الفصل الثاني

تمثيلات الواقع في رواية «الانقلاب العثماني»

أسعى في هذا الفصل إلى تحليل تمثيلات الواقع في رواية الانقلاب العثماني (١٩١١م)؛ وذلك عبر استكشاف عتبات النص، وما قد تنطوي عليه من ثنائيات متعارضة تشير إلى علاقات تناقض حادة تحكم بناء النص لاحقًا، وتحدد مسار عملياته السردية. ثم أنتقل منها إلى تحديد الأساس الاجتماعي والأساس الأيديولوجي الذي تستند إليه علاقات التناقض في الرواية. وينتهي الفصل باستكشاف تمثيلات طرفيْ علاقات التناقض، شخصية السلطان عبد الحميد الثاني وجمعية الاتحاد والترقِّي، في السرد الروائي والسرد التاريخي، عبر مفهوم القراءة بالتوازي.

أولًا: عتبات النص

لقد تَزامنَ الاهتمام الجاد بما يُسمى النص الموازي Paratext مع التطور في فَهْم النص واستجلاء عمليات التفاعُل النصي. ومن الممكن تحديد مفهوم النص الموازي، على نحو موجز، بأنه كل ما يتعلَّق بالنص تعلُّقًا جدليًّا أو يُحيط به، الأمر الذي يُساعد على إيضاح الداخل النصي أو كشف دلالاته؛ أو بما يُسمَّى «مناطق حافة ومتاخمة للنص.»١ وهذا معناه أن النص الموازي، أو توسُّعًا عتبات النص، هي عناصر خارجة عن الداخل النصي أو متن النص، ولكنها عتبة إليه تمهد سبيل الدخول إلى متن النص:

لم تكن العتبات تُثير الاهتمام قبل توسُّع مفهوم النص. ولم يتوسَّع مفهوم النص إلا بعد أن تمَّ الوعي والتقدم في التعرف على مختلف جزئياته وتفاصيله. ولقد أدى هذا إلى تبلور مفهوم التفاعُل النصي وتحقُّق الإمساك بمُجمَل العلاقات التي تصل النصوص بعضها البعض، والتي صارت تحتل حيزًا هامًّا في الفكر النقدي المعاصر.

كان التطور في فَهْم النص والتفاعُل النصي مناسبة أعمق لتحقيق النظر إليه باعتباره فضاء؛ ومن ثم جاء الالتفات إلى عتباته.٢
إنَّ النظر إلى النص بوصفه فضاء، يُضفي على العتبة معنى مزدوجًا، فهي في الوقت الذي تفصل فيه بين داخل النص وخارجه، تحقق الوصل بينهما؛ إذ لا سبيل إلى الدخول إلى النص سوى عبر عتباته. وتشمل عتبات النص العناصر الآتية: الغلاف، صفحة العنوان، كلمة المؤلف أو كلمة الناشر، قائمة الشخصيات، المقدمة، ما قد يردُ أسفل متن النص من هوامش، كلمة ظهر الغلاف، الاستهلال أو البداية والخاتمة.٣
ولكنني لن أستقصيَ كل عتبات النص في رواية الانقلاب العثماني، بل سأكتفي بالتركيز على صفحة العنوان لما لها من أهمية قُصوى في بناء الرواية لاحقًا؛ فضلًا عن أنني سأتوسَّع في مفهوم عتبات النص، فأُضيف إلى عتبات النص الخارجية عتبةً داخليةً هي الفصل الأول من الرواية، أو ما يُسمَّى «الفصل الاستهلالي»؛ نظرًا إلى خصوصية البناء الفني عند جُرْجي زيدان الذي يميلُ إلى تركيز فكرة محورية مُضمَرة في الفصل الأول خلف تجسيده الفني للأحداث الروائية، وتظلُّ هذه الفكرة سارية بل متحكِّمة في بقية فصول روايته، على نحو ما سيأتي بيانه. ولعله بذلك تتَّضح عمليًّا استراتيجية الموالفة بين أدوات النقد الأدبي التي يتبعها ممارسو النقد الثقافي، وأحيانًا الانتقاء منها والتعديل فيها وفق خصوصية العمل الأدبي محل الدراسة، وهي الاستراتيجية التي أتبعها أيضًا في تحليلي رواية أسير المُتمهدي في الفصل الثالث.

(١) ثلاث عتبات في صفحة العنوان

  • العتبة الأولى: ينطوي عنوان العمل، دون ريب، على بعض المحددات الدلالية التي لا يغيب عنها مقاصدُ المُرْسِل من العمل، بل من المُمكن القول إن الباعث الأصلي على هذه المحدَّدات الدلالية وتجليها إنما هو تلك المقاصد،٤ وعلى وجه التحديد «يكون العنوانُ صلةً قائمةً بين مقاصد المُرسِل وتجلياتها الدلالية في العمل.»٥ والأكثر من هذا أن العنوان، في حقيقة أمره، يُمثل «أعلى اقتصاد لغوي مُمكن».٦
    وينطوي العنوان — الانقلاب العثماني — بوصفِه إحدى عتبات النص على إيحاء بأعلى درجات التوتُّر، ذلك أن العلامة اللغوية، «الانقلاب»، تعني تغيرًا سريعًا غير مُنتظَر في الرأي أو الاتجاه، على نحو يُشير إشارة قوية واضحة إلى تحوُّل الأمور عن وجهها القائم المعمول به تحولًا يتَّسم بالجذرية أو الراديكالية. وذلك فضلًا عن أن كلمة «الانقلاب» تستدعي أصداءً دلاليةً أخرى إذا عُدنا بها إلى مادتها الأصلية، وهي الفعل الثلاثي «قَلَبَ»، وفي ذلك يذكر الفيروزابادي صاحب القاموس المحيط الآتي: «قَلَبَه يَقْلِبُه: حَوَّلَه عن وجهه […]، وقَلَبَ الشيءَ: حَولَه ظهرًا لبطن […]، وقَلَبَ اللهُ فلانًا إليه: توفاه، […]، وقَلَبَ النخْلَةَ: نزع قلبها […] والقليب: البئر […]، وشاةٌ قالِبُ لَوْن: على غير لَوْن أمها […] وما به قَلَبَةٌ، مُحركةً: داءٌ، وتَعَبٌ. وتقلب في الأمور: تصرفَ فيها كيف شاء […] والقُلَابُ […] داءٌ للقَلْب، وداءٌ للبعير يُميته من يومه.»٧ وكما يظهر، تتحرَّك العلامة اللغوية «الانقلاب» وسط مجال دلالي صاخب وشديد العنف، يتراوَح بين دلالة تحويل الأمور عن وجهها سواء أكانت صائبةً أم خاطئةً، ودلالة الوفاة وإنهاء الحياة، ودلالة المخالَفة والتغيُّر، ودلالة المرض، وأخيرًا دلالة التصرُّف في الأمور وفق المشيئة.
    ولكن العلامة اللغوية، «الانقلاب»، تتحرَّك وسط مجال دلالي آخر يُشير إليه المعجم الوسيط على النحو الآتي: «قَلبَ الأمورَ: نظر في عواقبها […] (انقلب) رجع وانصرف […] (الانقلاب): تحول الشيء عن وجهه. والانقلاب تغيير مفاجئ في نظام الحكم يقوم به في العادة بعض رجال الجيش.»٨ غير أنَّ هذه الدلالة اللغوية ذات الطابع السياسي تقتضي نوعًا من التدقيق الاصطلاحي، من خلال تتبع سريع وموجز لمعنى «الانقلاب» من الناحية السياسية.
    ظهر التعبير الفرنسي Coup d’État، الذي يُترجَم إلى «انقلاب»، بوصفه مُصطلحًا، في فرنسا القرن السابع عشر، للإشارة إلى ما يتَّخذه المَلِك من قراراتٍ مُفاجئةٍ مستهدفًا التخلصَ من كل العناصر المشتبه في أنها مُناوئة له. ولكن المصطلَح تطور في القرن التاسع عشر مكتسبًا دلالة عكسية على النحو الآتي:
    الانقلاب Coup d’État: محاوَلة ناجحة أو غير ناجحة للاستيلاء على السلطة أو إعادة صياغتها بطريقة غير دستورية أو غير شرعية، باستعمال القوة أو التهديد باستعمالها. ويقوم بالانقلاب عناصر تَنتمِي إلى الدولة، ويأخُذ صورًا مختلفة، منها: مبادرة مجموعة من الضباط كما حدث في ثورة القرنفل في البرتغال عام ١٩٧٤م، أو مبادرة الجيش كانقلاب عام ١٩٦٤م في البرازيل، أو مبادرة مسئول مدني كبير كانقلاب ديسمبر ١٨٥١م في فرنسا. ويُوجد شكل من الانقلابات هو الانقلاب السياسي الذي تقوم به هيئات عامة تابعة للدولة وَفق مخططٍ منهجيٍّ مُعَدٍّ سلفًا بغرض القلب العنيف للنظام القائم وتغيير الحُكام خارج الإجراءات الدستورية النافذة، وعندما يكون الجيش في أصل هذا العمل نكون أمام انقلاب عسكري. وقد يحدث أن تقوم بالانقلاب عناصر مدنية خارجة عن نطاق الدولة كانقلاب لينين في أكتوبر ١٩١٧م في روسيا. وتنطوي الانقلابات جميعها على استعمال العنف غير الشرعي وإن تفاوتت درجاته، فبعض الانقلابات شديدة العنف كانقلاب عام ١٩٣٤م في اليابان وانقلاب عام ١٩٣٦م في إسبانيا؛ وبعضها الآخر يتحقَّق بإشارة بسيطة بالتلويح بالقوة ضد رئيس الدولة القائم.٩

    ومن ثم، يَفتح الاقتصادُ اللغوي الأعلى، الذي ينطوي عليه العنوان، عددًا من الاحتمالات الدلالية لكلمة «انقلاب» من الناحية السياسية، لن ينكشف ترجيح إحداها إلا بعد قراءة الداخل النصي؛ إذ يُعطينا الداخلُ النصي إفاداتٍ تُرجح أن جمعية الاتحاد والترقي — التي هي هيئة مدنية خارج مؤسسات الدولة العثمانية — لم تكن لتنجح لولا اتجاهها إلى ضمِّ عناصر عسكرية من الجيش الثالث العثماني، واتجاه هذه العناصر إلى تنفيذ عمليات اغتيال لقيادات عسكرية كبيرة تابعة للسلطان عبد الحميد الثاني؛ الأمر الذي يعني ترجيح دلالة الانقلاب العسكري الذي تمَّت أركانه يوم ٢٧ أبريل ١٩٠٩م بعزل السلطان عبد الحميد الثاني؛ وذلك بعد نهاية أحداث رواية «الانقلاب العثماني» — التي توقفت عند نَيْل الدستور في ٢٣ يوليو ١٩٠٨م على يد جمعية الاتحاد والترقِّي — بأقل من عام.

  • العتبة الثانية: وبالإضافة إلى العنوان، تُوجد عتبة ثانية أطلقتُ عليها اسم «التعليق الوصفي»، وهو وصف المؤلف لعنوان عمله الأدبي، أسفله مباشرة، بأنه «رواية تاريخية»، الأمر الذي يُعطي انطباعًا قويًّا لدى القارئ أنه بصدد عمل أدبي سيتولى عمليةَ تمثيلٍ لواقعٍ ماضٍ في صورة روائية. ولكن سرعان ما يتضح أن هذا الماضي بالنسبة إلى المؤلف هو جد قريب، بل معاصر في حقيقة أمره، وأما بالنسبة إلى القارئ الراهن فهو ماضٍ بعيد نسبيًّا يتجاوز القرن من الزمان بعقد تقريبًا؛ وذلك لأن رواية الانقلاب العثماني صدرت لأول مرة عام ١٩١١م، وتتناول أحداث الواقع (التاريخي بالنِّسبة إلى القارئ الراهن) بدءًا من أصيل يوم من أيام فصل الربيع سنة ١٩٠٧م،١٠ وتنتهي بنهاية يوم ٢٣ يوليو سنة ١٩٠٨م، كما تشير العتبة الثالثة — أيْ ما أطلقتُ عليه اسم «التعليق الوصفي الشارح» — أسفل العنوان، وكما تشير خواتيم الرواية؛ أيْ إنَّ الزمن الروائي يشرف على العام أو يتجاوزه بقليل. ومن ذلك يمكن استنتاج أن ما هو تاريخي بعيدٌ نسبيًّا بالنسبة إلى القارئ الراهن هو بحد ذاته معاصر بالنسبة إلى المؤلف. وربما تسمح تلك المُعاصَرة، لدى المؤلف، بدرجة من التداخل بين ما هو سرد روائي تاريخي وما هو سرد يتَّصل بما يُسمى أدب الشهادة Testimonial Literature. وهنا، من الممكن إثارة تساؤل يكتسب مشروعية قوية: هل يُعد جُرْجي زيدان (١٨٦١–١٩١٤م) — مؤلِّف الرواية — شاهدًا، ومن ثم تُعد روايته منتمية إلى أدب الشهادة؟ أم سنتعامل مع عمله الأدبي بوصفه «رواية تاريخية» كما زَعَمَ في تعليقه الوصفي أسفل العنوان؟ ورغم مشروعية السؤال وأهميته، سأُؤجلُ الإجابة عنه إلى نهاية التحليل.
    تُصوِّر الروايةُ التاريخيةُ كليةَ التاريخ؛١١ أيْ تعطي «صورةً أمينةً فنيًّا لعصر تاريخي محدَّد».١٢ وتَقتضي هذه الأمانة الفنية أن يستمد المؤلفُ فرديةَ شخصيات عمله من خصوصية عصرها التاريخية.١٣ وتكشف خصوصية العصر التاريخية عن طابع زمكاني للناس والظروف. ومِن المُمكن تلمس هذا الطابع الزمكاني في التعليق الوصفي الشارح أسفل عنوان الرواية بوصفِه العتبة الثالثة قبل الدخول إلى متن العمل أو داخله النصي.
  • العتبة الثالثة: يقول التعليق الوصفي الشارح أسفل العنوان إن هذه الرواية التاريخية «تتضمَّن وصف أحوال الأحرار العثمانيين وجمعياتهم السرية، وما قاسوه في طلب الدستور … ووصف يَلدز وقصورها وحدائقها وعبد الحميد وجواسيسه وأعوانه، وسائر أحواله إلى فوز جمعية الاتحاد والترقِّي بنَيْل الدستور في ٢٣ يوليو سنة ١٩٠٨م» (الرواية، صفحة العنوان). فالنطاق المكاني الذي ستدور فيه أحداث الرواية هو نطاق الدولة العثمانية، وعلى وجه التحديد منطقة يلدز في الآستانة (القائمة حاليًّا ضمن حدود الدولة التركية)، بالإضافة إلى نطاقٍ مكاني آخر مُضمر في ذكر «جمعية الاتحاد والترقي»؛ إذ تَركزَ نشاطُ الجمعية الجديد الانقلابي، في ذلك التوقيت، في منطقة «سلانيك» بالنطق التركي، أو «سالونيك» بالنطق اليوناني (القائمة حاليًّا ضمن حدود الدولة اليونانية). وأما الزمان فهو الشهور السابقة على شهر يوليو من عام ١٩٠٨م، على نحو ما سلفت الإشارة.

ومن الممكن، أيضًا، العثور في هذا التعليق الوصفي الشارح المصاحب، الذي يعطي انطباعًا قويًّا بأجواء خلافية وصراعية، على مجموعة من الثنائيات المتعارضة التي تُوحي بها علامات لغوية صريحة من قبيل كلمة «الأحرار» في مقابل علامة لغوية مُضمَرة هي كلمة «العبيد»؛ و«الدستور» في مقابل علامة لغوية مضمرة هي «الحكم المطلق» أو «الاستبداد». ومن هنا، يتوقع القارئ — بفضل هذه العتبات الثلاث في صفحة العنوان — حين يذهب إلى قراءة العمل الأدبي أو متن الداخل النصي، أن هذا العمل سيضعه أمام صراع تاريخي واضح بين تلك الثنائيات المتعارضة في إطار زمكاني محدَّد.

(٢) الفصل الاستهلالي: حديقة البلدية والتناقض الحاد بين عهدين

يُشير الجرجاني في كتابه معجم التعريفات إلى أن «الاستهلال» هو «أن يكون من الولد ما يدل على حياته من بكاء أو تحريك عضو أو عين.»١٤ وكلمة «الاستهلال» هي مصدر من الفعل استهل، ويُقال استهلال الحديث يعني حُسْن ابتدائه. والاستهلال في الشعر أول القصيدة، وفي الموسيقى المقدمة الموسيقية. وبراعة الاستهلال، في البلاغة الكلاسيكية، تعني أن يقدم المُصنفُ في ديباجة كتابه، أو الشاعر في أول قصيدته، جملةً من الألفاظ والعبارات، يُشير بها إشارة لطيفة إلى موضوع كتابه أو قصيدته.١٥ ومن ثم، يُمكن عَد الاستهلال عتبةً داخليةً للمتن النصي، وتأتي صفة «داخلية» من كونه أول ما يصادف القارئ عند شروعه في قراءة المتن النصي.
ولكن أهم ما تَنطوي عليه كلمة «الاستهلال» من دلالات كامنة فيها هو إشارتها إلى البداية التكوينية١٦ على نحو ما نستنبط من مراجعة مادة هَلَّ في القاموس المحيط التي تأتي على النحو الآتي: «الهِلالُ: غُرةُ القمر أو لِلَيْلتين أو إلى ثلاثٍ أو إلى سبعٍ، ولِلَيْلتين من آخر الشهر، ست وعشرين وسَبْعٍ وعشرين، وفي غير ذلك قمر […] وهَلَّ الشهر: ظهر هلاله.»١٧ ويذهب ياسين النصير إلى أن أهمَّ ما يُستفاد من كلام الفيروزابادي أن الاستهلال ينطوي على معنى بداية القمر التكوينية أو بداية أي شيء آخر: «فالهلال في الليلتين أو الثلاث الأولى من الشهر هو استهلال للقمر كله، ولكن هذا الاستهلال لم يَبتدئ من العدم. [ﻓ] الهلال الذي كان في الليلتين المتأخِّرتين السادسة والعشرين والسابعة والعشرين من الشهر هما الخميرة التي ولدت الهلال في الليالي الأولى من الشهر الذي يليه. لذا، فالاستهلال لا يولد عفوًا ولا ينشأ من العدم، وإنما له بدايات قد تقصر وقد تطول، وما إن يبدأ حتى يكتمل.»١٨ إنَّ الاستهلال بهذا المعنى، أيْ بما هو بداية تكوينية، يفتح المتنَ النصي على زمنية مُتأرجحة بين ماضٍ قريبٍ (خارج النص) وحاضرٍ راهنٍ (داخل النص) ومُستقبلٍ (ختام النص واكتماله). «فالاستهلال امتداد لما قبل التدوين وفي أثناء التدوين، وسوف يستمرُّ مُضمَرًا وعلانيةً في داخل النص كله مُوَسعًا ومُتَوَسعًا. ثم يعود في نهاية مفتوحة لكن بعد أن اكتمل العمل، مكونًا بدايةً لعمل جديد.»١٩

وقد سلفت الإشارة إلى أنَّ التعليق الوصفي الشارح الذي وضعه المؤلِّف أسفل عنوان الرواية، في صفحة العنوان الداخلية، ينطوي على مجموعة من الثنائيات المُتعارضة، فهل ينطوي عليها الفصل الاستهلالي أيضًا؟

يأخُذ الفصل الاستهلالي عنوان «حديقة البلدية». وتأتي عبارتاه الأوليان على النحو الآتي: «سلانيك، أو سالونيك، من أكبر مدن المملكة العثمانية، وقد اشتهرت أخيرًا بنَيْل الدستور على يد أحرارها» (الرواية، ص٥). وتتكرر في هاتين العبارتين علامتان لغويتان ذُكِرتا من قبل في التعليق الوصفي الشارح أسفل عنوان الرواية في صفحة العنوان، كما سبقت الإشارة، وهما: علامة «الدستور» التي تستدعي نقيضَها المُضمر «الحكم المطلق» أو «الاستبداد»، وعلامة «الأحرار» التي تستدعي نقيضَها المضمر «العبيد». ولكن اللافت، هنا، أن البداية الأولى للفصل الاستهلالي تُعبر — في حقيقة أمرها — عن إقرار حقيقة واقعة تُمثل المحصلةَ النهائية لمتن العمل الأدبي. أيْ هي لحظة التتويج الأخير بعد صراع تاريخي بين الأحرار العثمانيين ومُمثلي الاستبداد أو الحكم المطلق، عبد الحميد وأعوانه في يلدز؛ ومن المفترض أن العمل سيَتناول هذا الصراع تناولًا روائيًّا.

ثم يأخذ الراوي في وصف مدينة سلانيك أو سالونيك وتحديد موقعها الجغرافي وتعداد سكانها الذي يصل إلى ١٥٠ ألفًا، منهم ستون ألفًا من اليهود، وأما بقية السكان فتَشمل جنسيات مختلفة كالأتراك والأروام والمقدونيين والألبان وغيرهم. ويفسر الراوي السببَ في كثرة يهودِها موضحًا «أنهم نزحوا إليها من إسبانيا كما نزحوا إلى الآستانة وغيرها، ولا يزالون يتكلمون لغة الإسبان» (الرواية، ص٥). وهاهنا، يسوق المؤلف — على لسان الراوي — معلومةً واقعيةً على جَرْي عادته في رواياته الأخرى، ويُحاول أن يقدم لها تفسيرًا. ويستنتج القارئ من تلك المعلومة أن ما يقرب من نصف سكان مدينة سلانيك من اليهود؛ ومِن ثمَّ يَتهيأ القارئ ضمنًا لمصادفة إحدى الشخصيات اليهودية عند مواصلته القراءة. ولكن متابعة المتن الروائي إلى آخره تكشف عن عدم وجود شخصية يهودية واحدة، سواء في صف الأحرار العثمانيين المتمثلين في جمعية الاتحاد والترقي أو حتى في صف السلطان عبد الحميد وأعوانه في يلدز أو جواسيسه في سلانيك، بل إن المتن الروائي لا يتعرَّض لأي شخصية يهودية، ولو حتى عادية من عموم الناس في المدينة. أفلا يُمكن استنتاج أن ثمة إخفاءً متعمدًا أو تجاهلًا مُبيتًا لذِكْر أي شخصية يهودية في الرواية؟ حقيقة الأمر أن هذا الصمت لافت وغريب. ويُعدُّ تجاهل رواية الانقلاب العثماني لأيِّ شخصية يهودية تجاهلًا غير معقول. فهل يوجد سر وراء هذا الإخفاء أو التجاهل، أو الصمت؟ لا تُجيب رواية الانقلاب العثماني عن ذلك صراحةً، كَلا ولا تلميحًا.
ولكن على سبيل التناصِّ الذي يفرضه عنوان الرواية — الانقلاب العثماني — من الممكن استدعاء كتاب أسرار الانقلاب العثماني لمؤلِّفه مصطفى طوران،٢٠ بحثًا عن تفسير معقول لكثرة عدد اليهود في مدينة سلانيك، بل في أرجاء الدولة العثمانية. ومن المحتمَل أيضًا أن يجيب هذا الكتاب عن سرِّ صمت رواية جُرْجي زيدان الانقلاب العثماني وتجاهُلها المتعمد لإيراد أي شخصية يهودية.
ينتمي كتاب مصطفى طوران أسرار الانقلاب العثماني إلى ما يُمكن تسميته «الشهادة». وطوران هو عسكري تركي نجا من حادثة ٣١ مارت،٢١ ويُعد شاهد عيان عليها، وهي الحادثة التي على إثرها خَلَعَ أعضاءُ جمعية الاتحاد والترقي السلطانَ عبد الحميد الثاني عن العرش. يقول طوران: «أنا أحد الشاهدَيْن اللذَين بقيا على قيد الحياة بعد أن عاشا الحادثة في مكان وقوعها بثكنة طاش قشلة وذاقا من الآلام ما لم يذقه أو يتحمله أي إنسان على وجه الأرض.»٢٢ ويذهب طوران إلى أن مجزرة ٣١ مارت هي، في حقيقة أمرها، «مؤامَرة دبرها الأعداء لهَدْم الخلافة العثمانية وتمزيقها […] وأخرجوها على المسرح بشكل تمرُّد عسكري.»٢٣ ويرجع طوران بجذور هذه المؤامرة إلى القرن الخامس عشر. وفي هذا الصدد يحكي الحكاية الآتية:

في القرن الخامس عشر، أهدى تتار بلاد القرم السلطان سليمان القانوني فتاة يهودية روسية اسمها (روكزيلان) كانوا قد سبَوها في إحدى غزواتهم. ولشدَّة جمالها افتتن بها القانوني فاتخذها زوجةً له وسماها (خُرم سلطان)، وبفضل نفوذها في القصر زَوَّجتِ ابنتَها مهرماه من اللقيط الكرواتي رستم باشا، وتمكَّنت من قتل الصدر الأعظم (رئيس الوزراء) إبراهيم باشا، ونَصْب صهرها رستم باشا مكانه. ولم تَكتفِ بهذا بل دبَّرت مؤامرة استطاعت فيها خنق ولي العهد مصطفى بن سليمان القانوني من زوجته الأولى للإطاحة بوالده، ونصبت ابنها سليمًا وليًّا للعهد.

هذه الحوادث مذكورة في كتب التاريخ، وكانت في عهدٍ تَعرضَ فيه اليهود في روسيا للظلم وفي إسبانيا للقتل والحرق والتشريد. وعندما حصلت خُرم سلطان على إذن من سليمان القانوني في السماح لليهود باللجوء إلى البلاد بدأ اليهود بالهجرة أفواجًا، واستمرَّت هذه الهجرة حتى الإعلان الدستوري.٢٤
من الممكن الاستناد إلى هذه الحكاية لتفسير كثرة اليهود في مدينة سلانيك، وبخاصة أن طوران يُفسر بها انتشار اليهود في أرجاء الدولة العثمانية، سواء في البلاد العربية وبيروت أو سلانيك والأناضول حيث عاشوا حياة مُترَفة،٢٥ بل «تجنَّسوا بالجنسيات الأجنبية للاستفادة من الامتيازات المعطاة لهم وتَحينوا الفرص لمساعدة الجمعيات السرية في البلاد، وأُعفوا من الخدمة العسكرية، وأسسوا مدارس وروابط خاصة بهم، وحصلوا على جميع الامتيازات.»٢٦ ومع ذلك، ظل الأتراك هم أكبر أعدائهم، وعلى رأسهم السلطان عبد الحميد الثاني.٢٧
ويشير عديد من مؤرِّخي الدولة العثمانية وأسباب انهيارها إلى وجود دور قوي لليهود، وبخاصة طائفة الدونمة التي ترجع نشأتها إلى سبتاي زفي (١٦٢٦–١٦٧٦م) في القرن السابع عشر الميلادي، وهو القرن الذي ظهرت فيه حركات يهودية عُرِفت باسم «حركات تحرير تدعو إلى هجرة اليهود إلى الأرض الموعودة فلسطين، وكانت فلسطين ضمن مُمتلكات الدولة العثمانية، مما سببَ توترًا في العلاقات اليهودية العثمانية، وعُرِفَتْ هذه الفترة باسم مرحلة العَد العكسي للنفوذ اليهودي في السلطنة العثمانية.»٢٨ وتتميَّز طائفة الدونمة بازدواج الهُوية، فأفرادها يُبْطِنون التدينَ باليهودية ويُظْهِرون الإسلامَ بهدف التستر لتحقيق مأربٍ خفي يتمثَّل في إحياء مُلْك سليمان وإقامة دولة يهودية كبرى تحكم العالم من فلسطين.٢٩ وقد استجاب لأمرِ سبتاي زفي (الذي تَسمَّى بعد إعلان إسلامه باسم محمد أفندي رئيس البوابين) مئتا أسرة من أتباعه عاشت في سالونيك، فغيروا أسماءهم وزيهم من اليهودية إلى الإسلام ظاهريًّا مع احتفاظهم بولائهم لأفكار سبتاي زفي اليهودية سرًّا.٣٠ ومن المُحتمَل أن ذلك التخفِّي يُبرِّر، نوعًا ما، غياب ذكر شخصيات يهودية في رواية جُرْجي زيدان الانقلاب العثماني.

•••

وفي الفقرة الثانية من الفصل الاستهلالي، يصف الراوي حديقة البلدية في سلانيك التي تُعد:

أحسن متنزَّه لتمضية الأوقات في المنادمة والمحادثة […] يأتيها طلاب التنزه أو اللهو نهارًا أو ليلًا، ولا سيما بعد الظهر إلى العشاء … فإنك تجدها غاصةً بهم، وفيهم الشاب، والشيخ، والصبية، والعجوز … أزواجًا أو ثلاثًا، أو جماعاتٍ، على اختلاف الأديان والأجناس، من الإفرنج، أو اليهود، أو الأتراك، على تباين عاداتهم وأخلاقهم … بعضهم يجلسون إلى الموائد يَتناولون المشروبات؛ والبعض الآخر يتمشون في طرقات الحديقة بين الأشجار … يتمتَّع الناس بالتفرج بعضهم على بعض، وقد اختلط الحابل بالنابل، وكل منهم في شاغل بنفسه أو بعائلته وأولاده، يراعيهم ويُهيئ لهم ما يطلبون أو يتحدَّثون بما يطيب لهم بغير مراقبة أو حذر … (الرواية، ص٥–٦).

وهكذا تبدأ الرواية بوصف مشهد الحديقة، وهي غاصة بزوارها على اختلاف أعمارهم وأجناسهم، وذلك بعد نَيْل الدستور وانتقال البلاد من الحكم المطلق إلى الحكم النيابي، ومن الاستبداد إلى نَيْل الدستور والحرية. ثم يلي هذا المشهدَ على الفور المشهدُ النقيضُ الذي يصور الحديقةَ وزوارها في عهد الاستبداد والحكم المطلق قبل نَيْل الدستور، حيث تبدأ أحداث الرواية في أصيل يوم من أيام فصل الربيع عام ١٩٠٧م، ولكن قبل إيراده يتدخل الراوي بتعليق شديد الأهمية على ما يُسمِّيه «عهد عبد الحميد»:

وأما في زمن الاستبداد على عهد عبد الحميد، فكان الناس إذا دخلوا الحديقة أو غيرها من أماكن الاجتماع تخاطبوا همسًا، خوفًا من جاسوس أو واشٍ يغتنم كلمةً يسمعها … فيعمل على نقلها إلى المابين وأصحابه، فيُعرض قائلَها للموت أو الخراب … وقد لا يكون لذلك القول غرض أو مغزًى. ولكن الجاسوسية في زمن ذلك الطاغية بلغت مبلغًا لم يكن له شبيه في زمن من الأزمان، ولا سيما في أواخر أيامه، إذ تبدأ روايتنا هذه … (الرواية، ص٦).

و«المابين» هو أحد قصور يلدز التي يجتمع فيها السلطان عبد الحميد برجاله، وأهمهم وأخطرهم الباشكاتب ورئيس جواسيس السلطان. واللافت، هنا، وصف عهد حكم السلطان عبد الحميد بأنه «زمن الاستبداد»، ثم وصف عبد الحميد نفسه بأنه «طاغية» وأن «الجاسوسية في زمن ذلك الطاغية بلغت مبلغًا لم يكن له شبيه في زمن من الأزمان، ولا سيَّما في أواخر أيامه.» ومن ثم، تتوافق تصريحات الفصل الاستهلالي وتضميناته، بل تُؤكد — بعملية من التكرار البلاغي والدلالي — ما انطوت عليه العتبات الثلاث في صفحة العنوان الداخلية، فيما يُشبه نَسْجَ العنكبوت، ونَسْجُ العنكبوت دلالةٌ كامنة في كلمة «الهَلَل» مُحَركةً.٣١

في زمن الاستبداد والطغيان يُصبِح القتل على الشبْهة فعلًا يوميًّا عاديًّا، ويُشيع الموت والخراب. وفي مقابل هذه الصورة المفزعة، يَنتقِل الراوي في الفقرة الأخيرة التالية مباشرةً لهذا التعليق إلى وصف حديقة البلدية التي ستَشهد اللقاء بين بطليْ الرواية، شيرين ورامز، المنتميَيْن إلى جمعية الاتحاد والترقي السرية، المناهضة للسلطان عبد الحميد:

ففي أصيل يوم من ربيع سنة ١٩٠٧م، كانت الحديقة المشار إليها في أبهى حُلَلِها، قد كستها الطبيعة حُلةً خضراءَ مزركشةً بالأزهار والرياحين … وصفا الجو وفاحت رائحة الزهور بأجمل ما يكون. وتقاطر الناس إليها على جاري العادة، وفيهم النساء أكثرهن بالزي الإفرنجي، وبعضهم [كذا] بالزي التركي … والتركيات إذا أتين الحديقةَ اخترن ناحية منها منفردة يجلسن إليها حتى لا يَكُن عُرْضةً لعيون المارة … هناك تحت شجرة من الكستناء غضة الأغصان، جلست امرأة متوسطة العمر على مقعد من مقاعد الحديقة، وإلى جانبها فتاة في مقتبل الشباب … ولو أتيح لك رؤيتهما، لرأيت ما يستوقف الخاطر من جمال وأدب وذكاء وكمال (الرواية، ص٦–٧).

يأتي الوصف مبهجًا؛ فالوقت أصيل، والفصل ربيع، والحديقة في أبهى حللها؛ والفتاة شيرين والمرأة المتوسطة العمر التي هي والدتها، على درجة كبيرة من الجمال والأدب والذكاء والكمال. وكأن حرية الطبيعة وجمالها يتجاوبان مع ما تعتنقه شيرين من إيمان بالحرية في مقابل استبداد عبد الحميد وطغيانه. وهكذا، ينطوي الفصل الاستهلالي أيضًا على مقابلة بين حالين مُتعارضين.

ويُمكن الخلوص، بعد تحليل العمليات السردية في الفصل الأول الاستهلالي، إلى النتيجة المهمة الآتية: إنَّ الثنائيات المتعارضة التي تتَّخذ طابعًا فكريًّا والتي انطوت عليها صفحة العنوان الداخلية بعتباتها الثلاث، تجد رَجْعَ صداها القوي في الفصل الاستهلالي الأول من خلال عمليات سردية تجسيدية.

ثانيًا: الأساس الاجتماعي ﻟ «الانقلاب العثماني»

تتوازَى المواجهة السياسية العنيفة التي استكشفنا معالمها الأولى من خلال تحليل العلامات اللغوية التي انطوت عليها عتبات النص الخارجية والداخلية (صفحة العنوان والفصل الأول الاستهلالي) جنبًا إلى جنب مع مواجهة اجتماعية وأيديولوجية تضطلع بها رواية الانقلاب العثماني اضطلاعًا متواريًا لا يشغل موقع الصدارة في الرواية. إذ يمكن ملاحظة أن الرواية لا تنخرط في التنميط الأبوي السائد في المجتمع حينئذٍ، ذلك التنميط الذي يَعمل على دَعْمه وتوكيده النظامُ السياسي الاستبدادي، أو حكمُ الفرد المطلق، في الدولة العثمانية. ومن الممكن القول بعبارات أخرى إن رواية الانقلاب العثماني تعلن عن التنميط الأبوي في اللحظة نفسها التي تَشرع في محاولة هَدْمه. إذ تُصور روايةُ الانقلاب العثماني — ما يُصْطَلَحُ عليه في النقد النسوي Feminist Criticism — النظامَ الأبوي Patriarchy في اللحظة الأخيرة قبل شروعه في الاهتزاز أو بداية انهياره. ولكن قبل الدخول في التحليلات النصية، لا بد أولًا من تحديد مفهوم النظام الأبوي وموطن نشأته وآليات توليده ودَعْمه.

