا فلا يعود.

وقد كان روكامبول يقول هذا القول بملء السكينة.

وقطب القاضي جبينه إذ لم يعرض له من المجرمين أدهى من هذا الرجل، فقال: إني كنت أعتمد أن أتثبت منك شيئًا من ذلك وجميع ما لدي من الأدلة يثبت أنك الماجور أفاتار غير أني لا أستطيع إطلاق سراحك قبل استنطاق امرأتك.

ثم أشار إلى الحاجب وقال له: أدخلها.

فقال روكامبول في نفسه: لا شك أن هذا القاضي ينصب لي فخًّا، فإني حادثت فاندا الآن وهي لم يقبض عليها.

وأمر القاضي أحد الحجاب فأخذ روكامبول إلى غرفة خارجة عن القاعة، وأمر حاجبًا آخر أن يدخل الرجل الذي قبضوا عليه حديثًا.

•••

وبعد حين دخلوا برجل كان يمشي مشية السكران، وقد اصفرَّ وجهه حتى أصبح كالأموات والدموع سائلة على خده.

وكان هذا الرجل جواني الجلاد، والذي أنقذه روكامبول من السجن، وقد لقيه أحد عمال تيميلون في خمارة، فأرشد إليه البوليس وجاء به إلى السجن.

ولم يجد سبيلًا إلى الإنكار.

فلما مثل بحضرة القاضي قال له: أأنت المدعو جواني؟

– نعم …

– أأنت الهارب من سجن طولون؟

– نعم …

– أأنت الذي كنت جلاد ذلك السجن؟

فركع جواني، وقال: رحماك يا مولاي، فما دعاني إلى الفرار من السجن، غير هذه المهنة، فاحكم علي بالإعدام، فإن ذلك خير لي من الحكم علي بالعودة إلى هذه المهنة الفظيعة.

– إن ذلك محال، فلا بد من عودتك إلى السجن والاشتغال بما كنت تشتغل فيه.

ثم أشار القاضي إلى الحاجب كي يدخل روكامبول.

ففتح الباب في الحال ودخلوا به، فلما رآه جواني اضطرب وقال: الرئيس!

ثم دنا منه وقال له بلهجة المتوسل: إنك قادر على كل شيء، أفلا تنقذني هذه المرة كما أنقذتني من قبل.

فدفعه روكامبول بيده، وقال: إنك أفسدت علي جميع أمري أيها الأبله.

ثم التفت إلى القاضي وقال له وهو يبتسم: لا أريد الإنكار بعد الآن فأنا حقيقة روكامبول.

٣٧

وقد أثرت هذه الكلمات الأخيرة التي فاه بها روكامبول تأثير رضى عظيم على القاضي لشدة ما لقيه من إشكال تلك القضية.

وأوشك جواني أن يجن من يأسه؛ لأنه كان رأى روكامبول أمام القاضي، فلم يخطر في باله أنه مصر على الإنكار فجعل يبكي وينتحب.

غير أن القاضي أمر الحاجب بإخراجه.

وبقي وحده مع روكامبول، فقال له: إنك قد أقررت بالحقيقة، فهل توقع على هذا الإقرار بخطك؟

فابتسم روكامبول وقال: إنك تعلم يقينًا يا سيدي أن إقرار هذا الرجل لم يضل صوابي فيدفعني إلى أن أقول الحقيقة لو لم يكن لدي أسباب قوية تحملني على الاعتراف.

فقال له القاضي ببرود: ما هي الأسباب؟

إني يا سيدي غير ما تعتقده، فقد يتبادر إلى ذهنك لأول وهلة أني من أشد المجرمين خطرًا وإقدامًا، وإنك ستسرع إلى إعادتي إلى السجن حذرًا من الإفلات وارتكاب آثام جديدة، ولكنك لو تمعنت في أمري لعلمت أني غير ذلك الرجل.

– من أنت؟

– إني رجل دخلت في قلبه أشعة التوبة الصادقة، وكنت أؤثر أن أموت في السجن غير أني ما هربت منه إلا للتكفير عن أثامي.

فابتسم القاضي وقال بلهجة المتهكم: أي تكفير هذا؟

– إني حين وطدت النفس على الاعتراف إليك، حسبت أنك ستصغي إلي إلى النهاية.