(١) مفهوم النظام الأبوي

تقول جيردا ليرنر: «إن النظام الأبوي هو خَلْقٌ تاريخي قام به الرجال والنساء في سيرورة استغرقت ٢٥٠٠ سنة لكي يكتمل. وقد ظهر النظام الأبوي في شكله الأقدم في شكل الدولة القديمة. وكانت الوحدة الأساسية لتنظيمه هي الأسرة الأبوية، التي ولدت باستمرار قواعدَها وقيمها وعبرت عنها.»٣٢ ومن ذلك يُمكن استنتاج التحالف القوي بين الأسرة والدولة في العمل على إنتاج النظام الأبوي وإعادة إنتاجه، باستمرار، عبر القيم والعادات والقوانين والأدوار الاجتماعية التي اضطلعت بالتعبير عن الأدوار وأنواع السلوك التي عُدتْ ملائمةً للرجل والمرأة، والأهم من ذلك أن هذا التعبير يُصَاغ دومًا في استعارات رئيسية صارت جزءًا من البناء الثقافي والنسق التفسيري.٣٣
وإذن، وحدة التنظيم الأساسية للنظام الأبوي هي الأسرة الأبوية؛ لأنها «مصدر سلطة الرجل وأداة إدخال الأطفال في العلاقات الاجتماعية.»٣٤ لذا، تذهب كل الحركات النسوية إلى أن الأسرة هي «موطن قمع المرأة وموضع الحياة الشخصية ذات القيمة.»٣٥    وعلى هذا، يمكن تعريف النظام الأبوي بأنه «نظام للتفكير يتمركز حول هُوية الرجل وقيمه، ويَعتبر المرأةَ حيادًا عن المعيار الذي يتحدَّد بالإحالة إلى الرجل.»٣٦ وتُشير إحدى الناقدات النسويات، ديل سبندر Dale Spender (١٩٤٣م–…)، إلى الطريقة التي يُؤثر بها «الاعتقادُ بأن الرجل هو الجنس الأرقى على تنظيم المؤسسات الاجتماعية بحيث يُصبح النظام المتمركز حول الرجل [Androcentrism] مستديمًا من تلقاء نفسه، فيُكافِئ الجنسَ الأرقى بمنحه مزيدًا من الموارد بصورة تلقائية.»٣٧

(٢) آليات توليد النظام الأبوي في الأسرة

إنَّ للنظام الأبوي آليات توليد ودَعْم داخل نطاق الأسرة أَوْضَحَها بطريقة دقيقة المحللُ النفسي الفرنسي، ما بعد البِنيوي، جاك لاكان Jacques Lacan (١٩٠١–١٩٨١م). إذ تتضح سلطة الرجل في نطاق الأسرة، بوصفها أداة إدخال الأطفال في العلاقات الاجتماعية، عبر مفهوم لاكان لما يسميه «مرحلة المرآة» Mirror Stage التي تتضمن مرحلتين مُهمتين من مراحل تشكيل الذات. المرحلة الأولى يُسمِّيها لاكان مرحلة «الخيالي» Imaginary. في مرحلة «الخيالي»، لا يَستطيع الطفل التعرف على نفسه بواسطة نفسه، وإنما يبدأ في التعرُّف على نفسه بواسطة التعرف على جسد أمه، وكأنه يتعرَّف على نفسه من خلال مرآة الآخر. في هذه المرحلة، تُصبح علاقةُ الطفل بالعالم علاقةً ثنائيةً أساسُها الشعور باتحاده مع الأم، الذي سيُعدُّ نموذجًا لاتحاده مع أي موضوع آخر في العالم المحيط به. لذا، يذهب لاكان إلى أن الطفل في مرحلة «الخيالي» يفتقر إلى أيِّ محور مُستقل يُحدِّد من خلاله ذاتَه، حيث تتبادل الذاتُ الموضعَ مع الموضوعات في العالم تبادلًا مُنغلقًا على نفسه، ولا تَنفصِل أطراف التبادُل؛ أيْ لا ينفصل الطفل عن الموضوعات في العالم المحيط به. ولكن هذه المرحلة لا تستمر طويلًا، فما إن يبدأ الطفل في تعلم اللغة حتى تبدأ مرحلة جديدة يُسمِّيها لاكان مرحلة «الرمزي» Symbolic. وفي هذه المرحلة، يبدأ الطفل في تعلم اللغة، وفيها أيضًا يظهر الأب جالبًا معه — عبر اللغة — القانونَ والمُحرمَ الأخلاقي والاجتماعي الذي يُدمر مرحلةَ الاتحاد بين الطفل وأمه. إذ يبدأ الطفل — بواسطة الأب واللغة — في التعرف على وجود شبكة علاقات اجتماعية أوسع، هو مجرَّد طرف فيها. وعندئذٍ، يصبح الطفل طرفًا في نظام لغوي هو مفعول له وليس فاعلًا فيه. ويذهب لاكان إلى أن أهم ما يُميز مرحلة «الرمزي» هو مفهوم قانون الأب بوصفه المفهوم الذي يُولد سلطةَ الأب المُمثِّل للقانون بكل أشكاله الأخلاقية والعُرْفية والاجتماعية والسياسية. وعندئذٍ، تبدأ ذاتُ الطفل في التعرُّف على نفسها وفق قانون الأب.٣٨
وهكذا، تلعب صيغ المذكر والمؤنث اللغوية التي حددها الرجل/الأب، في الأصل، والتي تتمحور حول هُوية الأب ومنظومته القيمية، وليس حول الأم، دورًا مهمًّا أثناء عملية التنشئة الاجتماعية، وفي الوقت نفسه، وهذا هو الأهم، تلعب دورًا قويًّا في توليد النظام الأبوي وزَرْعه داخل بنيتين، الأولى بنية صغرى هي الأسرة والفرد، والثانية بنية كبرى هي المجتمع والدولة.٣٩ إنَّ الأدوار الاجتماعية والسياسية يجري تحديدها داخل نطاق الأسرة وقانونها الأبوي، انطلاقًا من فكرة تقول إن الرجال والنساء خُلِقوا بيولوجيًّا بطريقة مُتغايرة، من أجل تحقيق أهداف مختلفة، وإن الرجال لديهم عقل راجح على عكس النساء ذوات العقل الناقص. وهكذا، تُزْرَع، منذ الطفولة الأولى كل قيم الذكورة الكاملة المُتفوِّقة في مقابل الأنوثة الناقصة المتدنية، على نحو يُبرِّر خضوعَ النساء للرجال وانسحاق ذواتهن أمام حضور ذوات الرجال.
باتَ مِن الجليِّ، الآن، أن قانون الأب المسيطر على وحدة التنظيم الأولى — الأسرة — يَضطلِع بمهمة ذات وجهين، وجهها الأول هو — على حدِّ تعبير بيير بورديو Pierre Bourdieu (١٩٣٠–٢٠٠٢م) — البناء الاجتماعي للأجساد؛٤٠ ووجهها الثاني هو البناء السياسي فيما يُشير هشام شرابي (١٩٢٧–٢٠٠٥م) على نحو ما سلف. ويجدُ التمركزُ حول الرجل كل الظروف مُواتيةً كي يعمل، بطريقة تدعم باستمرار حضورَ الرجال الشامل في البنية الاجتماعية والبِنية السياسية على حد سواء.٤١ ويُرسخ النظام الأبوي أركانَه اجتماعيًّا وسياسيًّا من خلال آليات عنف رمزي، وكذلك من خلال آليات عنف مادي إذا تطلب الأمر، على نحو ما سنرى أثناء التحليل.

وبالاستناد إلى الإيضاح السابق، من المُمكن استنتاج الآتي: كلما تَعَزَّزتْ سلطةُ الأب ورَسَخَتْ داخل الأسرة، تَعَززتْ سلطةُ الحاكم في الدولة ورَسَخَتْ. وفي المقابل، كلما تداعتْ سلطة الأب واضمحلتْ داخل الأسرة أو باتت في طريقها إلى التآكل، تداعتْ سلطة الحاكم في الدولة واضمحلَّت أو باتت في طريقها إلى التآكل.

(٣) بِنْية أُسْرة شيرين وتصدُّع سلطة الأب

تتكون أسرة شيرين التركية من ثلاثة أفراد: الأب طهماز، والأم توحيدة، والابنة شيرين التي هي فتاة في مُقتبَل الشباب. ويتصادف أن هذه الأسرة تعيش في فجر القرن العشرين لحظةً من لحظات التحول الاجتماعي على مستوى أعراف المجتمع وتقاليده. وتتكاتَف ظروف عديدة، موضوعية وشخصية، تجعل سلطةَ الأب تبدو متصدعة أو في طريقها إلى الانهيار. ومن الواضح أن الظروف الموضوعية تتعلق بما تُسميه الأم توحيدة «مُقتضى التمدن الحديث» (الرواية، ص٤٢) من انتشار التعليم وإتاحة المدارس أمام البنات، وازدهار الصحافة وحب المطالعة؛ فضلًا عن أن الأم توحيدة هي التي حملت زوجها «على التساهل في أمر الحجاب جَرْيًا على مقتضى التمدُّن الحديث … على أن الأتراك وخاصة في سلانيك كانوا قد خففوا الحجابَ على الإجمال؛ فالمرأة تُجالِسُ الرجالَ وهي مكسوة الرأس بالنقاب، أو الشال … ولم يكن طهماز يأذن لزوجته أن تلاقي سوى الأخصاء من معارفه مثل صديقه صائب» (الرواية، ص٤٢).

وإذن، تُوجد أسرة شيرين في ظرف موضوعي خارجي، يتعلق بطبيعة المجتمع الآخذ في تلك الفترة بأسباب التمدن الحديث والجَرْي على مقتضياته. أما عن الظرف الشخصي الداخلي المتعلِّق بأسرة شيرين نفسها، فمن المُمكن القول إن أسرة شيرين تقع في منطقة وسطى بين المحافَظة التقليدية والتمدُّن الحديث أو التحرُّر، فعلى سبيل المثال لم يكن الأب طهماز يسمح لزوجتِه أو ابنته إلا بمُلاقاة الأخصاء من معارفه، وليس أي أحد. وهو ما يكشف عن درجة من السيطرة أو الهيمنة الذكورية التي تُعد آلية أساسية من آليات النظام الأبوي، ولكنها — فيما يبدو — هيمنة مهتزة على نحو ما سيتَّضح من التحليل في الفقرات الآتية.

ينتهي الفصل الاستهلالي «حديقة البلدية» بظهور الأم توحيدة وابنتها شيرين، بمفردهما، في مكان عام هو حديقة البلدية؛ إذ يتحدَّث الراوي عن توافد الناس إلى الحديقة على جاري العادة في أصيل يوم من أيام فصل الربيع عام ١٩٠٧م:

وفيهم النساء أكثرهن بالزي الإفرنجي، وبعضهم [كذا] بالزي التركي … والتركيات إذا أتين الحديقة اخترن ناحيةً منها منفردةً يجلسن إليها حتى لا يكن عُرْضةً لعيون المارة … هناك تحت شجرة من الكستناء غضة الأغصان، جلست امرأة متوسطة العمر على مقعد من مقاعد الحديقة، وإلى جانبها فتاة في مقتبل الشباب … ولو أتيح لك رؤيتهما، لرأيت ما يستوقف الخاطر من جمال وأدب وذكاء وكمال» (الرواية، ص٦–٧).

يكشف تحليل العلامات اللغوية، وبخاصة المقابلة بين النساء ذوات الزي الإفرنجي والنساء التركيات بالزي التركي، عن أن المرأتين، الأم توحيدة وابنتها شيرين، تقعان في منطقة وسطى بين المحافَظة التقليدية والتمدن الحديث، أو بين التحجب والسفور؛ وذلك أن توحيدة وابنتها اختارتا ناحيةً في الحديقة شِبْه متوارية عن الأنظار، كما تفعل النساء التركيات؛ فالأم وابنتها، مع أنهما خارج المنزل في مكانٍ عام بعيدًا عن سلطة الرجل (الزوج والأب)، فهما مَستورتان نسبيًّا، ففضلًا عن أنهما تنتحيان جانبًا من الحديقة، نجدهما تجلسان تحت شجرة كستناء؛ ومعروف أن شجر الكستناء كثيف ظليل يساعد على التواري عن الأنظار. وأما فيما يتعلَّق بالزي، فنجد الحالة الوسطى نفسها بين التحجب والسفور، التي تُميِّز زي النساء التركيات الحديث في مقابل الزي الإفرنجي، يقول الراوي: «كان لباس المرأتين نموذجًا للزي التركي الحديث … لا يظهر منه إلا رداء بني اللون كالبرنُس، له أكمام … يكسو الجسم كله كالجبة الواسعة، وعلى الرأس خمار شفاف يكسوه كله إلا جانبًا من الوجه. وكان شعر المرأة الكهلة مضفورًا على النظام القديم … أما الفتاة فقد ضفرته على النمط الإفرنجي وغطته بالنقاب الشفاف» (الرواية، ص٧). ويتجاوب هذا الزي الحديث مع ما تتصف به المرأتان من «جمال وأدب وذكاء وكمال».

ومن ناحية أخرى، تتميَّز شيرين بمستوى تعليمي أعلى من والدتها توحيدة، ففي أثناء جلوسهما بعيدًا عن أعين المارة — والرقباء من جواسيس السلطان عبد الحميد — كانت شيرين تقرأ مقالة في إحدى الجرائد الفرنسية وتُترجم لأمها ما تقرؤه إلى اللغة التركية. وسرعان ما يتَّضح أن المقالة المكتوبة بالفرنسية هي مقالة سياسية مُناهِضة للسلطان عبد الحميد ونظام حكمه (انظر الرواية، ص٧–٨). ويُمكن استنتاج أن المرأتين على درجة كبيرة من الوعي السياسي، أيْ تتمتَّعان بثقافة سياسية عالية جعلتهما من المهتمات بالشئون العامة ولا سيما السياسي منها، في جوٍّ مشحون بالتسلط والاستبداد، والدليل على ذلك أن الجريدة الفرنسية التي تقرأ منها شيرين المقالةَ «قد طوتها طيات كثيرة حتى يصغر حجمها ولا يَنتبه لها الناس، فتقرأ ما يظهر منها ثم تديرها لقراءة ما بقي، ووالدتها تنتظر ما تترجمه ابنتها من المقالة التي تقرؤها» (الرواية، ص٧). ولكن المقالة التي كان قد كتبها ابن خالتها رامز، المُنتمي إلى جمعية الاتحاد والترقي، لم تكن موقعةً باسمه، فهو — كما قالت شيرين لوالدتها بحذر وهدوء — «لا يوقع المقالات باسمه، وإنما يرمز عنه بحرف (A) وكل مقالة في هذه الجريدة موقَّعة بهذا الحرف فإنها له … ولا يعلم ذلك أحد سواي وسوى صاحب الجريدة» (الرواية، ص٨). ويصف الراوي شيرين وضمنًا والدتَها توحيدة على النحو الآتي:

وكانت شيرين ذات جمال جذاب مهيب، وفي عينيها ماء لامع ينم على الذكاء وسرعة الخاطر، وعلى شدة عاطفة الحب … وكانت طويلة القامة مع اعتدال وتَناسُب، والصحة بادية في محياها وقوة الإرادة ظاهرة حول فمها … لا ينظر إليها ناظر إلا هابَها، وقد زادها العلم رونقًا وطلاوة؛ لأنها تثقفت أحسن ثقافة، وهي تجيد التركية، والفرنسية، والرومية، لغة تلك البلاد كلامًا وكتابة، والفضل في ذلك إلى والدتها … فقد كانت من فضليات النساء وأقواهنَّ عقلًا، وقد ربَّت ابنتها على الحرية وصدق اللهجة … فشبَّت شيرين كبيرة النفس، قوية العزيمة، تكره الظلم والظالمين. وقد أحبَّت رامزًا كاتب تلك المقالة وأحبَّها منذ الصغر […] فنشأت شيرين ورامز معًا وقد تحابَّا، وامتزجت روحاهما وتعاهَدا على الزواج … (الرواية، ص٨–٩).

وإذن، تتميَّز شيرين — ومن ثمَّ والدتها توحيدة — برجاحة العقل وقوته وبالثقافة الرفيعة، وبخاصة شيرين التي تتكلَّم ثلاث لغات هي التركية والفرنسية والرومية، يُضاف إلى ذلك دقة الشعور لدى شيرين إلى درجة التنبؤ «فلا يكاد جليسها يهم بالكلام حتى تفهم مرادَه» (الرواية، ص٣٥)، فضلًا عن أن المرأتَين تتميَّزان بدرجة عالية من الوعي السياسي جعلتهما مهتمتَين بالشئون العامة ولا سيما السياسية، وإن كانت شيرين تتفوَّق على أمها بقوة الإرادة وصلابتها. وإلى هذه الإرادة الصلبة، تتميَّز أيضًا بالاعتدال ورباطة الجأش على نحو كان يُمكنها من مناقشة رامز فيما يكتب من مقالات سياسية حماسية متطرِّفة، فكانت «تنتقده وتُباحِثه، فيلذ له الرجوع إلى رأيها …» (الرواية، ص١٠). ولكن تنبغي الإشارة، هنا، إلى أن ما تتميَّز به الأم توحيدة وابنتها شيرين من وعي ثقافي وسياسي، إنما هو — في حقيقة أمره — نتاج طبيعي للاهتمام بالتعليم وإنشاء المدارس وإتاحة الفرصة للبنات أن يتلقَّين حظًّا وافرًا من التعليم. والأكثر من هذا أن الأمَّ توحيدة تجيد القراءة كما يظهر من بعض المواضع في الرواية (انظر الرواية، ص٤٤).

ومن الواضح أيضًا أن العلاقة بين شيرين ووالدتها توحيدة علاقة قوية، على عكس علاقة شيرين بوالدها طهماز، يقول الراوي:

وكانت رابطة شيرين بوالدتها أشد من رابطة سائر البنات بأمهاتهن؛ لأنَّ شيرين كانت مستودع أسرار تلك الوالدة التعسة التي خانها الحظ وصارت زوجة لذلك الرجل الجاهل … فاحتملَت فظاظته وحماقته إكرامًا لابنتها، فربَّتْها أحسن تربية … وحينما كبرت اتخذتها صديقة تشتكي إليها همومها ومصائبها، وهي التي سهلت عليها الاجتماع برامز (الرواية، ص٦٦).

وفي مقابل الأم توحيدة وابنتها شيرين، يتميَّز الأب طهماز بأنه جاهل، و«ضعيف الإرادة بسيط القلب لا يُؤمَنُ معه أن يَستغويه بعض الجواسيس ويسرق منه خبرك … إنَّ طهماز قوي البدن ولكنه ضعيف الإرادة» (الرواية، ص١٤). ويقدمه الراوي عند ظهوره لأول مرة، في حديقة البلدية، بصفات جسدية ذكورية تتَّسم بالقوة، وأما من الناحية المعنوية أو النفسية فيقدمه على حال يقترب به من الدناءة، يقول الراوي:

فتَقدمَ والدُها طهماز وكان كبير الجسم عظيم العضل، كبير الرأس، واسع الفم، غليظ الشفتَين، معروفًا بين أهله ومعارفه بقوة الساعدَين. يلبس ثوبًا واسعًا أشبه بما يلبسه أهل الأناضول. يَرفع الرجلَ بيده الواحدة ويرميه إلى الأرض كأنه رغيف. وكان كثير الإعجاب بقوته وهي الهِبَة الوحيدة التي وهبته إياها الطبيعةُ، لأنه كان ضعيفًا فيما خلا ذلك … وكان جشعًا نهمًا، لا تكاد تراه إلا وفي فمه شيء يَمضغه من حلوى، أو ياميش، أو طعام. وكان ساعتئذٍ يأكل كعكة تناولها من أحد الباعة في الطريق … فلما دنا من زوجته وابنته، ألقى التحية ببرود ولم يُسلِّم عليهما إلا ليقدم لهما صديقه الفاضل الوجيه صائب بك (الرواية، ص١٥).

ومن الملاحظ أن وصف طهماز بضعف الإرادة الذي يقدح في الرجولة الحقة، يأتي على لسان زوجته توحيدة التي لا تُفوت موضعًا مناسبًا إلا وأظهرت جانبًا من شخصية زوجها «لعلمها أن زوجها لم يُعْطَ الثبات والحزم إلا في معاكستها … فهو ضعيف مع كل إنسان، كثير الإصغاء والإذعان لأهل الدسائس، يُدَار بكلمة ويُقَاد بشعرة إلا مع امرأته، فإنه عنيد معها لا يرجع عن قوله لأنه يَعد رجوعَه ضعفًا … فكيف وهو رجل البيت لا يكون كلامه نافذًا؟» (الرواية، ص٣٩). ومن ثم، لا يتمتع طهماز، بوصفه زوجًا وأبًا، بموقع مركزي في الأسرة إلا من الناحية الصورية، الأمر الذي يمكن معه الحديث عن هيمنة ذكورية شكلية ونظام أبوي مُهتز وغير ثابت، ولكن تلك الهيمنة الذكورية الشكلية والنظام الأبوي المهتز غير الثابت، وإن كانا ناتجين عن سمات طهماز الشخصية الدنيئة فهما ناتجان بالقدر نفسه عن لحظة تحول تاريخي يمر بها المجتمع التركي مع مطالع القرن العشرين، وهو ما يتَّضح من حوار بين طهماز وزوجته توحيدة بشأن طلب صائب بك أن يخطب شيرين لنفسه:

قالت توحيدة: «لا نستطيع أن نخطبها لأحد إلا بإرادتها». فهز رأسه، وقال: «إنَّ بنات هذا العصر مثل شبابه، لا يعملون إلا ما يخطر لهم … وكنا في زماننا نُلقي اتكالنا على آبائنا، وهذا هو سبب الشرور التي نراها تنتابنا من كل ناحية. لم يَعد يعجبنا العجب … نريد أن نتدخَّل في كل شيء ونعمل على هوانا حتى صرنا نطلب أن نُشارك سلطاننا في الحكم، وإذا أبى علينا ذلك نقمنا عليه وأردنا قتله … ما لنا ولذلك، فاذهبي الآن إلى شيرين وأقنعيها بوجه الحق وأفهميها مركز صائب وأهميته» (الرواية، ص٣٤).

يبدو طهماز هنا معبرًا عن الجيل القديم واستحكام مركزية الرجل/الزوج والأب فيه. وتبدو أسرة شيرين متصدعة ومشقوقة إلى جناحين متقابلَين: الأب بمنظوره الأبوي التقليدي القديم، والابنة شيرين بمنظورها التحرري الحديث، وتُساندُها أمها بكل ما أوتيت من قوة ومكر ودهاء. لكن المهم في هذا الشاهد أن طهماز نجح ببراعة في التعبير عن العلاقة التكافُلية بين النظام الأبوي في موطنه الأُسَري الأولي ورأس النظام السياسي للدولة. وذلك على النحو الذي يؤكد فرضية ذكرتُها سابقًا؛ ألا وهي: كلما تَعَززتْ سلطةُ الأب ورسخت داخل الأسرة، تَعَززتْ سلطةُ الحاكم في الدولة ورسخت؛ وفي المقابل، كلَّما تداعتْ سلطة الأب واضمحلتْ داخل الأسرة أو باتت في طريقها إلى التآكل، تداعتْ سلطة الحاكم في الدولة واضمحلَّت أو باتت في طريقها إلى التآكل. إنَّ اهتزاز مركز الأب في الأسرة أو عدم رسوخ النظام الأبوي في موطنه الأصلي — الأسرة — يُعرض النظامَ السياسي للاضطراب، ويغامر برأس الدولة: السلطان عبد الحميد بحكمه الفردي المطلق.

يُعبِّر طهماز، هنا، عن التحول الذي طرأ على الجيل الجديد من الشباب الأتراك فتيانًا وفتيات؛ أي التحول نحو الحرية، وبخاصة حرية الإرادة التي تَتنافى مع الهيمنة الذكورية أو مركزية الرجل/الزوج والأب على مستوى الأسرة، وعلى مستوى الدولة. فما إن تهتز مركزية الأب داخل الأسرة حتى تهتز مركزية الحاكم على المستوى السياسي. منظور الجيل الجديد من الشباب الأتراك الذي يدينه طهماز هو منظور ديمقراطي تشاركي يُناهِض الانفرادَ بالرأي والاستبدادَ سواء داخل الأسرة أو على مستوى الدولة.

ومع ذلك، لا يزال طهماز يتشبث بمحاولة تفعيل سلطته الأبوية داخل أسرته لكي تُوافق ابنته شيرين على الزواج من الجاسوس العثماني صائب باشا، رغم التطورات الاجتماعية والفكرية والسياسية المحيطة به، التي انتهت إلى تُحرك «جمعية الاتحاد والترقي» تحركًا عنيفًا في اتجاه عمليات الاغتيال لكبار أعوان السلطان عبد الحميد في سالونيك مثل شمسي باشا.٤٢ ولكن شيرين اتخذت إزاء ممارسة أبيها لسُلطته الأبوية قرارًا بقتل صائب باشا. ففي الفصل ٧٩ وعنوانه «شيرين وصائب»، يقول الراوي:
أما شيرين، فقد علمت أن طهماز فر بها من ذلك الفندق، خوفًا من وشاية خريستو بعد فراره، لعلمه أنه من حزب رامز. وكان طهماز قد علم من صائب أن رامزًا على قيد الحياة وله فرقة قوية من «جمعية الاتحاد والترقي» في مناستير، فرجع بشيرين إلى سلانيك، وسبقه صائب إلى هناك … وعاد إلى التردُّد والتزلُّف إلى شيرين، ولم يخبرها أحد ببقاء رامز على قيد الحياة. وما زال صائب يطاولها حتى خشي من فوز الأحرار بعد مقتل شمسي والقبض على عثمان وإرسال التلغراف إلى المابين بطلب الدستور وشعر بأنه لم يبقَ له عيش، فألحَّ على أبيها أن يعقد له عليها ليسافر معها … فاستخدم طهماز سلطانه كأب، وخاطبها بلهجة صاحب السلطة الأبوية على إثر مقابلة طويلة معها، روى لها فيها مزايا صائب باشا، وما يرجوه لها من النعم على يده، وأن رامز صار ترابًا، فلم تزد إلا رفضًا، فقال لها: «إن السلطة لي أنا في زواجك … وغدًا يأتي القاضي ليعقد زواجك على صائب باشا … إذ لا يجوز أن نخسر بسبب جنونك صهرًا مثل هذا.

وكانت شيرين قد تعبت من تكرار الرفض، وملَّت الجدال، وقد أخذ الهُزَال منها مأخذًا عظيمًا، وأيقنت بموت رامز وكرهت الحياة، فلما خاطبها والدها بهذه اللهجة سكتت، لكنها أعدت خنجرًا ماضيًا خبأته تحت أثوابها، وعزمت إذا لم تجد لها نجاةً أن تقتل صائبًا وتنتحر (الرواية، ص٣٤٧–٣٤٨).

ولا بدَّ من ملاحظة أن المنظور الأبوي يجعل المرأةَ «تعيش في حالة اغتراب عن طبيعتها الأنثوية الحقيقية الحرة»؛ إذ بدلًا من أن يكتسب مفهوم «الأنثى» قيمة إيجابية فاعلة «فقد أصبح محصورًا في نظام فكري ثنائي يجعل الأنثى أدنى من الذكر».٤٣ ففي ظل السلطة الأبوية تتعرض المرأة للإسكات والتجريد من أي سلطة أو قوة أو إرادة حرة. وهو ما تؤكده النظرة الدونية للمرأة لدى طهماز. فبعد اختفاء شيرين من البيت، يدور حوار بين طهماز وصائب باشا يوضح إيضاحًا جليًّا التراتبية الثنائية التي تجعل الرجل أعلى في المكانة من المرأة، وهي التراتبية التي تُعد آليةَ عمل أساسية في جوهر النظام الأبوي سواء كان على مستوى الأسرة أو الدولة. يقول طهماز لصائب تعليقًا على دعوة صائب له بالذهاب إلى قصر المابين في يلدز عقب اختفاء ابنته شيرين من المنزل:
إذن فلنَنتظِر يومًا أو يومين، ولا بد من ظهور الفتاة بعد أن تكون قد قاست الهوان والعذاب، فترجع عن غيِّها وتثوب إلى رشدها وتعلم أنك نصحتَ لها. ولا ينبغي لنا أن نُحاسبها على ما فرط منها، فإنها لم تخرج عن كونها امرأة. وهل تُحاسَبُ النساء على أعمالهن وهن ناقصات عقول؟! … وخاصة في هذا العصر الذي أصبح رجاله لا يُحاسَبون على غلطهم لشذوذهم عن المألوف في أيامنا … إنهم يخرجون على الخليفة ويطلبون قلب الحكومة … أليس هذا من الطيش؟ … فكيف إذا كان صاحب هذا الرأي فتاة، والنساء لم يخلقن إلا للطبخ والخدمة وتربية البنين. ولكن الزمان تغير، وقانا الله عاقبة أعمالنا (الرواية، ص٧٤–٧٥).
ففي هذا الشاهد، تتجلى بوضوح النظرة الدونية إلى المرأة، التي تراها ناقصة العقل في مقابل الرجل المتفوق عقليًّا، وتراها لا تصلح لشيء سوى الطبخ والخدمة وتربية الأولاد. وفي حقيقة الأمر، تستند هذه النظرة إلى مفهوم بيولوجي طبيعي، أيْ إلى خواص المرأة التشريحية وتكوينها الجسدي؛ فالمرأة هنا تُعامَل وفق تصور بيولوجي محض.٤٤ وهذا معناه أيضًا أن الرجال في إطار النظام الأبوي سيتحدَّثون دومًا من موقع مُختلف عن موقع المرأة.٤٥

ومن الملاحظ أيضًا أن الحديث عن شيرين، هنا، بهذه النظرة الدونية — على خلاف ما هي عليه في الحقيقة من حيث إرادتها الحرة التي تسعى جاهدةً إلى التعبير عنها سواء في حياتها العاطفية أو في المستوى السياسي بتأييدها مطالب جمعية الاتحاد والترقي — يقترن بانتقاد طهماز لشذوذ الرجال الذين يخرجون على الخليفة ويسعون إلى قلب نظام الحكم. ويؤكد هذا الاقترانُ المتكرر وجودَ رابطة قوية بين دَعْم النظام الأبوي وترسيخه على مستوى الأسرة وبين الحكم الفردي المطلق في نظام السلطان عبد الحميد الاستبدادي. ويختم طهماز كلامه بالتحسر على تغير الزمان وانقلاب أحواله، في إشارة قوية واضحة إلى سلطته الأبوية المهتزَّة غير الثابتة التي تتزامن مع حركات الخروج على نظام السلطان عبد الحميد وإرادة قلب نظام حكمه.

ولكننا إذا أنعمنا النظر في قول طهماز، سنكتشف حقيقة أخرى من حقائق الحكم المطلق، ألا وهي أن الاستبداد يؤكد قمعًا وقهرًا مُتسلسلًا هَرَميًّا، يبدأ من رأس نظام الحكم المطلق هابطًا إلى الأسفل، ويشمل الرجالَ والنساءَ على السواء. وذلك أن وصف الرجال الخارجين على السلطان عبد الحميد بالشذوذ، ينطوي ضمنًا على تأكيد نقيضهم؛ أي الرجال المنصاعين قهرًا لحكم السلطان، الرجال العاديين الذين يندرجون في شمولية الحكم المطلق دون الاعتراض عليه، والذين يقع عليهم القهر والقمع من رأس السلطة، فيمارسونه من ثم على مَن دونهم، أيْ على النساء، وذلك وفق عملية إنتاج للقهر والقمع تُعيد توليدَ نفسها تلقائيًّا وتتصف بالشمول.

(٤) الانقلاب الضمني في الأدوار: مركزية المرأة

إنَّ ترسيخ السلطة الأبوية واستدامتها، يَستندان دومًا إلى استمرار المرأة في إعادة إنتاج السلطة الأبوية عبر الاستجابة لها. فالنساء يَعملن، بقصد أو دون قصد، على إعادة إنتاج النظام الأبوي عبر الخضوع له، وبذلك يُعِدْنَ إنتاجَ القهر الذكوري المُمارَس عليهن. فعلى سبيل المثال، تعلم الزوجة توحيدة علم اليقين حقيقة زوجها وأنه لا يمارس رجولته إلا عليها، وأنه جاهل ناقص العقل، ويؤذيها باستمرار بعدم احترامه لها، ومع ذلك ضَحتْ بحريتها وإرادتها وعقلها في سبيل ابنتها شيرين التي ربتها أحسن تربية، وهي بتضحيتها ترضخ لقهره الذكوري وتعيد إنتاجه عبر الاستجابة للأعراف والتقاليد الداعِمة للقهر الذكوري، وذلك مع علمها المؤكَّد بأن سلطة زوجها الذكورية هي سلطة صورية بلا مضمون حقيقي. فمثلًا، رغم أن توحيدة هي التي بادرت إلى حَمْلِ زوجها على التساهل في أمر الحجاب جَرْيًا على مقتضى التمدن الحديث، نجدها تؤمن بضرورة الفصل بين الجنسين استجابة لتقاليد أبوية قديمة، وهو ما يتَّضح جليًّا حين جاء صائب بهَدية إلى شيرين لكي يستميلها إليه، واقترح الأب طهماز أن يدخل صائب إلى غرفة نوم شيرين ويتحدَّثان على انفراد حتى يقنعها بقبول الهدية، فنجد رد فعل توحيدة مناقضًا تمامًا لطلب طهماز، وهنا «ارتبكت توحيدة من هذا الاقتراح لأنه يُخالف العادة المألوفة» (الرواية، ص٥٢). ولكن توحيدة في موقف آخر مع زوجها طهماز ترفض طلب زوجها طرد خادمهما خريستو ذي الأصول الألبانية بسبب ميوله التحررية المناصِرة لجمعية الاتحاد والترقي؛ إذ يقول طهماز عقب اختفاء شيرين من البيت: «ستجدينها بعد قليل … ولكن يظهر من ذهابها مع خريستو أنها هربت، وكم من مرة أردت إخراج هذا اللعين من بيتنا وأنت ترفضين … إنه من جملة أسباب تمسك شيرين بعنادها ومتابعة أولئك المغرورين الذين يُسمُّون أنفسَهم أحرارًا — لأنه من أهل ذلك الجنون أيضًا» (الرواية، ص٧٠).

كذلك أيضًا تميل الزوجة توحيدة إلى اتباع أسلوب الحيلة والمكر وتجنُّب الصدام في بعض المواقف، ويُعد هذا الأسلوب نتيجة مباشرة لخضوعها للقهر الذكوري المُمارَس عليها من قبل زوجها طهماز. وهو ما يظهر واضحًا من محاولتها إغراء ابنتها شيرين على النوم كيلا تسمع ما يدور بين أبيها وصائب من حديث بشأن خطبتها له (انظر الرواية، ص٤٣). وبعد حوار طويل بين شيرين وصائب انتهجت فيه شيرين أسلوب الرفض والمواجهة الراديكالية، وانتهى بتهديد صائب لها بإبلاغ قصر المابين في يلدز عن علاقتها بجمعية الاتحاد الترقي، حاولت والدتها توحيدة بعد انصراف صائب إقناع ابنتها شيرين باتباع أساليب الحيلة والمكر بدلًا من المواجهة الصريحة، فتقبَل خطوبةَ صائب حتى تُخلص حبيبَها رامزًا من الموت على يد السلطان عبد الحميد. وبذلك تُريد توحيدة من ابنتها أن تستجيب لسلطة الأب الذي يريد مصاهرة الجاسوس صائب بك، حتى لو كانت استجابة شيرين تعني الاستجابة لسلطة الأب وفي الوقت نفسه الاستجابة لسلطة نظام الحكم المطلق المتمثلة — في هذا الموقف — في صائب بك. ولكن شيرين لا تُوافق على أسلوب التحايل والمكر، وتُفضل السير في طريق الاعتراض الجذري حتى لو كان الثمن هو موت حبيبها رامز وموتها معه (انظر الرواية، الفصل ٦٦ «شيرين ووالدتها»، ص٦٦–٦٧).

وبعد حوار أمها معها، اختفت شيرين التي فضلت السفرَ إلى يلدز حيث قصر المابين مقر حكم السلطان عبد الحميد، ومواجهته، أيْ: مواجهة رأس السلطة السياسية الأبوية المستبدَّة. إن هذا التصرف الراديكالي من شيرين لافت للنظر، ويفرض على القارئ إعادة النظر في شخصية شيرين نفسها ومحاولة الوقوف على طبيعة دورها في أحداث الرواية عمومًا، والتساؤل عما إذا كانت هي التي تُحرك الأحداث في العمل الأدبي وتدفعها إلى الأمام.

أولًا: لا بد من الإشارة إلى أن الرواية تبدأ بتقديم شيرين والحديث عن مواهبها سواء الخِلْقية أو الخُلُقية أو الثقافية أو العقلية، وصفاتها النفسية من حيث الصلابة وقوة الإرادة، مع الإشارة إلى وجود علاقة عاطفية بينها وبين رامز منذ الصغر. وواقع الحال أن رامزًا يندفع في انضمامه إلى «جمعية الاتحاد والترقي»، بل يستمر على ما هو عليه من الدعوة إلى التحرر والمطالبة بالدستور ومُناهَضة الحكم الفردي بمؤازرة قوية وتشجيع دائم من شيرين، بل يقترب موقعها في العلاقة من ما يمكن تسميته «المركزية الأنثوية» الجديدة في مقابل المركزية الأبوية القديمة التي يعتنقها والدها طهماز، فهي المحور الذي يدور حوله كل عمل رامز. يقول الراوي عن رامز أثناء ترحيله إلى سراي الحكومة مخفورًا، أيْ تحت الحراسة المشددة، بعد أن وَشَى به صائب بك، جاسوس السلطان:

فكان وهو في المركبة المقفلة مستغرقًا في تصوراته، وقد علم أنه مُساق إلى أشد الأخطار، فلم يُبَالِ بشيء منها، لولا شيرين … لأنها كانت مستقر آماله ومستودع مسراته. يَكفيه منها نظرة وُدٍّ، أو كلمة إعجاب بما يكتبه حتى يستفزه الطرب وتَهُب فيه الحماسة ويَنْشَطَ إلى مواصلة الأخذ بناصر الأحرار. وكانت هي التي زادته تمسكًا بأذيال الحرية والدفاع عنها بشدة، والطعن في الظالمين … حتى تَهورَ وألقى بنفسه في ذلك الخطر (الرواية، ص٧٦).

بل تتأكَّد مركزيةُ الأنثى في ذلك العصر الجديد، عصر التمدن الحديث وقتذاك، من خلال تعليق الراوي مستطردًا في الكلام عن دور المرأة بطريقة تعصف تمامًا بالنظام الأبوي وأعرافه ذات الهيمنة الذكورية المزعومة، يقول الراوي بعد الفقرة السابقة مباشرة:

وللمرأة رُوح تبثها في قلب الرجل، فتنبه عقله وتثير همته، ويصبح طوع إرادتها … يحب ما تحب، ويتفانى في سبيل ما يُرضيها. فإذا كانت قوية المبدأ، سامية الخلق، شريفة الإحساس، صعدت به إلى سماء المجد، وأصبح همه التخلُّق بتلك الأخلاق. وقد علمتَ أن شيرين كانت مفطورةً على حب الحرية تعشقها وتتغزَّل بها، فكيف لا يعشقها رامز ويتفانى في نصرتها … وكم من قائد يخوض ساحة الوغى ويعرض حياته للخطر … وهو لا يرجو من وراء ذلك إلا ابتسامة من حبيبته، أو كلمة إعجاب من شفتيها. وكم من عالم، أو كاتب، أو فنان، أو مصلح، إنما يشقى في جهاده التماسًا لرضى حبيبة عاقلة، فُطِرَتْ على حب هذه الفضائل … فيا لسعادة الأمة التي تسمو فيها أخلاق المرأة حتى تعشق الفضائل فتكون عونًا للرجل على المبرات، أو الحسنات، أو السعي في سبيل الحق والحرية … إذ تكون محرضة له تستنهض همته بنظرة أو كلمة … الأم تحفز ابنها، والحبيبةُ حبيبَها، والأختُ أخاها … وويلٌ للأمة التي انحطت فيها أخلاق المرأة، فاقتصر همها على الطعام والشراب، وانحصرت أحاديثها في الخرافات والأوهام (الرواية، ص٧٦–٧٧).

من الواضح، هنا، أن الراوي يتبنى منظورًا للمرأة بوصفها محور حياة الرجل، وليست تابعةً له. المرأة، هنا، ليست مهيضة الجناح، أو تحتل مرتبةً أدنى من الرجل، وإنما الرجل طَوْع إرادتها، وهو ما نجده متحققًا في علاقة شيرين برامز كما سلفت الإشارة. إن روح المرأة، فيما يُشير الراوي، تسري في حنايا الرجل إلى الحد الذي يُشكله تشكيلًا، وبها تسمو الأمم أو تنحط.

بل تتطرَّف شيرين في مطالبتها بالحرية وتغذية الأحرار من أعضاء جمعية الاتحاد والترقي بتحرُّكات راديكالية في سبيل تحقيق مطالبهم ونَيْل الدستور، من خلال التحريض على قتل السلطان عبد الحميد حتى يسقط نظام حكمه، ويظفر به أعضاء جمعية الاتحاد والترقي. ففي إحدى مكاتبات شيرين لرامز تقول له إن بقاء الذات الشاهانية — تقصد السلطان عبد الحميد — يُعد مصيبةً على الأمة (انظر الرواية، ص٥٧). وفي مكاتبة أخرى، تحرض الأحرارَ — أعضاء جمعية الاتحاد والترقي — على قتل السلطان صراحةً حين تقول إنها تستغرب «صبر الأحرار على بقاء هذا السلطان على قيد الحياة» (الرواية، ص٥٨).

وإذا كانت الفتاة الشابة شيرين تُحرِّك الأحداث بطريقة واعية مقصودة، إيجابيًّا، من خلال علاقتها بحبيبها رامز، بمناقشتها ما يكتبه في الجرائد من مقالات مُناهِضة لنظام حكم السلطان عبد الحميد الاستبدادي وتقوية عزيمته على النضال ضد الظلم والظالمين، فهي تُحركها بطريقة غير واعية وغير مقصودة، سلبيًّا، من خلال علاقتها بالجاسوس صائب بك المسئول عن تعقب أخبار أعضاء جمعية الاتحاد والترقي في سلانيك. إذ لما رآها صائب في حديقة البلدية وقع الإعجاب بها في قلبه، ولكنه أدرك على الفور نفورها منه وميلها الواضح إلى حبيبها رامز، فأخذته الغيرة والغيظ من رامز وكان يتعقَّب نشاطه السري في جمعية الاتحاد والترقي، فقرر صائب التعجيل بالوشاية به لدى السلطان حتى يخلو الطريق له أمام شيرين. وهكذا تبدأ أحداث الرواية، ومحورُها شيرين محركة الأحداث. فمن ناحية، أُلقي القبض على رامز، وجرى إرساله إلى يلدز حيث يقيم السلطان عبد الحميد من أجل التحقيق معه؛ ومن ناحية أخرى بدأ صائب بك في التقرب من والد شيرين واستمالته من خلال الإنعام عليه بلقب سلطاني، مُوقع من السلطان عبد الحميد نفسه، حتى يَسهل عليه طلب الزواج من شيرين. وبذلك تمضي الأحداث في خطين سرديَّين متجاورين ومتشابكين في الوقت نفسه، وكانت شيرين هي السبب في توليدهما، بل هي محورهما: الخط الأول هو القبض على رامز وإرساله إلى يلدز لكي يحقق معه السلطان عبد الحميد بنفسه ومعه كبار أعوانه وأهمهم رئيس جواسيس السلطان الملقب ﺑ «السر خفية». والخط الثاني هو الجاسوس صائب بك ومحاولاته المستميتة والمتعددة للزواج من شيرين، ومحاولاته إقناعها بالزواج منه واستمالتها على نحوٍ بدا معه ذليلًا لقاء نظرةِ رضًى منها.

بعد استكشاف بِنْية أسرة شيرين كما مَثلتها الرواية، وتصدُّع مركزية الأب فيها، وبزوغ ما يمكن تسميته مركزية الأنثى التي تعبر عنها شيرين من خلال موقعها السردي المحرك لأحداث الرواية، من الممكن إثارة التساؤل الآتي: هل تتجاوَب صورة الأب طهماز داخل الأسرة مع التمثيل الروائي لشخصية السلطان عبد الحميد الثاني؟ سأُؤجلُ الإجابة عن هذا التساؤل قليلًا، وذلك من أجل فحص الأساس الأيديولوجي الذي تقوم عليه رواية الانقلاب العثماني، والذي يجد تعبيرَه الأمثل من خلال «جمعية الاتحاد والترقي» السرية المضادة لاستبداد عبد الحميد الثاني وانفراده بالحكم، كما يقدمه جُرْجي زيدان في روايته؛ وهو الأساس الأيديولوجي الذي يُعد عاملًا مهمًّا من عوامل تآكل سلطة الأب داخل الأسرة بالتوازي مع تآكل سلطة عبد الحميد الثاني ونظام حكمه الاستبدادي.

ثالثًا: الأساس الأيديولوجي ﻟ «الانقلاب العثماني»

أشرتُ في الفقرات السابقة إلى وجهة نظر طهماز — ممثل الجيل الأبوي القديم — في «بنات هذا العصر» اللواتي لا يعملن إلا ما يخطر لهن، وأنهن لا يُسْلِمْنَ القيادَ لآبائهن، إلى درجة أنهن — كشباب ذلك العصر أيضًا — يتدخَّلن في كل شيء، بما فيه طلب مشاركة «سلطاننا في الحكم» (انظر الرواية، ص٣٤). وتُعد شخصية شيرين الشابة اليافعة في الرواية — على نحو ما حللتُها في الفقرات السابقة — إحدى نماذج «بنات هذا العصر» الذي يُعد بحق عصر تحول من النظام الأبوي القديم إلى نظام تشاركي بين الرجل والمرأة على مستوى الأسرة، وبين الحاكم والمواطنين على مستوى الدولة. وما كان هذا التحوُّل الجديد الذي لم يستوعبه طهماز، ولكن زوجته توحيدة استوعبته، إلا «جَرْيًا على مقتضى التمدن الحديث» (الرواية، ص٤٢). إن صياغة العبارة على هذا النحو في رواية الانقلاب العثماني التاريخية — التي «تتضمَّن وصف أحوال الأحرار العثمانيين وجمعياتهم السرية، وما قاسوه في طلب الدستور … ووصف يلدز وقصورها وحدائقها وعبد الحميد وجواسيسه وأعوانه، وسائر أحواله إلى فوز جمعية الاتحاد والترقي بِنَيْل الدستور في ٢٣ يوليو سنة ١٩٠٨م» (الرواية، صفحة العنوان) — تلفت القارئَ إلى إشارة مزدوجة فيها، بمعنى الإشارة إلى مقتضيات «التمدن الحديث» داخل العمل الأدبي وخارجه في آنٍ معًا. وذلك على النحو الذي يمكن معه إثارة التساؤل الآتي: هل نجحت راوية الانقلاب العثماني التاريخية في تمثيل الواقع تمثيلًا أدبيًّا صادقًا؟ تقتضي الإجابة عن هذا التساؤل تحديد مفهوم «التمدن الحديث» داخل العمل الأدبي وخارجه. ولا شك في أن تحديد هذا المفهوم يُعد تحديدًا أيضًا للأساس الأيديولوجي الذي قامت عليه فكرة «الانقلاب العثماني» داخل العمل الأدبي وخارجه على السواء.

(١) التمدن الحديث خارج رواية «الانقلاب العثماني»

الحق إنَّ ثمة عوامل عديدة ساعدت على جريان ذلك التمدن الحديث في مختلف أنحاء البلاد التابعة للدولة العثمانية وقتذاك، يأتي على رأسها الاحتكاك بالثقافات الغربية وانتشار أنواع مختلفة من التعليم بخلاف التعليم الديني، فضلًا عن انتشار الصحف التي عملت على زيادة درجات الوعي العام ورَفْعه.

وسأُحاول، في هذا السياق، تسليط الضوء على تجربة شابة لبنانية من الكاتبات، هي هَنا كسباني حوراني، عاشت في الفترة من عام ١٨٧٠م — عام ميلادها — حتى وفاتها في عام ١٨٩٨م؛ أيْ عاشت حوالي ثمانية وعشرين عامًا فقط. وذلك من أجل معاينة واقع التمدن الحديث خارج رواية الانقلاب العثماني بالوقوف على مثال واقعي حي له في الربع الأخير من القرن التاسع عشر.
وقد لفَتني إلى اختيار هذا المثال الواقعي من بلاد الشام، على وجه الخصوص، ما وَرَدَ في رواية الانقلاب العثماني من حديث السلطان عبد الحميد الثاني مع رئيس الجواسيس، السر خفية، عن أن أهل الشام معروفين بباعهم الطويل في العصيان والتمرُّد، وبخاصة أنه تولى الحكمَ بعد ست سنوات من ميلاد هَنا كوراني، أيْ في عام ١٨٧٦م، وظل فيه حتى خَلْعِه بانقلاب في ٢٧ أبريل ١٩٠٩م، أيْ بعد وفاة هَنا كسباني كوراني بأحد عشر عامًا. يقول السلطان عبد الحميد بصوتٍ خافت لرئيس الجواسيس:

لا أكتمك اهتمامي بأمر العرب وخاصة أهل الشام … لا أعني أنهم يَقدرون على شيء … ولكنهم أصحاب أقلام، وفيهم همة، ولهم يدٌ في أوروبا، بما يعرفونه من اللغة الإفرنجية … وهل نسيتَ ما كانوا يكتبونه في الصحف الأوروبية من المقالات العصياينة. وسكت ينتظر ما يقوله السر خفية.

فقال السر خفية: لم أنس ما كان من ضوضائهم في أوروبا، ولكنهم غُلِبوا على أمرهم وسكتوا. فابتدره السلطان قائلًا: سكتوا … صحيح … ولكن حركتهم الأخيرة تختلف عن تلك … (الرواية، ص١٠٧).

في عام ١٨٩٣م، دُعِيَت الكاتبة اللبنانية الشابة هَنا كسباني كوراني للمشاركة في مؤتمر شيكاغو النسائي، ولم يكن عمرها يتجاوز ثلاثة وعشرين عامًا حينها. وفي المؤتمر ألقت خطابًا تحت عنوان «التمدن الحديث وتأثيره في الشرق»، وبعد اختتام فعاليات المؤتمر لم تَعد هَنا كوراني إلى قريتها كفر شيما التابعة لقضاء بَعَبْدا أحد أقضية جبل لبنان، القريبة من بيروت، ولكنها فضلت البقاء في الولايات المتحدة مدة ثلاث سنوات، ارتبطت أثناءها بعلاقة صداقة وطيدة مع السيدة الأمريكية ماي رايت سيوول.

حين قدمت كوراني إلى مؤتمر شيكاغو كانت فكرتها عن حقوق المرأة مُقتصرة على حق التعليم والتثقف وحرية الإرادة وتقرير مصيرها، ولم يكن يخطر على بالها أن للمرأة حق مشاركة الرجل في الأمور السياسية أو شَغْل المناصب الإدارية العامة. والدليل على ذلك أنها خلال الأسابيع الأولى من بقائها في الولايات المتحدة، كانت تستغرب موقف النساء الأمريكيات اللواتي لم يكتفين بالحصول على حقوقهنَّ في مجال التعليم والثقافة والخروج من المنزل دون رقابة، بل دأبنَ على منازعة الرجل في إدارة أمور السياسة وتولِّي المناصب الإدارية العامة. ولكن من الواضح أن كوراني، مع نهاية عامها الأول في أمريكا، قد بدأ يطرأ على تفكيرها في حقوق المرأة تحوُّل مهم، فلم تكتفِ بالمطالبة بتحرير المرأة في المجالات السابقة، بل آمنَت بحقها في المشاركة السياسية وتولي المناصب العامة. وقد لعبت صداقتها بماي رايت سيوول دورًا كبيرًا في حدوث هذا التحول، إذ أمضت كوراني في ضيافتها وقتًا ثمينًا شاركت أثناءه في جلسات منزلية فكرية كانت تعقدها ماي رايت سيوول التي تُعد من أبرز قائدات حركة تحرير المرأة، وأهم داعية إلى حق المرأة في المشاركة السياسية حينئذٍ. وكان من أهم نتائج هذه الصداقة الفكرية العميقة بين الشابة اللبنانية كوراني والسيدة الأمريكية سيوول أنْ شاركت كوراني في المؤتمر السنوي السادس والعشرين لحق المرأة في التصويت الذي انعقد في عام ١٨٩٤م. أيْ بدأت تظهر على كوراني ملامح تحول فكري عميق بعد عام واحد فقط من مدة إقامتها في أمريكا، حتى غدت كوراني ضيفةً لا تغيب عن الصحافة الأمريكية التي بدأت تُجري معها المقابلات والحوارات، وهي ترتدي زيها الشرقي المميز المماثل — تقريبًا — لما كانت ترتديه شيرين في رواية جُرْجي زيدان الانقلاب العثماني. لقد صارت كوراني خلال عامها في أمريكا أجرأ في توجيه الانتقاد إلى النظام الأبوي بهيمنته الذكورية السائدة في المشرق، وعَدته المسئول عما تبدو عليه المرأة الشرقية من جهلٍ وضعفٍ ورقةِ حالٍ، وصمتٍ داخل أسوار المنازل الشرقية، بل أعلنت عن ضرورة العمل على المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق السياسية. ثم عادت كوراني إلى لبنان بعد ثلاث سنوات محملة بتلك الأفكار الجديدة عن التحرير الشامل للمرأة الشرقية، وقد مرت في طريق عودتها بباريس والإسكندرية لزيارة بعض معارفها.٤٦

وما إن عادت هَنا كوراني إلى قريتها كفر شيما حتى نُظمَتْ ندوةٌ في بيروت يوم ٢٦ مايو ١٨٩٦م، ألقت فيها محاضرة بعنوان «التمدن الحديث وتأثيره في الشرق»، هي نفسها المحاضرة التي كانت قد ألقتها في مؤتمر شيكاغو عام ١٨٩٣م.

في هذه المحاضَرة، تُحدِّد كوراني مفهومها للتمدن الحديث. وتذهب إلى أن شروط التمدُّن الحديث هي النشاط والإقدام وقوة احتمال الأمة وتوقد ذكائها، وذلك في مقابل مَن يتكاسلون ويتراخون عن العزم والإقدام ويتقاعدون عن العمل والاجتهاد، وهي الأمة العاجزة.٤٧ وما يَنطبق على الأمة مجتمعةً ينطبق على الأفراد.٤٨ ثم تُؤكِّد كوراني أن التمدن الحديث نتيجة وليس سببًا، أيْ هو نتيجة الشروط التي ذكرتْها سابقًا وليس سببًا لها، فتقول: «فالتمدُّن الذي قد عمت آثاره النافعة أكثر الأقطار، والذي نجعله سببًا لتقدم الغربيين وتأخرنا، ليس سوى ظروف أوجدتها أعمال الإنسان، فهو نتيجة السعي لا مُسببه، هو الثمرة لا البذرة التي يزرعها العامل في الأرض، والتي يَقتضي لها تعبًا ومشقَّة وصبرًا قبل أن يجتني منها ثمرًا.»٤٩
وتميَّز كوراني بين دلالتين في كلمة «تمدن»، الأولى دلالة لغوية تفيد بأن «الإنسان بحسب طبيعته مدني؛ أي إنه يرتاح إلى الكِن والمأوى ومجاورة بني نوعه، ومبادلة النفع بينه وبينهم، وغير ذلك مما لا يحصل، ولا تتيسَّر أسبابه سوى بتوطُّن المدن؛ ولذلك لقد سُمي ساكن المدن مُتمدنًا؛ تمييزًا له عن حال البداوة.»٥٠ ولكن هذه الدلالة اللغوية، فيما تُشير كوراني، ليست سوى تحديد لغوي قاصر عن التحديد الاصطلاحي لمعنى «التمدن»، كما يفهمه الأوروبيون. تقول كوراني:
فالأوروبيون يَعنون بالتمدُّن الحديث: التهذيب الأدبي، وترقِّي العواطف الإنسانية، بقطع النظر عن المسكن وحالته من الضعة أو الضخامة، فالتمدُّن حسب عرفهم هو الإنسان المُرتقي في إنسانيتِه من حيث عقله وآدابه وأخلاقه، وهذا هو الحق؛ إذ ما فائدة المرء من سُكْنَى القصور والتنعُّم بجميع دواعي الترف وهو على جانب كبير من الجهالة وخشونة العادات، ومَن منَّا لا يفضل متأدبًا بدويًّا على فظٍّ حضريٍّ؟ فالتمدن إذن هو كناية عن ارتقاء الإنسان المعنوي؛ العلمي والخلقي. وهذا ما أقصده من كلمة تمدن في خطابي. والله أعلم وإليه المصير.٥١
وتسعى كوراني إلى محاولة التأصيل الطبيعي لفكرة التمدن بما هو ارتقاء الإنسان، فتقول إن الناموس — أي القانون الطبيعي أو سُنة الكون — هي القيد الوحيد على المخلوقات باختلاف أنواعها، ولا سبيل إلى تغيير تلك السُّنة الكونية أو القانون الطبيعي، فمَن يتجاوب معه يُجازَى بالارتقاء والنمو، أما مَن يعصاه فعقابه التقهقر والفناء.٥٢ تقول كوراني:

وقد علمنا العلم الطبيعي بأنَّ الارتقاء من فطرة الوجود ومن أهم دعائمه، واستشهد أولياؤه في إثبات هذه الحقيقة ببراهين جلية لا يُمكن دحضها، […] فإذا كان الارتقاء — كما قد تَقررَ — واجبًا فطريًّا صار من العدل أن يقع التأديب على مَن تعدى هذا الواجب، كل بحسب نوعه وجِبلتِه، إنْ كان بالقهقرى أو بالآلام أو بالفناء.

وقد أغنانا التاريخ عن الأدلة والبراهين لإثبات عمل هذا الناموس في الوجود الإنساني؛ إذ في سِيَرِ الأمم ونصوصهم [كذا في الأصل] كثير مما يعلمنا بأن غاية الله في خلق الإنسان إنما العمران والارتقاء؛ فالأمم التي أدركت هذه الحقيقة، وسعت وراء بلوغها بجد وإخلاص اتسع نطاق سلطانها، وتَباذَخَ مجدها، وبعدت مهابتها، وكان النصر حليفها، والفوز قرينها، ولكن عندما ظنَّت في نفسها الكمال، واعتقدت بأن الملك خاصتها، والعز رهين أمرها، وتحولت عن الجد إلى اللهو، وعن العمل إلى الرخاء والترف، فحينئذٍ تلاعبت بها أيدي الحدثان، فزال سلطانها، واضمحلَّ مجدها، وخرب عمرانها، وأقام الله من بعدها قومًا أشداء ذوي أهلية لتدبير الممالك، وسياسة الشعوب، وتمهيد سبيل الارتقاء.٥٣
إنَّ التمدُّن قديمه (مصريًّا وكلدانيًّا وفينيقيًّا ويونانيًّا) وحديثه (رومانيًّا ثم عربيًّا ثم أوروبيًّا)،٥٤ من حيث هو ارتقاء الإنسان معنويًّا وعلميًّا وخلقيًّا، هو في حقيقته ناموس كوني أو سُنة طبيعية أو فطرة الوجود، وقد أفادنا بذلك — كما تُقرر كوراني — العلمُ الطبيعي؛ ويمضي هذا التصور الدارويني عن الارتقاء، الذي لا يرحم المتكاسل عنه أو المتراخي والمتهاون فيه، على سُنة الطبيعة، تقول كوراني: «وإننا إذا تتبعنا آثار التمدن في سلسلة حلقاته القديمة والحديثة، نجد بأنَّ الإنسان مع ما تقلَّب عليه من الشئون والحالات لم يزل سائرًا رويدًا رويدًا نحو الارتقاء.»٥٥

وبعد حديث شائق عن فضل الإسلام على التمدُّن الحديث، تُبْدي كوراني ملاحظة مهمة في ماهية هذا التمدن وما يختلف به عن تمدن الأمس، أي التمدن العربي، فتقول:

إنَّ أساس المدنية في كل زمان ومكان واحد، والخلاف إنما يقع في كيفية البناء وهندستِه وتزيينه، فالتمدن كان ولم يزل تعريفًا يتميَّز به الإنسان المدني المهذب عن غيره الهمجي العديم التهذيب، والتهذيب العصري لا شك أكمل مِن حيث مُعداته وأرقى؛ لاشتماله على جملة فروع خلت من التمدن القديم، فالتمدُّن الأوروبي اليوم يُعنَى به تهذيب عام، ومُساواة عامة، وحقوق متبادلة، وما يلحق هذه من الامتيازات المدنية والسياسية والأدبية.٥٦

ولا بد، هنا، من تسجيل ملاحظة سريعة لها أهميتها، وتتمثل في أن كوراني تُفضِّل «التمدن الأوروبي اليوم» على «التمدن العربي القديم»، بل تثبت تفوقه عليه، ومن ثمَّ فهو أولى بالاتباع ضرورةً، وَفْق نظرية التطور الارتقائية. وهو ما يَتجاوب مع تصور جُرْجي زيدان وجماعته من المهاجرين الشوام إلى مصر، على نحو ما سلفت الإشارة في الفصل الأول.

ولأن الإنسان حين يُشغل جميع قواه العقلية، بحسب استعداده وأهليته للعمل، يريد تحصيل المكاسب والخيرات، أدرك قادة التمدن الحديث في أوروبا مقدار ما يترتب على تحقيق العدالة بين الجهد المبذول والكسب المحصول من نفعٍ عام، فسعوا إلى إقرار التوازن بين الجهد والكسب بغض النظر عن جنسية العامل ومذهبه ومركزه الاجتماعي؛ «أي أنهم يسعون في إعطاء كل حقه بحسب قضاء العدل لا بحكم الاستبداد.»٥٧
وإذن، أحد مُقتضيات التمدن الحديث هو العدل في توزيع الثروات على قدر الجهد المبذول. ولكن ما يترتَّب على ذلك من تفاوت بين أفراد المجتمع، يستدركه المجتمع من خلال ترسيخ فكرة الإخاء، وهي فكرة يتعلَّمها ذوو البصيرة من الطبيعة، أيضًا، التي تَهَبُ نورَها وهواءها بالتساوي بين الناس، «لذا تراهم، أي الغربيين، يصرفون الوقت الثمين والدرهم الرنان في نجدة العاجز، وتهذيب الجاهل، وطَعْمِ المسكين، وكساء البالي.»٥٨
على أن من أهم دواعي التمدن الحديث أيضًا توقير أهل العلم والفن، وإن كانوا وضيعي المنزلة الاجتماعية وبَذْل المال في سبيل رواج العلوم والفنون، «فإنَّ أشهر معالم التدريس في البلاد الأمريكية والأوروبية قد شادها أفراد أغنيائها، فهي معروفة بأسمائهم، وشاهدة بما لهم من الأسبقية في عمل الخير والإحسان.»٥٩ وبذل المال أيضًا في المشروعات الوطنية التي تعود بالنفع العام وتحقيق المصلحة العمومية.٦٠
ثم تأخذ كوراني في تعداد الموانع التي تحُول بين الشرقيين ومجاراتهم للغربيين في تمدنهم وتقدمهم، فتذكر منها: «الإفراط في محبة الذات التي هي كمحبة المال أصل لكل الشرور. وقد علمتُ علم اليقين بعد معاشرتي للغربيين ووقوفي على نوايا قلوبهم بأن الشرقي الحديث، وخصوصًا المدعي العلم والتمدُّن، هو أشد حبًّا لذاته وحرصًا على نفعه الشخصي من غيره من الأقوام […] فالمرء الذي همه في الدنيا راحة نفسه ومصلحته الشخصية، وفي طاقته نفع الغير ولا يفعل؛ فهو من الجهل والسقط بمكان قصي، وكفى بهذا إنذارًا لمن فطن.»٦١ كما تذكر من تلك الموانع أيضًا تشبث الشرقيين بمظاهر التمدن دون جوهره، وتحقير العلم وأهله، إلى غيرها من موانع.٦٢
وفي النهاية، تختم هَنا كوراني محاضرتَها بإيضاح الفارق الدقيق بين التمدُّن الأوروبي الحديث والتمدن العربي القديم، ويتمثَّل هذا الفارق في أن تأثير المرأة في التمدن الأوروبي الحديث هو تأثير لم يُرْوَ له مثيل في نصوص أخبار الأولين، على حدِّ تعبيرها.٦٣ ففي ذلك العصر الذي أطلق عليه الشاعر والكاتب الفرنسي فيكتور هوجو Victor Hugo (١٨٠٢–١٨٨٥م) «عصر النساء».
أقر قادة العلم والفنون بالمساواة المعنوية بين الرجل والمرأة […] فتأثير المرأة في التمدن الحديث مُقارِن في فوائده مآثر الرجال، فلها الآن في البلاد الغربية من آثار التأليف والاكتشاف والاستنباط ما كان يُظَن أن بينها وبين عقل المرأة مثلما بين مُلتقى الخافقين، وقد مدتْ يدها للعمل في جميع فروعه، ولم تترك بابًا إلا وطرقته، ولا مجالًا إلا ونزلته، وفازت فوزًا مبينًا في كل ما شرعته، وأجبرت الرجل على الاعتراف بفضلها واقتدارها، فأُعطيت من الحقوق الشرعية والمعنوية ما لم تحلم به امرأة من قبل.٦٤

ثم تأخذ كوراني في استعراض الحجَّة البيولوجية التي يستند إليها الرجال في نظرتهم الدونية للمرأة وإيثار أنفسهم بالسيادة على النساء، وأنَّ ذواتهم تتَّصف بكمال العقل والحكمة والدرْبة:

وقد يُؤيِّدون دعواهم هذه بمجرد النطق بأن الطبيعة قد حَبَتْهم بهذه الامتيازات وفضلتهم بصلابة الجسم وقوة العقل على سائر مَن في الوجود؛ ولذلك فقد حُق لهم السلطة على المرأة الناقصة في الفَهْم والإدراك، ووَجَبَ عليها الرضوخ لإرادتهم، والامتثال لأمرهم. والاختبارُ علمَ المرأةَ صدق ما أصف به أسيادنا الرجال، ولا حاجة إلى إقناعها بحقيقة ما هم عليه من وحدة الملك والجبروت، فهل يكون من الرأي والحالة هذه بأن المرأة تتقاعَد عن النهضة في طلب حقوقها الطبيعية من تهذيب وتثقيف ومساواة؟ وهل تفعل حسنًا بعد إذ علمت من استبداد الرجل ما علمت بأن تَعتمد على قوته ليدفعها إلى التقدم ويفتح أمامها باب الفخر، ويكللها بتاج المجد والانتصار؟

الحكمة تُجاوب: كَلا. وأنا قد علمت بعد أن درست تاريخ النهضة النسائية في بلاد الغرب بأن الرجل لم يكتفِ بأن يدع المرأة وشأنها، بل قد أجهد قواه في سبيل مقاومتها وإرجاعها إلى حالها الأول من الجهل والاستعباد، أما هي ففازت بجهادها للحرية، وبإعلائها لشأن جنسها […] وما كان الرجل حينئذٍ — لاحِظْنَ أيتها السيدات — إلا أن أسرع مُطأطئ الرأس، خاشع الجانب، مهنئًا لها بالغلبة.٦٥
وبعد استعراض الجوانب المهمَّة في محاضَرة كوراني، بل في حياتها الشخصية ورحلتها إلى الولايات المتَّحدة الأمريكية، يمكن القول إنَّ سيرة حياة كوراني ومحاضرتها تُعبران تعبيرًا صادقًا عن لحظة تحوُّل كبرى يمرُّ بها المجتمع الشرقي عمومًا، بل يُؤشِّر سلوكها الشخصي على هذا التحول، فهي فتاة يافعة ذهبت إلى الولايات المتحدة الأمريكية، بمُفردها في عام ١٨٩٣م، ولم يتجاوَز عمرها ثلاثة وعشرين عامًا، تلبيةً لدعوة المشاركة في مؤتمر شيكاغو النسائي، ثم تعود إلى بيروت بعد أن دَربتها فكريًّا وسياسيًّا مُضيفتُها السيدة الأمريكية الناشطة في مجال حقوق النساء السياسية، ماي رايت سيوول؛ ثم تبدأ في نشر فكرها الجديد وتعمل على إشاعته بين النساء عن طريق إلقاء المحاضَرات العامة في بلاد الشام. ويُمكن صياغة أهم مقومات هذا الفكر النسوي الجديد على النحو الآتي:
  • أولًا: تحديد مفهوم التمدن الأوروبي الحديث وشروطه، سواء على المستوى الفردي أو الجَمْعي، والقول إن التمدنَ نتيجةُ شروطه وليس سببًا لها.
  • ثانيًا: التمييز بين التمدُّن في دلالته اللغوية، والتمدن في دلالته الاصطلاحية كما يفهمه الأوروبيون، التي مؤدَّاها أن التمدن هو الإنسان المرتقي في إنسانيته من حيث عقله وآدابه وأخلاقه بغضِّ النظر عن المسكن وحالته من الضعة أو الضخامة. فالتمدُّن هو ارتقاء الإنسان المعنوي علميًّا وخلقيًّا.
  • ثالثًا: مفهوم التمدن، كما اصطلح عليه الأوروبيون، يندرج ضمن النموذج المعرفي الارتقائي الذي بَلْورَه تشارلز داروين Charles Darwin (١٨٠٩–١٨٨٢م)، بنظريته عن التطور حين نشر كتابه أصل الأنواع في عام ١٨٥٩م، الذي يُعدُّ تتويجًا لنظريته في الانتخاب الطبيعي التي بدأ العمل عليها منذ ثلاثينيات القرن التاسع عشر.
  • رابعًا: التمييز بين نموذج التمدُّن الأوروبي الحديث ونموذج التمدن العربي القديم، وإيضاح جوانب تفوق النموذج الأوروبي الحديث على النموذج العربي القديم، ولذا فهو الأوْلَى بالاتباع.
  • خامسًا: لا يَقتصِر حق المرأة على التعليم والتثقيف وحرية الإرادة وتقرير مصيرها، بل لها حق أصيل في مشاركة الرجل في الأمور السياسية أو شَغْل المناصب العامة.
  • سادسًا: التصريح بأن التمدُّن لا يقوم إلا على أساس نوع من العدالة الاجتماعية، وهو ما يَنطوي ضمنًا على ضرورة تحقيق العدالة السياسية التي لا تتحقَّق بدونها عدالة اجتماعية.
  • سابعًا: تأكيد مفهوم المشاركة بين الرجل والمرأة، ويَنطوي مفهوم المشاركة ضمنًا على تشكيك في كفاءة نظام الحكم المطلق الفردي أو جدواه.
وبعد، فهل نجد لهذا الفكر الجديد، أو «التمدُّن الحديث» في نموذجه الأوروبي، أصداء أو آثارًا في رواية الانقلاب العثماني؟

(٢) التمدن الحديث داخل رواية «الانقلاب العثماني»

إنَّ آثار الواقع خارج رواية الانقلاب العثماني بادية وظاهرة داخلها، فالرواية من أولها إلى آخرها تُعبِّر — إنْ صراحةً أو ضمنًا — عن واقع يمور ويَغلي بالدوافع المؤدية إلى اقتداءٍ بالتمدُّن الأوروبي الحديث، وعلى رأسها مقاوَمة الاستبداد والحرص على الأعمال التي من شأنها تقييد الحكم المطلق، وإلغاء انفراد السلطان عبد الحميد الثاني بالتصرف في شئون الدولة. وتبذل الشخصيات في الرواية — ولا سيما شيرين ورامز — كل ما تستطيع بَذْله في هذا السبيل، ولو كان التضحية بالنفس، ناهيك عن بذل الوقت والمال.

وليسَت شيرين وحيدة في نزوعها إلى مقاومة الاستبداد والرغبة في الحرية، ذلك أن لها صاحبات يشاركنها جهودَ تحقيق الرغبة في نَيْل الحرية والاعتراض على انفراد السلطان عبد الحميد بالحكم، فيَطْعَن في السلطان وأعوانه. يقول طهماز عقب علمه باختفاء ابنته شيرين من المنزل: «يَظهر أنها توجهت إلى إحدى صاحباتها اللواتي يُوافقنها على الحديث عن الحرية والطعن في السلطان وأعوانه … إنها سوف توقعنا في ورطة لا خلاص لنا منها» (الرواية، ص٦٩). وهو ما يُفيد بأن نزعة التحرُّر لدى الفتيات التركيات، ورغبتهن في المشاركة السياسية، قد باتت أمرًا واقعًا لا سبيل إلى إنكاره، وأنهنَّ يُشاركن الشبانَ الأتراك الحق في تغيير الاستبداد السياسي. بل تعدى هذا الحق السياسي الشابات والشبان الأتراك إلى الخدم. فها هي ذي والدتها توحيدة تجلس مُتفكِّرةً في أمر اختفاء ابنتها شيرين، يقول الراوي: «فتذكرت الخادم خريستو وهو ألباني الأصل متقدِّم في السن، وقد ربى شيرين في صغرها … وكان يَتفانى في سبيل مَرْضاتها. وهو نشيط هُمَام يحب الحرية ويكره أهل الاستبداد، وكان يزداد احترامًا لشيرين وتفانيًا في خدمتها كلما رآها تحب الأحرار وتخدم مصلحتهم، فتصوَّرت توحيدة أن خريستو أغرى شيرين على الفرار إلى بلده» (الرواية، ص٦٨). وهو ما يُؤكده أيضًا طهماز حين يقول في حواره مع زوجته توحيدة: «ستَجدينها بعد قليل … ولكن يظهر من ذهابها مع خريستو أنها هربت، وكم من مرةٍ أردت إخراج هذا اللعين من بيتنا وأنت ترفضين … إنه من جملة أسباب تمسك شيرين بعنادها ومتابعة أولئك المغرورين الذين يُسمُّون أنفسهم أحرارًا، لأنه من أهل ذلك الجنون أيضًا» (الرواية، ص٧٠). وهنا، يظهر جليًّا أن المطالبة بالحرية، وبخاصة الحرية السياسية وتقييد الحكم المطلق، قد عمت كل الطبقات أو الفئات الاجتماعية.

ويُعد الوعي بالحريات السياسية، والسعي في سبيل إحداث تغيير في نظام الحكم بالتخلُّص من الطغيان السياسي وتقييد حُكْم الفرد المطلق بالدستور والمؤسسات النيابية، يُعد أحد نتاجات زيادة الوعي الثقافي الذي نَتَجَ، بدوره، عن ارتفاع مستويات الوعي في مجالات عديدة، وهو ما أسمته الأم توحيدة — كما سلفت الإشارة — «مقتضى التمدن الحديث» (الرواية، ص٤٢) من انتشار التعليم وإتاحة المدارس للبنات وازدهار الصحافة وحب المطالَعة؛ الأمر الذي أدَّى تدريجيًّا إلى التساهل في أمر حجاب البنات والنساء (انظر الرواية، ص٤٢)، وانطلاق النساء خارج المنزل، إذ لم تَعد المرأة حبيسة الأسوار، وهو ما نفهمه بشكلٍ واضِح من الفصل الأول الاستهلالي وعنوانه «حديقة البلدية»، حيث نجد الأم توحيدة وابنتها الشابة شيرين ترتديان زيًّا تركيًّا حديثًا، وتتجاذبان أطراف الحديث في حديقة عامة، دون أن يجر ذلك أي نوع من الإدانة الأخلاقية للمرأة، بل يَستوقِف مشهدهما الخاطر لما يَشِع منهما من «جمال وأدب وذكاء وكمال» (الرواية، ص٧).

ومن علامات سريان التمدُّن الأوروبي الحديث داخل الرواية وتعبيرها عنه، المستوى التعليمي الذي تتميَّز به المرأتان، الأم توحيدة وابنتها الشابة شيرين، فإذا كانت توحيدة تجيد القراءة فإنَّ ابنتها شيرين تجيد لغات مختلفة قراءةً وكتابةً سوى اللغة التركية، كالفرنسية والرومية؛ إذ نراها تُطالع، وهي في الحديقة العامة، مقالًا سياسيًّا في إحدى الجرائد الفرنسية، وتتجاذَب أطراف الحديث مع أمِّها بشأنه (انظر الرواية، ص٧–٨). وهو ما يعكس درجة عالية من الوعي الثقافي الذي يمتد إلى مناقشة الشئون العامة، بين امرأتَين، في أخطر ألوانها حينذاك: الشأن السياسي. بل تُعبِّر الفتاة المثقَّفة شيرين، الواعية اجتماعيًّا وسياسيًّا، عن راديكالية سياسية عنيفة تصل إلى حد مطالبتها أعضاء جمعية الاتحاد والترقي بضرورة التخلُّص من السلطان عبد الحميد؛ لأن بقاءه في الحُكْم يُعدُّ مصيبةً على الأمة كلها (انظر الرواية، ص٥٧، ص٥٨).

وإذا وضعنا في الحسبان موقع شيرين داخل أسرتها، وموقعها المحوري في سياق رواية الانقلاب العثماني ككل، نستطيع القول إن شيرين تدرك — بحسِّها وعقلها — طبيعة ظرف «التمدن الحديث» الموضوعي، الذي تعيشه الأمة في فجر القرن العشرين، والذي يتطلَّب ضرورة إزاحة النظام الأبوي القديم بكل شروطه الاجتماعية والسياسية، من أجل تحقيق نظامٍ تشارُكي بين الرجل والمرأة على مستوى الأسرة والمجتمع، وبين الحاكم والمواطنين على مستوى الدولة.

وبالتوازي مع الوعي الثقافي والسياسي العالي لدى المرأة داخل الرواية، نجد وعيًا نِسويًّا يَعترف بحق المرأة في الإرادة المستقلَّة على المستوى الاجتماعي، بل لعلَّ هذا الوعيَ النسوي سابقٌ زمنيًّا بالضرورة على الوعي السياسي. وتعبر الأم توحيدة عن ذلك بقولها لزوجها عن شيرين حين تقدم ناظم بك لخطبتها: «لا نستطيع أن نخطبها لأحد إلا بإرادتها» (الرواية، ص٣٤)؛ وهو قول يكشف عن أن بنات ذلك العصر — فجر القرن العشرين — قد قطعن شوطًا هائلًا في تحقيق كيان مُستقِل وإرادة حرة اجتماعيًّا، وبدأن يجنين إحدى ثمار التمدن الأوروبي الحديث، الأمر الذي يفضي إلى استنتاج أن «التمدن الحديث» كان قد بدأ السير على الطريق منذ مدة طويلة؛ وذلك لأن جَنْيَ الثمار لا يكون في أول الطريق قطعًا.

بل يمكن القول إن جَنْيَ ثمار «التمدن الحديث»، كما تعبر عنه رواية الانقلاب العثماني، قد بدأ يصل إلى منتهاه طامحًا إلى قلب نظام الحكم الطغياني الاستبدادي، ويتعاون على تحقيق ذلك النساءُ والرجال معًا يدًا بيدٍ، وهو ما تعبر عنه تعبيرًا صارخًا شخصيتا شيرين ورامز في الرواية.

وفي النهاية، لا يعني كل ما سبق، إطلاقًا، أنه لا توجد عقبات يعانيها «التمدن الحديث» أو مقتضياته؛ فثمة في المجتمع داخل الرواية — كما هو الحال في المجتمع خارج الرواية — نماذج تمثل تصورات اجتماعية تقليدية عتيقة عن المرأة ودورها، على نحو ما نجده في شخصية الأب طهماز؛ وثمة أيضًا نماذج تُمثِّل تصوُّرات سياسية بالية على نحو ما نجده في شخصية صائب بك الذي صار جاسوسًا للسلطان عبد الحميد في سلانيك، يتكسَّب من تصيد أخبار جمعية الاتحاد والترقي من أجل الكشف عن أعضائها وشبكتهم لحساب السلطان عبد الحميد. فالصراع في عالم البشر طبيعي مألوف، سواء داخل الرواية أو خارجها.

رابعًا: تمثيلات عبد الحميد الثاني والقراءة بالتوازي

تولى عبد الحميد الثاني (٢١ سبتمبر ١٨٤٢م–١٠ فبراير ١٩١٨م) حكم الدولة العثمانية في الفترة من يوم ٣١ أغسطس ١٨٧٦م حتى خَلْعه — بعد الحادثة المعروفة في التاريخ باسم «واقعة ٣١ مارت» — في يوم ٢٧ أبريل ١٩٠٩م، تحت زَعْم مجلس جمعية الاتحاد والترقي أن عبد الحميد تورط في تدبير واقعة ٣١ مارت. ولكن جُرْجي زيدان يقتصر في روايته الانقلاب العثماني على تناول أحداث الفترة من أصيل يوم من أيام فصل الربيع عام ١٩٠٧م حتى إعلان الدستور في يوم ٢٣ يوليو من عام ١٩٠٨م. وهذا معناه أن الرواية لم تتناول أحداث خَلْع عبد الحميد الثاني عن حكم الدولة العثمانية وما تلاه من تنصيب أخيه السلطان رشاد خلفًا له، واعتلاء أعضاء جمعية الاتحاد والترقي سدَّة الحكم في الدولة العثمانية على نحو كان معه السلطان رشاد سلطانًا صوريًّا، إذ هم الذين أداروا البلاد إدارةً كاملة بدءًا من نهاية أبريل ١٩٠٩م.