– وأنا مصغ إليك فقل …

– إن ما سأطلبه إليك كانت تجري عليه الحكومات من قبل، وهي لا تجري عليه اليوم، فإن سامرني رئيس البوليس في عهد لويس الخامس عشر دعا إليه مرة واحدة أحد كبار المجرمين، وقال له: أتريد أن تخدم في البوليس؟

فقاطعه القاضي قائلًا: لقد أصبت فيما قلته إن الحكومات لا تنهج هذه المناهج؛ إذ لا يجب يكون اللصوص من أعضائها.

– اصغ إلى النهاية يا سيدي، فإني أعلم أني إذا طلبت إليك مثل هذا الطلب تهزأ بي، ولكن ليس هذا الذي أريده.

– إذن، ماذا تريد؟

– إن الذي أريده هو أنه يوجد في باريس صبيتان أختان، يضطهدهما رجل قتل أمهما وسرق ثروتهما، وهو يحاول الآن قتلهما، والذي أطلبه أن تأذن لي برد هذه الثروة للأختين والانتقام لأمهما، ثم أعود إلى السجن وأموت فيه.

فابتسم القاضي وقال: إن الحكومة قادرة على معاقبة المجرمين ورد الثروة المسروقة وحماية الأختين.

– ولكنها لا تستطيع شيئًا من ذلك في ظروف هذه الحادثة.

– لماذا؟

– إن إحدى الأختين تحب ابن القاتل السارق، فإذا تداخلت الحكومة افتضح الأمر، وامتنع زواج العاشقين.

فقرع القاضي جرسًا أمامه ثم قال لروكامبول: ليس لأحد من الأفراد في فرنسا حق الانتقام والعقاب وكشف الظلامات.

وعند ذلك دخل الحاجب فقال له القاضي: خذ هذا الرجل.

فقال روكامبول: كلمة أيضًا يا سيدي.

– قل …

– إني إذا سألتك إطلاق سراحي ثمانية أيام فقط ثم أعود إلى السجن أترفض طلبي؟

– دون شك.

– إذن، يحق لي أن لا أوقع على إقراري.

– كما تشاء.

وخرج الحاجب بروكامبول فسلمه إلى الجندي فأركبه المركبة التي جاء بها، فسارت بهما وركامبول يقول في نفسه: لقد أرحت ضميري الآن وعرضت على القاضي كل شيء فلا أبالي الآن برفضه؛ لأني سأطلق السراح لنفسي وليس سجن مازاس بأصعب من سجن طولون.

أما الجندي الذي كان يحرسه فلم يزل على سابق اعتقاده به، فقال له: أقضي الأمر؟

– كلا …

– إذن، فإنهم لا يريدون إطلاق سراحك؟

– لا بد لهم من ذلك يوم الأربعاء.

– إذا كان يوم الأربعاء، كما تقول، فسأكون أنا في خفارتك، ولكنك ستضطر إلى الانتظار الطويل في ذلك اليوم، إذ هو يوم تكثر فيه أشغال التحقيق.

– لا بأس فسننتظر إذا اقتضت الحال.

•••

وظلت المركبة تسير بهما حتى وصلت إلى السجن، فأخرج روكامبول منها، وأعيد إلى غرفته.

وبعد حين جاءه الحاجب بالجزء الثاني من تاريخ لويس الرابع فدفعه إليه، وقال له: لا شك أن مدير السجن معجب بك، ويريد إرضاءك والعناية بك كل العناية.

– لماذا؟

– لأنه أرسلني إلى مكتبة الثكنة كي أحضر لك الكتاب الذي طلبته، فقيل لي: إنهم يقرءون به، وأمرني أن أعود في اليوم التالي بعد أن رأيت الذي كان يقرأ به وهو شاب أشقر.

فاضطرب روكامبول، إذ علم أن هذا الشاب فاندا.

وتابع الحاجب: فعدت إلى المدير وأخبرته بما كان فأمرني أن أعود إلى المكتبة وأن أنتظر فراغ القارئ فأعود بالكتاب، فامتثلت وانتظرت إلى أن فرغ هذا الشاب من الكتابين؛ لأنه قرأ في الجزء الأول والثاني وأتيت به إليك.

فابتسم روكامبول، وقال: أرجو أن تتولى عني شكر المدير.