ولعلَّ اقتصار جُرْجي زيدان على تناول تلك الفترة التاريخية من منتصف عام ١٩٠٧م تقريبًا حتى منتصف عام ١٩٠٨م تقريبًا، كان بهدف إقامة علاقة تعارض قصوى بين السلطان عبد الحميد الثاني بوصفه طاغية مستبدًّا ينفرد بالحكم، وأعضاء جمعية الاتحاد والترقي بوصفهم الأحرار العثمانيين الذي يُناهضُون الاستبداد والحكم المطلق، ويكافحون من أجل نَيْل الدستور والحرية السياسية بإجبار الطاغية عبد الحميد على الرضوخ لنوع من الحكم الديمقراطي الدستوري.

إنَّ علاقة التعارض الحادة تلك التي أقامها جُرْجي زيدان على طول روايته التاريخية تجعل القارئ يميل إلى النظر إلى رواية الانقلاب العثماني بوصفِها سردية روائية نَهْضوية تنشغل بالتحرير السياسي. وبذلك يمكن إدراج الرواية داخل إطار المشروع النهْضوي الأوسع الذي يَستهدف التحرير المعرفي والثقافي والاجتماعي، والذي يمكن — بشكلٍ مؤقَّت — تحديد نقطة بدايته الزمنية مع أعمال رفاعة رافع الطهطاوي في مصر، والذي من المحتمل أنه كان يجري بالتزامن مع حركة تعليمية مهمَّة في بلاد الشام بفضل مدارس الإرساليات الأجنبية وما كانت تتمتَّع به من امتيازات. وكانت إحدى ثمار هذه الحركة التعليمية في بلاد الشام الشابة اللبنانية هَنا كسباني كوراني التي ألقت محاضرة بعنوان «التمدن الحديث وتأثيره في الشرق» بالإنجليزية في مؤتمر شيكاغو ثمَّ بالعربية في ندوة بيروت، كما سلفت الإشارة، ولم يكن عمرها يتجاوز ثلاثة وعشرين عامًا.
ومن اللافت للنظر، أيضًا، داخل إطار هذا المشروع النهضوي الأوسع، أن أصدر قاسم أمين أول عمل له في عام ١٨٩٩م تحت عنوان تحرير المرأة الذي أثار جدلًا واسعًا، وما إن انتهى العام حتى أصدر كتابه الأكثر صراحةً بعنوان المرأة الجديدة في عام ١٩٠٠م.٦٦

وإذن، من الواضح أن هناك مناخًا معرفيًّا وثقافيًّا يبزغ، وينزع نحو التحرر على جميع الأصعدة. ومن هنا، يبدو تصوير عبد الحميد الثاني في صورة الطاغية المستبد تصويرًا متناغمًا مع حالة نَهْضوية عامة ناشئة في جوانب عديدة. ومن المحتمل أن هناك عاملًا آخر يساعد على تقبُّل تصوير السلطان عبد الحميد الثاني بتلك الصورة. ولكنه عامل يتعلَّق بطبيعة نظام الحكم في الدولة العثمانية وما طرأ عليه من تغيُّرات أو إصلاحات.

لقد بدأت خطوات إصلاح سياسي مع السلطان عبد المجيد (٢٥ أبريل ١٨٢٣م–٢٦ يونيو ١٨٦١م)، والد السلطان عبد الحميد الثاني، الذي تولى السلطنة عام ١٨٣٩م، بعد وفاة والده السلطان محمود الثاني. ولم تكن إصلاحاته السياسية إلا استمرارًا لمجموعة إصلاحات بدأها والده السلطان محمود الثاني. ففي فترة حكمه بدأ ما يُعرَف ﺑ «عهد التنظيمات» حين أصدر السلطان عبد المجيد فرماني التنظيمات عاميْ ١٨٥٤م و١٨٥٦م. وكلمة التنظيمات هي مُصطلح سياسي يعني تنظيمَ شئون الدولة وفق المنهج الغربي في الإدارة السياسية على حدِّ تعبير محمد حرب: «بهذين الفرمانين تمَّ استبعاد العمل بالشريعة الإسلامية وبدأت الدولة تستلهم الروح الغربية في الحياة وتستلهم الفكر الغربي في التقنين وإقامة المؤسسات.»٦٧ وكان من نتيجة العمل بالتنظيمات تعديل هيكلي في طريقة الحكم؛ فبدلًا مما كان يُسمَّى «نظام الديوان» بوصفه جهازًا إداريًّا يَأتمِر بأمر السلطان العثماني وينفذ قراراته، جاءت التنظيمات بنظام مُستحدث يُسمى «الباب العالي»، وهو يشبه مجلس الوزراء الآن، ويتكون من الصدر الأعظم (رئيس الوزراء) ويعاونه مجموعة من الوزراء. ونظام الباب العالي هو نظام في الحكم يَتقاسم السلطةَ مع السلطان،٦٨ ومن ثم، صارت سلطة السلطان غير استبدادية أو على الأقل مقيدة.
وعندما تولى السلطان عبد الحميد الثاني الحكم، كان يُوجد تيار إصلاحي قوي يطالب بانتقال الدولة العثمانية إلى الحكم الدستوري، وعلى رأس هذا التيار مدحت باشا الذي تولى لاحقًا منصب الصدر الأعظم،٦٩ الذي كان يرى في إعلان الدستور وانتقال نظام الحكم المطلق إلى الحكم الدستوري والنيابي حلًّا للأوضاع المُضطربة في البلقان والقلاقل التي بدأت في إحدى قرى الهرسك في الأسبوع الأول من شهر أغسطس ١٨٧٥م وسرعان ما عمت أنحاء الهرسك، ومنها انتشرت في البوسنة والجبل الأسود، كما اندلعت ثورة في بلغاريا مع شهر أبريل ١٨٧٦م، وبدأ أهل الجبل الأسود في مساعدة الثوار. واستطاع الجيش العثماني إحراز انتصارات في هذه المناطق، وبات الطريق مفتوحًا أمامه لدخول بلجراد (عاصمة صربيا حاليًّا) مع اليوم الأول لتولي السلطان عبد الحميد الثاني مقاليد الحكم.٧٠

وكانت حُجة مدحت باشا في ذلك أن إعلان الدستور وانتخاب مجلس النواب (وهو المسمى مجلس المبعوثان) سيضمن تهدئة الأوضاع، لأن هذه المناطق سيُمثلُ أهلُها في المجلس، وستكف الدول الأوروبية يدَها عن التدخل في شئون الدولة بحجة حماية المسيحيين والسلاف. ومع أن هذه الرؤية المحدودة في معالجة الشئون السياسية الداخلية وشئون السياسة الدولية قد ثبَت فشلها فيما بعد، فقد أعلن السلطان عبد الحميد الثاني العمل ﺑ «المشروطية الأولى» (أي الدستور) في ٢٣ ديسمبر ١٨٧٦م، وافتتح مجلس المبعوثان (أيْ مجلس النواب) لأول مرة في تاريخ الدولة العثمانية في ١٩ مارس ١٨٧٧م.

اعتقد مدحت باشا أن الدول الأوروبية تهتم فعلًا بالإصلاحات السياسية في الدولة العثمانية، وستكف عن التدخل في شئونها عند القيام بهذه الإصلاحات التي يُعدُّ إعلان دستور وانتخاب مجلس نيابي دليلًا واقعيًّا عليها. ففي حواره مع السلطان عبد الحميد، قال له: «سيدي! إذا أعلنَّا القانون الأساسي (الدستور) بدون تأخير فإن الدول الأوروبية ستؤيد ربط إمارة الصرب بدولتنا بروابط أقوى عندما تدخل جيوشنا بلغراد. إن جميع أنظار العالم مصوبة إلينا، إذ إن أهم ما يشغل جميع العواصم في العالم هو مسألة إعلان دستورنا، وعندما نعلن هذا الدستور فلن تبقى هناك أية مشكلة تَستعصي على الحل في دولتنا.»٧١ ولكن مدحت باشا ارتكب أخطاء عسكرية وسياسية أدَّت إلى دخول الدولة العثمانية في حرب مع روسيا، مستغلًّا الدستور، فحركَ إعلانَ الحرب ضد روسيا بتهيئة مناخ عام في الصحافة وتحريك المظاهرات في الشارع لإجبار السلطان على الدخول في حرب خاسرة.٧٢ وهكذا، أصبح السلطان عبد الحميد الثاني مع الشهور الأولى لتوليه الحكم في موقف حرج على المستوى الداخلي والخارجي. فمن ناحية يرفض الدخول في حرب مع روسيا؛ لأنَّ الأوضاع الداخلية والخارجية للدولة العثمانية لا تسمح بهذه المغامرة العسكرية؛ ومن ناحية أخرى، يوجد مدحت باشا الذي «خلق حواليه جوًّا معينًا جعل مَن يعارض الحربَ متقاعسًا ويُعد خائنًا، وقد وجه تهديدًا غير مباشر إلى السلطان عبد الحميد عندما اتهم سعيد باشا بالخيانة وسقوط الهمة لمعارضته للحرب، ولم يكتفِ مدحت باشا بهذا بل أرسل مَن يحرض طلبة المدارس الدينية للقيام بمظاهرات صاخبة تأييدًا للحرب.»٧٣ حتى اشتعلت إسطنبول كلها بالمظاهرات.
بدأت الحرب بين تركيا وروسيا يوم ٢٤ أبريل ١٨٧٧م، وانتهت بهزيمة تركيا ومطالبتها بهدنة أدرنة في ١٩ يناير ١٨٧٨م، بعد أن أصبح الجيش الروسي على مشارف إسطنبول.٧٤ وبعدها مباشرةً قام السلطان عبد الحميد الثاني بتعطيل مجلس المبعوثان (مجلس النواب) الذي تنصلَ أعضاؤه من تحمل مسئولية الهزيمة في الحرب وألقوها على مسئولين مدنيين وعسكريين، وهي الحرب التي كان هذا المجلس قد دعا إليها من قبل، بل بدأت دعوات قومية عديدة تُعلن عن نفسها صراحةً في ذلك المجلس المؤلَّف من جنسيات عديدة استغلَّت حالة الهزيمة وضعف الدولة، فاضطرَّ السلطان إلى تعطيل المجلس لأجل غير مُسمًّى بدءًا من يوم ١٣ فبراير ١٨٧٨م. ويُروَى عن السلطان عبد الحميد أنه قال عقب ذلك:
لقد تبيَّن لي بأنني كنت على خطأ عندما حاولت أن أخدم أمتي بالسير على طريق والدي السلطان عبد المجيد وإنشاء المؤسسات الديمقراطية، أما الآن فإنني سأَسير على طريق جدي السلطان محمود لأنَّني أيقنت الآن بأن طريق القوة هو الطريق الوحيد الذي أستطيع به أن أخدم الأمة التي حملني الله أمانة قيادتها والحفاظ عليها.٧٥
وفي هذا السياق، قال بسمارك Bismarck (١٨١٥–١٨٩٨م) لأحد كبار مبعوثي تركيا إلى ألمانيا حينئذٍ: «لقد أحسنتم صنعًا بتعطيلِكم المجالس؛ ذلك لأنَّ أية دولة مكوَّنة من قوميات عدة فإن ضرر النظام البرلماني فيها يكون أكثر من فائدته.»٧٦
قبل بداية الحرب، أدرك عبد الحميد الثاني أن ثمَّة لعبة كبيرة يَلعبها مدحت باشا وأعوانه، باسم الديمقراطية والحرية لدَفْع الدولة إلى حرب خاسرة مع روسيا،٧٧ فعزَله ونفاه إلى خارج البلاد (ولم يُصدر بحقه حكمًا بالإعدام) في يوم الإثنين ٥ فبراير ١٨٧٧م؛ وذلك بالتزامن مع اتجاه السلطان عبد الحميد الثاني إلى تشكيل مجموعة استخباراتية صغيرة بقيادة طبيبه الخاص مافروني، سرعان ما تضخَّمت في خلال عامين حتى اتخذت هيكلًا تنظيميًّا معقدًا يناظر الاستخبارات الروسية والأوروبية في ذلك الوقت.٧٨

وقد مثَّلت تلك الأحداث التاريخية — جنبًا إلى جنب ذيوع مُقتضيات التمدن الأوروبي الحديث — مُفترَق طرق أدى إلى وجود تصويرين متناقضين لشخصية السلطان عبد الحميد الثاني، سواء على مستوى السرد التاريخي أو السرد الأدبي. وسأُحاولُ فيما يلي تحليل تمثيلات شخصية عبد الحميد الثاني عبر ما يُسمَّى «القراءة بالتوازي»، وهو إجراء أقصد به — في سياق الدراسة الحالية — محاولة المقارنة بين التمثيل الروائي والتمثيل التاريخي لشخصية عبد الحميد الثاني، وإظهار مدى تضارُب هذين التمثيلين أو توافُقهما، ومحاولة استكشاف أسبابه ودواعيه، رغم أن التمثيلَين الأدبي والتاريخي يصدران على السواء عن سياق اجتماعي وثقافي وسياسي مشترك.

(١) التمثيل التدنيسي في السرد الروائي النهْضوي

سبقت الإشارة عند تحليل صفحة العنوان، بوصفها عتبة نصية، إلى علاقة التعارُض الحاد التي يقيمها جُرْجي زيدان بين الأحرار العثمانيين من جهة والسلطان عبد الحميد الثاني من جهة أخرى؛ وهي علاقة تتَّخذ شكلًا سرديًّا تشخيصيًّا في الداخل النصي، على نحو يُضخمها ويزيدها تعقيدًا بطريقة لا تقبل الحل. ويلعب الراوي في ذلك دورًا كبيرًا، كما سنرى لاحقًا. وسأسعى، هنا، إلى استكشاف منظور عدد من الشخصيات في رواية الانقلاب العثماني، باستثناء شخصية شيرين؛ إذ بَيَّن التحليلُ السابق لها رؤيتَها لشخصية السلطان عبد الحميد الثاني، تفاديًا للتكرار.

منظور رامز

يُعدُّ رامز شخصية رئيسية في رواية الانقلاب العثماني. وقد نشأ يتيم الأم، فاهتم أبوه بتربيته تربية خاصة، وغرس في قلبه حب الحرية وكُرْه الظالمين (انظر الرواية، ص٩). وهو ما حدا برامز إلى أن يكون في علاقة تعارض قوية مع الدولة العثمانية وكل مؤسساتها الحكومية، يقول الراوي عن رامز:

وكان هو من أرباب الأقلام يكتب بالفرنسية، كما يكتب بلغته التركية … واشتهر بين معارفه بحب الحرية، فلم يجد سبيلًا للارتزاق من خدمة الحكومة كما جرت عادة أمثاله من الشباب المتخرِّجين من مدارس الحكومة، وربما سعى له بعض ذوي النفوذ في خدمة فلا يَلبث فيها أيامًا حتى يخرج منها، فجعل الارتزاق من قلمه بمُكاتبة الصحف التركية في الآستانة، والفرنسية في باريس … بتوقيع مُستعار، وأكثر ما يكتبه في تلك الصحف انتقاد للحكومة … (الرواية، ص٩).

في المشهد الافتتاحي الذي يشمل أربعة فصول متوالية، تبدأ بالفصل الأول «حديقة البلدية»، مرورًا بفصليْ «شيرين» و«رامز» وانتهاءً بفصل «طهماز وصائب»، في هذا المشهد الممتد يصادف القارئ — بالإضافة إلى تقديم الشخصيات الرئيسية — تمثيلًا لشخصية عبد الحميد الثاني في ثنايا حوار طويل بين شيرين ورامز، نقتطف منه الآتي:

فقطعت شيرين كلامه وهي تجلس، وقالت: «هل أدخلتم نيازي في الجمعية أيضًا؟» قال رامز: «أدخله أنور بك في غير سلانيك، وقد أحسن بإدخاله؛ لأنه من خيرة الضباط أهل المروءة والنجدة ممن يُرْجَى نَيْل الدستور على أيديهم.» ولما لفظ كلمة الدستور تنهد وانقبضت نفسه وأطرق … فأدركت شيرين ما جال بخاطره فقالت: «لا تتنهد … إن والدك سيأتي ولو طال غيابه.» فهز رأسه وقال: «يا حبذا ذلك … كيف أرجو رجوعه بعد دخوله ذلك القصر الجهنَّمي منذ عدة سنوات، ولم نعد نسمع عنه خبرًا؟ … مَن مِن الأحرار يدخل يلدز الملعونة ويرجع منها حيًّا؟! إني لا أحسبه إلا أُغرق في البوسفور كما أُغرق مئات قبله، ولكني سأنتقم له […] ولا تلبثين أن تري الدماء تجري أنهارًا.» فأجفلت شيرين عند سماع قوله وتصاعد الدم إلى وجنتيها، وقالت: «أرجو أن لا تجري الدماء، بل أتمنى أن يظهر الحق ويزهق الباطل …» قال رامز: «وأنا أتمنى ذلك أيضًا، ولكنهم لا يُريدون الإذعان وهذا ناظم بك (وخفض صوته) قائد جند هذه المدينة صنيعة ذلك الطاغية وأحد ياورانه، قد تَلقَّى الأوامر بالتشديد في البحث عن أعضاء جمعية الاتحاد والترقي والقبض عليهم، والتنكيل بهم بلا شفقة؛ لأن ظهور هذه الجمعية في سلانيك أدهشهم وهم يبحثون عن زعمائها ليفتكوا بهم». فبُغِتَتْ وتوردت وجنتاها، والتفتت إلى ما حولها كأنها تحذر أن يكون لتلك الشجرة آذان تسمعهم وتشي بهم وقالت: «صحيح؟ … مَن قال لك ذلك؟ …» قال رامز: «جاءنا الخبر من جاسوس لنا في يلدز، وقد علمنا منه أن عبد الحميد وقع الرعب في قلبه حين علم أن الضباط ينتظمون في هذه الجمعية المقدسة، وأيقن أن الجيش لا يلبث أن ينقلب عليه … فعمد إلى التنكيل بهم، فاستقدم ناظم بك إليه ورفع رُتْبتَه، وزاد راتبه، وأصدر إليه أوامر مشدَّدة بالبحث عن رئيس الجمعية وأعضائها العاملين، ووعده بهبات جزيلة إذا هو استطاع معرفتهم» (الرواية، ص١٢–١٣).

في هذا الحوار بين رامز وشيرين، توصف يلدز بأنها ملعونة، وأن قصرها — حيث يُقيم السلطان عبد الحميد — جهنمي، ولا أحد من الأحرار يدخل مدينة يلدز ويرجع منها حيًّا؛ وذلك لأن عبد الحميد طاغية يسفك الدماء، ويزيد من طغيانه ما أصابه من رعب بسبب أن ضباط الجيش — والمقصود هنا ضباط الجيش الثالث في مقدونيا — بدءوا يَنتظمون في جمعية الاتحاد والترقِّي. إن تصوير عبد الحميد، هنا، بأنه طاغية ملعون يُقابله تصوير جمعية الاتحاد والترقي بأنها «مقدسة». وتأتي صورة القداسة، هنا، من أن خطة جمعية الاتحاد والترقي الجديدة التي استهدفت تجنيد ضباط الجيش بين صفوفها هي من ابتكار مدحت باشا الملقَّب بأبي الأحرار، حسب وصيته قبل أن يقتله عبد الحميد. والوصية بطبيعتها مقدسة؛ لأنها تحمل صوت الميت إلى الأحياء: فقالت شيرين: «لله در أبيك … إذ لولاه لم تَعْمَد الجمعية إلى هذه الخطة.» قال رامز: «بل لله در ذلك الثاوي في الطائف المقتول ظلمًا وعدوانًا … إنها وصيته قبل موته أودعها أذن والدي، فحملها إلى الأحرار، ولكن آه … أين أنت يا أبي؟ وأين باقي الوصية لعلها تنفعنا اليوم؟» (الرواية، ص١٤). ويقصد رامز ﺑ «الثاوي في الطائف المقتول ظلمًا وعدوانًا» مدحت باشا. ويلخص ألبرت حوراني العلاقة بين مدحت باشا والسلطان عبد الحميد على النحو الآتي، بما فيه من تلميح يكاد يكون تصريحًا بتورط عبد الحميد في قتل مدحت باشا:

حَل السلطان البرلمان لأجل غير مُسمًّى، وعلق الدستور، غير أنه لم يَلْغِه. وكان السلطان قد أرسل واضِعَه، مدحت باشا، إلى المنفى، ثم سمح له بالعودة. إلا أنه أُوْقِفَ بعد ذلك بتهمة قتل عبد العزيز (الذي انتحر، بالواقع، بعد خَلْعه بقليل) وحُكِمَ عليه بالإعدام، ثم استُبدِل هذا الحكمُ بالإقامة الجبرية في الحجاز، حيث قُتِلَ بلا ضجة بعد بضع سنوات، فماتت بموته أول حركة دستورية. وهكذا عاد عبد الحميد سيدًا مطلقًا، فاتبع مجددًا، على ما يبدو، سياسة أسلافه: الإصلاح الإداري، لكن من فوق.٧٩

وإذن، فنحن أمام تمثيل تدنيسي لشخصية عبد الحميد في مُقابل تمثيل تقديسي لشخصية مدحت باشا. هذا المنظور الصريح في تمثيل الشخصيتين تتبناه الفئة المثقفة أو فئة النخبة التي تأخذ على عاتقها مهمة مقاومة الاستبداد وتغيير نظام الحكم الفردي، والتي يُمثلها هنا أعضاء جمعية الاتحاد والترقي وكل المتعاونين معها. ولكن ثمة منظور ثانٍ يتبناه عامة الناس أو الرعية، ويُعبر عنه طهماز والد شيرين، وينطوي على تمثيل مختلف لشخصية عبد الحميد.

منظور طهماز وصائب بك

بعد إلقاء القبض على رامز، نتيجة وشاية صديقه الجاسوس صائب بك به، يدور حوار بين طهماز والد شيرين وصائب بك عن أعمال رامز الصبيانية التي استدعت القبض عليه، يقول طهماز، وكان فمه ممتلئًا بصدر دجاجة كاملة:

كثيرًا ما نصحته فلم ينتصح. إن شبان هذا الزمان لا يُعجبهم العجب … لا يعجبهم سلطاننا أيده الله مع أنه من أحسن سلاطين آل عثمان، هل كان عبد العزيز أحسن منه؟ … إنه لا يُفوت الصلاةَ مطلقًا، وفي الآستانة ألوف من الناس يعيشون من بقايا مطبخه، فلو أقفلت يلدز الآن لمات هؤلاء جوعًا … ثم هم كيف يستطيعون مقاومة خليفة الرسول؟! كان ينبغي أن يكون لهم عبرة بالذين تقدموهم من أمثالهم من الشبان المغرورين، كيف كانت عاقبة أمرهم؟ … ماذا ينالهم من هذا العناد غير العذاب؟ … ألا يرضون أن يعيشوا كما عاش آباؤهم وأجدادهم؟! …» وقد اختصر طهماز خطبته البليغة لئلا تضيع عليه لقمة وعاد إلى الأكل. فقال صائب: «أنا لا ألوم الأحرار على الشكوى من الخلل فإنه موجود … لكنَّني ألومهم لاستعمال العنف في مساعيهم كتدبير المكايد لقتل الخليفة أو أعوانه، والنقد اللاذع في الصحف الأجنبية … هذا لا يُفيد ولا بد من التؤدة (الرواية، ص٣١–٣٢).

يَنتمي طهماز إلى عموم الناس، أيْ إلى الرعية، فهو ليس رجلًا من رجال الدولة، وليس من أعوان السلطان، كَلا ولا هو حتى عالم من العلماء. إنه رجل عامي بسيط؛ ومِن ثم فهو يعبر عن وجهة النظر السائدة لدى الرعية عن عبد الحميد الثاني التي ترى فيه خليفةَ الرسول، بكل ما يحمله هذا التعبير من قداسة شائعة بين العامة، وهي قيمة يؤكدها رجل الدولة: الجاسوس صائب بك الذي سيحظى لاحقًا بترقية من عبد الحميد الثاني نفسه لجهوده العظيمة في الخدمة. وحتى تكتمل الهالة القدسية المحيطة بعبد الحميد الثاني لدى الرعية، نجد طهماز يقول بأنه لا يفوت الصلاةَ أبدًا. هكذا ينتسب عبد الحميد الثاني — من وجهة النظر العامية تلك، ولنقل الأصولية السلفية — إلى خلفاء الرسول. فما إن نسمع تعبير «خليفة الرسول» حتى تنصرف المخيلة على الفور إلى استدعاء صورة الخلفاء الراشدين، وعلى رأسهم أبو بكر وعمر، بكل ما يداعب تلك المخيلة من صور التقشف في الملبس والمأكل والعدالة بين الرعية. فهل اتَّصف عبد الحميد الثاني بذلك؟! في كلام طهماز نفسه ما يدحض ذلك من وجهين. الأول الإسراف والبذخ في الطعام، إلى درجة أن الألوف من قاطني الآستانة يعيشون من بقايا مطبخِه، فإذا قُتِل عبد الحميد أو خُلِعَ عن منصبه فسيَتضوَّر هؤلاء الألوف بل سيموتون جوعًا. وأما الوجه الثاني فهو أن معارضي عبد الحميد من الشباب لا يلقون من معارضتهم غير العَنَت والعذاب. ومن ثم، يمكن القول إننا أمام مفارقة ساخرة في تمثيل عبد الحميد الثاني، وتزداد هذه السخرية حدةً بسبب التشخيص السردي لطهماز، فإذ بينما يعبر طهماز بالكلام عن تلك الصورة، نرى التشخيص السردي يصور طهمازًا نفسَه بصورة مثيرة للضحك والسخرية بسبب نهمه الشديد للطعام، فهو يلتقط صدر دجاجة كاملة ويضعه في فمه، ويختصر الحديث حتى لا تفوته قضمة أو لقمة.

وبالتوازي، نرى رجل الدولة صائب بك، جاسوس عبد الحميد الثاني في سالونيك، وهو «شاب وجيه غني معروف عند رجال الدولة، وهو الآن صاحب النفوذ الأكبر» (الرواية، ص٣٦) — يقدم وجهة نظر النظام الحاكم، فهو يُقِرَّ ضمنًا بأن منصب عبد الحميد هو منصب «الخليفة»، ويعترف ضمنًا بأن معارضيه هم من الشباب «الأحرار»، ولكنه يلومهم على اللجوء إلى العنف وتدبير محاولات قتل «الخليفة»، وعلى نَقدهم اللاذع في «الصحف الأجنبية». ومن المهم هنا، ملاحظة أن كتابة الأحرار العثمانيين للمقالات النقدية العنيفة لنظام حكم عبد الحميد الثاني في الصحف الأجنبية، تنطوي ضمنًا على الإشارة إلى أن أعضاء جمعية الاتحاد والترقِّي يحظون بمساندة الدول الأوروبية لهم ولأفكارهم.

منظور توحيدة

وأما الزوجة توحيدة — والدة شيرين — فلا تعبر عن وجهة نظر عامية في عبد الحميد الثاني كزوجها طهماز. ومن ثم، نجد عند توحيدة تمثيلًا لعبد الحميد الثاني مناقضًا. تعتقد توحيدة أن عبد الحميد الثاني «طاغية سفاح». إذ بعد تلويح صائب بك بأن بين أوراق رامز ما يفيد بوجود امرأة قد تتعرض للاعتقال، فهمت توحيدة أن هذه المرأة هي ابنتها التي كانت تُراسل رامز بآرائها. يقول الراوي متحدثًا بلسان حال توحيدة:

أما توحيدة فلم يبقَ عندها شكٌّ في حرج مركزها […] خوفًا على شيرين من دناءة ذلك الجاسوس واستبداد والدها […] وهم في عهدٍ كل فعل فيه جائزٌ — عهد الجاسوسية، والظلم، وقد أصبحت الأرواح، والأعراض، والأموال، في أيدي الجواسيس يضعون مَن شاءوا، ويرفعون مَن شاءوا، لا يتكلَّفون في ذلك إلا كلمة يقولونها بتقرير يرفعونه إلى ذلك الطاغية السفاح … وقد عَرَفَتْ أناسًا ذهبوا غرقًا في البوسفور، أو قُتلوا بحد السيف أو بالسم، وهم أبرياء … (الرواية، ص٤٠–٤١).

تقرن توحيدة، هنا، بين التعبير الصريح عن «استبداد» زوجها طهماز وانفراده بالرأي في مسألة تزويج ابنته شيرين من صائب بك جاسوس عبد الحميد، دون رضاها، وبين صورة عبد الحميد الثاني «الطاغية السفاح»، والطغيان درجة أعلى من الاستبداد، أو هو الاستبداد الزائد عن الحد المقترن بظلم كبير لا يُمكن رده أو الحيلولة دون وقوعه. إن عبد الحميد الثاني في هذا التمثيل لا يتورَّع عن قتل معارضيه، بل قد يقتل على الشبهة ودون تحقق، لمجرَّد ورود تقارير الجاسوسية إليه، سواء أكانت معلوماتها صحيحة أم مُغرِضة.

وإذن، تعبر الزوجة توحيدة — التي ينطق نيابةً عنها الراوي — عن وجهة نظر الفئة المثقَّفة، فهي وإن لم تكن منتمية إلى جمعية الاتحاد والترقي فهي على الأقل شديدة التعاطف معها، وتؤازر ابنتَها شيرين الأعلى منها ثقافة في ذلك.

واستكمالًا للتمثيل السابق، نرى شيرين تزيد في بلاغته، فمدينة يلدز، حيث يقيم عبد الحميد الثاني، هي «قبر الأحرار ومدفن الحرية»؛ وذلك حين أخذت شيرين تتصور ما يعانيه حبيبها رامز بعد القبض عليه بمعرفة جواسيس عبد الحميد في سالونيك، وأنه لا يلبث أن يصير فريسة لذلك «الظالم»، أيْ لعبد الحميد الثاني، فجعلت تناجي نفسها قائلةً: «رامز … حبيبي رامز … أين أنت الآن يا ترى؟ … إنك مسجون، وعمَّا قليل يَحملونك إلى يلدز قبر الأحرار ومدفن الحرية … لا تخف … لا تبالِ بالموت في سبيل الحق والحرية … ولكن آه … يموت رامز … يموت حبيبي رامز الحر الصادق، ويبقى هذا الجاسوس وأصحابه على قيد الحياة؟» (الرواية، ص٦٣).

منظور الراوي وتهيئة العملية السردية لسيكولوجية الطاغية

بات من المستقر في النقد الروائي الحديث أن الروائي لا يظهر بصوته في السرد الروائي، ولكنه يُفوض راويًا متخيلًا يقوم برواية أحداث السرد الروائي؛ وذلك على النحو الذي يمكن معه القول إن الراوي يمثل «أنا ثانية» للروائي،٨٠ وهو ما ينطبق بصفة خاصة على أعمال جُرْجي زيدان الروائية، ولا سيما روايته الانقلاب العثماني. صحيح أن جُرْجي زيدان لا يظهر في عمله الأدبي ظهورًا مباشرًا، ولكنه يتخذ من الراوي قناعًا يتخفى خلفه. هذه العلاقة الدقيقة والمعقدة بين الروائي والراوي تجعل الروائي في وضعية الحاضر الغائب، كما يقول فولتير: «يجب أن يكون الروائي في عمله كالله في الكون: حاضر غائب.»٨١ وعلى هذا، يُمكن القول إن الراوي يعبر عن منظور الروائي اجتماعيًّا وسياسيًّا، أيْ أيديولوجيًّا، بعد أن فوضَه تفويضًا عمليًّا في صياغة منظوره سرديًّا نيابةً عنه.
ويتميَّز الراوي في أعمال جُرْجي زيدان، ولا سيما روايته الانقلاب العثماني، بأنه يَعلم مطلق العلم، «أيْ يعرف الحقيقة».٨٢ وللراوي وظائف عديدة، يختم جيرار جينيت Gérard Genette (١٩٣٠–٢٠١٨م) بها كتابه خطاب الحكاية: بحث في المنهج، على وجه الاختصار. وظيفته الأولى سرد القصة، وهي وظيفة سردية محضة لا يمكنه الحَوْد عنها وإلا فقد صفةَ كونه راويًا. والوظيفة الثانية التنظيم الداخلي للنص السردي، ويسميها جينيت وظيفة الإدارة؛ أيْ إدارة العملية السردية بكل أبعادها التقنية والتنظيمية. وأما الوظيفة الثالثة، وهي الأبرز بجلاء في أعمال جُرْجي زيدان، فتتعلق ﺑ «الوضع السردي نفسه، الذي مُحرِّكاه هما المسرود له — الحاضر أو الغائب أو الضمني — والسارد نفسه. فتوجَّه السارد إلى المسرود له واهتمامه بإقامة صلة به […] توافقه وظيفةٌ تُذكرُ في الوقت نفسه بالوظيفة «الانتباهية» (التحقق من الاتصال) والوظيفة «الندائية» (التأثير في المرسل إليه) عند ياكبسن.»٨٣ وهي وظيفة يسميها جينيت وظيفة التواصل.٨٤ وهناك وظيفة يسميها جينيت «وظيفة البينة أو الشهادة» التي تدلُّ على مشاركة الراوي في القصة التي يرويها، وهذه المشاركة لها أشكال عديدة، عاطفية وأخلاقية وفكرية، وتظهر هذه المشاركة بكل أشكالها تقريبًا في حالة روايات جُرْجي زيدان؛ إذ لا «تتخذ شكل شهادة فقط، كما هو الشأن عندما يشير السارد إلى المصدر الذي يستقي منه خَبَرَه.»٨٥ وأخيرًا، هناك وظيفة الراوي الأيديولوجية الناتجة عن تدخلات الراوي سواء المباشرة أو غير المباشرة.٨٦ ويُشير جينيت صراحةً إلى احتكار الراوي للوظيفة الأيديولوجية، وأنها لا تعود بالضرورة إليه وحده،٨٧ وإنما تدلُّ «في الوقت نفسه على حضور المؤلف (الحقيقي أو التخييلي) والسلطة المطلقة لهذا الحضور في عمله الأدبي.»٨٨

وبذلك يُمكن القول، بالاستناد إلى عزام في مقاله وإلى جينيت في كتابه، إنَّ الحديث عن الراوي هو في الوقت نفسه حديث عن المؤلف. ويَقوى هذا القولُ وينطبق على أعمال جُرْجي زيدان الروائية بوجه خاص.

إنَّ الراوي في رواية الانقلاب العثماني ليس شخصية من شخصيات الرواية سالفة الذكر، أو شخصية من شخصيات قائمة «أبطال الرواية» التي سجلها جُرْجي زيدان في الصفحة التالية لصفحة العنوان؛ وإنما هو راوٍ عليم مطلق العلم، غير مُسمى في الرواية، ويقوم بكل الوظائف التي عددها جينيت المذكورة سابقًا.
إنه راوٍ عليم يعرف الحقيقة كاملةً، ويُدير العملية السردية بكلِّ أبعادها التقنية والتنظيمية، ويقيم علاقة صلة مباشرة بالمسرود له حتى يضمن وظيفة التواصل، وكذلك التأثير في المسرود له، ويُدلل أحيانًا على مصدر معلوماته بالإشارة إليها في الهوامش. غير أن أخطر وظائفه على الإطلاق هي الوظيفة الأيديولوجية شديدة البروز في الرواية، على نحو يمكن معه القول بوضوح إنَّ الروائي أو المؤلف حاضر بقوة، بل يتمتع بسلطة حضور مطلقة في عمله، وذلك إلى الحد الذي يجعل الراوي — ومن ثم المؤلِّف — مشاركًا في صياغة تمثيلات عبد الحميد الثاني في رواية الانقلاب العثماني مشاركةً أصيلة.

ومن ثم، لا يَقتصِر تمثيل شخصية عبد الحميد الثاني بالطريقة السابقة على شخصيات طهماز وتوحيدة وشيرين ورامز وصائب بك، بل إن الراوي — الذي هو قناع المؤلف — يعبر تعبيرًا صريحًا عن منظوره لشخصية عبد الحميد الثاني مؤكدًا تمثيلها السابق. ففي الفصل العشرين، وعنوانه «الآستانة»، نرى الراوي يفتتحه على النحو الآتي: «نترك أهل سلانيك ونذهب إلى الآستانة دار الخلافة ومصدر متاعب الأحرار ومرجع آمالهم … ونشرف على يلدز مدفن الأفكار الحرة وبؤرة الجواسيس ومسرح أهل المطامع والأغراض» (الرواية، ص٨٠–٨١). ثم يأخذ الراوي في سرد معلومات تفصيلية عن مدينة الآستانة وتاريخ تسميتها وموقعها الجغرافي وضواحيها الشمالية والجنوبية وهضابها وحدائقها، وضفاف البوسفور وغيرها من شواطئ الآستانة وواديها الخصيب وجبلها المكسو بالأشجار الكثيفة. ويلفت النظرَ أثناء ذلك مقارنةٌ يعقدها بين المناظر الطبيعية في الآستانة ومثيلتها في لبنان التي هي الموطن الأصلي لجُرْجي زيدان. يقول الراوي:

وإذا أوغلتَ في البَر وراءها [أي وراء ضفاف البوسفور] لا يقع نظرك إلا على وادٍ خصيب، أو غابة غضة، أو جبل مكسوٍّ بالأشجار الكثيفة، بينها ينابيع باردة مثل ينابيع لبنان تجري صافية كالزلال. وقد أُقيمت هناك أماكن للنزهة يقصدها الناس، يقضون عندها الساعات والأيام كما يفعل المصطافون بلبنان في خروجهم إلى الينابيع المشهورة … كعين الرمانة، وعين حمانا، ونبع العسل، ونبع اللبن، وغيرها (الرواية، ص٨٥).

وكأنَّ حِرْصَ الراوي على ذِكْر لبنان وأماكن الاصطياف فيها يَلفتنا إلى الموطن الأصلي للمؤلف؛ أو أن المؤلف لا يستطيع نسيان موطنه الأصلي ففوض الراوي بالحديث عنه ضمن ما فوَّضه به من مهام في السرد نيابةً عنه.

وبعد أن يُعرفَ الراوي قارئَه بالآستانة، يذهب به إلى يلدز في الفصل التالي، الحادي والعشرين، وعنوانه «يلدز». يقول الراوي: «أما وقد عرفت الآستانة، فتعالَ معي إلى يلدز … وإن كان ذهابنا إليها في زمن روايتنا خطرًا، فإني أطير بك إلى عالم الخيال، لأصف لك تلك السراي التي جرت أكثر وقائع هذه الرواية فيها» (الرواية، ص٨٦–٨٧). وينطوي قول الراوي إن الذهاب إلى يلدز يعني التعرض للخطر، على افتراضين في غاية الأهمية: الافتراض الأول أن الراوي يصادق على تمثيلات عبد الحميد الثاني التي أشرنا إليها عند رامز وشيرين ووالدتها توحيدة، وأما الافتراض الثاني الأهم فهو أن الراوي يفترض مسرودًا له — أيْ قارئًا — يؤمن بوجهة نظر رامز وشيرين وتوحيدة وكل أعضاء جمعية الاتحاد والترقي، بل يؤمن بالمنظور الأيديولوجي للراوي؛ ألا وهو أن عبد الحميد الثاني حاكم مُستبد، بل طاغية سفاح يقتل معارضيه إما بالإلقاء في البوسفور أو بدسِّ السم. والحق أن الراوي يلعب دورًا كبيرًا في دَعْم ذلك المنظور الأيديولوجي وتأكيده، على نحو ما سنرى. بل من المُمكن القول إن الراوي يحظى بموقع مُهيمن تقريبًا في كل ما يتعلَّق بتمثيلات عبد الحميد الثاني الروائية التي تقدمها الشخصيات في الرواية.

إنَّ تدخلات الراوي المباشرة وغير المباشرة لها مستويات عديدة ومُتفاوتة، ولكنها في النهاية تقدم تصويرًا لعهد عبد الحميد الثاني بوصفه حاكمًا مُستبدًّا وطاغية سفاحًا يسفك الدماء لمجرد الاشتباه في المعارضة. ومن ثم، يعبر الراوي عن أيديولوجيته المناهضة لحكم عبد الحميد بمستويات مختلفة على نحو يُقدم به تمثيلًا شيطانيًّا له، بل للسلاطين العثمانيين بوصفهم حكامًا ظالمين. ففي ختام الفصل العشرين، «الآستانة»، بعد انتهائه من وصف الآستانة وما وهبتها الطبيعة من مزايا، يقول:

فالطبيعة وهبت الآستانة هبات يعز مثلها في مشارق الأرض ومغاربها … ولكنَّ الإنسان لم يحسن استخدام تلك الهبة، فبينما ترى منازل الآستانة متراصة بعضها وراء بعض، تُشرف على البحر وعلى ما جاورها من المنازل … ترى شوارع المدينة ودروبها تكاد تكون خرابًا لتَقلقُل بلاطها، وقلَّة العناية بإصلاحها، فضلًا عن ضيقها … كأن حكام العصر الماضي لم يكن يُهمهم إلا ما يخصهم أو يئول إلى منافعهم الشخصية، لأنك ترى منازلهم على أتمِّ نظام، وحدائقهم على أجمل ترتيب … يتعهَّدون أشجارها بالمقراض على أحسن صورة، ويرصفون الطرق بين المساكب٨٩ بالحصى الملوَّنة على شكل الفسيفساء. وكانوا ينفقون الملايين على بناء منازلهم ومتنزهاتهم، ويضنُّون بالقروش على الأماكن العامة (الرواية، ص٨٦).

صوت الراوي جد واضح هنا، وهو ينقل الاستبداد والطغيان من المستوى السياسي إلى نتائجه على المستوى الاجتماعي؛ فحكام آل عثمان وأعوانهم، ولا سيما عبد الحميد الثاني، يسرفون غاية الإسراف في العناية بمساكنهم وكل ما يتعلَّق بمنفعتهم الشخصية، ولا يُهمهم كل ما يتعلق ببقية السكان أو الرعية. وهذا هو الظلم الاجتماعي الذي يتنافى مع ما بدأ به الراوي وصف الآستانة بقوله «دار الخلافة»، الوصف الذي من المفترض أن يضفيَ نوعًا من الهالة أو القداسة على منصب السلطان العثماني.

وحين يأتي الراوي إلى وصف يلدز وقصورها، المدينة المغلقة على السلطان عبد الحميد الثاني وأعوانه، التي تنتشر على أبوابها وفي أرجائها حراسة مشددة، يقول: «وليس في وصف هذه القصور كثير مما يُدهش القارئ، ولكن العبرة بما هنالك من المُخبآت الغريبة التي تصادفها في أثناء حوادث روايتنا … وإليك تفصيل ذلك» (الرواية، ص٨٧). وحقيقة الأمر أن وصف القصور والحدائق والبحيرات التي تجري فيها السفن داخل مدينة يلدز يُقربها من كونها فردوسًا أرضيًّا (انظر الرواية، ص٨٧–٨٩). ولكن أهم ما يلفت النظر أثناء ذلك الوصف العبارات الآتية:

فالحديقة الداخلية عبارة عن بستان كبير محاط بسور عالٍ أشبه بأسوار الحصون منه بالحدائق، يفصله عن الحديقة الخارجية. يدخل المرء إلى الحديقة الداخلية من باب كبير مُذهَّب هو باب السراي المؤدي إلى القصور الداخلية، وهي قصر المابين الصغير مسكن السلطان المخلوع وقصر جيت، وقصر مالطة وقصر جهان نما، ومعرض الحيوان (الرواية، ص٨٨).
وتدلُّنا عبارةُ «مسكن السلطان المخلوع» على أن الراوي يروي الأحداث في زمنٍ تالٍ لعام ١٩٠٩م؛ عام خَلْع السلطان عبد الحميد الثاني من قِبَل جماعة الاتحاد والترقي عقب أحداث ٣١ مارت مباشرةً. وهو ما يعني بالضرورة أن المؤلف كتب روايته بعد تلك الأحداث التي أدَّت إلى خَلْع السلطان عبد الحميد الثاني بوقتٍ كافٍ. فلماذا لم يُضمن روايته التاريخية تلك الأحداث الأهم والأخطر؟!
من المحتمل أن واقعة ٣١ مارت، وما يرتبط بها من أحداث، كانت ستُشوِّش على منظور المؤلف المضاد للدولة العثمانية والمتحالف مع أيديولوجيا جماعة الاتحاد والترقي التي تَعمَّد أعضاؤها أن يكون ضمن الوفد الرباعي — المكلف بإبلاغ عبد الحميد الثاني قرار خَلْعه عن العرش — يهودي هو «عمانوئيل قره صو: يهودي من سلانيك إسباني الأصل ونائب عن سلانيك، كان يحمل الجنسية العثمانية والجنسية الإيطالية في الوقت نفسه، ومن زعماء الجمعية الماسونية في سلانيك والمحفل الماسوني الإيطالي.»٩٠
ومن الضروري، في هذا السياق، الإشارة إلى عامل تشويش ثانٍ، يتمثل في العلاقة الوطيدة بين المؤلف جُرْجي زيدان وأعضاء جمعية الاتحاد والترقي، يقول محمد حرب في تقديمه ﻟ رحلة جُرْجي زيدان إلى الآستانة عام ١٩٠٩م:
كان للسلطان عبد الحميد الثاني، موقفه الواضح من جُرْجي زيدان، بسبب فكرة التنوير الغربي من ناحية، وبسبب تأييده للحركات المناهضة للسلطان عبد الحميد ومنها تأييده لجماعة تركيا الفتاة والاتحاد والترقي. لذلك كان جُرْجي زيدان ممنوعًا من دخول الأراضي العثمانية. لكن عندما نجحت حركة تركيا الفتاة في الإطاحة بحكم السلطان عبد الحميد، وتولت حكومة الاتحاد والترقي الحكم استطاع جُرْجي دخول إستانبول وأن يلتقي هناك مع الثوار الأحرار الذين قادوا الانقلاب.٩١

ولا شك في أن هذه العلاقة معروفة لقارئ جُرْجي زيدان آنذاك، ولا شك أيضًا في أن قارئه آنذاك كان على معرفة بأسماء أعضاء الوفد الرباعي المكلف بإبلاغ السلطان قرار خَلْعه، ودور رجال الاتحاد والترقي في تشكيل ذلك الوفد.

إنَّ وجود شخصية يهودية ضمن أعضاء الوفد المكلف بخلع السلطان كان سيَميل بقارئ الرواية إلى تغليب نظرية المؤامرة الماسونية اليهودية التي يجري تداولها عند تناول أحداث سقوط الدولة العثمانية في السرد التاريخي، والتي تُظْهِر شخصية عبد الحميد الثاني بمظهر ضحية مؤامَرة عالمية، الأمر الذي يُؤدِّي بالقارئ إلى تجاهل ما تحرص عليه رواية الانقلاب العثماني من تجسيد طغيان عبد الحميد الثاني وإظهاره بمظهر القاتل المستبد، فيخسر المؤلفُ — من ثم — الكثير من قوة حججه المضمرة والصريحة.
والحق أنني أميل إلى أن هذين العاملين — الشخصية اليهودية ضمن أعضاء الوفد، وعلاقة زيدان القوية برجال الاتحاد الترقي — هما السبب في توقف أحداث الرواية عند شهر يوليو ١٩٠٨م. ومن المحتمَل أيضًا أن العامل الأول يفسر صمت رواية الانقلاب العثماني الغريب، واللافت للنظر، عن إيراد أيِّ شخصية يهودية في بلدٍ يزيد فيها اليهود عن أكثر من نصف سكانها — سالونيك — حيث تدور معظم أحداث الرواية.

وكما سلَفَتِ الإشارة، يحرص الراوي على إظهار عبد الحميد الثاني بمظهر الحاكم الطاغية المستبد، بل يؤكده تأكيدًا قويًّا في فقرات طويلة، سواء حوارية أو سردية، تستبطن سيكولوجية الطاغية في شخصية عبد الحميد الثاني، وسنحاول تحليلها في الفقرات الآتية.

ولكن الراوي قبل أن يذهب إلى استبطان سيكولوجية الطاغية عبد الحميد، يُمهد لها تمهيدًا طويلًا نسبيًّا يشغل الفصل ٢٢ الذي يحمل عنوان «يلدز بعد نصف الليل». وكما يبدو من عنوان الفصل، سيكون القارئ أمام ظلمة الليل الدامسة، التي يقطعها ضوء القمر. وكان من المتوقع في الظروف العادية أن يُطالع القارئ تصويرًا لمشهد طبيعي رائع تتكون عناصره من حدائق يلدز، والليل، وضوء القمر الفضي، وريح طيبة تداعب العيون الساهرة أو حتى النائمة. ولكن الظروف غير عادية من منظور الراوي؛ لأن الآستانة وما فيها من ضواحٍ وسكَّان تعيش أسوأ عهود الاستبداد بسبب الطاغية عبد الحميد، يقول الراوي:

نام أهل الآستانة واستغرقوا في أحلامهم … والأحلام يقَظة ثانية يُكابد فيها الناس شقاءً ثانيًا في عالم آخر. وكانت الليلة مُقمِرة، وقد وقع ضوء القمر على الآستانة وضواحيها، فانعكست عن مياه البوسفور … فأصبح سطحه كالصحيفة البيضاء لا يخترقه قارب، ولا تمخر فيه سفينة خوفًا من غضب رب يلدز؛ لأنه أمر الناس أن لا يعكروا ماءه ليلًا وإلا أرسلهم إلى قاعِه جثثًا هامدة … حتى الريح فإنها أطاعته ولم تهبَّ في تلك الليلة، فظلَّ سطح البوسفور هادئًا لا تتلاطم فيه أمواج، ولا يتحرك فيه ساكن … أو لعله شارك أهل الآستانة في نومهم، فإنه كان رفيقًا بهم، وقد عاصر أجيالًا منهم فلم يمر به جيل أتعس حالًا من هذا الجيل … حتى في أقدم أزمنة الاستبداد … شاهَدَ اليونانَ والرومان، والفرس، والعرب، والأتراك، واخترقه داريوس وقسطنطين، ومحمد الفاتح، وغيرهم من كبار الرجال. وقطعه الصليبيون في طريقهم إلى الحرب المقدَّسة، فلم يرَ بين هؤلاء وغيرهم مَن أشبع جوفَه من الجثث، كما فعل صاحب الآستانة ورب يلدز في هذا العصر (ص٨٩–٩٠).

هكذا، يتحوَّل المنظر الطبيعي الليلي في الآستانة إلى منظر مرعب يجسد البشاعة بأعلى صورها ويشيع الهلع في النفوس. والسبب هو الطاغية عبد الحميد الثاني، رب يلدز، الذي لم تشهد العصور السالفة طغيانًا كطغيانه الذي تجاوز التحكم والتأثير في البشر إلى التحكم في الطبيعة والتأثير في بعض عناصرها، إلى درجة أن الريح أطاعته في هذه الليلة فلم تهب كالمعتاد. ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل إن «سطح البوسفور بدا هادئًا لا تتلاطم فيه أمواج، ولا يتحرَّك فيه ساكن» لأن الطاغية عبد الحميد أمر الناس «ألا يعكروا ماءه ليلًا وإلا أرسلهم إلى قاعه جثثًا هامدة». والأكثر من هذا، يُخفي سطح البوسفور — الذي يبدو هادئًا — جثثًا في جوفه أرسلها إليه عبد الحميد من قبل، ولا يزال، طغيانًا وظلمًا. ولعلَّ الناس لا يَخترقونه بقارب ولا يَمخرون فيه بسفينة هربًا مما قد يصيبهم من تقزز غير محتمَل، تُثيره فيهم رائحة الجثث النتنة التي يمتلئ بها جوفه، أكثر من خوفهم من غضب عبد الحميد رب يلدز. ومن الواضح أن الراوي يتعمد هنا إظهارًا بلاغيًّا لبشاعة الحكم المطلق والطغيان الذي يتجاوَز مفعوله البشر إلى بعض عناصر الطبيعة.

ورغم بلاغة الراوي القوية التأثير في إظهار تلك البشاعة، يُمكن للقارئ أن يلتفت إلى وصف عارض، ولكنه مُهم في دلالته، قد يكشف عن شيء ليس بالهين، من أيديولوجيا الراوي، وذلك حين يقول عن البوسفور «قطعه الصليبيون في طريقهم إلى الحرب المقدسة.» وذلك أن وصف الحرب الصليبية بأنها «الحرب المقدسة»، هكذا مُعرفةً بالألف واللام، يكشف عن منظور الغرب لها وليس منظور الشرق؛ إذ كان الأقرب إلى الراوي، في مثل هذا السياق الذي يُصور الطغيان والاستبداد والظلم، أن يصفها على الأقل بغير هذا الوصف.

وفي الفقرة التالية مباشرةً للفقرة السابقة، ينتقل الراوي إلى إظهار آثار الاستبداد في الناس وبيان مدى وحشيته، حيث يقول ببلاغة مؤثرة في فقرة يفتتحها بتكرار بلاغي لعبارة «نام أهل الآستانة» التي بدأت بها الفقرة السابقة:

نام أهل الآستانة بين كهل يحرق الأرم أسفًا على ما ذهب من شبابه عبثًا في معالجة باب الرزق، فلم يجد له فيه مدخلًا. وسجين يدعو ربه خلسةً أن يقتص له من القوم الظالمين. وأرملة أُغرق بعلها في مياه البوسفور ضحية الجواسيس. ويتامى يتضورون جوعًا ولا ذنب لهم إلا أنهم وُلدوا في عصر طاغية لا ينام عن الأذى، تنتابهم المخاوف حتى في الأحلام، فتصور لهم عبد الحميد كالتنين فاغرًا فاه، أو كالثعبان ينساب بين أَسِرتهم ينفث سُمه في جراحهم (الرواية، ص٩٠).

ويهدف تكرار عبارة «نام أهل الآستانة» في مطلع فقرتين متتاليتين إلى تأكيد تواصُل الطغيان والاستبداد، كما يهدف في الوقت نفسه إلى الربط البلاغي القوي بين آثار الاستبداد المتنوعة وتوغلها في الطبيعة والناس على حد سواء، وكأن الاستبداد حين يتطاوَل ويشتد بأسه يخرق سنن الطبيعة ويشوهها تشويهًا في اللحظة نفسها التي يشوه فيها البشر وحياتهم، وذلك إلى درجة أن السجين في مختلاه الإجباري العقابي ينتظر لحظة واحدة تغفل فيها العيون عنه حتى يُحرك شفتيه خلسةً داعيًا الله أن يَنتقِم له من الظالمين. بل إن طغيان عبد الحميد واستبداده قد بلغ من شدة الأثر حالًا تَمَثلَ معه للناس في أحلامهم على هيئة تنين أو ثعبان. وكأنَّ عبد الحميد لا يكتفي في طغيانه بالتأثير في الناس نهارًا، بل يسيطر على أحلامهم أثناء النوم. فبشاعة الطغيان لا تشبع، فلا تكتفي بالسيطرة على الناس في نهارهم، بل تَلْحَقُ آثارها حتى بالليل والأحلام. وذلك على النحو الذي يمكن معه القول إنَّ دائرة الاستبداد مغلقة على الناس يدورون فيها نهارًا وليلًا على حد سواء.

وتتواصَل بلاغة الراوي التصويرية فيما يتعلَّق بأهل يلدز، ويقصد هنا قصور يلدز وساكنيها التي تضم مقر حكم السلطان وحاشيته المقربة من أعوانه وكبار رجال الدولة، الذين يصفهم الراوي بأنهم «أعداء الإنسانية الذين تغمض عيونهم للنوم، ولا تنام أفكارهم عن نصب الحبائل» (الرواية، ص٩١).

ولكن عناصر الطبيعة كمياه البوسفور والريح القوية وأحلام الناس في النوم، وإن تأثَّرت بطغيان عبد الحميد واستبداده، فثمة عناصر طبيعية أخرى تفضح الطغيان وتكشفه لكل ذي بصر وبصيرة، يقول الراوي:

يمضي النهار بنوره، ويُقبل الليل بديجوره، وتتبدل مظاهر الوجود ولا يتغير ما في نفوسهم [يقصد أهل يلدز الظالمين] … إذا خَيمَ الظلام سكنت الطبيعة وتجلت هيبتها واتسع مجال الخيال، وانقشعت بَهْرَجة النور عن وجه الحقيقة … فيرى العقل من مساوئ النفس ما لا يراه في رابعة النهار … كالسكوت إذا استولى على المكان أسْمعَكَ أخفت الأصوات؛ فالليل بدَيجُوره يكشف لأهل الأرض سيئاتهم ويُجسم أعمالهم. إذا نظروا إلى السماء رأوا نجومها كالعيون المحدقة إليهم أو كالحارس يراقب أعمالهم … وكأن النوم يجرد النفوس من الأجساد، فتتقابل وتتعاقب لا فرق فيها بين الملك والصعلوك، والظالم والمظلوم، كأنها في حضرة الديان العظيم … إن الظلمة تكشف لأهل الظلم موبقاتهم، فيرونها مُكبرةً في ذلك السكوت المهيب، كأنَّ الطبيعة صامتة غضبًا من أعمالهم (الرواية، ص٩١).

ويتَّضح هنا أنه إذا كانت هناك عناصر طبيعية تتأثر بالطغيان وتستجيب له كسطح مياه البوسفور الساكن والريح الساكنة نزولًا على إرادة الطاغية عبد الحميد، فإن هناك عناصر طبيعية أخرى، أعلى وأسمى لا يطولها الطاغية، كالسماء بنجومها التي تتحوَّل إلى عيون مراقبة ترصد أعمال الظالمين، ولكنها صامتة عن الطغيان صمت الغاضبين إلى حين. ومن الممكن، هنا، تسجيل إشارة طريفة يريد الراوي تثبيتها في لا وعي قارئه أو المسرود له، تتمثل في أن رواية الانقلاب العثماني التي تجسد الثورة على الطغيان حتى إقرار الدستور على يد جماعة الاتحاد والترقي، هي الاستجابة البشرية الروائية للتعبير عن غضب السماء وتحقيق ثأرها من الطاغية وأعوانه.

بل يذهب الراوي في فقرة تنطوي على تأثير منطقي مقنع إلى مقارنة بين الحيوان والإنسان، يتضح منها فضل الحيوان على الإنسان؛ ذلك أن «الحيوان لا يؤذي أخاه إلا إذا جاع … فيتنازعان على الفريسة، فإذا شبعا تآلفا وتكاتفا. والإنسان كلما زاد شبعًا زاد طمعًا، وكلما زاد ثروةً زاد جشعًا … إذا شبع قتل أخاه الجائع، وقد يقتل المئات ليقال إنه قاتل. ويَستعبِد الألوفَ ليُسميَ نفسَه الحاكم. فيموت هو من التخمة وأخوه بجانبه يموت من الجوع» (الرواية، ص٩١).

ويَختِم الراوي فصله الذي يمهد به لاستبطان سيكولوجية الطاغية عبد الحميد في الفصل التالي مباشرةً، بالعودة مرة أخرى إلى أهل يلدز، فيصور نومهم ملء الجفون بعد تآمرهم وتجسسهم وتخادعهم وتواطئهم من أجل تخريب كل بيت أو تعذيب كل نفس أو ابتزاز كل المال، ويدلل على أنهم لو كانوا مطمئني النفوس هادئي الضمائر — كما يليق بمنصب خلافة المسلمين المزعومة! — لَمَا ركنوا إلى الأسوار العالية والأبواب الموصدة التي تَحول بينهم وبين الرعية أو عموم الناس، ولَمَا استجلبوا لحراسة يلدز وأسوارها سبعة آلاف رجل من الألبان والشراكسة (انظر الرواية، ص٩١–٩٢). يقول الراوي: «انظرْ إلى تلك القصور، وما أُنفق فيها من الأموال وما أُهرق في سبيل بنيانها وزخرفها من الدماء … وقد أُقيم على أبوابها وفي طرقاتها وحول أسوارها ألوف من الرجال الأشدَّاء بأسلحتهم، وأفراسهم، وعيونهم كالشهب، وقلوبهم كالرجم … وقد جردوا السيوفَ، وأغمدوا الضمائر، وباعوا الآخرة بالدنيا لحماية رجل واحد لا تقع العين عليه إلا بعد اختراق الأبواب، وتسلُّق الأسوار» (الرواية، ص٩٢).

وهنا، يصل الراوي إلى مبتغاه من هذه التهيئة السردية البلاغية الطويلة، فهذا الرجل هو الطاغية عبد الحميد الذي يتقوقَع في قوقعة بعيدة داخل أسوار يلدز نفسها، هي القوقعة الأصلب المسماة قصر يلدز الصغير، الذي تتضاعف حوله حراسة مشددة، تخطف أي شخص يقترب خطفًا ولا يمتلك كلمة سر المرور التي تتغيَّر كلَّ بضع ساعات.

لقد بدأ الراوي العليم علمًا مطلقًا، قبل الفصل ٢٢ «يلدز بعد نصف الليل» — الذي انتهيتُ من تحليله توًّا — في الفصلَين ٢٠ وعنوانه «الآستانة» والفصل ٢١ وعنوانه «يلدز»، على مدى الصفحات من ص٨٠ حتى ص٨٩، في وصف ما ينطويان عليه — الآستانة ويلدز — من روعة المناظر الطبيعية وفخامة المباني وبهاء الحدائق والطرقات المعتنى بها غاية الاعتناء، حتى لَيظن القارئ أنه سيُقدِمُ على مطالعة مظاهر الحياة الطيبة المُترَفة التي يعيشها الناس في هذين المكانين، فإذا بالراوي يفاجئ قارئه في الفصل ٢٢ «يلدز بعد نصف الليل»، بتصوير مظاهر الطغيان وآثاره التي تجاوزت الناس إلى الطبيعة، بل يَختمُه ختامًا يتأكد معه أن كل مناظر الطبيعة الرائعة وفخامة المباني وبهاء الحدائق والطرقات، هي بلا جدوى أو معنى. إذ ما نفعها أو جدواها ما دام ذلك الرجل الطاغية عبد الحميد:

محرومًا مما يتمتَّع به أحقر رعاياه مع مخاوفهم ومظالمهم … إنهم ينامون بلا حراس، وإذا خافوا نزحوا إلى بلاد الله واسعةً … وهو لا يستطيع نزوحًا؛ لأنه يخاف على حياته من الجميع … حتى من أعوانه وحراسه، ومِن أولاده ونسائه … يخاف من طعامه وشرابه … يخاف من فراشه ووِساده، لا يستقر به مضجع ولا يهدأ له بال … يقضي ليله ساهرًا حذرًا، وإذا غلبه النعاس توسدَ كرسيًّا … وكان نومه متقطعًا يتقلَّب على أشواك المخاوف (الرواية، ص٩٢–٩٣).

«عبد الحميد في ليله»: سيكولوجية الطاغية من منظور الراوي

قبل التعرض لسيكولوجية الطاغية من منظور الراوي في رواية الانقلاب العثماني، من المهم أولًا تقديم تعريف للطغيان وتحديد أشكاله أو صوره المختلفة، وذلك لأن الطغيان في الحكم لا يمضي على صورة واحدة. يشير إمام عبد الفتاح إمام (١٩٣٤–٢٠١٩م)، مستندًا إلى أرسطو Aristotle (384 B.C.–322 B.C.)، إلى أن «الطغيان صورة من صور الحكم الفردي عندما يتحول إلى حكم سيئ ينفرد فيه صاحبه بالسلطة دون حسيب ولا رقيب، فلا يكون هناك قانون يحكم بل إرادة الفرد.»٩٢
وتوجد لحكم الطاغية ثلاث صور تتدرج في السوء، ولكن القاسم المشترك بينها هي صفة التفرد بالحكم. الصورة الأولى: تحدُث عندما تُفرَض الأحكام العرفية في بلد بسبب الحرب أو كارثة طبيعية أو انتشار أمراض وبائية، وغيرها من الظروف الاستثنائية التي تأخذ فترة محددة من الوقت سواء قصيرة أو ممتدَّة نسبيًّا، وعندئذٍ يختار الشعب — بآلية من الآليات — شخصية تتولى الحكم للقيام بمهام معينة وبصلاحيات مطلقة لفترة محدَّدة، ومن هنا تأتي تسميته «ديكتاتورًا» أو بلغتنا المعاصرة «الحاكم العسكري العام». الصورة الثانية: تحدث في النظام المَلكي المطلق حيث تكون سلطة الملك مطلقة بلا ضابط من عُرْف أو قانون، وهذا النظام يصفه أرسطو بأنه «نصف مَلَكية، نصف طغيان». وصفة «نصف المَلَكية»، هنا، تأتي من أن الحاكم لم يغتصب الحكم اغتصابًا، وإنما تولاه على أساس الوراثة بوصفها الأساس الشرعي المعمول به في تلك النظم؛ وأما صفة «نصف طغيان» فتأتي من أن الحاكم يحكم ويسيطر على أدوات الحكم بالطريقة نفسها التي يُسيطِر بها السيد على عبيده، حيث يسير الحكم وفقًا لإرادة الحاكم فقط. ولكن الحاكم في هذه الصورة من صور الطغيان يضع نصب عينيه المصلحة العامة للمحكومين ويكترث برضاهم. الصورة الثالثة: تحدث عندما يحكم الحاكم بطريقة مطلقة دون رقيب ولا حسيب ولا مسئولية، ووفقًا لمصلحته الشخصية فقط، غير مكترث بمصلحة عامة ولا برضا محكوميه، كَلا ولا بأي شيء سوى مصلحته وميوله وأهوائه الشخصية. ويقوم الطغيان في هذه الصورة العنيفة على أساس اغتصاب السلطة اغتصابًا.٩٣
ومن الواضح، هنا، أن عبد الحميد الثاني ينتمي إلى الصورة الثانية من الطغيان، التي هي «نصف ملَكية، نصف طغيان»؛ وذلك لأنه أولًا تولى الحكم على أساس شرعي هو الوراثة المَلكية لآل عثمان، ولأنه ثانيًا أوقف العمل بمجلس المبعوثان إلى أجل غير مسمًّى في أعقاب هزيمة الجيش العثماني في حربه مع روسيا التي أشرفت بقواتها العسكرية على أبواب إستانبول. ولهذا قصة سلفت الإشارة إليها، بدأت مع تولي عبد الحميد الثاني الحكم يوم ٣١ أغسطس ١٨٧٦م؛ إذ كان يوجد تيار إصلاح قوي يطالب بالانتقال إلى الحكم الدستوري والنيابي، ويتزعمه مدحت باشا الذي كان يرى في هذا الانتقال حلًّا للأوضاع المضطربة في البلقان والهرسك والجبل الأسود وبلغاريا، وتقليلًا من تدخل الدول الأوروبية في شئون الدولة العثمانية.٩٤ وتحت هذا الضغط الداخلي القوي استجاب السلطان عبد الحميد وأعلن العمل بالمشروطية الأولى، أي الدستور، في يوم ٢٣ ديسمبر ١٩٧٦م، وافتتح مجلس المبعوثان، أيْ مجلس النواب، في يوم ١٩ مارس ١٨٧٧م، لأول مرة في تاريخ الدولة العثمانية. وبذلك كانت سلطته مقيدة. ولكن نظرًا إلى الأخطاء السياسية والعسكرية التي ارتكبها مدحت باشا وأعوانه، أصبح عبد الحميد الثاني في موقف حرج داخليًّا وخارجيًّا، الأمر الذي أدَّى به، رغمًا عنه، إلى الدخول في حرب مع روسيا كبدت الدولةَ خسائر فادحة، فاضطر بعدها إلى تعطيل العمل بمجلس المبعوثان إلى أجل غير مسمًّى بدءًا من يوم ١٣ فبراير ١٨٧٨م، تحت زَعْم أن مدحت باشا وأعاونه يَلعبون لعبة كبيرة، باسم الديمقراطية والحرية، كان من شأنها دَفْع الجيش العثماني إلى خوض حرب خاسرة مع روسيا، فاضطرَّ السلطان عبد الحميد إلى عزل مدحت باشا ونفيه إلى خارج البلاد ولم يُصدر في حقه حكمًا بالإعدام، وذلك في يوم الاثنين ٥ فبراير ١٨٧٧م.٩٥
وإذن، حين قرَّر عبد الحميد الثاني الانفراد بالحكم، بدءًا من فبراير ١٨٧٧م، كان يَنطلِق من وجهة نظر سياسية مختلفة ترى أن أيِّ دولة مكونة من قوميات عديدة يكون ضرر النظام البرلماني فيها أكثر من نفعه.٩٦ ولكن وجهات النظر المؤيِّدة لجماعة الاتحاد والترقي، والمعادية لقرار عبد الحميد الثاني ترى فيه طاغية مطلقًا، وهي وجهات النظر نفسها التي تعبر عنها رواية جُرْجي زيدان الانقلاب العثماني. وانطلاقًا من وجهات النظر تلك، سأحاولُ، هنا، تحليل تمثيلات الراوي للطاغية عبد الحميد الثاني من الناحية السيكولوجية.

النفْس الطاغية

ينطلق جُرْجي زيدان في تمثيله لسيكولوجية عبد الحميد الثاني — جاعلًا الراوي نائبًا عنه في ذلك — من فكرة سياسية سيكولوجية، عبر عنها إمام عبد الفتاح إمام مستندًا إلى نظرية أفلاطون عن حُكم الطاغية، تقول إن:

الدولة التي يَحكمها طاغية لا يمكن أن تكون حرة، وإنما هي مستعبدة إلى أقصى حد، وإذا كانت الدولة مشابهة للفرد، فلا بد أن تتغلغل هذه العبودية في نفس الفرد الطاغية أيضًا، بحيث نجده يحمل نفسًا وضيعةً إلى أقصى حد […] وإذن فالنفْس الطاغية لا بد أن تكون فقيرة هزيلة يستبد بها الرعب، وتعاني الآلام والأنين، والشكوى، والتذمُّر! فقيرة هي النفس التي تنظر إلى باطنها فتجد خواءً، فتمتد إلى خارجها لتقتني ما يسد لها هذا الخواء، وماذا تقتني؟ تتصيد أناسًا آخرين ذوي نفوس أخرى لتخضعهم لسلطانها! إنها علامة لا تخطئ في تمييز أصحاب النفوس الفقيرة مِن سواهم، فحيثما وَجَدْتَ طاغيةً — صغيرًا كان أو كبيرًا — فاعلم أن مصدر طغيانه هو فقر نفسه. إنَّ المكتفي بنفسه لا يطغى. إن مَن يشعر في نفسه بثِقة واطمئنان ليس في حاجة إلى دعامة مِن سواه. وهكذا تكون النفس الطاغية فقيرة جدباء هزيلة، ويكون الرجل الطاغية أفقر وأتعس الناس أجمعين، لا يفوقه في تعاسته سوى الرجل الذي وضعته الأقدار هو وزوجته، وأطفاله، وعبيده، في صحراء قاحلة لا يجد فيها عونًا من أحد، فيعيش في حالة من الرعب والهلع الشديد، مترقبًا على الدوام أن يقوم عبيده باغتياله هو وأطفاله وزوجته فيضطر إلى تملُّق عبيده واستمالتهم بالوعود! ولذا فسوف يظل الطاغية حبيس حشد هائل من المخاوف والرغبات.٩٧

إن نفس الطاغية وضيعة فقيرة إلى أبعد حدٍّ، بل هي أفقر مما يظن الناس. وذلك لأن الشطط في السيادة له عواقب وخيمة كالخوف والقلق (انظر الرواية، ص٩٣)، هكذا يبدأ الراوي الفصل ٢٣ وعنوانه «عبد الحميد في ليله». ثم يأخُذ في تصوير ذلك الخوف والقلق على النحو الآتي:

ولو أُوتيت المعجزة، فلبسْتَ قبعةَ الإخفاء … ودخلْتَ ذلك القصر الفخم في غفلة من الحراس، وأقبلت على المابين الصغير مسكنه الخاص في الساعة الثالثة بعد نصف الليل، لعلمْتَ أن أهل تلك القصور قد استغرقُوا في نومهم حتى الحراس المكلَّفين بالسهر والحذر … حتى هؤلاء غلب عليهم النعاس فناموا ولم يبقَ أحد ساهرًا هناك، ولا الحشرات … حتى الأشجار أطبقت أزهارها تلتمس الراحة، إلا صاحب ذلك القصر وسيده الذي أُوصِدَت الأبواب لوقايته، وأُقيم الجند لحمايته … فإنه ظلَّ ساهرًا يتقلب على كرسي طويل توسده، وقد التف بملاءة من الصوف وأخذ يقرأ تقريرًا جاءه من بعض جواسيسه، فأقلق راحته وحرمه النوم. وقد غلب عليه التعب والأرق … وهو يطلب النوم ليُريح جسمه ويبعد مخاوفه فلا يجد إليه سبيلًا (الرواية، ص٩٣–٩٤).

ورغم ذلك التقرير الذي يُفيد بوجود أنباء عن إنشاء جمعية جديدة مُناهِضة للسلطان وحُكْمه، بخطة جديدة محورها ضم ضباط الجيش العثماني إليها (انظر الرواية، ص١٠٦–١٠٧)، فقد حاول عبد الحميد في تلك الليلة النوم، ولكنه لم يستطع إليه سبيلًا، بسبب الأحلام المزعجة التي تنتابه، ففضلَ اليقظةَ مُستغرقًا في أفكار متضاربة بدلًا من الذهاب فريسة تلك الأحلام المزعجة (انظر الرواية، ص٩٤). وظن عبد الحميد أن علَّة كَدَر النوم من الفراش:

فغادر الكرسي في غرفة المائدة إلى كرسي في غرفة البيانو … فلم يُجْدِه التغييرُ نفعًا، فرمى الورق من يده ومشى يطلب النوم في غرفة أخرى. ثم ندم فعاد والتقط تلك الأوراق المُتناثرة فجمعها ورتبها واحتفظ بها وضمها إلى صدره، وذهب إلى كرسي آخر في غرفة الكتابة وطفق يقرأ وهو لا يفهم ما يقرأ لفرط التعب، وغلبه النوم فنام حتى مطلع الفجر (الرواية، ص٩٤).

والأكثر من هذا، يذهب الراوي في تصوير حالة الفقر والوضاعة التي عليها نفس عبد الحميد في قلقِه وتوتره مذهبًا يجعل معه عبدَ الحميد في حالة تناقض صارخة مع بقية المخلوقات الحية من حوله كالأشجار والعصافير والحمام والأوز والطاووس … إلخ، مما امتلأت بها حديقة قصره. فبعد أن استيقظ من تلك الغفوة القصيرة التي لم تتجاوَز الساعة، يقول الراوي:

دخل الحديقة وهو مُلتفٌّ بالعباءة، وقد تأبط ذلك التقرير تحتها. وكانت الشمس قد أطلَّت من وراء جبال آسيا فأصابت أشعتها أطراف الأغصان، فاستيقظت العصافير وأخذت ترفرف وتزقزق. وابتسمت الأزهار وصفقت الأوراق وسرح الأَوِز في البحيرة حول القوارب. وتطاير الحمام في أبراجه وأخذ يتداعب، هذه تتمايَل، وتلك تهدر، وأخرى تحضن فراخها … وبسط الطاووس ذيله، وتبختر في قفصه مزهوًّا وتجاوبت الكراكي والحساسين، وصهلت الخيول … وأصبح كل حي في تلك الحديقة ضاحكًا مسرورًا إلا عبد الحميد، فإنه مشى في أكنافها مقطِّب الوجه، مُنقبض النفس في غفلة عن كل ذلك (الرواية، ص٩٥–٩٦).

ومن الواضح هنا أن سبب غفلته عن كل هذه المظاهر الطبيعية المُبهِجة هو وَضَاعَة نفس الطاغية وفقرها. والحق أن نفس الطاغية بما هي عليه من وضاعة وفقر ليست سوى نتاج طبيعي لما يُشيعه الطاغية من رعب وفزع فيمَن حوله، ولا سيما حاشيته المحيطة به، فها هي ذي مربية ابنه نور الدين أفندي يَختلج قلبها خوفًا من غضب السلطان «لئلا يظن بها سوءًا فيقتلها. وقد عَرَفتْ كثيرًا من أمثال هذه الفظائع في يلدز يُقتَلُ فيها الرجلُ أو المرأة بطلق ناري من يد عبد الحميد لمجرد التوهُّم أنه جاء بدسيسة … فظلت واقفةً في الخارج وودتْ لو أن الأرض تبتلعها وتخفيها، ولولا علمها أن عبد الحميد يكون في مثل ذلك الوقت منزويًا في مكتبه يقرأ التقارير ما رافقت الغلام إلى هناك» (الرواية، ص٩٧).

وفي حوارٍ بين عبد الحميد وابنه نور الدين أفندي الذي يبلغ من العمر سبع سنوات، أخذ يُداعبه قائلًا: «ألا تعطيني هذه الببغاء، وأعطيك هذه السبحة الجميلة …»، فردَّ الغلام على أبيه السلطان ردًّا دالًّا: «إن الببغاء لك أيضًا … ألسنا جميعًا ملكًا لك تفعل بنا ما تشاء …» (الرواية، ص١٠٠). وتُعد دلالة رد الابن على والده السلطان كاشفة عن واقع الحال الذي يعيشه عبد الحميد، فنفسه الطغيانية الخاوية تبحث عن امتلاك كل ما يقع خارجها إلى درجة أن ابنه يعلم ذلك ويحفظه. وليست الحجةُ التي قالها عبد الحميد لنفسه ردًّا على إجابة ابنه المفاجئة له بأن أمه «القادين» قد علَّمته هذا الكلام تفسيرًا لقول ابنه الغلام؛ بل هي واقع حقيقي يحرص عبد الحميد على إشاعته فيمن حوله، وذلك إلى درجة أنَّ السر خفية، أيْ رئيس الجواسيس، يصف علاقته بسلطانه عبد الحميد بأنها علاقة عبودية، فيقول السر خفية في حديثه مع سلطانه عبد الحميد: «إذا أذن لي مولاي البادشاه قلت ما يَخطر لي وهو ما تدعوني إليه عبوديتي» (الرواية، ص١٠٨). كذلك يصف السر خفية جاسوسَ السلطان في سلانيك، ناظم بك، موجهًا حديثه إلى السلطان قائلًا: «إنه في الحقيقة من العبيد المُخلِصين للسدَّة الشاهانية» (الرواية، ص١١٠). وكذلك يصف رئيسُ أغوات يلدز نادر أغا نفسَه بأنه عبد الذات السلطانية المقدَّسة (انظر الرواية، ص١٦١). وكانت هذه الطريقة في وصف العلاقة بين السلطان عبد الحميد وأعوانه مِن رجال الدولة مما يطرب له عبد الحميد.