ولما خرج الحاجب أسرع روكامبول إلى الكتاب وقلب أوراقه فوجد صفحتين ملتصقين ففصلهما فوجد مكتوبًا على الهامش كتابة خاصة لا يفهمها غير فاندا وروكامبول، وكانت هذه الكتابة جوابًا على ما كتبه، فقد كان كتب إليها ما يأتي:

يجب إيجاد أنطوانيت مهما تكلفت من العناء والخطر، وبعد أن تجيبني في هامش الجزء الثاني من هذا الكتاب، ارجعي في اليوم التالي إلى المكتبة، واكتبي لي جميع ما يحدث لك على هامش الكتاب لأني سأطلبه.

أما جواب فاندا، فقد كان كما يأتي:

السعد يخدمنا، فإن أنطوانيت نجت، وشيفيوت قتلت، وتيميلون هرب، وأجينور ذهب إلى أبيه ولم يعد.

فلما تلا روكامبول هذا الجواب تنهد تنهد المنفرج بعد ضيق، وقال في نفسه: لقد انفتح لي المجال في إعداد وسيلة الفرار، ثم أخذ ورقة وكتب عليها إلى قاضي التحقيق ما يأتي:

سيدي

لقد رجعت عن أفكاري السابقة ورضيت بالعودة إلى الليمان، ولكني أرجو أن تأذن لي بإطلاعك على أمور خطيرة جدًّا.

روكامبول

وفي صباح اليوم التالي أرسل كتابه إلى قاضي التحقيق لاعتقاده أنه سوف يطلبه في اليوم الذي يليه لسماع أقواله، وهو الذي اختاره روكامبول للفرار.

٣٨

وقد أصاب روكامبول في حسابه، فإنه بقي طول ذلك الليل في غرفة سجنه دون أن يطلبه القاضي لتأخر ورود الرسالة إليه.

ولما أقبل الليل تولته الكآبة الشديدة وغاص في بحار التأملات، فلم يكن يفتكر بالفرار؛ لأنه كان قد وضع الخطة التي عول على اتباعها ووثق من فوزه فيها؛ بل إنه كان يفتكر بأمر آخر دعاه إلى هذه الكآبة؛ فكان يتقلب على فراشه تقلب الملسوع، ويلفظ من حين إلى آخر بصوت متقطع اسمًا جعله يتمنى الموت لما كان يلقاه بسببه من العذاب.

ولما أصبح الصباح وهو اليوم الذي كان يرجو روكامبول أن ينجو من السجن فيه نهض من فراشه دون أن يتمكن من الرقاد، فلبس ثيابه، وهو يقول: لا أدري إذا كنت أسعد من الآن حين كنت في عداد المجرمين، فقد نجوت من عقاب الناس، ولا يزال أمامي عقاب الله.

ولذلك فلم يكن يهتم أقل اهتمامًا بأمر فراره مما كان يناله من تقريع الضمير في خلواته بعد توبته الصادقة.

وفي الساعة الثامنة من الصباح أقبل إليه ذلك الجندي الذي صحبه في المرة الأولى، وكان يلقبه دائمًا ماجور، وكذلك سائر الموظفين في سجن مازاس؛ فإنهم كانوا يحترمون روكامبول احترامًا شديدًا.

وكانوا يعتقدون أنه الماجور أفاتار وأنه متهم بمؤامرة سياسية.

فسار الجندي بروكامبول إلى المركبة، فسارت بهما إلى المحطة وجعل روكامبول في مدة السير يتكلم عن حرب القرم، والجندي معجب كل الإعجاب حتى وصلا إلى باب المحكمة الخارجي فوقفت المركبة ونزل منها روكامبول والجندي.

وكان رجل واقفًا داخل الردهة، قرب الباب عندما، وصلت المركبة، فجعل ينظر إلى روكامبول نظرة المتعجب المنذهل.

وكانت تدل هيئته وملابسه على أنه من الإنكليز، فلما رأى روكامبول سائرًا ووراءه الجندي مشى إليه مشيًا مستعجلًا، وهو يتكلف عدم الانتباه؛ بحيث اصطدم بروكامبول صدمة شديدة، فالتفت إليه وقال: أسألك المعذرة يا سيدي.

ثم ما لبث أن رآه حتى صاح صيحة فرح، وقال: من أرى؟ الماجور أفاتار!

– أنا هو بعينه يا حضرة الميلورد.

– أنت هنا أيها الصديق العزيز.

ثم دنا منه وجعل يعانقه دون أن يظهر انتباهًا إلى الجندي.

أما روكامبول، فقد عرف للحال، أن هذا الإنكليزي لم يكن غير نويل، فقال له وهو يعانقه: أحضر مركبة، وانتظرني بها على الباب الخارجي.

وقد نظر روكامبول نظرة توسل خفية إلى الجندي كأنه يقول له بها: أرجوك أن لا تفضح أمري مع هذا الصديق.

ففهم الجندي قصده وابتعد عنه قليلًا مراعاة له فتحادثا هنيهة ثم افترقا، فودعه الإنكليزي وانصرف وهو يتظاهر أنه لم ير الجندي ولا مركبة المجرمين التي نزل منها روكامبول.

ثم دنا الجندي من روكامبول، فوضع يده بيده، وسار به بين تلك الجماهير التي كانت محتشدة في ردهة تلك المحكمة الواسعة.

وكان بين باب السراي الكبير وبين غرفة قاضي التحقيق مسافة شاسعة وسلالم كثيرة ينتشر فيها الناس، من شاهد دعي إلى المحكمة للشهادة، ومحام ومدع ومتفرج، إلى غير ذلك من طبقات الناس الذين يشاهدون عادة في المحاكم.

ولذلك لم يكن فرار المدعوين إلى الاستنطاق مستحيلًا، لا سيما وأنه لا يصحب المدعي عليه غير جندي واحد.

ولكنه كان نادرًا فقد كان يتفق أن يكون هذا المدعي عليه قوي البدن شديد العضل فيخلص بالقوة من الجندي ويفر منه، ولكنه يندر أن ينجو؛ إذ لا يسير مائة خطوة حتى تسير في أثره الفرسان فتدركه وتعود به مكبلًا إلى حيث كان.

وكانت غرفة قاضي التحقيق في الدور الأعلى من العدلية، وهي بأتم مظاهر البساطة ليس على باب غير حاجب واحد يقف في داخلها.

ويوجد قبلها غرفة متسعة فيها مقاعد من خشب ينتظر فيها المدعى عليهم مع خفرائهم، إلى أن يحين زمن التحقيق في أمرهم، فيدعون إلى غرفة القاضي كل بدوره.

ولما وصل روكامبول مع الجندي ودخل إلى هذه الغرفة، وجد فيها رجلين وامرأة يخفرهم جندي فقال له الجندي: لا بد لنا من أن ننتظر ساعة على الأقل، إلى أن يفرغ القاضي من التحقيق في أمر هؤلاء المجرمين.

ثم جلس على المقعد الخشبي، وجلس بإزائه روكامبول.

وأخذ الجندي علبه عطوسه، وفتحها فمد روكامبول يده وأسرع الجندي إلى تقديمها إليه قبل أن يأخذ منها.

فدس روكامبول فيها تلك الحبة السوداء، التي أخذها من فاندا، وتظاهر: أنه يتنشق من ذلك السعوط، والحقيقة أنه حبس نفسه، فلم يشم شيئًا.

أما الجندي فقد أخذ مقدارًا كبيرًا واستنشق مدة طويلة وهو لا يعلم ما خبأته له الأقدار.

وعند ذلك قدم حاجب من غرفة قاضي التحقيق، ودعي الرجلين والمرأة إلى المثول بحضرة القاضي وذهب؛ فخرج بهم الجندي وأدخلهم إلى غرفة التحقيق.

وعاد إلى غرفة الانتظار فجلس على مقعد بجانب الجندي الذي يخفر روكامبول، وقال: إنهم سيقيمون أكثر من ساعة لدى القاضي؛ لأن مسألتهم مشكلة تقتضي البحث الطويل.

فأجفل روكامبول لعودة الجندي وجعل يفكر بأمره، وهو واجف القلب من عودته؛ إذ لم يكن يخطر له ذلك في بال.

وبعد أن دار الحديث بين الجنديين، أخذ حارس روكامبول علبة سعوطه، وقدم منها إلى روكامبول فأبى.

ثم قدم إلى الجندي الآخر فأخذ منه بلهف وتنشق من ذلك السعوط عدة مرات كما فعل رفيقه من قبل.