ولعل ما يؤكد علاقةَ العبودية تلك ونظرةَ عبد الحميد إلى أعوانه، بل إلى رعيته، على أنهم عبيد إحسانه، موقفُه من الببغاء حين قلَّد صوته، ويورد الراوي هذا المشهد الحواري الآتي:

وأخذ عبد الحميد يهمُّ بالنهوض، وإذا هو يسمع صوتًا مثل صوته تمامًا يُنادي: «نادر أغا … نادر أغا.» وفيه نغمة الاستبداد مثله فأجفل، وما لبث أن رأى نادر أغا عائدًا ويكاد يتعثَّر بساقيه لطولهما فقال عبد الحميد: «مَن دعاك …؟» قال نادر: «ألم يدعُني مولاي؟ … لقد سمعتُ أمره بأذني.» وكان نور الدين أفندي واقفًا بإزاء قفص الببغاء وقد أغرب في الضحك فقال له أبوه: «وما يُضحكك … مَن نادى نادر أغا …؟» فأشار الغلام إلى الببغاء وقال: «هذه» قال ذلك وهو يتوقَّع أن يبدو سرور الإعجاب على وجه أبيه لإتقان الببغاء التقليد، ولكنه رأى عكس ذلك … فظهر الغضب في عيني عبد الحميد وصاح: «أخرجوا هذا الطير من قصري أو اقتلوه فإني لا أطيق أن أسمع صوتًا يأمر وينهى غير صوتي.» قال ذلك بلهجة الحنق والاستبداد حتى سمعه كل مَن في الحديقة من الحاشية والنساء والسُّياس، وتولاهم الرعب من شؤم ذلك النهار الذي ظهر غضب السلطان في أوله (الرواية، ص١٠١–١٠٢).

ظل الله على الأرض

وتتعاظَم الصورة الطغيانية في نفس عبد الحميد إلى حد أن الطرب قد استخفَّه في لقائه بالسر خفية لكي يتباحثا في شأن الجمعية السرية الجديدة المناهضة له، عندما قال له السر خفية: «إنَّ العمدة في الجند على العساكر، وهم السواد الأعظم، ونحن على ثِقة أنهم يتفانون في الدفاع عن أمير المؤمنين ظل الله على الأرض.» «فأثر ذلك الإطراء في نفس عبد الحميد» (الرواية، ص١٠٦–١٠٧).

ولكن ظل الله على الأرض يعيش حياةً تَعِسَةً؛ إذ يبدو في دخيلة نفسه أفقرَ الفقراء؛ لأنه يتوقع الاغتيال في أي لحظة، ومن أي أحد من أفراد حاشيته أو حرسه، وهو ما يبدو واضحًا حين مرَّ بين صفوف حرسه الألباني «وهم يُحيونه التحية العسكرية وهو يرمقهم خلسةً ويلاحظ حركاتهم ويده في جيبه تحت العباءة على المسدَّس لئلا يكون هناك مَن يترصَّد قتله، فيسبقه هو إلى القتل بالرصاص، وكان من أمهر الناس في إطلاقه» (الرواية، ص١٠٢). ولا يُفارقه ذلك المسدس حتى في نومه، فهو يضعه تحت الوسادة، «كأنه في الصحراء على موعد من هجوم أهل البادية عليه … ورغم ما يُظهره من الثقة بأعوانه ورجاله فهو يخشاهم جميعًا، وقد تَمكن في خاطره أن الإنسان خلق شريرًا، وأن أول أغراضه في هذه الحياة أن يغتال إخوانه ويَسلُبَهم مالَهم بأيَّة وسيلة كانت» (الرواية، ص١٢٠). وحتى عندما يتناول عبد الحميد طعامه، تسبقه إجراءات مشددة من حيث طريقة إعداده وتجهيزه وتقديمه إليه على المائدة؛ إذ تمرُّ هذه المراحل بإجراءات تأمينية خاصة تضمن سلامته من الاغتيال بالسم (انظر الرواية، ص١٣٣–١٣٤).

ويُلخِّص الراوي العوامل الحاكمة في نفس الطاغية تلخيصًا يفسر به سيكولوجيًّا ما آلَ إليه عبدُ الحميد على مستوى مشاعره الباطنة وسلوكه الخارجي، فيقول:

وقد نشأ عبد الحميد من صغره حَذِرًا سيئ الظن، ولما تولى السلطنة توالت عليه المخاوف، وخاصة لما شاهدَه بعينَيه من خلع عمه، ثم موته ومقتل عوني بجرأة حسن الشركسي، ثم خلع أخيه مراد. فرأى حياةَ السلطان ليسَت أكثر صيانة من حياة العامة، بل إنها أكثر تعرضًا للخطر منها. فزاد تعلقًا بالبقاء واشتدَّ خوفه على نفسه من المحيطين به حتى بلغ درجة الهوس والجنون … فأصبح لا يسمع حديثًا أو يرى مشهدًا أو يقول قولًا، أو يعمل عملًا إلا وهو ينظر من وراء ذلك إلى علاقته ببقائه (الرواية، ص١٢٠–١٢١).

وإذن، فالغاية الكبرى عند عبد الحميد هي بقاؤه حيًّا يزاول سلطانه على الناس. ومن أجل تحقيق هذه الغاية، نراه يتوسل بوسائل شتى، بغض النظر عن أخلاقيتها، عملًا بالمبدأ الميكيافيلِّي القائل إن الغاية تبرر الوسيلة. ولذا، نرى عبد الحميد في تمثيلاته على طول رواية الانقلاب العثماني يتبع سياسةً في الحكم تعكس دخيلةَ نفسه باستمرار.

سياسة عبد الحميد في الحُكْم: من منظور الراوي

في حوار شائق ودالٍّ بين السر خفية والسلطان عبد الحميد، يمتدُّ على طول الفصل ٢٧ وعنوانه «الدستور»، يجد القارئ تبرير عبد الحميد ورئيس جواسيسه لإلغاء الدستور وحل مجلس المبعوثان؛ وذلك أثناء تباحثهما بشأن الجمعية الجديدة التي تشكَّلت في سلانيك من ضباط الجيش، وهم يزعمون أنهم يجاهدون من أجل الدستور. وكشأن كل طاغية، أجفل السلطان من ذِكْر الدستور وتساءل مستنكرًا: «الدستور … لماذا يطلُبونه؟!» (الرواية، ص١١٢). وقد أعرب رئيس الجواسيس في رده عن أن سلطانه مِن أرغب الناس في منح الدستور «لرعاياه متى رأى فيهم الاستعداد له. ولكن متى كان أهل الشرق يُحكمون بالدستور، وقد تكرَّم جلالة البادشاه فمنحهم إياه فلم يُفلحوا، ولا عرفوا كيف يستخدمونه!» فرد عليه عبد الحميد مُصدِّقًا على كلام رئيس الجواسيس: «قد أعطيناهم الدستور فأفسدوه … إنهم لا يصلحون له» (الرواية، ص١١٣).

وتكشف هذه العبارات الدالة عن مبدأ ضمني كامن فيها، ينبع من استحكام مركزية النظام الأبوي على المستوى السياسي، فعبد الحميد هو الوَصي على رعاياه أو عبيده، الذي يعلم عن يقين ما يَصلح لهم وما لا يصلح لهم، بل إنه جربَ بنفسه أن يمنح رعاياه الدستورَ، وأنشأ مجلسًا نيابيًّا، فانتهى الأمر إلى فوضى داخلية وهزيمة عسكرية خارجية أمام الجيش الروسي، كما سلفت الإشارة. ومِن الواضِح أن هذه الرؤية السياسية تدعم المنطق الاستشراقي القائل ﺑ «الاستبداد الشرقي»، وهو منطق يستند إلى رأي قديم قال به أرسطو مفاده أن نظام الحكم عند أهل الشرق «يحمل سمة الطغيان لا سيما عند الشعوب الآسيوية؛ لأنَّ هذه الشعوب غير المتحضِّرة لديها طبيعة العبيد، وهي طبيعة غير موجودة عند الشعب اليوناني، ولهذا فإننا نجد الشعوب الآسيوية التي تتسم بسمة العبيد أكثر من شعوب أوروبا، تتحمل الحكم الاستبدادي، وكذلك الطغيان بغير تذمر أو شكوى.»٩٨

ولكن رئيس الجواسيس يقدم في حواره مع السلطان تبريرًا دينيًّا آخر لإلغاء الدستور مفاده أنه:

يخالف الشرع الشريف … أليس جلالة السلطان خليفة الرسول ، وينبغي أن يقتدي به … هل كان الخلفاء الراشدون يحكمون بالدستور؟ … إنه من بِدَع النصارى أهل أوروبا […] ولكن بعض المغرورين اللئام من رعايا جلالة السلطان فسدت طباعهم بمُعاشَرة الإفرنج، فأرادوا أن يُقلدوهم في نظام الحكم كما قلَّدوهم في الملابس والطعام والخمر والمقامرة … فأغفلُوا قواعد الدين الحنيف، وعصوا أوامر النبي ، ويُريدون أن يعصوا أوامر خليفته فخرجوا عليه (الرواية، ص١١٣).

هكذا يتحالَف التبريران؛ الأول المستنِد إلى التمركز الأبوي سياسيًّا، والثاني المستنِد إلى الفكر الديني الفقهي، من أجل رفض الدستور، وكذلك تقديم المسوغ للتخلص من أعضاء الجمعية الجديدة — جمعية الاتحاد والترقِّي في سلانيك — بالقتل؛ لأنهم من الخوارج الذين خرجوا بمطالبتهم بالدستور على أوامر خليفة الرسول، عبد الحميد الثاني.

ويقود هذا المنطق السياسي التبريري، الذي يقدمه عبد الحميد الثاني ورئيس جواسيسه، إلى فَهْم دعوة جمعية الاتحاد والترقِّي بوصفها نوعًا من الصراع الشعوبي، الذي ينبغي على السلطان مكافحته وإخماده في منشئه، فعبد الحميد يُصرح في حواره مع رئيس جواسيسه باهتمامه بأمر العرب، ولا سيَّما أهل الشام، الذين تبنوا في حركتهم الجديدة — التي جعلوا مقرها سلانيك — خطةً غير تقليدية، محورها إنشاء «جمعية يضمُّون إليها ضباط الجند، وهم مُسلمون، فيدعونهم باسم الأمة العربية … ويَزعُمون أنهم مادة الإسلام وأصله، وربما حدَّثتهم أنفسهم باسترجاع مجدهم … وقد يستطيعون خداع بعض ضباط جندنا بهذه الحيلة» (الرواية، ص١٠٧).

ومن ناحية أخرى، يعلق عبد الحميد — في مباحثة ثانية بينه وبين رئيس جواسيسه — على نشاط الجمعية الجديدة الهادف إلى الجمع والتوحيد بين القوميات والمذاهب المختلفة في أنحاء الدولة العثمانية، فيقول ضاحكًا: «إنهم يطلبون عبثًا … يُريدون أن يجمعوا النصارى والمسلمين ليتَّحِدوا على … خاب فألهم، إنَّ ذلك مستحيل عليهم … يُريدون أن يجمعوا بين البلغاري، والسربي [يقصد الصربي]، والمكدوني، والتركي، والعربي … كيف يجمعونهم وقد فرَّقْنا بينهم تفريقًا ومزَّقْنا جامعتهم تمزيقًا؟!» (الرواية، ص١٥٠). ويكشف هذا التعليق عن السياسة التي يتبعها عبد الحميد من حيث التفريق بين عناصر الأمة وملء «قلوب كل عنصر حقدًا على العناصر الأخرى» (الرواية، ص١٥٢). وفي هذه الجلسة نفسها، أيدَ السلطانُ خطةَ رئيس جواسيسه التي تستند إلى استخدام الدين، في حركة عكسية، من أجل إفشال مساعي جمعية الاتحاد والترقي في الجمع بين عناصر الأمة؛ حيث يقول رئيس الجواسيس:

إني أرى أن يكون الجزاء من جنس العمل، هم يحاربون الدولة بجمع العناصر ونحن نحاربهم بتفريقها … ولا وسيلة لذلك خير من الدين …» فقال السلطان وهو يحكُّ ذقنه بسبابته: «عفارم … هكذا … هكذا …». فقال السر خفية: «هم يشتكون لأوروبا أنهم جميعًا مظلومون ويسعَون في تفهيم الرعايا أن الوسيلة الوحيدة هي أن يجتمع المسلم والمسيحي، ونحن نُبيِّن للمسلمين أن هذه المساعي إنما يراد بها ضياع دينهم وإدخالهم في زمرة الكفار …» فقطع السلطان كلامه بقوله: «عفارم … إن شعبي من المؤمنين شديدو الغيرة على الإسلام. وأزيد على ذلك أن السَّير على هذه الضلالات والإصغاء إلى هذه الرجاسات يؤدي إلى خروج نساء المسلمين حاسرات الوجوه كنساء الإفرنج الكفار … أنا أعلم تمسك عامة المسلمين بالحجاب (الرواية، ص١٥٣).

وأما فيما يتعلَّق بسياسة عبد الحميد في التعامل مع أعوانه وأفراد حاشيته فهي تَعكس سياسته في التعامل مع عموم رعاياه على اختلاف قومياتهم وعناصرهم؛ إذ يَلجأ أيضًا إلى خلق الشقاق بين أعوانه وأفراد حاشيته المقرَّبين حتى لا يجتمعوا عليه، بأن يجعل بعضهم يتجسَّس على بعض، ويستعين في سبيل ذلك بقدرٍ كبير من المال يحتفظ به في خزانة سرية، لا يعلم أحد غيره شيئًا عنها. يقول عبد الحميد، مُحدثًا نفسَه، وهو واقف أمام خزانته السرية يتأمَّل ما فيها من ذهب وجواهر وأوراق مالية: «لولا هذا المال لكنتُم أنتم أصحاب السلطة [يقصد أعوانه من كبار رجال الدولة]… أنتم تخدعونني طمعًا في المال، وأنا أخدعكم ولا أُعطيكم إياه … هو سلاحي وبه حياتي» (الرواية، ص١٥٩). وقد انتهت هذه السياسة إلى أن يصرح الراوي بلا موارَبة واصفًا كبار رجال دولة عبد الحميد وأعوانه في يلدز بأنهم «قد باعد الشِّقاق بينهم فتراهم جميعًا وقلوبهم شتى» (الرواية، ص١٦٥).

وإذا كان عبد الحميد يبادر إلى قتل أحد رعاياه على الشبهة دون تحقيق، فإنه في الوقت نفسه يخشى من قتل الأجانب تجنُّبًا لغضب الدول الأوروبية عليه، يقول الراوي: «ولو لم يكن مدير هذه الفرقة أجنبيًّا لأمر بقتله، ولكنه كان يخشى قتل الأجانب» (الرواية، ص١٣٥).

وفي النهاية، يمكن تلخيص سياسة عبد الحميد في انفراده بالحكم، إجمالًا، كما تُمثلها رواية الانقلاب العثماني، بكلمات قالها عبد الحميد لنفسه: «ويلاه بماذا ينبغي أن أهتم؟ بالخوارج المارقين، أم بالنساء في دار الحريم، أم بمُطالعة التقارير من الجواسيس، أو بالتقارير على الجواسيس؟ … إنه لعمل شاق … […] ولكن هذا العمل لا يَصعُب على همَّة السلطان عبد الحميد … لم يرَ عرشُ آل عثمان سلطانًا عاملًا مثلي … إني قابض على مملكتي ودولتي وقصري بيد من حديد» (الرواية، ص١٦٠–١٦١).

ميكيافيلِّية عبد الحميد: الكذب والخداع والقتل

بعد ترحيل رامز من سلانيك مخفورًا إلى الآستانة، تعرض لأشكال مختلفة من الاستجواب والتحقيق، فمرةً استجوبه الباشكاتب في دائرته بقصر يلدز، بصورة غير مباشرة تنطوي على إظهار الشفقة عليه مما هو فيه، ولكنه لم يظفر بشيء منه عن أعضاء جمعية الاتحاد والترقي في سلانيك وأسمائهم (انظر الرواية، ص١٦٣–١٦٣، ص١٦٧–١٦٨). ومن دائرة الباشكاتب في يلدز، نقله الجنود إلى إحدى غرف قصر مالطة، في يلدز أيضًا، وهو محبس كبار رجال الدولة، وقد حُبِسَ فيه مدحت باشا أبو الأحرار أثناء محاكمته التي حُكِمَ عليه فيها بالنَّفي إلى الطائف حيث لقي حَتْفَه (انظر الرواية، ص١٦٨، ص١٦٩). وفي هذا القصر، تعرَّض رامز لاستجواب غير مباشر على يد السر خفية (رئيس الجواسيس) الذي جاءه ليلًا مُتنكِّرًا في صورة شخص ملثم (انظر الرواية، ص١٧٣)، تحت زَعْم أنه يقدم له نصيحة مُفادها أنه لا سبيل للنجاة أمامه بغير ذكر أسماء أعضاء الجمعية (انظر الرواية، ص١٧٠–١٧٢). ولما لم يظفر الباشكاتب ورئيس الجواسيس من رامز بشيء، كَلفَ السلطانُ باستجوابه عزت باشا، أحد كبار معاونيه السياسيين، والاستجواب يخرج عن دائرة عمله، ولكن السلطان كلفه به لذكائه المفرط وشدة دهائه (انظر الرواية، ص١٦٣). واستخدم عزت باشا كل وسائل التلطف والمكر والحيلة، فاتبع أسلوب المناقشة الفكرية حول إصلاح أحوال الدولة وسوء الإدارة، وانتهى منه بأنْ طلب رامز مقابلةَ السلطان ليبوح له بما عنده (انظر الرواية، ص١٧٨–١٨٥).

ثم تحققت مقابلة رامز للسلطان، فوقف السلطان على ما يتسم به رامز من صفاء النية والإخلاص لجمعيتِه وسرعة التصديق والرومانسية السياسية، فأظهر له لين الجانب وسهولة الإذعان للحق الذي يحاول رامز إقناعه به، وقد أدرك السلطان أنه لن يظفر منه بشي إلا حيلةً ومكرًا وخداعًا ودهاءً (انظر الرواية، ص١٩٣–١٩٧). وهنا، يقول الراوي:

تلك كانت مزية السلطان عبد الحميد التي كان يغلب بها أعداءه؛ فإن أحدهم مهما يكن من سوء ظنه به لا يلبث إذا جالسه وخاطبه أن يخرج من عنده، مقتنعًا راضيًا، حتى كبار رجال السياسة من الأجانب. وقد اعترف له كثيرون بهذه الموهبة. ولم يكن رامز من أهل الدهاء والحنكة، وإنما يغلب في طباعه حرية الضمير، واستقلال الفكر … لا يعرف الكذب، ولا يدرك الرياء والنفاق إلا بالسماع. فهو لذلك سريع التصديق لما يسمعه يؤمن به على ظواهره … فلما سمع كلام السلطان عبد الحميد تأكَّد أنه صادق فيما يقول، وحمد الله على وقوعه في تلك الورطة ليكون وسيلة التفاهم بين السلطان عبد الحميد والأحرار (الرواية، ص١٩٦).

وانتهت المقابلة بالاتفاق على أن يتكتَّم الاثنان ما دار بينهما من حديث، حتى يتدبر السلطان أمر لقائه سرًّا بكبار رجال جمعية الاتحاد والترقِّي بعيدًا عن أعين حاشية السلطان ورجاله اللصوص المنافقين الذين يهمهم توسيع الخرق بينه وبين رجال جمعية الاتحاد والترقِّي المخلصين في إصلاح إدارة الدولة (انظر الرواية، ص١٩٦–١٩٧). ثم نهض عبد الحميد «ونظر إلى رامز نظرة الاستئناس، وقال له بصوت منخفض: اكتم ما دار بيننا، وأنا سأكتمُه … وسأُعيدك إلى سجنك كالعادة، وأوصي الحراس أن يحتفظوا بك فلا تهتم بذلك …» (الرواية، ص١٩٧).

وهنا، يعقد الراوي مقابلةً حادة وصارخة بين شخصيتين: شخصية رامز الذي يتَّصف بحرية الضمير واستقلال الفكر وسلامة الطوية، والذي يرغب في إصلاح إدارة الدولة، من جهة؛ وفي الجهة المقابلة يقف الثعلب الماكر عبد الحميد المتَّصف بالمكر والخديعة وشدة الدهاء، والغدر والخيانة. ويؤكد الراوي صفات عبد الحميد تلك، بعد ذهاب رامز مباشرةً، تأكيدًا تشخيصيًّا على النحو الآتي:

لما خلا السلطان عبد الحميد بنفسه ومشى في الدهليز المؤدِّي إلى غرفة النوم، وقع نظره على الصورة التي مثَّلوا له بها مدحت ورجاله، فوقف عندها وهو يحدق فيها بعين الغدر، كأنه يرى مدحت بين يديه ويهمُّ أن يصفعه، ثم صَر على أسنانه وزمجر كالشبل الجريح، وهز رأسه وهو يتحول عن الصورة وقال: «ويل لكم من أشرار أغرار … تصدقون أن السلطان عبد الحميد يَصبر على وقاحتكم باسم الحرية؟ … أبمثل هذه الجسارة يُخاطَب السلطان عبد الحميد، سلطان البريْن، وخاقان البحرين؟ حتى هؤلاء الغلمان يَزعُمون أنهم ينصحون لي؟ … إن رجلًا يخاطبني بهذه الوقاحة لا ينبغي له أن يبقى على قيد الحياة» (الرواية، ص١٩٧–١٩٨).

وعلى مدى الفصلين رقم ٥٣ وعنوانه «باب السر»، ورقم ٥٤ وعنوانه «المهمة الكبرى» (ص٢١٤–٢٢٠)، يسرد الراوي سردًا تشخيصيًّا تفاصيل خطة عبد الحميد الماكرة في لقائه الثاني برامز سرًّا — بعد نقله من محبسه في قصر مالطة إلى محبس جديد في قصر جيت أحد قصور يلدز أيضًا — حيث ظهر له عبد الحميد من بابٍ سرِّي مُتنكرًا على هيئة «شبح ملتف بملاءة بيضاء كأنه خارج من القبر» (الرواية، ص٢١٥). وأساس خطته الماكرة إيهام رامز بأنه — أي عبد الحميد — محاط بحاشية من الأشرار الذين هم أصل المتاعب بينه وبين الأحرار العثمانيين، ولا يعرف كيف يتخلص منهم بسبب كثرة المراقبين والجواسيس عليه في كل آنٍ ومكان. وها هو ذا عبد الحميد يبدو في صورة طالب النصيحة من رامز، ويكاد صوته يختنق كأنه يُجهش بالبكاء حتى لم يبقَ عند رامز شك في صدق قوله (انظر الرواية، ص٢١٧). وأخذ عبد الحميد يستميل رامز إليه بأنه يُريد التخلص من المنافقين المحيطين به، ولكنه لا يستطيع ذلك قبل أن يلتقي برجال الاتحاد والترقِّي والتباحث معهم سرًّا للاتفاق على طريقة القضاء على حاشيته وكبار رجال دولته المنافقين الأشرار الذين يُكبِّلونه ويقيدون حركته، والتدبر في شئون الحكومة الجديدة من أجل إحياء الدولة واستعادة مجدها (انظر الرواية، ص٢١٧). ثم أخذ عبد الحميد يَستوثِق من مدى قوة رجال الاتحاد والترقي التي دللَ عليها رامز بأن الجمعية اجتذبت إليها ضباط الجيش في سلانيك «فإذا أرادوا عملًا حقَّقوه بالقوة ولا سيما إذا كانت إرادة الذات الشاهانية معهم. وكان السلطان عبد الحميد يسمع ذلك وقلبه يكاد يتميَّز غيظًا، لكنه تجلَّد على عادته وأظهر سروره، فانبسطت أساريره وظهر البِشْرُ على محياه، فاستأنس رامز بمنظرِه ورقص قلبه طربًا» (الرواية، ص٢١٨). واتفقا، في النهاية، على أن يُطلق السلطان رامز إلى سلانيك سرًّا — بحيث يبدو الأمر وكأنه فَر من مَحْبسه — كي يأتي بوفد رفيع المستوى من الاتحاد والترقي للتباحث سرًّا مع السلطان في يلدز، حتى تنتهيَ المشاكل «في جلسة واحدة تنتقل بها الدولة من حال إلى حال» (الرواية، ص٢١٩). بل وصل أمر استئناس رامز بالسلطان عبد الحميد وتصديقه له أنْ طلب منه خبر والده سعيد بك المُختفي منذ بضع عشرة سنة في أحد محابس قصور يلدز (انظر الرواية، ص٢٢٠–٢٢٢).

لقد انطلت خدعة السلطان على رامز، وما هذا الانطلاء سوى إدلال قوي على شدة دهاء السلطان ومكره. وثمة مشهد دال لرامز بعد انصراف السلطان عنه يُبين — ضمنًا — حدة التقابل بين الشخصيتين؛ السلطان الطاغية الماكر ورامز الثوري البريء براءة الأطفال الصغار:

وبقي رامز في مجلسه وقد تولَّته الدهشة، وأخذ يفرك عينَيه لئلا يكون في حلم، فتحققَ أنه في يقظة فقال في نفسه: «ما هذه الغرائب المُدهِشة؟ … السلطان عبد الحميد يطلب الدستور من تلقاء نفسه! … إذا تمَّ ذلك على يدي، فما أعظم سروري … هل أرى والدي الآن وأنجو به؟ رُب شر ينتج عنه خير … لو لم يَشِ بي عدوِّي ويُلقيني في هذه الورطة لم أُوَفق إلى ملاقاة والدي ولا إلى ما أرجوه من الانقلاب السياسي … لا أُصدِّق أني أصل إلى الجمعية وأقُص عليها أخباري …» (الرواية، ص٢٢٢).

ولما حكى رامز لوالده سعيد بك ما كان من شأن السلطان عبد الحميد واتفاقه معه، انطلى الخداع أيضًا عليه (انظر الرواية، ص٢٢٣–٢٢٤).

إن الصورة التمثيلية التي يسعى راوي الانقلاب العثماني إلى تثبيتها، هنا، هي ميكيافيلِّية عبد الحميد الثاني. ولا يكتفي الراوي بتوصيل هذه الصورة — تلميحًا — عبر سردها سردًا تشخيصيًّا شائقًا، بل يخصص فصلًا بأكمله يُوضِّحها ويؤكدها فيه صراحةً، هو الفصل رقم ٥٦ وعنوانه «فلسفة ماكيافيللي» (ص٢٢٥–٢٣٠)، التي تقوم على فكرة جوهرية مُفادها أن السياسي الناجح يستخدم أي وسيلة — دنيئة أو شريفة — من أجل تحقيق غايته، مستلهمًا آراء الفيلسوف السياسي الإيطالي ميكيافيلِّي Machiavelli (١٤٦٩–١٥٢٧م) الذي أَوْدَعَ آراءه تلك في كتاب أسماه كتاب الأمير، ألفه في عام ١٥١٣م تقريبًا. ويُعد كتاب الأمير جزءًا مهمًّا من تاريخ إيطاليا وتاريخ العالم لاحقًا؛ لأنه الأول من نوعه فيما يتعلَّق بالأخلاقيات السياسية والنفعية والواقعية السياسية؛ أيْ رَسْم صورة للسياسي على ما هو عليه، وليس كما ينبغي أن يكون. يتضمَّن الكتاب نصائح للساسة تنطوي على معاني الخِسة والوضاعة والانتهازية السياسية وتبرير قتل الأبرياء في سبيل الحفاظ على المُلْك أو الدولة، وإن كانوا أقرب الأقارب، استنادًا إلى مبدأ «الغاية تُبرِّر الوسيلة»، بغض النظر عن مدى أخلاقية هذه الوسيلة حتى صار اسم ميكيافيلِّي وكتابه مرادفَين للشر السياسي.٩٩

هكذا، يُورِدُ الراوي مناجاة عبد الحميد لنفسِه بعد اطمئنانه إلى اتِّفاق «المهمة الكبرى» مع الشاب الثوري رامز، على النحو الآتي:

ثم ناجى نفسَه قائلًا: «ظنَّ ذلك الشاب أني وثقت به وبوعده، ويزداد اعتقادًا بصدقي متى أطلقت سراح والده … وهو يرى ذلك ثقةً مني بهما … ومَن يثق بهما إلى هذا الحد … لكن بقاء رامز هنا لا فائدة منه لأنه مُصمِّم على الإنكار ولا فائدة لي من قتله إذا لم أقتل كبار تلك الجمعية الجهنمية. وزِدْ على ذلك أن شيرين هنا في قبضة يدي وهو لا يعلم، فإذا علم بعد ذلك أنها رَهْنٌ عندي حتى يُحقِّق وعده تفانى في الإنجاز … وقد أخبرني صائب بك أنه يتفانى في حبِّها، فإذا جاءني ولم يفعل، ولا هي اعترفت بأسماء أولئك الناس قتلتهما … ولكن حيلتي ستنطلي على مؤسِّسي تلك الجمعية ويرون من إطلاقي سراح أحدهم بعد أن قبضت عليه صدق نيتي في التماس آرائهم للإصلاح، فيأتيني كبارهم … ومتى أتوا أذيقهم الموت فيخاف رفاقهم وتضعف عزائمهم، وتذهب هذه الجمعية كما ذهب غيرها من قبل ونتخلَّص منها» (الرواية، ص٢٢٦–٢٢٧).

والمناجاة كاشفة بذاتها عن انعدام شرف عبد الحميد وعدم وفائه أو نزاهته، فغايته الوحيدة التخلُّص من معارضيه بالقتل في سبيل الحفاظ على بقائه حاكمًا منفردًا للدولة العثمانية. وليس تصرُّفه ذاك نابعًا من هوًى شخصي أو إعمال فكر منفرد، بل نابع من دراسته وتمحيصه واعتياده قراءة كتاب الأمير لميكيافيلِّي في أوقات فراغه أو كلما حَزَبَه أمر (انظر الرواية، ص٩٤). بل إنه يُعظِّم، هنا، آراء ميكيافيلِّي تعظيمًا، ويثني عليه غاية الثناء في حديثه لنفسه بصوت مسموع، يقول الراوي:

ثم اعتدل في مجلسه وزمجر كالشبل الجريح، ووقف بغتةً وقد أخذ الغضب منه مأخذًا عظيمًا وقال: تبًّا لكم من مغرورين جهلة … لن يبلغ كيدكم كيدي … سوف تذهبون طعامًا للأسماك، إني لا أزال أسفك وأقتل حتى تخلو الدنيا من المُعارضين لي … مهما يكن من ثقتهم بي فإني على رأي ماكيافيللي … لله دَر هذا الفيلسوف … صَدَقتَ يا ماكيافيللي، إن الرجل العظيم لا يستطيع أن يستقلَّ بحُكمه وينجو من الرقباء والحُساد إلا إذا أغضى عما يُسمونه الشرف، والأمانة، والوفاء في معاملة أعدائه … ولا بأس إذا ضحَّى بهذه الفضائل في سبيل المحافظة على الدولة أو الوطن، وأن يستبدلها بالمكر والدهاء، وهي ما يسميه الجهلاء خيانةً وغدرًا … ليست الخيانة أن أحتال على عدوي حتى أظفر به وأقتله، وإنما هو الدهاء … وما فائدة الوفاء إذا اضطرني إلى إطلاق سراح رجل أعرف أنه يريد قتلي … بُورِكَ فيك يا ماكيافيللي … نعم اقتُلْ ثم اقتُلْ مَن شككت فيه، أو مَن تخاف منه شرًّا، ولو على سبيل الشك. تلك هي سياسة كبار الرجال … وهي التي سار عليها كبار القواد في تأسيس الدول (الرواية، ص٢٢٧–٢٢٨).

هكذا، يقدم راوي الانقلاب العثماني عبد الحميد الثاني في أحط تمثيل أدبي.

(٢) التمثيل التقديسي (المثالي) في السرد التاريخي الاستعادي

سلفَتِ الإشارة، أثناء التحليل السابق، إلى أن طهماز وصائب بك جاسوس السلطان عبد الحميد الثاني في سالونيك، ينظران إلى مقام السلطان عبد الحميد الثاني بوصفه مقام خلافة؛ أيْ إن عبد الحميد الثاني هو خليفة المسلمين، بل خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولكن هذا المنظور التقديسي الذي ينظر إلى عبد الحميد الثاني بوصفه خليفة الرسول، يأتي في سياق أحداث روائية تُؤكِّد — على امتداد العملية السردية — منظورًا تدنيسيًّا يرى عبد الحميد طاغيةً يسفك دماء معارضيه ويلاحقهم في كل مكان، ويقتل على الشبْهة، بل إن يلدز حيث مقر حكم السلطان عبد الحميد صارت مدفن الأحرار. والأكثر من هذا أن الراوي يَعْمَدُ — ترتيبًا على تمثيل عبد الحميد بوصفه طاغية يسفك الدماء — إلى تصوير شخصية عبد الحميد من الناحية السيكولوجية بأنه حاكم خائف مرتعب طوال الوقت من أن يغتاله أحد، ولا سيما أعوانه من رجال دولته المقيمين معه في يلدز مقر الحكم وإدارة الدولة، وبأنه حاكم أناني محب لجمع المال كي يستخدمه في الإبقاء على حياته وحفظ سلطانه ومصالحه الشخصية بغض النظر عن المصلحة العامة التي لا يلقي لها بالًا على الإطلاق، حتى بدا السلطان في تمثيلاته الروائية أقرب إلى حالة الهوس والجنون.

وقد سلفت الإشارة أيضًا، عند تحليل منظور الراوي، أن الراوي — في حقيقة حاله — هو نائب المؤلف في العملية السردية، وهو ما ينطبق بصفة خاصة على أعمال جُرْجي زيدان انطباقًا لا تخطئه العين، ومعنى ذلك أن القارئ الذي يطالع رواية الانقلاب العثماني سيجد نفسَه بشكل واضح أمام أيديولوجية نَهْضوية يُعبِّر عنها الراوي الذي هو نائب المؤلف في السرد. وعلى سبيل المثال، سيكون القارئ محصورًا — على امتداد العملية السردية — بمنظور الراوي، ومن ثم منظور المؤلف، في تمثيلهما شخصية عبد الحميد الثاني في العمل الأدبي، وهو تمثيل تدنيسي كما سبق أن أظهر التحليل.

وإذا كانت كل جماعة بشرية متحضِّرة لديها ذاكرة جَمْعية تحتفظ فيها بمجمل خبراتها وتجاربها التي تُعينها على التعلم من التجارب والخبرات السابقة، وعلى التقدم أيضًا، فمن الممكن القول إجمالًا إن جناحَي هذه الذاكرة الجَمْعية المستمرة هما فنون «الأدب» و«التاريخ». فما اصطلح عليه العصرُ الحديث بأنه «أدب» كان يتكون سابقًا من الأساطير والقصص والحكايات والملاحم والسِّيَر الشعبية التي تصوغ خبرات الجماعة وتجاربها ورؤيتها للعلاقات بين الناس والعلاقة بين البشر والكون في صياغة تخييلية سواء شفاهية أو مدونة. وما اصطلح عليه العصرُ الحديث أيضًا بأنه «تاريخ» يتكون، في حقيقة أمره، من مشاهدات ومعاينات وروايات منقولة لأحداث واقعية حقيقية، يجري ترتيبها وفق منطق ومنظور محدَّدين، في صياغة واقعية لما وقع من أحداث.

ولكن القاسم المشترك بين «الأدب» و«التاريخ» أمران على درجة كبيرة من الأهمية، يتمثَّل أولهما في اللغة، فكلاهما يستعمل اللغة بما تنطوي عليه كلماتها وتراكيبها وأساليبها من دلالات وإيحاءات متعدِّدة؛ ويتمثَّل ثانيهما في أن «الأدب» و«التاريخ» ليسا في جوهرهما سوى إعادة بناء وتمثيل للواقع وفق منظور محدد. ومع أن هذا القاسم المشترك على درجة كبيرة من الأهمية، فقد نُظِرَ — طوال الوقت — إلى «الأدب» بوصفه كتابة تخييلية لا تنطوي على حقيقة واقعية، وإلى «التاريخ» بوصفه كتابة حقيقية تنطوي بالضرورة على تقديم الحقيقة.

ولكن هناك اتجاهًا جديدًا في الدراسة التاريخية بدأ ينظر إلى الكتابة التاريخية بوصفها كتابة نِسبية تجري وفق منظورات مختلفة وتنطوي على دلالات متعدِّدة يُمكن إخضاعها للتحليل والفحص النقدي من أجل الكشف عن نسبيَّتها، هذا الاتجاه هو التاريخية الجديدة New Historicism. وهذا معناه النظر إلى الكتابة التاريخية بوصفها عملية سردية تخضع بالضرورة لنسبية منظور المؤرِّخ وموقفه؛ أيْ إطاره الأيديولوجي الذي يحرك نظرَه، سواء إلى الأحداث التي يعاينها أو ينقلها روايةً عن آخرين، أو الوثائق في الأرشيفات التي يفحصها مستخلصًا منها — في زَعْمه — الحقيقة التاريخية.١٠٠
إن التاريخية الجديدة في دراستها «التاريخ» وتناوله تجعل الحدود بين «الأدب» و«التاريخ» حدودًا تتَّصف بالسيولة. وإذا كانت رواية الانقلاب العثماني رواية تاريخية، كما يعلن مؤلِّفها في صفحة العنوان وكما يستقبلها القراء، فمن المؤكد أن الحدود بين «الأدب» بوصفه كتابة تخييلية و«التاريخ» بوصفه كتابة حقيقية ستزداد سيولةً. ووفق هذه النظرة الجديدة إلى «الأدب» و«التاريخ»، يُمكن إيجاد مسوغ معرفي ومنهجي في التطرُّق إلى تمثيلات شخصية عبد الحميد الثاني في السرد التاريخي، على سبيل مقارنتها بتمثيلاتِه في رواية الانقلاب العثماني، حتى لا نكون أَسْرَى منظور واحد هو منظور جُرْجي زيدان، وتحقيقًا لإجراء «القراءة بالتوازي» الذي سلفت الإشارة إليه.