ثم جعل الاثنان يتحادثان نحو نصف ساعة أحاديث مختلفة، وروكامبول منشغل عنهما غائص في بحار التأمل والتفكير.

إلى أن سمع الجندي يقول لرفيقه: ما هذا النعاس الغريب الذي أصابني، فإن عيني لا تفتحان؟

فسأله رفيقه: هل كان دورك في السهر للحرس هذه الليلة؟

– نعم.

– إذن، إن هذا النعاس من ذاك السهر، ولكن إذا أحببت أن تنام قليلًا، فلا بأس؛ لأني سأتولى مكانك حراسة أسيرك.

ومد يده إلى علبة السعوط، فأخذ منها واستنشق مرة ثانية.

أما حارس روكامبول، فإنه شكر رفيقه الجندي بالإشارة؛ إذ لم يعد يطيق الكلام، وأطبق عينيه فنام نومًا عميقًا، وقد أسند رأسه إلى الحائط ومد رجليه.

أما روكامبول فظل على ما كان عليه من التظاهر بالتفكير والذهول، ولكنه كان من حين إلى آخر ينظر إلى حارسه الجديد، ويراقبه بطرف خفي.

وكان يراه قد شعر بالنعاس، ولكنه كان يقاوم مقاومة عنيفة ويتثاءب، غير أن عينيه لا تزالان منفتحتين.

ثم رأى أن منديله قد سقط من يده ثم أطبق عينيه وأصابه ما أصاب الآخر من النوم العميق.

فصبر عليه روكامبول دقيقة، ومشى في الغرفة بضع خطوات، فرأى أنه لم ينتبه.

فدنا منه وناداه، فلم يجب فهزه فلم يستفق، فأيقن روكامبول أن المخدر أثر تأثيره بالاثنين وأنه أصبح حرًّا.

فزرر سترته العسكرية، وأخرج من جيبه زرًّا روسيًّا فوضعه في عروة سترته إشارة إلى رتبته، وخرج من تلك الغرفة يمشي بخطوات متوازنة.

وكانت الردهات غاصة بالناس من جنود وقضاة ومتقاضين ومحامين، وكلهم ممتزجون يجيئون ويذهبون في أغراضهم الخاصة.

فدنا روكامبول من أحد الجنود، وقال له: أرجوك أن تدلني على محكمة الاستئناف.

فقال له: إنها في الغرفة الأولى من الدور الثاني، فانزل إليها من هذا السلم.

فشكره روكامبول ونزل في ذلك السلم، كما أخبره الجندي، فكان إذا نظر إليه الناس أو الجنود يحسبه بعضهم متفرجًا، ويظنه آخرون شاهدًا وهو سائر لا يلوي على أحد.

ومثل روكامبول لا تخفى عليه مخارج العدلية ومداخلها، فسار يمشي بقدم الواثق المطمئن حتى بلغ إلى الباب الخارجي.

وهناك أتت مركبة، وفيها ذلك الإنكليزي المتنكر، أي نويل.

فصعد إليها حالًا وأمر السائق أن يسير، وقد عجب نويل لنجاته، فسأله: كيف نجوت؟

– نومت الحراس.

– بماذا؟

– بحبة سوداء طحنتها بيدي ووضعتها في علبة سعوط يحملها الجندي، وسأقص عليك بعد ذلك بالتفصيل، أما الآن فهلم بنا نتغدى، فقد أنهكني الجوع.

– أين تريد أن نتغدى؟

– في شارع سانت دينيس، عند منعطف ستراسبورج، إذ يوجد فندق هناك.

فأمر نويل السائق أن يسير إلى ذلك الفندق. فسارت بهما المركبة تنهب الأرض.

٣٩

يوجد في باريس فندق للطعام لا يتردد عليه غير الممثلين والكتاب وأصحاب الفنون الجميلة.

وكان مكتوبًا على بابه عنوان «بائع خمور» غير أن الخمور على اختلافها كانت فيه من أفضل أنواعها حتى أطلق عليه اسم فندق «الكتاب» لأنها باتت خاصة برجال الإنشاء والفنون.

ومن عادة البوليس في العواصم الكبرى، ولا سيما في باريس، أن يراقب المطاعم والفنادق مراقبة شديدة لكثرة تردد الأشقياء عليها واغتنامهم جهل الغرباء المقيمين فيها.

غير أن البوليس لم يكن يدنو من ذلك الفندق، إذ ثبت لدى جميع الحكومات أن أقل الناس شرًّا هم رجال الأقلام، وأكثرهم عفافًا ومروءة أولئك الذين يتيهون في عالم الخيال لصيد شوارد المعاني.

فكان ذلك الفندق، في عرف رجال البوليس، أشرف فنادق باريس.

ولهذا فإن روكامبول أمر نويل أن يسير به إلى ذلك الفندق كي يكون آمنًا فيه من المراقبة إلى أن يفرغ من طعامه ويلجأ إلى محلٍّ أمين.

وكان هذا الفندق على اقتصاره على الكتاب لا يرفض من يقدم إليه ممن تدل ظواهرهم أنهم من رجال الخير.

وليس في ملامح الاثنين ما يدل على شيء من الشر؛ لأن نويل كان متنكرًا بزي نبلاء الإنجليز وروكامبول متنكرًا بزي ماجور، فليس في ظواهرهما ما يحمل على الشبهات.

فلما وصلا إلى الفندق أطلقا سراح المركبة ودخلا إليه، فاستقبلا فيه استقبالًا حسنًا وجلسا حول طاولة منعزلة. فأسرع الخدم إليهما، وأُحضر لهما من الطعام ما طلباه.

وعندها بدأ الاثنان الحديث، فسأله نويل: إني قبل أن أخبرك أيها الرئيس بما أعرفه أحب أن أعلم …

– ماذا تريد أن تعلم؟

– أحب أن أعلم كيف خرجت من سراي العدلية.

– إن الأمر على غاية البساطة.

– أتخرج من مكان يتهمونك فيه أنك روكامبول، ثم تقول: إن الأمر بسيط؟

– ألم أقل لك: إني نومت الحارسين وخدعت الجنود؟

ثم قلت لك أيضًا: إني وضعت في علبة سعوط أحدهما مخدرًا ليس أشد منه تأثيرًا بين المخدرات، فإن من يتأثر به ينام بعد دقائق قليلة، فلا يستفيق إلا بعد ست ساعات، إذا كان قوي البنية.

وكانوا في سجن مازاس يعتنون بي فأذنوا لي بإحضار ملابسي فلبست أفخرها حين ذهابي إلى العدلية.

فلما ذهبت من غرفة الانتظار في دار العدلية، اختلطت بالناس وخرجت إلى دار الحرية، فلم يحمل أحد خروجي على محمل الشبهات؛ لأن ظواهري تدل على أني من النبلاء.

والآن قل لي أنت ما جرى مدة غيابي.

– إن أنطوانيت نجت وهي عندنا.

– عرفت ذلك.

– ولكن أجينور لم نره منذ ثلاثة أيام.

– هذا ما عرفته أيضًا.

ثم أطرق برأسه إلى الأرض، ثم سأله بصوت خافت: ومدلين؟

فنظر إليه نويل فإذا بوجهه قد اصفرَّ واضطرب حين ذكر اسم مدلين، فلم يجبه عنها بل أجاب: إن إيفان دي بونتيف مقيم في باريس.

فقطب روكامبول جبينه وعاد إلى الذهول.

فاستأنف نويل الحديث قائلًا: إنه قدم إلى باريس للبحث عن مدلين.

– وماذا جرى؟

– إنه في اليوم الذي قبض فيه عليك عهدت إليَّ فاندا حراستها.

– وبعد ذلك؟

– إن إيفان قدم إلى باريس مع خادم، وهذا الخادم متفق مع الفيكونت كارل دي مورليكس.

فصاح روكامبول صيحة منكرة قائلًا: مورليكس!

– أجل، إنه لم يمت.

– أأنت واثق مما تقول؟

– كل الثقة، فإنه عاد إلى باريس بعد القبض عليك، وقد رأيته بعيني.

فعض روكامبول على شفته من الغيظ، وقال: يجب أن نعود إلى ما كنا فيه، ونستأنف القتال.

ثم تابع بصوت خافت: ولكني قد ضعفت وسئمت وبت أحب العودة إلى السجن، فإني لا أجد الراحة الصحيحة إلا فيه.