الشهادة التاريخية في مقابل السرد الأدبي

يَفتتح السلطان عبد الحميد الثاني مذكراته بتسجيل مفارقة ساخرة تتعلَّق بالتقويم الزمني الذي تعتمده الدولة العثمانية بقيادة أعضاء جمعية الاتحاد والترقِّي بعد خَلْعه بانقلاب يوم ٢٧ أبريل ١٩٠٩م، فيقول إنه قد صار «عندنا تقويمان: ديني ويبدأ بالمحرم، وحكومي، ويبدأ بمارت. يبدأ العام بعد ذلك بشهر كانون الثاني. لا أدري هل فكرت أجهزة الدولة ومجلس الوزراء ومجلسا: «المبعوثان» و«الأعيان»، وكذلك حضرة صاحب الجلالة المحترم أخي السلطان محمد رشاد في أن مسألة بداية عام جديد بكلمة كانون الثاني [وليس الأول] تبدو أمرًا مضحكًا بعض الشيء ولا معنى له!»١٠١ ومن الواضح أن افتتاح عبد الحميد مذكراته بتسجيل تلك المفارقة الساخرة يكشف عن إدانته العميقة لاقتداء رجال الاتحاد والترقي بالنموذج الغربي اقتداء أعمى، بلا أي تفكير أو تبصُّر. وهو افتتاح شديد الدلالة في مسيرة السلطان عبد الحميد الثاني وفي مسيرة رجال الاتحاد والترقِّي في مناهضتهم له.
وبعد تسجيله هذه المفارقة التهكُّمية، نجده يصرح بوصف مذكراته بأنها لا تخصه فقط، فيقول: «ساقتني كتابتي بالأمس إلى التفكير اليوم في أسفي وندمي على إهمالي حتى الآن تدوين بعض مذكراتي عن الفترة الماضية. أفكر في هذا وأنا مُستغرق بين حلقات الدخان. لقد عشتُ حياة طويلة، وحكمت عهدًا طويلًا، ولذا فإن مُذكراتي لا تخصني فقط، ولكنها تخص التاريخ أيضًا بشكل أو بآخر، بل الواقع أنها للتاريخ.»١٠٢ وهذا التصريح جدير بالتأمل، لأنه يثير مشكلة التحديد النوعي لما يُسمى كتابة المذكرات، ولا سيما حين تصدر هذه الكتابة عن شخصيات سياسية مؤثرة في حركة التاريخ كالسلطان عبد الحميد. فهذه المذكِّرات يصعب النظر إليها بوصفها «مذكرات شخصية»، لأنَّ المعول في المذكرات الشخصية يكون على التدوين الوجداني للانطباعات بهدف رصد أحداث أو وقائع خارجية من حيث علاقة «الذات الكاتبة» بها وتفاعلها معها، وعادةً ما تأتي الكتابة بتعاقُب زمني لا يكون فيه فواصل زمنية كبيرة. كما يصعب أيضًا تصنيفها بوصفها «مذكرات وثائقية»؛ لأن المعول في المذكرات الوثائقية يكون على التسلسل الزمني الذي تَتناول فيه «الذات الكاتبة» موادَّ عديدة سواء فنية أو اجتماعية أو فلسفية أو سياسية، بحيث تعبر المذكِّرات عن رؤية الذات الكاتبة للعالم من النواحي الفنية والاجتماعية والسياسية والفلسفية. ولكن من الواضح أنه يُمكننا تصنيف مذكرات عبد الحميد في فئة «المذكرات التاريخية»، لأنَّ المعول فيها يكون على تدوين الذات الكاتبة للوقائع والأحداث بالاستناد إلى الذاكرة أو المشاهدة، ولأنه بدأ في كتابتها بعد أحداث خَلْعه في قصر بَيْلَرْبي بإستانبول عام ١٩١٧م، قبل وفاته بعام وبعد خَلْعه بثمانية أعوام. ويأتي مدار الكتابة فيها على الأحداث التي يرويها المؤلف غير مُقتصِرة على شخصه، ولا تقف فيها الذات الكاتبة موقف الشاهد السلبي، أيْ لا تقص أحداثًا خارجية فقط، بل تشارك غالبًا في هذه الأحداث.١٠٣
وترتيبًا على ما سبق، يُمكن القول إن «مذكرات عبد الحميد الثاني» تمثل نوعًا من الشهادة التاريخية على أحداث إما رُويتْ له وهو ينقلها، أو عاينها بنفسه أو شارك فيها، الأمر الذي يجعل القارئ أمام شهادة تاريخية بصوت عبد الحميد نفسه دون تفويض منه لأحد بالحديث عن نفسه. ومع ذلك، فليس هذا معناه أن يتوقَّع قارئ مذكراته أنه سيكون وجهًا لوجه أمام صوت الحقيقة التاريخية التي تُسْكِتُ كل الأقوال عداها؛ لأنَّ شهادة عبد الحميد على الأحداث، أو رواية مشاركته فيها، ليست سوى إعادة بناء وتمثيل لأحداث ماضية عبر اللغة، فضلًا عن أنها تعبر — في النهاية — عن منظوره الشخصي. والأكثر من هذا، أن هناك جدلًا حول أصل مذكرات عبد الحميد؛ إذ يذهب أورخان محمد علي إلى أن السلطان عبد الحميد الثاني كَتَبَ مذكراته فعلًا، ولكنها فُقِدَتْ، ثم عُثِرَ لاحقًا على بعض الأوراق والمذكرات والملاحظات، التي رجحَ مؤرخون أتراك أنها تعود إلى عبد الحميد، وقد نشرها الأديب وداد عرفي بك — حفيد الصدر الأعظم خليل رفعت باشا — عام ١٩٢٢م، وترجمها إلى العربية السيد محمد علي عبد الله عام ١٩٢٧م. ولكن عندما راجت الكتب المؤلفة عن السلطان عبد الحميد في تركيا، وأقبل الناس على قراءتها، اخترع صحفي قصةً تفيد بأنه عثر على المذكرات الكاملة ونشرها في تركيا بعد الإضافة إليها من عنده. وقد ترجم هذه المذكرات بقسمَيها الأصلي والمزيَّف الدكتور محمد حرب تحت عنوان «مذكرات عبد الحميد الثاني».١٠٤
ولكن الميزة الوحيدة، هنا، أن قارئ تلك المذكرات سيكون بإزاء منظور آخر لتمثيلات عبد الحميد الثاني عبر اللغة، يَختلف حتمًا عن منظور راوي جُرْجي زيدان العليم بكل شيء في روايته الانقلاب العثماني. وقد حدا هذا بي إلى البدء ﺑ مذكرات عبد الحميد الثاني في هذا القسم. وثمَّة سبب آخر أهم وأقوى، يتمثل في أن بعض كُتَّاب التاريخ الذين يتناولون أسباب انهيار الدولة العثمانية يركزون على شخصية عبد الحميد الثاني تركيزًا يقترب به إلى كونه شخصية مقدَّسة، بوصفه آخر خلفاء الإسلام، الذي بخَلْعه عن العرش ضاعت الخلافة الإسلامية نتيجة مؤامَرة غربية محبوكة.
تنطوي مذكرات عبد الحميد الثاني، بشكلٍ ضمني، على هَدْمٍ لكل المزاعم التي بنى عليها جُرْجي زيدان روايته الانقلاب العثماني. ويمكن القول إن مذكراته تدور حول مجموعة أُطرٍ كبرى تحكم علاقة عبد الحميد بالغرب، وتُحدِّد الركائز الأيديولوجية التي استند إليها أثناء فترة حكمه في مواجهة عمليات التغريب الفكري والثقافي والأخلاقي باسم شعارات براقة ﮐ «التمدن الحديث»، ويمكن إجمالها على النحو الآتي:
  • التمدن الحديث: يقول عبد الحميد الآتي: «ليس من الصواب القول بأني ضد كل تجديد يأتي من أوروبا، لكن العجلة من الشيطان ويقابل العجلةَ الهدوءُ والاعتدالُ. يجب أن نضع نصب أعينِنا ما تَفضل به الله علينا … ليس الإسلام ضد التقدم، لكن الأمور القيمة يجب أن تكون طبيعية وأن تأتي من الداخل وحسب الحاجة إليها، ولا يُمكن أن يُكتَبَ لها النجاح إذا كانت على شكل تطعيم من الخارج.»١٠٥ وينطوي هذا القول على إطار عام محدد في التعامل مع شعار «التمدن الحديث» الرائج حينذاك، أساسه الإفادة من الغرب في العلوم الحديثة، وعدم استجلاب القيم الأخلاقية والاجتماعية والثقافية، فضلًا عن أن الإفادة من الغرب في العلوم الحديثة لا بد أن تنشأ بالتدريج وحسب الحاجة، لا دَفْعةً واحدة. وقد حَقق هذا المفهومَ عمليًّا، فأنشأ المدارس الصناعية والتجارية والزراعية، وكل ما يتعلَّق بالبنية التحتية في عهده.١٠٦

    وأما عن استجلاب الأفكار والقيم الغربية الاجتماعية والثقافية وزَرْعها في التربة الإسلامية، فيُحدِّد عبد الحميد الثاني دورَ الإنجليز الصريح في ذلك، واستجابة المصريين، بوجه خاص، لهذا النوع من التطعيم الضار، فيقول:

    الإنجليز قد أفسدوا عقول المصريين، لأن بعض المصريين يعتقد أن سلامة مصر ستأتي من الإنجليز […] هذا البعض أصبح يقدم القومية على الدين. ويظن أنه يمكن مزج حضارة مصر بالحضارة الأوروبية، وإنجلترا تهدف من نشر الفكر القومي في البلاد الإسلامية إلى هزِّ عرشي … وأن الفكر القومي قد تقدَّم تقدمًا ملموسًا في مصر. والمثقفون المصريون أصبحوا من حيث لا يشعرون ألعوبةً في يد الإنجليز. إنهم بذلك يهزُّون اقتدار الدولة الإسلامية ويهزُّون معها اعتبار الخلافة.١٠٧
    هذا التحديد الأيديولوجي الذي يتبناه عبد الحميد لمفهوم «التمدن الحديث» على نحو ما يراه، جعل دعاةَ القومية العربية يَعدون عبد الحميد رمزًا للقبضة الديكتاتورية،١٠٨ والرجعية، وبخاصة بعد لجوئه إلى خطة بديلة في مواجهة أشكال التمدن الحديث التغريبية التي استشعر أنها بادرةٌ أولى من بوادر الاستعمار الغربي. وقد تَمثلت خطته فيما سُمي ﺑ «الجامعة الإسلامية»، التي تقوم على توحيد الشعوب الإسلامية في مواجهة الاستعمار الغربي. والتمسَ في سبيل تحقيقها أسبابًا كثيرة، منها تحريك كبار رجال الفكر الإسلامي كالشيخ جمال الدين الأفغاني.١٠٩
  • مسألة اليهود: أدرك عبد الحميد أنه إذا سمح لليهود بالتوطُّن في فلسطين، فمن المُمكِن أن تشتدَّ قوتهم، وفي هذه الحالة «نكون قد وَقَّعنا قرارًا بالموت على إخواننا في الدين.»١١٠ ويُوضِّح وجهة نظره قائلًا: «لا يريد الصهيونيون الاشتغال بالزراعة فقط في فلسطين، بل إنهم يُريدون إنشاء حكومة لهم وانتخاب مُمثلين سياسيين لهم، وإني أفهم جيدًا معنى تصوُّراتهم الطامعة هذه، وإنهم لَسُذج إذا تصوَّروا أني سأقبل محاولاتهم هذه … إن هرتزل يُريد أرضًا لإخوانه في دينه لكن الذكاء ليس كافيًا لحلِّ كل شيء.»١١١
    وتَرتبَ على تلك الاتصالات بين هرتزل والسلطان عبد الحميد الثاني أنْ طلب السلطان من سُفرائه في واشنطن وبرلين وفيينا ولندن وباريس «تعقب الحركة الصهيوينة وإرسال تقاريرهم أولًا بأول إلى السلطان […] وإرسال مُخبرين عثمانيين مُتنكِّرين إلى الاجتماعات الصهيونية في أوروبا، وإرسال قصاصات الصحف والمجلات الأوروبية المتعلِّقة بنشاط اليهود في أوروبا.»١١٢ وفي شهرَيْ يونيو ويوليو من عام ١٨٩٠م أصدر عبد الحميد أوامره ﺑ «عدم قبول الصهاينة في الممالك الشاهانية [الأراضي العثمانية] وإعادتهم إلى الأماكن التي جاءوا منها.»١١٣ وكان من شأن تصرُّف السلطان على هذا النحو تجاه اليهود ومَطالبهم أنْ عمل هرتزل واليهود على تدعيم أعداء عبد الحميد، مثل تأييد الأرمن والحركة القومية الانفصالية في البلقان والحركة القومية الكردية، وبوجه عام تأييد كل حركة استقلال عن الدولة العثمانية، ودَفْع أعضاء جمعية الاتحاد والترقِّي إلى قلب الأوضاع السياسية في الدولة.١١٤
  • جمعية الاتحاد والترقي: يُشير الدكتور محمد حرب في تقديمه للطبعة الثالثة، المزيدة والمنقَّحة، من مذكرات السلطان عبد الحميد الثاني إلى أن جمعية «الاتحاد والترقي» هي أول حزب سياسي في الدولة العثمانية، وقد ظهرت بشكل سرِّي أولًا عام ١٨٩٠م، على هيئة خلايا من طلبة العسكرية والطبية العسكرية. وتَنبغي هنا ملاحظة أن ظهور «الاتحاد والترقِّي» حدث بعد فشل هرتزل في تحقيق مطالبه لدى السلطان عبد الحميد الخاصة بشراء أراضٍ لليهود في فلسطين. وكان تأسيس الجمعية يهدف إلى تركيز معارضة حكم السلطان عبد الحميد في شكل تنظيمي والتخلص منه. واكتشفت مخابرات السلطان هذه الجمعية السرية في عام ١٨٩٧م، أيْ بعد سبعة أعوام من التأسيس، فنَفَى السلطانُ العديدَ من أعضائها، وتَمكن بعضُهم من الفرار إلى باريس. وعلى إثر ذلك، أرسل السلطان مدير الأمن العام حينذاك إلى باريس من أجل استمالة الأعضاء الفارِّين هناك، ومَنْحهم مناصب كبيرة في الدولة، إلا أنَّ بعضهم، وعلى رأسِهم أحمد رضا بك، ظلُّوا على معارضتهم.١١٥
    ولكن الجمعية المفكَّكة بدأت تستعيد نشاطها مرة أخرى، وكانت البادرة الأولى لذلك أنْ عَقدَ أعضاؤها مُؤتمرًا للأحرار العثمانيين في باريس في الفترة من ٤ إلى ٩ فبراير ١٩٠٢م، حضرته كل العناصر المعارضة بدعوة وتنظيم من أعضاء الاتحاد والترقي. وكان من ضمن قرارات المؤتمرين تقسيم الدولة العثمانية إلى حكومات مُستقلَّة استقلالًا ذاتيًّا على أساس عِرْقي قومي. ولم يكن من المستغرب أن يطالب المؤتمرون الدولَ الأوروبية بالتدخُّل لإنهاء حكم السلطان عبد الحميد وإقصائه عن العرش.١١٦
    وعقب المؤتمر، زاد نشاط جمعية الاتحاد والترقِّي في مدينتي سلانيك ومانستر، فافتتحت فروعًا لها فيهما والتحق بها الضباط الشبان من رتبتيْ ملازم ويوزباشي ممَّن يخدمون في الجيش الثالث العثماني؛ ومدينتا سلانيك ومانستر هما المدينتان اللتان شهدتا الكثير من أحداث تحرك جمعية الاتحاد والترقِّي للثورة والمطالبة بالدستور في رواية الانقلاب العثماني؛ حيث زاد نشاط الجمعية في هاتَين المدينتَين حتى تردَّد أن الضباط من الرتب الكبيرة، بل كل ضباط الجيش العثماني الثالث في البلقان، قد انضمُّوا إلى الجمعية قبيل مُنتصَف عام ١٩٠٨م.١١٧ وفي ٢٣ يوليو ١٩٠٨م، اضطرَّ عبد الحميد، بسبب المظاهَرات والاغتيالات والفوضى في الشوارع إلى إعلان العمل بالدستور،١١٨ فتولَّت جمعية الاتحاد والترقي الحُكْم، وأعلنت تمثلها مبادئ الثورة الفرنسية: الحرية والعدالة والمساواة والإخاء.١١٩
    وبعد إعلان الدستور بأقل من ثلاثة أشهر، استقلَّت عن الدولة العثمانية بلغاريا وكريت، كما استقلت البوسنة والهرسك. وفي ١٣ أبريل ١٩٠٩م دبر ضباطٌ من الجيش العثماني بإيعاز من رجال الاتحاد والترقِّي حادثة عُرِفَتْ باسم ٣١ مارت،١٢٠ ونسبوها إلى السلطان عبد الحميد قائلين إن السلطان يستعين بعناصر رجعية من الجيش ضد رجال الاتحاد والترقي، فاتخذ الجيش هذه الحادثة ذريعةً للتحرك بهدف عزل السلطان، وندبوا لإبلاغه قرار العزل وفدًا من أربعة أشخاص لم يكن بينهم تركي أو عربي، ويترأسه اليهودي إيمانويل قراصو، الذي لعب دورًا كبيرًا في الاحتلال الإيطالي لليبيا لاحقًا.١٢١

تمثيلات السرد التاريخي لعبد الحميد الثاني

تتراوَح تمثيلات شخصية عبد الحميد الثاني في السرد التاريخي بين منظورين، أحدهما موضوعي حتى وإن كان المؤرخ من أنصار فكرة الخلافة الإسلامية ومُناهَضة أفكار «التمدن الحديث» على مستوى العادات والتقاليد والأخلاق؛ والمنظور الثاني أصولي يُحوِّل شخصية عبد الحميد الثاني إلى رمز إسلامي مثالي تاريخي.

المنظور الأول يُمثِّله المؤرخ السوري محمود شاكر (١٩٣٢–٢٠١٤م) الذي خصَّص من موسوعته الضخمة التاريخ الإسلامي الجزءَ الثامن ﻟ العهد العثماني، وقد جاء الجزء في خمسة أبواب، استعرض في الباب الأول منها تاريخ نشأة الدولة العثمانية وقسم دورة حياتها إلى مراحل قوة وضعف وانحطاط. وفي الفصل السادس الذي يحمل عنوان «الخلافة العثمانية، عصر الانحطاط والتراجع»، يُحدِّد تسعة خلفاء يمثلونه، يأتي عبد الحميد الثاني في آخرهم.١٢٢ ويذهب محمود شاكر، بشكل صريح، إلى إقامة علاقة تقابل حادَّة بين الدولة العثمانية وما أسماه الدول النصرانية التي تُحرِّكها الروح الصليبية، والتي تفاهَمت فيما بينها على حرب الدولة العثمانية وتقسيمها، وعُرِفَ هذا التفاهُم في الكتب الأوروبية باسم «المسألة الشرقية».١٢٣
ثم يأخُذ المؤرِّخ السوري في تعداد السمات المُميزة لعصر الانحطاط والتراجُع، ويأتي من ضمنها تَفشي روح الهزيمة النفسية أمام تقدُّم أوروبا حتى أصبح تقليدها والسير على نَهْجها أمرًا محمودًا، وزيادة الأثر اليهودي، ولا سيما يهود الدونمة الذين قضوا في النهاية على الخلافة.١٢٤ ومن ألفَتِ العبارات التي تصف سياسةَ عبد الحميد الثاني للانتباه قولُه: «وكان كلَّما شعر بأن إحدى الدول الأوروبية تُريد الضغط على العثمانيين وتسعى للإنهاء على الدولة يَلين لها، ويُظهر التقرب لها بتعيين الصدر الأعظم من الذين يُوالونها.»١٢٥ ويختم محمود شاكر حديثه عن فترة حُكم عبد الحميد الثاني ختامًا موضوعيًّا دون تهويل أو تعظيم قائلًا:
استمرَّ حكم السلطان عبد الحميد أكثر من ثلاث وثلاثين سنة قدَّم خلالها عددًا من الخدمات؛ إذ حفظ الدولة من الانهيار بعد الحرب مع روسيا، وقمع تمرد كريت، وانتصر على اليونان، ودرب الجيش على أساليب القتال الحديثة على أيدي مُدرِّبين من ألمانيا. وفتحَ المدارس، ودور المعلِّمين، والجامعة بكلياتها كافةً، ودار العلوم السياسية، والفنون النسوية، والمتاحف، والمكتبات، ومدرسة الطب، ومُستشفى الأطفال، ودار العجزة، ومركز البريد، ومدَّ أنابيب مياه الشرب، ودار النفوس العامة، والغرف الزراعية والصناعية والتجارية، ومَعملًا للخزف، ومد الخط الحديدي الحجازي من دمشق إلى المدينة المنورة، وكان طوله ١٣٢٧ كم، واستغرق العمل فيه سبع سنوات.١٢٦
وأما المنظور الثاني الأصولي الذي يُحوِّل شخصية عبد الحميد الثاني إلى رمزٍ إسلاميٍّ مثالي تاريخي فيُمثِّله كاتب التاريخ الليبي الدكتور علي محمد الصلابي (١٩٦٣م–…).١٢٧ ففي سلسلته — صفحات من التاريخ الإسلامي (٦) — يضع الصلابي مجلدًا كبيرًا مُستقلًّا تحت عنوان الدولة العثمانية: عوامل النهوض وأسباب السقوط، صدرت طبعته الأولى في القاهرة عام ٢٠٠١م عن دار التوزيع والنشر الإسلامية. ويقول في الإهداء: «إلى العلماء العاملين، والدعاة المخلصين، وطلاب العلم المجتهدين، وأبناء الأمة الغيورين: أهدي هذا الكتاب …» ومن ضمن أهدافه فيه الحديث عن:
شخصيات تركية صهَرها القرآن الكريم وساهمت في بناء الحضارة الإسلامية، ونصرت مذهب أهل السنة […] ويبين صفاتهم والمنهج الذي ساروا عليه، وكيف تعاملوا مع سنن الله في بناء الدولة كسنَّة التدرج، وسنة الأخذ بالأسباب، وسنة تغيير النفوس، وسنة التدافع، وسنة الابتلاء […] وأن للتمكين صفات، لا بدَّ من توافرها في القادة، والأمة، وبفقدها يفقد التمكين […] ويتحدَّث هذا البحث عن سلبيات الخلافة، والتي كان لها الأثر في إضعاف الحكم، كإهمال اللغة العربية التي هي لغة القرآن الكريم والحديث الشريف في آخر عهدها، وعدم الوعي الإسلامي الصحيح، وانحرافها عن شرع الله تعالى وتأثُّرها بالدعوات التغريبية […] ويتحدث عن الجهود العظيمة التي قام بها السلطان عبد الحميد خدمةً للإسلام، ودفاعًا عن دولته، وتوحيدًا لجهود الأمة تحت رايته، وكيف ظهرت فكرة الجامعة الإسلامية في معترك السياسة الدولية في زمن السلطان عبد الحميد.١٢٨
ثم ينوه المؤلف إلى أنه بعد انتهائه من تأريخه، سيمتد بالسرد التاريخي إلى الحديث عن بشائر الإسلام في تركيا الحالية، «ويُشير إلى الجهود العظيمة التي قامت بها الحركة الإسلامية في تركيا بفَصائلها المتعدِّدة وتترك القارئ المسلم ينظر بنور الإيمان إلى مستقبل الإسلام في تركيا والعالم أجمع.»١٢٩
على أن أهم أهداف الكاتب الأحد عشر التي ساقها هي «إثراء المكتبة الإسلامية التاريخية بالأبحاث المُنبثقة عن عقيدة صحيحة وتصوُّر سليم بعيدًا عن سموم المُستشرقين، وأفكار العلمانيين الذين يسعون لقلب الحقائق التاريخية من أجل خدمة أهدافهم.»١٣٠ واللافت للنظر في هذا الكتاب الذي يتكوَّن من ستة فصول طويلة أن فصله الأخير يأتي تحت عنوان «عصر السلطان عبد الحميد» جاعلًا من فترة حكم عبد الحميد عصرًا مُستقلًّا بذاته، وذلك على خلاف المؤرخ السوري محمود شاكر الذي جعل عبد الحميد آخر تسعة خلفاء في عصر أسماه «عصر الانحطاط والتراجع»، يمتدُّ من عام ١١٧١ﻫ حتى ١٣٢٨ﻫ.
وإذن، يتضح المنظور الأصولي المتأسلِم الذي يتحرَّك منه علي محمد الصلابي في تأريخه الدولة العثمانية والسلطان عبد الحميد الثاني. ولأهمية ما أسماه المؤلِّف «عصر عبد الحميد الثاني»، رأى لاحقًا أن يقتطعه من المجلد ويخصه بنشرة مستقلَّة في كتاب منفصل تحت عنوان السلطان عبد الحميد الثاني وفكرة الجامعة الإسلامية وأسباب زوال الخلافة الإسلامية، صدر لاحقًا عن المكتبة العصرية ببيروت دون سنة إصدار. ومن الجلي أن العنوان بهذه الصياغة الجديدة، يترك وراءه أكثر من ثلاثمائة عام — منذ بدء ضعف الدولة العثمانية عندما سيطرت العقلية العسكرية سيطرة كاملة مع تولي السلطان سليم الثاني الحكم عام ٩٧٤ﻫ، وصولًا إلى عصر الانحطاط والتراجع — هيأت وعملت تدريجيًّا على انهيار الدولة وزوالها.
وهكذا، تُؤدِّي سيطرة المنظور الأصولي المُتأسلِم، بكل مساراته الأيديولوجية إلى إضعاف المنهجية العلمية في النظر إلى أحداث التاريخ. وبهذه الطريقة المنهجية الضعيفة، ينطلق علي محمد الصلابي في تمثيله التاريخي لشخصية عبد الحميد بوصفه ضحية مؤامرات كبرى، بذل مجهودات عظيمة من أجل التصدي لها. فنجد مثلًا أن عبد الحميد قد نجح في إبطال مخططات الأعداء ومؤامراتهم،١٣١ وغير ذلك من أحكام وأقوال مرسلة تستهدف تعظيم شخصية عبد الحميد وتمثيلها التاريخي، حتى يكون رمزًا استعاديًّا ومُلهمًا للحركات المُتأسلِمة المعاصرة.

خامسًا: الحامل السياسي لأيديولوجيا التحرر: جمعية الاتحاد والترقي

اتَّضح حتى الآن مدى فائدة إجراء «القراءة بالتوازي» الذي اتبعتُه في تحليلي تمثيلات شخصية عبد الحميد الثاني، سواء على مستوى السرد الأدبي كما تقدمه رواية الانقلاب العثماني، أو على مستوى السرد التاريخي الذي كان من أبرز الأمثلة عليه مذكرات عبد الحميد الثاني التي كتبها بنفسه، وكتاب المؤرخ السوري محمود شاكر عن العهد العثماني ضمن موسوعته الكبرى التاريخ الإسلامي، وأخيرًا كتابا المؤرخ الليبي المتأسلم علي محمد الصلابي الدولة العثمانية: عوامل النهوض وأسباب السقوط والسلطان عبد الحميد الثاني وفكرة الجامعة الإسلامية وأسباب زوال الخلافة العثمانية. وكان الغرض من توظيفي إجراء «القراءة بالتوازي» بيان اختلاف تمثيلات شخصية عبد الحميد الثاني، رغم صدورها عن سياق اجتماعي وثقافي وسياسي مشترك، ومحاولة الوقوف على ملامح التحيُّز الأيديولوجي في كل تمثيل منها لشخصية عبد الحميد الثاني.
وفي هذا القسم، أُواصلُ تفعيل إجراء «القراءة بالتوازي» فيما يخص تمثيلات جمعية الاتحاد والترقي، أولًا في رواية الانقلاب العثماني، ثم في السرود التاريخية التي تناولت الحديث عنها وقدمت تمثيلات تاريخية لها.

(١) جمعية الاتحاد والترقِّي في تمثيلها الروائي

تبدو جمعية الاتحاد والترقي بكل أعضائها المذكورين أو المشخَّصين في رواية الانقلاب العثماني رمزًا للتحرُّر ووسيلة للانقلاب السياسي على نظام الحُكْم الطغياني والاستبدادي الذي يمثله عبد الحميد الثاني. ومن ثم، يمكن اعتبار «جمعية الاتحاد والترقي» حاملًا سياسيًّا لأيديولوجيا التحرُّر النهْضوي في رواية الانقلاب العثماني، كذلك يمكن النظر إلى أعضائها المنتمين إليها بوصفهم ممثلي الطليعة الثورية على المستوى الاجتماعي والثقافي والسياسي. وعلى سبيل المثال، تُعدُّ شخصية شيرين، المتخيلة روائيًّا، مثالًا طليعيًّا ثوريًّا من حيث مناهضتها النظام الأبوي الرجعي بوجهيه الأسري والسياسي.١٣٢ كذلك أيضًا، تُعدُّ شخصية رامز مثالًا طليعيًّا ثوريًّا في نضاله السياسي ضد الطغيان والاستبداد.١٣٣ وكلتا الشخصيتَين تنتميان إلى جمعية الاتحاد والترقِّي، غير أنهما مُخترَعتان أدبيًّا، ولذا فلن يُعَولَ عليهما في هذا القسم.
ولكن ثمة شخصية تاريخية لا تظهر بنفسها، إطلاقًا، على امتداد العمَلية السردية في رواية الانقلاب العثماني، والسبب البسيط في عدم ظهورها أنها قُتِلَتْ — فيما يزعم راوي الانقلاب العثماني — على يد أعوان عبد الحميد الثاني، قبل بدء أحداث الرواية. ومع ذلك، يُحرك طيفُ هذا المقتول تحريكًا قويًّا جمعيةَ الاتحاد والترقي في سلانيك بكلِّ أعضائها، بل يُعيد هَيْكلتَها على نحو يُغير عقيدتَها النضالية من النضال السِّلمي ونشر الوعي السياسي بالكلمة، إلى النضال بالسلاح وتنظيم خلايا عسكرية سرية تقوم بعمليات اغتيال لأعوان عبد الحميد الثاني. هذه الشخصية — أو على الأصح طيف الميت — هي مدحت باشا، الذي يُعد الأب الروحي لجمعية الاتحاد والترقِّي في سلانيك. يقول رئيس جلسة سرية لأحد اجتماعات الاتحاد والترقِّي: «إن عبد الحميد قتل مدحت باشا، ولكنه لم يَقتُل رُوحه وتعاليمه … ووجودنا في هذا الاجتماع وسعينا في سبيل الدستور إنما هو نسمة من تلك الروح الطاهرة» (الرواية، ص٢٤٥).

العائد من الموت عبر الوصية، مدحت باشا

ثمة تمثيلات أدبية لشخصية مدحت باشا — أو على الأصح طيف الميت — في رواية الانقلاب العثماني تُضفي عليه هالةً مقدسةً. وفي حقيقة الأمر، يُقدم راوي الانقلاب العثماني طيفَ الميت على نحو غامض، بل مبهم، بما يُثير في نفس القارئ نوعًا من الشغف والتساؤل. وذلك في أول حوار يَجري بين شيرين ورامز أثناء لقائهما في حديقة البلدية، حيث يُخبر رامز شيرين بدهشة عبد الحميد وجهازه الاستخباراتي من ظهور جمعية الاتحاد والترقِّي في سلانيك، وتدبيرهم البحث عن زعمائها للفتك بهم (انظر الرواية، ص١٣). فتَتفاجَأُ شيرين مما يقوله رامز لها وتسأله عن مصدر أخباره، فيردُّ عليها بأن للجمعية جاسوسًا في قصر يلدز حيث يُقيم السلطان عبد الحميد، أبلغهم بمدى الرعب الذي وقع فيه عبد الحميد حين علم بانضمام ضباط الجيش إلى هذه «الجمعية المقدسة»، فقرر التنكيل بهم واستقدم ناظم بك إليه ورَفَعَ رتبته وراتبه، وأمره بالبحث عن رئيس الجمعية في سلانيك وأعضائها العاملين (انظر الرواية، ص١٣). ويتضح، هنا، أن جمعية الاتحاد والترقي بدأت تنتهج خطة جديدة بمحاولتها ضم ضباط الجيش الثالث العثماني في سلانيك، وإزاء هذا التغيير الهيكلي والتنظيمي تقول شيرين لرامز ظنًّا منها أن «سعيد» والد رامز وراء هذا التغيير: «لله دَر أبيك … إذ لولاه لم تَعْمَد الجمعيةُ إلى هذه الخطة»، فيرد عليها رامز مُصححًا: «بل لله دَر ذلك الثاوي في الطائف المقتول ظلمًا وعدوانًا … إنها وصيته قبل موته أودعها أُذنَ والدي فحملها إلى الأحرار، ولكن آه … أين أنت يا أبي؟ وأين باقي الوصية لعلَّها تنفعنا اليوم» (الرواية، ص١٤). ولا يعرف القارئ ما المقصود ﺑ «ذلك الثاوي …».
ولكنَّنا نفهم من تدافع الأحداث الروائية لاحقًا أن سعيد بك، والد رامز، كان أسيرًا في أحد سجون الطائف، بصحبة مدحت باشا، وأن مدحت باشا — «ذلك الثاوي في الطائف المقتول ظلمًا وعدوانًا» — أبلغه شفويًّا قبل قتله بضرورة أن يسلك الأحرار العثمانيون خطة جديدة فيضمون ضباطَ الجيش إليهم حتى يحوزوا قوة تنظيمية وعسكرية، وأخبره بوجود وصية كتبها وخبأها في قصر مالطة بيلدز قبل نقله إلى الطائف، يشرح فيها خطته الجديدة للأحرار العثمانيين لكي يَسترشدُوا بها بعد موته.١٣٤ ولما أفرج السلطانُ — في أحداث لاحقة سبق تحليلها — عن رامز ووالده سعيد بك، قررَ سعيد بك البقاء ليلة أخرى (انظر الرواية، ص٢٢٤–٢٢٥)، وهو يُبيِّتُ نيةَ التفتيش عن الوصية والعودة بها إلى رجال الاتحاد والترقي.١٣٥

وثمة تمثيلان متناقضان لشخصية مدحت باشا، أو على الأصح طيفه الميت. التمثيل الأول لطَيْفه العائد من الموت، يأتي عبر لوحة زيتية معلَّقة في الدهليز المؤدي إلى غرفة نوم السلطان عبد الحميد، يردُ في الفصل رقم ٢٨ وعنوانه «مناجاة!» (الرواية، ص١١٦–١١٩)، وعلى وجه التحديد في الصفحتين ١١٨ و١١٩، وقد أهداها للسلطان أحد الرسامين المتملِّقين بعد موت مدحت باشا وانتصار السلطان عليه وعلى أعوانه ثم انفراده بالحكم. وأما التمثيل الثاني لطَيْفه العائد من الموت فيأتي عبر وصيته المكتوبة.

تُصور اللوحة الزيتية مدحت باشا وأعوانه من المطالبين بالدستور والحكم النيابي، على هيئة عشر رجال يرتدون ملابس سوداء تجعلُهم أقرب إلى الرهبان اليسوعيين، وفي أيديهم آلات موسيقية يَلعبون عليها وهم يتمايَلُون بتأثير الخمر، وحولهم عشر نساء عاريات في أوضاع جنسية مُثيرة. ومع أن المقصود من هذا التصوير تحقير دعوى مدحت ورجاله المطالبين بالدستور، وبيان أنهم يتظاهَرُون بطلب الحرية والدستور، وهم في الحقيقة يريدون الخروج عن الآداب الدينية والاقتداء بالنصارى في خلاعتهم وفجورهم (انظر الرواية، ص١١٨–١١٩)، وهو ما يُهوِّن من شأنهم وشأن دعواهم في نظر السلطان عبد الحميد، فإن السلطان كلما وقع نظره على هذه اللوحة يغتاظ وتنتابه حالة جنون فيأخذ في مخاطبة صورة مدحت الزيتية وكأنه حي أمامه قائلًا:

مدحت … تطلب الدستور … ما هو الدستور … أردتَ أن تقيد إرادتي ليُسْمَع في الدولة صوتٌ غير صوتي … لا … لا ينبغي أن يُسْمَع غير هذا الصوت. هكذا كان عمي وأبي وهكذا ينبغي أن أكون أنا … غَركَ ما تَمكنت منه أنت وأعوانك حتى خلعتم عمي رغبةً في الدستور … الدستور … ما الدستور … أنا الدستور وإرادتي هي الشريعة وقد نِلْتَ جزاء غرورك. مت واشبع موتًا … آه لو أستطيع أن أُميتكَ ثانيةً. وهكذا سأفعل بمن يقولُون قولك ويسعون سعيك … سأسحقُهم سحقًا وأقتلهم قتلًا (الرواية، ص١١٩).

وهذه المخاطبة المعبِّرة عن حالة من الهذيان في الحديث إلى الموتى إنما تؤكد قوة أثر مدحت باشا حتى وهو ميت، الأمر الذي يتَّضح من طيفه العائد من الموت عبر الوصية وضوحًا جليًّا.

ويخصص جُرْجي زيدان الفصل رقم ٦٢، وعنوانه «وصية مدحت» (الرواية، ص٢٤٨–٢٥٣)، لمشهد تلاوة الوصية على أعضاء جمعية الاتحاد والترقِّي المؤتمرين في اجتماع سري. وقد جاءت الوصية في مقدمة قصيرة وسبع فقرات قصيرة، وتَقطعت تلاوتُها بسبب تدخُّل المُؤتمِرين بالتعليق والاستحسان لكل ما وَرَدَ فيها. وتأتي وصية مدحت باشا متتابعةً على النحو الآتي:

الدستور اطلبوه بالسيف. سأذهب ضحية طلب الحرية، ولكنَّني فرد لا تذهب بذهابه تلك الروح التي أخذت تدبُّ في نفوس العثمانيين … روح الحرية سرت في نفوس الشبيبة العثمانية، ولا بد أن تزداد سريانًا كل يوم بطبيعة العمران … فموت واحد من الأحرار، أو عشرة، أو مائة، لا يمكن أن يقف في سبيلها. ولذلك فأنا أكتب هذه السطور أخاطب بها تلك الروح الممثلة في الشبيبة العثمانية … اثبتوا في طلب الحق فإنكم ستنالونه. لا بدَّ من نَيْل الدستور، لأنه حق، وإن طال الأمد على ضياعه … لا بد من تغلبه، ولكنني أرشدكم إلى أمور عرفتُها بالاختبار الشخصي، ولو عرفتها قبل الآن لم تصل أيدي الظالمين إليَّ، ولا أفلتَ الدستورُ من يدي، ولكني وثقت وأرفقت فذهب سعيي بين الرِّفق والثِّقة، فاحذروا من ذلك … وهذه وصيتي بالاختصار، فإن الوقت لا يساعدني على التطويل، وأنا مطلوب للوقوف أمام تلك المحكمة الظالمة، ولا ألبث أن يُحكَمَ عليَّ بالقتل أو النفي فأكتب مختصرًا:
  • (١)

    علِّموا الأمة … رَقُّوا العامة، إن الجهل سبب كل عِلة. ولا أعني التعليم المدرسي كدروس الصرف، والنحو، والحساب، ولا الطب، ولا الهندسة، أو القضاء. وإنما أعني تربية الشبان وتدريبهم على الحرية الشخصية، واستقلال الفكر، وبثِّ روح الوطن في نفوسهم حتى يدركوا ما هو، وهذا يقتضي تعليم المرأة فإنها روح الأمة، فإذا ارتقت وتثقَّفت نشأ أبناؤها على مثالها أهلًا للحرية، ولو لم يتعلَّموا … فإن القصد التربية، وهذه لا تَثبُت إلا إذا غُرست في الصغر. فأُولى وصاياي ترقية الشعب وتدريبه على رُوح الحرية. ولو كان لهذه الأمة التعِسَة شيء من ذلك الآن لما رضيَتْ بحلِّ مجلس (المبعوثان) وقتل الدستور وأنصاره وهي نائمة لا تَرفع صوتًا ولا تُجرد سيفًا.