أما نويل فإنه لم يسمع كلماته الأخيرة، فعاد إلى إتمام حديثه قائلًا: لقد قلت لك: إن خادم الكونتس فاسيليكا ومورليكس متفقان، وقد عادا من روسيا سوية وأحضرا معهما إيفان.

– وبعد ذلك؟

– أظهرا للناس أنه مجنون، ولا أعلم كيف فعلا؛ فإن فاندا لم تعلم ذلك بعد، ولكن كل ما علمناه: أن إيفان مقيم عند الدكتور لامبرت، الطبيب الخاص بالمجانين، ومنزله في شارع أوتيل، وأنهم يعالجونه كل يوم بالماء البارد.

– والكونتس فاسيليكا؟

– هي أيضًا في باريس.

– أتعلم أين هي مقيمة؟

– إنها مقيمة في منزل تعرفه جيدًا يا حضرة الرئيس.

فاضطرب روكامبول وقال: قل أين تقيم؟

– في منزل الكونتس أرتوف في شارع بيبينيار.

– في منزل باكارا؟

– هي نفسها.

فاختلج روكامبول اختلاجًا عظيمًا عند سماعه اسم باكارا وهي أشد أعدائه هولًا، ثم سكت مدة طويلة وغاص في بحار الهواجس والتأملات.

وبعد حين نظر إلى نويل وقال له: ادفع ثمن الطعام، وأحضر لي مركبة.

فامتثل نويل وخرج.

أما روكامبول فإنه جعل يحرق الإرم من الغيظ، ويذكر اسم باكارا بلهجة غريبة لا توصف فيقول: أقدر لي أن ألقاك أيضًا في طريقي؟

وبعد هنيهة عاد نويل بالمركبة، فركب روكامبول بجانبه وأرخى ستائر المركبة.

فسأله نويل: إلى أين تأمر أن نسير يا سيدي؟

– إلى ذلك المنزل الذي استأجرته لي، أي ذلك المنزل الذي تشرف نوافذه على حديقة قصر الكونت دي أشمول، فأرى منها تلك المرأة الصالحة التي طالما دعوتها بأختي أيام غروري.

– أيها الرئيس، إن نفسك حزينة حتى الموت.

– إنك تقول الحق.

– ألعلك خائف من أن يقبض عليك أيضًا؟

– كلا.

ثم نفض روكامبول ما كان أصابه من الدهش، وقال لنويل: ألعل حقيبة المعدات معك؟

– إنها لا تفارقني.

وأخرج من جيبه حقيبة من الجلد، كان فيها ما يحتاج إليه الأشقياء واللصوص.

وفي جملة ما كانت تحتويه شاربين وشعرًا للرأس من لون واحد، وموسى ومقص ومبرد.

فأخذ روكامبول الموسى فحلق بها شاربيه، ثم أعطاها لنويل وأمره أن يحلق له شعر رأسه ففعل.

ولما فرغ من وضع ذلك الشعر المستعار، وضع ذينك الشاربين بدلًا من شاربيه، ثم خاطب نويل: لنغير الآن ملابسي بملابسك.

فخلع نويل ملابسه الإنكليزية، فلبسها روكامبول بسرعة، ولبس نويل ملابس روكامبول.

وكانت ستائر المركبة مرخية فلا يراهما أحد، ولما أتم روكامبول لباسه نظر إليه نويل متأملًا وأردف: ليس الآن من يشك بأنك إنكليزي، لا غش فيه.

وكانت المركبة سائرة فوصلت عند ذلك إلى شارع سرسنس، وظلت سائرة حتى وصلت إلى بيت الكونت فابيان دي أشمول زوج بلانش دي شمري التي طالما دعاها روكامبول أخته، فأوقف المركبة، ثم ترجل منها، وخاطب نويل: اذهب أنت الآن فلم يعد لي بك حاجة.

– متى أراك يا سيدي؟

– لا أعلم.

– ولكن ماذا أخبر فاندا؟

– قل لها إني نجوت من السجن.

– ألا تراها؟

– لا أعلم.

ثم تركه وانصرف فدخل إلى المنزل الذي استأجره له نويل، وهو البيت الذي تشرف نوافذه على حديقة الكونت فابيان.

وقد دخل وهو يعض على شفته ويكرر من حين إلى آخر اسم باكارا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