  • (٢)

    احذروا الشِّقاق بين العناصر والأديان. إن الدستور العثماني يحتاج إلى هذه الوصية أكثر من سائر الوصايا؛ وذلك لاختلاف العناصر والمذاهب في بلادنا. دعوا التعصب الجنسي أو المذهبي واتحدوا في العثمانية: لا تذكروا الإسلام والنصرانية واليهودية، ولا التركي والعربي والرومي والبلغاري والألباني، غُضُّوا الطرفَ عن هذه الاختلافات؛ لأنها أكبر سلاح يحاربكم به أعداء الحرية الظالمون. هم يُفرقون بين العناصر والمذاهب ليستتبَّ الأمر لاستبدادهم ويأمنوا اجتماع الأيدي على مقاومتهم. كلكم مظلوم وكلكم مَوتور، إن الظلم لا يخص طائفةً دون أخرى ولا مذهبًا دون آخر، فاتحدوا.

  • (٣)

    اجعلوا مُعَوَّلَكم في الدفاع على الجندية. ألِّفُوا الجمعيات السرية وأَدْخِلُوا الجندَ فيها. الجند هم الأمة، وبأسيافهم يُحمى الدستور وتستقر الحرية. إن لم يكن الجند معكم فسعيُكم في سبيل الحرية يذهب عبثًا. بالجند حاربنا هذا الطاغية، ولو كانت الجندية معنا لفعلنا كما نشاء. لا تُفلح أمةٌ في طلب حق من حكومتها إن لم يكن الجند نصيرها، ويشترط أن يكون مُتعلِّمًا مثقفًا. عَوِّلوا على الضباط. فإن العساكر يجعلهم الجهل أتباعًا لكلِّ ناعق. أما الضابط المتعلِّم ذو الفضيلة فإنه سيف قاطع. اجعلوا مُعَوَّلَكم على الضباط المتعلمين فهم وحدهم يُدركون معنى الحرية وهم وحدهم يحمونها بأسيافهم.

  • (٤)

    وهذه وصية خاصة أحرضكم على العمل بها فقد كلَّفتْني حياتي وحياة كثيرين أمثالي من الأحرار. إنَّ الحر الصادق سريعُ التصديق كثير الوثوق، وقد يجرُّه وثوقه إلى الخطر؛ لأنَّ الناس حوله على غير ذلك، ولا سيما عبد الحميد. إذا وصلتْ وصيتي إليكم وهو حي فأُوصيكم أن لا تثقُوا بأقواله ولو أقسم فإنه كاذب. احذروا الوثوق به، فإن الوثوق جَرني إلى الموت لا تُصدِّقوه ولو أقسم وظهرت علامات الصدق في وجهه، فإن ذلك الوجه لا مثيل له من حيث التلوُّن. إن فيه شيئًا لا أعرفه في سائر الوجوه يوهمك منظره أنه صادق وما هو كذلك. له قدرة غريبة على إقناع مُخاطِبه، وقد يتظاهر بالبكاء ندمًا وأسفًا وهو ينوي غير ما يقول فاحذروه.

  • (٥)

    بقيَت وصية ربما تعجبون منها لعلمِكم بالقواعد التي تقتضيها الحرية. إن الحرية تقتضي العدل والرفق وحقن الدماء، ولكنها لا تُنال إلا بسفك الدماء … أعني الفتك بالأفراد الذين يقفُون في سبيل أغراضكم؛ لأنَّ رجلًا واحدًا شريرًا، قد يكون سببًا في فناء أمة، أو ضياع حقوقها. فإذا كان الحق لا يقضي بقتلِه، فالسياسة تقتضيه … افتكوا بالأشرار واقتلوهم. وإذا كانت الجندية معكم فليس أهون عليكم من ذلك … كل مَن تأكَّدتم سعيه ضد الحرية والدستور اقتلوه، وأنا المسئول عن ذنبكم بقتله، إنكم إذا قتلتُم شخصًا أحييتم أمة … لو أُتيح لي أن أعرف ذلك قبل الآن لكنتم رافلين الآن في بَحْبوحة الدستور، ولكن تلك سُنة الله في خلقه، يستفيد الأبناء من اختبار الآباء …

  • (٦)

    إذا أُتيح لكم الفوز بالدستور احذروا أن تُبقوا هذا الطاغية على كرسيِّ السلطنة، وإن أظهر لكم أنه تاب ورجع فإنه يُظهِر غير ما يُضمر …

  • (٧)

    لي وصية أخرى، هي آخر الوصايا تتعلَّق بتوارث الملك في الدولة العثمانية … إن طريقة التوارُث المعمول بها الآن لا تخلو من الخطر على الدولة، إذ يكون وليُّ العهد شخصًا معينًا هو أكبر أبناء السلاطين سنًّا؛ فقد يتَّفق أن يكون غير كفء لإدارة أمور الدولة، فإذا أُعلن الدستور وصارت الحكومة العثمانية دستورية أصبحت مقاليدها في أيدي النواب، فينبغي أن ينظروا في توارُث الملك … إنه عظيم الأهمية، فإنَّ لم يكن ذلك ساعة الانقلاب، فبعده عند سنوح الفرصة … والذي أراه أن يبقى حق السيادة في آل عثمان يتوارثُونها بشرط أن يكون كل بالغ من أبنائهم مرشحًا لولاية العهد، وإنما يكون للأمة أو مجلس نوابها أن يختار منهم مَن يجد فيه الكفاءة لهذا المنصب …

لستُ أنكر ما يَعترض هذه الوصية من العقبات … ولكنها لازمة …

وأخيرًا أستودعكم الله، وأنا ذاهب للموت في سبيل الدستور …

مدحت (الرواية، ص٢٤٨–٢٥٣).
تُعدُّ وصية مدحت باشا المقتول بيد أعوان السلطان — في زَعْم رواية الانقلاب العثماني — مُحركًا شديد الأهمية والخطورة في دَفْع الأحداث لاحقًا. فجمعية الاتحاد والترقي كانت قد بدأت بالفعل في ضمِّ ضباط الجيش إليها في سلانيك، ولكنها متردِّدة في تنفيذ القتل والاغتيالات، فجاءت وصية مدحت باشا — الملقَّب ﺑ «أبي الأحرار» (انظر الرواية، ص٢٥٢) — تُقوِّي عزيمتهم وتُحرضهم على القتل والاغتيال في سبيل الحرية ونَيْل الدستور، جريًا على نَهْج الجمعيات السرية في أوروبا (انظر الرواية، ص٢٥٨).١٣٦ والأهم من ذلك أن رجال الاتحاد والترقِّي كانوا في سبيلهم إلى تصديق وعود عبد الحميد الماكرة التي طلب من رامز إبلاغها لرئيس الجمعية والأعضاء في سلانيك، فكانوا على وشك الوقوع ضحية مكره وخداعه،١٣٧ وقد حسمت لهم وصية مدحت باشا الأمر بعدم تصديق عبد الحميد مهما أظهر لهم من ندمٍ وأسف وشعور بالخطأ؛ لأنه أشد مكرًا من الثعالب. وبذلك غيرَ مدحت — ذلك العائد من الموت عبر وصيته — مسارَ الأحداث في الرواية. وهكذا، يجري تمثيل مدحت باشا روائيًّا في صورة البطل المقدس المُلْهِم، والمُنقِذ في الوقت المناسب، ولو بعد موته. بل الأكثر من هذا أن جلسات أعضاء الجمعية السرية تبدأ بقول رئيس الجلسة: «تُفْتَتَحُ الجلسة باسم الله وبذكرى مدحت باشا ضحية الدستور» (الرواية، ص٢٣٨)، و«فوق مجلس الرئيس صورة مدحت باشا مُجلَّلة بالسواد» (الرواية، ص٢٣٧).

وإذا كان طيف مدحت باشا الميت فاعلًا بقوة — على نحو إيجابي — في رجال جمعية الاتحاد والترقي، سواء بصورته المرفوعة دومًا في اجتماعاتهم وإسدائهم التحية لروحه قبل بدء الاجتماع، وأخيرًا بوصيته المصيرية؛ فهو فاعل بقوة أيضًا، ولكن سلبيًّا بالطبع، في نفس السلطان عبد الحميد الثاني. ففي الدهليز المؤدي إلى غرفة نوم السلطان توجد صورة زيتية لمدحت باشا ورجاله تُمثِّلهم وهم يقلدون حركات المسيحيين ويشربون الخمر ويجالسون النساء ويفعلون كل محرم (انظر الرواية، ص١٥٣–١٥٤)، وكلَّما مر بها السلطان «يحدق فيها بعين الغدر، كأنه يرى مدحت بين يديه ويهم أن يصفعه» (الرواية، ص١٩٧). وكلما ذُكِرَ أمامه اسم مدحت باشا يقشعر بدنه (انظر الرواية، ص١٥٤).

إنَّ طيف الميت يعود باستمرار، وعودته مختلفة في كل مرة. وقد حدثت أخطر عوداته من خلال الوصية التي استجاب لها رجال الاتحاد والترقِّي استجابةً حاسمة، أدَّت في النهاية إلى خَلْع السلطان عبد الحميد الثاني عن عرشه لاحقًا، على يد رجال الاتحاد والترقِّي، عام ١٩٠٩م.

لكن لماذا يحرص راوي الانقلاب العثماني على تصوير السلطان عبد الحميد وهو يقشعرُّ بدنه، كلما ذُكِرَ أمامه اسم مدحت باشا، الميت؟ لعل السبب يكمن في أن مدحت باشا يُمثل الجناح المتطرِّف للنهضة في مستواها السياسي. إذ اعتقد مدحت باشا أن الدستور هو الضامن الوحيد للجمع بين الأعراق والمذاهب الدينية المختلفة في الإمبراطورية العثمانية، على مبدأ حي يَضمن العدالة والمساواة بينها جميعًا؛ «ولكن إذ تعذَّر على الدستور العثماني، لكونه جديدًا، أن ينعم بما للدساتير الأوروبية القديمة من متانة وسلطة، تَوَجَّبَ على أوروبا الليبرالية أن تُعَوضَ هي عن ذلك النقص بإشرافها الفعال على تطبيقه. تلك كانت كلمات مدحت باشا.»١٣٨ ومن وجهة نظر عبد الحميد، ينطوي تصور مدحت باشا على مخاطر عديدة، منها: تقييد سُلطته، وإضفاء المشروعية على تدخل الدول الأوروبية في شئون الإمبراطورية العثمانية، تحت زَعْم الإصلاح والنهضة السياسية.

بناء جمعية «الاتحاد والترقي» وهيكلها التنظيمي وعلاقاتها

يُعد مدحت باشا — كما بيَّن التحليل توًّا — ركيزةً روحية جوهرية لجمعية «الاتحاد والترقي» في مراحلها كافةً، ولا سيما في مرحلتها الجديدة التي بدأت تُعول فيها على اتباع أسلوب القتل والاغتيال السياسي طلبًا للدستور وتخلصًا من الطغيان والاستبداد السياسي المستحكم.

وتنطوي رواية الانقلاب العثماني على تمثيل أدبي لجمعية «الاتحاد والترقي» وبعض أعضائها كما سلفَتِ الإشارة؛ وهناك إشارات تاريخية في الرواية إلى أنَّ جمعية الاتحاد والترقي كانت ضعيفة في باريس، ولكن الذي نشطها هو الداماد محمود باشا وأولاده — صهر السلطان — بعد هروبه من إستانبول، عقب خلافه مع السلطان حول إسناد مشروع تنفيذ خط السكة الحديد إلى إنجلترا (انظر الرواية، ص١١٠).

ويُخصِّص جُرْجي زيدان، أو راويه النائب عنه في السرد الروائي، الفصل رقم ٥٨ وعنوانه «جمعية الاتحاد والترقي» (ص٢٣٣–٢٣٧) للحديث عن بنائها وهيكلها التنظيمي وطريقة عملها وأسلوب الوصول إلى مكان اجتماعاتها السرية. فيذهب إلى أنها مؤلَّفة من عدد محدود، حوالي ١٢ عضوًا يمثلون «لجنة الإدارة المركزية»، ويختارون منهم رئيسًا يُسمونه «المُرَخص» تحاشيًا لأي تراتب هَرَمي سلطوي. ويَعرف هؤلاء الأعضاءُ بعضهم بعضًا معرفة وثيقة، «ويجتمعون غير متنكِّرين للبحث في أعمال الجمعية وإصدار الأوامر إلى الفروع» (الرواية، ص٢٣٣). وأما الأفراد الذين ينضمون حديثًا إلى الجمعية فينبغي ألا يَعرفوا أعضاء لجنة الإدارة المركزية بل يَعرف الفردُ المستجد الشخصَ الذي أدخله إلى العضوية. ويكون دخوله فيها مُتدرجًا؛ إذ تجري مخاطبة لجنة الإدارة المركزية أولًا بشأن انضمامه، وإذا وافقت اللجنة أعطته رقمًا كوديًّا يُعرف به في سجلاتها. وأما طريقة حَلْفه اليمين فهي طقس غريب يُشبه طقوس القبول التي تسلكها التنظيمات السرية حول العالم. إذ يحضر في جلسة سرية، يتواجد فيها أعضاء لجنة الإدارة المركزية متنكرين، وبينهم وبينه طاولة عليها إنجيل وقرآن ومسدس، يقسم عليها اليمين. «وهذا العضو الجديد إذا رأى صديقًا له استحسن ضمه إلى الجمعية قدم طلبه على يد العضو الذي قدَّمه قبلًا، وإذا قُبِلَ يأتي الطالب الجديد للجلسة السرية ويقسم اليمين ويخرج، وهو لا يعرف سوى صديقه الذي أدخله. وأما هذا فصار يعرف اثنين: واحدًا أمامه، والآخر وراءه. وإذا أَدْخَل اثنين أو ثلاثة أو أربعة، فإنه يعرفهم وهم يعرفونه» (الرواية، ص٢٣٤).

وتسري هذه العلاقة على المستوى الهيكلي الأكبر في علاقة اللجنة المركزية لإدارة الجمعية بفروعها في البلدان المختلفة، فهي شُعَبٌ في المدن الكبرى.

وللشعبة فروع يُقال لها قولات (مفردها قول)، وكل شعبة أو قول مُؤلف من لجنة إدارية لها رئيس وأعضاء، مثل الجمعية المركزية. ومؤسسو الشعَب أصلهم من الجمعية المركزية؛ وذلك أن أحد هؤلاء الأعضاء إذا رأى في نفسه الكفاءة لإنشاء شُعْبة في بلدٍ من البلاد عَرَضَ مشروعه على اللجنة، فتُخول له إنشاءها … فينتقل إلى ذلك البلد ويجتمع بأُناس يثق في حريتهم وصدقهم، ويؤلف معهم لجنة يخبرهم أنها فرع للجمعية المركزية، ولكنه لا يصرح لهم بأسماء أعضائها. ومتى تَألفت الشعْبة تعمل على ضم الأعضاء بالطريقة التي نظمتها الجمعية المركزية … وهذه اللجنة لا تعرف من أعضاء الجمعية المركزية إلا الذي أسس الشعْبة. وهكذا يقال في إنشاء الفروع الصغرى (القولات)، فإن أحد أعضاء لجنة من لجان الشُّعَب يأخذ على عاتقه إنشاء فرع للشعْبة، ويخرج للقرية، ويؤلف لجنة من أهل ثقته لا يعرفون من أعضاء الشعْبة سواه … وقِسْ على ذلك (الرواية، ص٢٣٤–٢٣٥).

وتتبع لجنة الإدارة المركزية في اجتماعاتها أسلوبًا معقَّدًا للوصول إلى مكان الاجتماع، وهو ما نراه فيما يسردُه الراوي من طريقة وصول رامز — وهو عضو في لجنة الإدارة المركزية — إلى مكان الاجتماع، الذي يمر عبر منزلٍ صاحِبُه أجنبي، بكلمة سر، وجواسيس السلطان لا يتجاسَرُون على اقتحام منزل أحد رعايا دولة أجنبية، ولهذا المنزل باب سري يفضي إلى شارع ضيق آخر. وتتغير طريقة الوصول إلى مقر الاجتماع في كل مرة (انظر الرواية، ص٢٣٦). ويُشير المؤلف في هامش أسفل الصفحة ٢٣٦ إلى أن مصدرَه في ذلك مذكرات نيازي بك، أحد ضباط الجيش العثماني الثالث في سلانيك، وهو شخصية حقيقية، وهو في الرواية أحد أصدقاء رامز. ويتضح للقارئ أن غرفة الاجتماع هي إحدى غرف محفل ماسوني في تلك الليلة (انظر الرواية، ص٢٣٦). وفي ذلك إشارة عابرة إلى وجود علاقة بين جمعية «الاتحاد والترقي» والماسونية.

كذلك ثمة علاقة واتصالات قوية بين جمعية «الاتحاد والترقي» والدول الأوروبية، فهم يشتكون لأوروبا مما يعانونه من ظلمٍ واضطهاد (انظر الرواية، ص١٥٣). بل إن رئيس جواسيس السلطان تَمكن من العثور على عريضة باللغة الفرنسية رفعها أعضاء جمعية «الاتحاد والترقي» إلى وكلاء الدول الأوروبية، يَشرحُون فيها أن طغيان عبد الحميد واستبداده يشمل كل العناصر العِرْقية والمذاهب الدينية على اختلافها، ويطلبون مساعدتها في التخلُّص منه (انظر الرواية، ص١٥٠–١٥١).

وأخيرًا، يُمكن القول إن تمثيلات جمعية «الاتحاد والترقي»، أدبيًّا، في رواية الانقلاب العثماني، تُؤكِّد طوال الوقت علاقة التناقض الحادة بينها وبين عبد الحميد الثاني وأعوانه.

(٢) جمعية الاتحاد والترقِّي في تمثيلها التاريخي

تُؤكد تمثيلاتُ جمعية «الاتحاد والترقي» في السرد التاريخي، علاقةَ التناقُض الحادة التي أبرزتها رواية الانقلاب العثماني بين السلطان عبد الحميد الثاني من جهة، والأحرار العثمانيين الذين تمثلهم جمعية الاتحاد والترقِّي من جهة أخرى. بل تُبين التمثيلات التاريخية لها سببَ ذلك التناقُض الحاد. إذ يُشير السرد التاريخي إلى أن جمعية الاتحاد والترقِّي لم تكن لتنشأ لولا الإرهاص بفكرة القومية التي بدأ الحديث عنها في كتاباتٍ — منتصف القرن التاسع عشر — تُروج لمقولة أن أساس اجتماع الأفراد في شعب من الشعوب هو عِرْقُهم ولغتهم وتاريخهم المشترك. وفيما يخصُّ التعصب القومي التركي، فقد أرهصت به حركة تُسمَّى «الطورانية»؛ و«هي اللفظة التي أطلقها الغربيون على الأقوام التركية التي تقطن المنطقة الممتدَّة من البحر المتوسط حتى منغوليا، والتي تربط بينهم رابطة الدم واللغة والتاريخ المشترك، ولم يميز الأتراكُ أنفسَهم عن باقي القوميات المتآلِفة في الدولة العثمانية قبل النصف الثاني من القرن التاسع عشر.»١٣٩
في هذا السياق، يُشار إلى أن الدولة العثمانية — حين بدأت مرحلة إصلاحات سياسية وإدارية، مع السلطان عبد المجيد (والد السلطان عبد الحميد الثاني) الذي تولَّى السلطنة عام ١٨٣٩م — بدأت «تستلهم الروح الغربية في الحياة وتستلهم الفكر الغربي في التقنين وإقامة المؤسسات.»١٤٠ وهو العهد الذي عُرِفَ ﺑ «عهد التنظيمات». فصارت الدولة «مسرحًا للأفكار الغربية التي تُعد المحرك الرئيسي لبداية ظهور الفكر القومي التركي.»١٤١ فبدأ يتسرَّب الإحساس بعلاقة تناقض حادة بين الدولة العثمانية بوصفها رمزًا للوحدة على أساس ديني، وبين القومية بوصفها رمزًا للوحدة على أساس عِرْقي وتاريخي ولغوي.
ويُرْوَى، في هذا السياق، أن يهوديًّا مجريًّا يُدْعَى أرمنيوس فامبري، تنكرَ في زي درويش تركي، وأخذ يتجول في منطقة آسيا الوسطى، وانتهَت جولته بتأليف كتاب عنوانه رحلة درويش شابٍّ في آسيا الوسطى، «دعا فيه إلى إقامة اتحاد قومي تركي يمتد من البحر الأدرياتيكي إلى حدود الصين، ورأى أن الإسلام يُنافي الوحدة الوطنية، فيقول: من العسير أن تُبْنَى الأوطان وفقًا للإسلام.»١٤٢ وكان لهذا الكتاب صدى كبير في أوساط النخْبة المثقَّفة العلمانية التي تبنَّت أفكاره، ومنهم أحمد رضا (١٨٥٨–١٩٣٠م)، الذي دخل في علاقة عداء صريح مع السلطان عبد الحميد، وكان محركًا راديكاليًّا قويًّا لتأسيس جمعية الاتحاد والترقي. وتَوالَى عن الفكر القومي عددٌ من الكتب المهمة التي تبحث في أصول الأتراك العِرْقية.١٤٣ ومن الروافد المهمَّة والقوية التي غذت الفكرَ القومي أن أدباء عهد التنظيمات تأثَّروا بمبادئ الثورة الفرنسية،١٤٤ ففتحت أعمالهم بابًا واسعًا أمام التأثير الأوروبي في الأفكار والقيم والسلوك؛ الأمر الذي ساعد على إشاعة روح معادية للدولة العثمانية بوصفِها رمزًا للاستبداد ونقيضًا للتحرر. «وكان للصحافة التركية في عهد التنظيمات دور رئيسي في الترويج إلى النزعة القومية التركية […]، وفي التعبير عن الأفكار والمفاهيم الغزيرة المستجدَّة والتحررية لدى المفكرين التي لم تكن مألوفة في الدولة مثل الأمة والثورة والجمهورية وشعارات الثورة الفرنسية […]، ولم يَنتصِف القرن التاسع عشر الميلادي حتى ظهرت صحافة منظمة أخذت على عاتقها الترويج لأفكار الثورة الفرنسية، وتدعو إلى النزعة القومية التركية.»١٤٥
في هذا السياق المتغيِّر المضطرب بالأفكار التحررية، نشأت جمعية سرية تُسمى «العثمانيون الجدد»، في بداية عهد السلطان عبد العزيز (١٨٣٠–١٨٧٦م) الذي عطل حركة التنظيمات. ومن أبرز مؤسسيها نامق كمال وعلي سُعاوي. وتتلخص أهدافها في معارضة الحكم العثماني القائم وخدمة الوطن والنهوض به، بإقامة حكم دستوري مع بقاء السلْطنة في الحكم. وعندما انكشف أمر الجمعية، فر أعضاؤها إلى أوروبا خشيةً من بطش السلطان عبد العزيز بهم.١٤٦ وبعد أن عطل السلطان عبد الحميد الثاني العمل بالدستور وحَل مجلس (المبعوثان)، تأسست جمعية سرية أخرى هي «الاتحاد والترقي» في عام ١٨٨٩م، مرتبطةً بالحركة القومية التركية، وحاكت في تنظيمها الهيكلي تنظيمَ «جمعية الكاربوناري الإيطالية التي تأسست في النصف الأول من القرن التاسع عشر الميلادي، ولعبت دورًا في الوحدة الإيطالية.»١٤٧ وبعد مرور خمس سنوات من النشاط السرِّي، أعلنت الجمعية عن أنشطتها في عام ١٨٩٤م ما إن امتلكت مطبعة حجرية، فطبعت بيانًا ووزعته في أنحاء إستانبول، تؤيد فيه ثورة الأرمن وتُناهِض استبدادَ السلطان عبد الحميد، وتَعده مسئولًا مباشرًا عن أحداث الأرمن، وتطالب بإعادة الحياة الدستورية إلى البلاد. وبسبب الملاحقات الأمنية، هرب الكثير من أعضاء الاتحاد والترقي إلى باريس، ومنهم المعارض الراديكالي أحمد رضا، الذي أصدر بالاشتراك مع خليل غانم، في باريس، جريدة «مشورت» باللغتين العربية والفرنسية، تعبيرًا عن لسان حال الجمعية. وفي عام ١٨٩٦م، استطاعت الجمعية التخطيط لانقلاب عسكري عن طريق أتباع لها في إستانبول، للإطاحة بعبد الحميد الثاني وتنصيب السلطان المخلوع مراد الخامس أو شقيقه محمد رشاد، ولكن جرى اعتقال جميع المشاركين في الانقلاب قبل تنفيذه، وتصفية أعضاء الجمعية في المدارس العسكرية والوظائف الحكومية.١٤٨
ولكن سرعان ما استعادت الجمعية نشاطها ثانيةً، بعد هروب الداماد محمود باشا (صهر السلطان) وابنَيه البرنس صباح الدين والبرنس لطف الله، إلى باريس، إثر خلافه مع السلطان عبد الحميد حول مشروع سكة حديد الحجاز، فتعاون محمود باشا مع المعارض الراديكالي أحمد رضا على تنشيط الجمعية والانخراط في حركة مقاومة ضد استبداد عبد الحميد الثاني. وعقب وفاة الداماد محمود باشا في باريس عام ١٩٠٣م، دعا ابناه إلى عقد مؤتمر يضم كل معارضي الحكم العثماني، وعلى رأسهم أعضاء جمعية الاتحاد والترقي، وكان من أبرز أهداف المؤتمر استعادة دستور ١٨٧٦م الذي ألغاه عبد الحميد الثاني.١٤٩ ونتيجةً لهذا الوعي السياسي الحاد، أسس الضابط مصطفى كمال جمعية سرية في دمشق عام ١٩٠٦م، باسم «جمعية وطن وحرية»، ضمَّ إليها بعضَ ضباط الجيش العثماني الخامس في ولاية سوريا، وصار لها فروع في يافا والقدس والكرك وغيرها من بلاد الشام، ولكن بسبب ملاحَقة جهاز استخبارات السلطان لهم، قرَّر مصطفى كمال نقل نشاط الجمعية إلى سالونيك في مقدونيا، مسقط رأسه، ولأنَّ قبضة جواسيس السلطان فيها ضعيفة. وقد سبقها إلى سالونيك جمعية أخرى اسمها «الجمعية العثمانية للحرية»، ومن مؤسسيها طلعت بك ونيازي بك وأنور بك (وهم الضباط الذين قادوا التمرُّد العسكري وتنظيم رجال العصابات في رواية الانقلاب العثماني عند اشتعال الثورة في يوليو ١٩٠٨م). وسرعان ما اندمجت الجمعيتان، واتفقتا في مطالع عام ١٩٠٧م مع جمعية الاتحاد والترقي «على توحيد جهودهما ضد السلطان عبد الحميد لخَلْعه وإعادة العمل بالدستور.»١٥٠
وفي العام نفسه وقبل أحداث الظفر بالدستور، عقدت جمعية الاتحاد والترقي مؤتمرها الثاني في باريس بهدف توحيد الجهود ضد استبداد عبد الحميد الثاني. وفي هذا المؤتمر، طرأ التحوُّل الخطير الذي مثَّلته رواية الانقلاب العثماني تمثيلًا أدبيًّا، والذي انتهج أسلوب المقاومة المسلحة والعصيان المدني وإشعال ثورة عامة إذا اقتضت الضرورة. وهو ما حدث لاحقًا، عندما تحركت وحدات الجيش العثماني الثالث في مقدونيا، بقيادة نيازي بك وأنور بك، معلنةً التمرد العسكري والمطالبة بدستور ١٨٧٦م. وبعد النجاح في استعادة الدستور، استولى أعضاء الاتحاد والترقي على الكثير من مقاعد مجلس (المبعوثان)، وتمكنوا من تحجيم دور السلطان عبد الحميد الثاني.١٥١

علاقة الاتحاد والترقي بالماسونية

تُشير معظم السرود التاريخية إلى وجود علاقة قوية بين الاتحاد والترقي والماسونية. وتتَّفق أدبيات الماسونية على ارتباطها القوي باليهود، وأن أعضاء الماسونية هم «جمهور عظيم من مذاهب مختلفة، ويعملون لغاية واحدة لا يعلمها إلا القليلون منهم»؛ ألا وهي «بناء المملكة اليهودية العالمية».١٥٢
وقد نشطت المحافل الماسونية في نواحي الدولة العثمانية، ولكن نظرًا إلى توسيعها شُقةَ الخلاف بين الأرمن والدولة العثمانية — الأمر الذي أدَّى لاحقًا إلى مذابح الأرمن — اتخذ السلطانُ عبد الحميد الثاني قرارًا بإغلاق جميع المحافل الماسونية في عام ١٨٩٤م، باستثناء محافل سالونيك التي لها ارتباطات قوية بمحافل أوروبية قوية النفوذ.١٥٣
ولأن جمعية الاتحاد والترقِّي كانت ناشطة بشكل راديكالي في سالونيك، فقد تنبَّه اليهود إليها، واتصلوا بأعضائها ووفروا لهم المال والمكان المناسبين لنشاطها، بل أدخلوا إلى عضويتها عناصر من يهود الدونمة. واحتضنتها المحافل الماسونية، ولا سيما محفل «ريزوتا» الذي أسسه عمانوئيل قرة صو، الذي كان فيما بعد عضو الوفد الرباعي الذي أبلغ السلطان عبد الحميد الثاني بقرار خَلْعه عن العرش. وقد بلغ احتضان محفل «ريزوتا» لجمعية الاتحاد والترقِّي أنْ حصل عمانوئيل قرة صو على إذن بعقد اجتماعاتها في مقر محفل «ريزوتا».١٥٤
ويشير المؤرخ السوري محمود شاكر إشارة قاطعة إلى العلاقات القوية بين الاتحاد والترقِّي والماسونية قائلًا: «ورحبت المحافل الماسونية بهذه الجمعية، وكان فرع برلين مُعتدلًا، أما التوجيه فمن مركز باريس، غير أن مركز سالونيك كان أكثر المراكز تطرُّفًا، وضم عددًا من الضباط الذين كونوا جناحًا عسكريًّا في هذه الجمعية […] وكانت اللقاءات تتم في المحافل الماسونية التي اهتمَّت اهتمامًا كبيرًا بحركة الجمعية ونشاطها.»١٥٥

•••

لقد سعيتُ في هذا الفصل إلى تحديد علاقات التناقُض الحادة التي تنطوي عليها عتبات النص والفصل الأول الاستهلالي، وهي العلاقات نفسها التي تطورت بتطور العمليات السردية على امتداد رواية الانقلاب العثماني. كما بيَّنت طبيعةَ الأساس الاجتماعي والأساس الأيديولوجي اللذَين فجَّرا علاقات التناقض الحادة بين السلطان عبد الحميد الثاني وشخصيات الرواية من أعضاء جمعية الاتحاد والترقي. وانتهيتُ من ذلك إلى الوقوف على آليات التمثيل الروائي لطرفي التناقض، السلطان عبد الحميد الثاني وجمعية الاتحاد والترقي، وتحديد الدور الكبير الذي قام به الراوي المتحكِّم تحكمًا كاملًا في العمليات السردية بوصفه نائبًا عن المؤلِّف فيها. وعبر تفعيل مفهوم القراءة بالتوازي، استكشفتُ تمثيلات عبد الحميد الثاني وجمعية الاتحاد والترقِّي في السرد الأدبي والسرد التاريخي.
١  انظر: عبد الحق بلعابد: عتبات: جيرار جينيت من النص إلى المناص، تقديم سعيد يقطين (بيروت، الجزائر: الدار العربية للعلوم ومنشورات الاختلاف، ٢٠٠٨م)، ص٢٧. ويستعمل بلعابد كلمة «مناص» ترجمةً لكلمة Paratexte، ولكني أميل إلى الترجمة الحَرْفية «النص الموازي» التي يستعملها بلعابد نفسه في شرحه المصطلح حين يقول «أيْ ذلك النص الموازي لنصه الأصلي» (ص٢٨)، أو الترجمة الأعم التي يستعملُها يقطين: عتبات النص.
٢  انظر تقديم سعيد يقطين: «عتبة إلى عتبات»، في: المرجع السابق، ص١٤.
٣  هذه العناصر استخلصتُها من استعراض بلعابد لتطور مصطلح العتبة قبل جينيت وبعده. انظر: المرجع السابق، ص٢٩–٣٥.
٤  انظر: محمد فكري الجزار: العنوان وسميوطيقا الاتصال الأدبي (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، سلسلة دراسات أدبية، ١٩٩٨م)، ص٨.
٥  المرجع السابق، ص٩.
٦  المرجع السابق، ص١٠.
٧  الفيروزابادي: القاموس المحيط، نسخة منقحة وعليها تعليقات الشيخ أبو الوفا نصر الهُوريني المصري الشافعي، راجعه واعتنى به أنس محمد الشامي وزكريا جابر أحمد (القاهرة: دار الحديث، ٢٠٠٨م)، مادة قَلَبَ ص١٣٥٣–١٣٥٤.
٨  مجمع اللغة العربية: المعجم الوسيط (القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، ط٤، ٢٠٠٤م)، مادة قَلَبَ، ص٧٥٣.
٩  صمويل هنتنجتون: النظام السياسي في مجتمعات مُتغيِّرة، تصدير فرانسيس فوكوياما، ترجمة حسام نايل (بيروت، القاهرة، تونس: دار التنوير، ٢٠١٧م)، ص٢٥١.
١٠  انظر: جُرْجي زيدان: الانقلاب العثماني (القاهرة: دار الهلال، د.ت.)، ص٦. وسأُشير لاحقًا إلى الاقتباسات من الرواية في متن الكتاب.
١١  جورج لوكاش: الرواية التاريخية، ترجمة صالح جواد الكاظم (العراق: وزارة الثقافة والإعلام، دار الشئون الثقافية العام، ط ٢، ١٩٨٦م)، ص٨.
١٢  المرجع السابق، ص١٢.
١٣  المرجع السابق نفسه.
١٤  علي بن محمد السيد الشريف الجرجاني: معجم التعريفات، تحقيق ودراسة محمد صديق المنشاوي (القاهرة: دار الفضيلة، د.ت.)، ص٢٢.
١٥  انظر: معجم المعاني الجامع: https://www.almaany.com/ar/dict/ar-ar/.
١٦  انظر: ياسين النصير: الاستهلال: فن البدايات في النص الأدبي (دمشق: دار نَيْنَوَى، ٢٠٠٩م)، ص١٥.
١٧  الفيروزابادي: القاموس المحيط، نسخة منقَّحة وعليها تعليقات الشيخ أبو الوفا نصر الهُوريني المصري الشافعي، راجعه واعتنى به أنس محمد الشامي وزكريا جابر أحمد (سبق ذكره)، مادة هَلَّ، ص١٧٠٥. ولكن كلمة «الهَلَلَ»، مُحَركةً، تعني ضمن ما تعنيه «نَسْج العنكبوت»، وهي دلالة سأُعلِّقُ عليها لاحقًا عند إيضاح العلاقة بين عتبات صفحة العنوان الثلاث والفصل الاستهلالي.
١٨  ياسين النصر: الاستهلال: فن البدايات في النص الأدبي (سبق ذكره)، ص١٥.
١٩  المرجع السابق، ص١٦.
٢٠  مصطفى طوران: أسرار الانقلاب العثماني، ترجمة كمال خوجة (القاهرة حلب بيروت: دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، ط٤، ١٩٨٥م). وصدرت الطبعة الأولى للترجمة العربية عام ١٩٧٧م عن دار النشر نفسها.
٢١  ٣١ مارت حسب التقويم الرومي لسنة ١٣٢٥، ويصادف ٢٢ ربيع الأول ١٣٢٧ﻫ–١٣/ ٤/ ١٩٠٩م. انظر: أورخان محمد علي: السلطان عبد الحميد الثاني: حياته وأحداث عهده، ص٢٥٤. ويُوردُ أورخان وقائع الحادثة تفصيليًّا حتى وصول وفد مجلس المبعوثان والأعيان إلى قصر يلدز يوم الثلاثاء ٦ ربيع الأول ١٣٢٧ﻫ–٢٧ أبريل ١٩٠٩م، لإبلاغ السلطان بقرار خَلْعه، انظر ص٢٥٤–٢٦٧. والكتاب على هذا الرابط: https://archive.org/details/hamlaenglish_gmail_20180324_0727/page/n1/mode/2up.
وانظر أيضًا: علي محمد الصلابي: الدولة العثمانية: عوامل النهوض وأسباب السقوط (القاهرة: دار التوزيع والنشر الإسلامية، ٢٠٠١م)، ص٤٥٨.
٢٢  مصطفى طوران: أسرار الانقلاب العثماني، ترجمة كمال خوجة (سبق ذكره)، ص١١.
٢٣  المرجع السابق، ص٩.
٢٤  المرجع السابق، ص١٢–١٣. وتشير هدى درويش إلى أن علاقة اليهود بالدولة العثمانية ترجع إلى القرن الرابع عشر وقت ظهور الدولة العثمانية التي رحبت باليهود الفارين إليها من الاضطهاد الأوروبي المسيحي، وبخاصة في إسبانيا التي طردتهم بمرسوم من الملك فرديناند والملكة إيزابيلا؛ ففرُّوا إلى الدولة العثمانية حيث وجدوا أمنًا وأمانًا لم يعهدوه في الدول الأوروبية. انظر: هدى درويش: حقيقة يهود الدونمة في تركيا: وثائق جديدة (القاهرة: عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، ٢٠٠٣م)، ص٥.
٢٥  انظر: مصطفى طوران: أسرار الانقلاب العثماني (سبق ذكره)، ص١٤.
٢٦  المرجع السابق، ص١٣.
٢٧  انظر: المرجع السابق، ص١٤.
٢٨  هدى درويش: حقيقة يهود الدونمة في تركيا: وثائق جديدة (سبق ذكره)، ص٦.
٢٩  انظر: المرجع السابق، ص٥.
٣٠  انظر: المرجع السابق، ص٢٤. وانظر أيضًا بخصوص يهود الدونمة وانضمام بعضهم إلى جمعية الاتحاد والترقِّي وإلى الجيش العثماني نفسه: محمود شاكر (المؤرخ السوري): التاريخ الإسلامي، الجزء ٨ العهد العثماني (بيروت دمشق عمان: المكتب الإسلامي، ط٤، ٢٠٠٠م)، ص٢٠١–٢٠٢.
٣١  انظر: الفيروزابادي: القاموس المحيط (سبق ذكره)، مادة هَلَّ، ص١٧٠٥.
٣٢  جيردا ليرنر: نشأة النظام الأبوي، ترجمة أسامة إسبر (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، ٢٠١٣م)، ص٤١٣.
٣٣  انظر: المرجع السابق، ص٤١٣. وانظر أيضًا، سمير الخليل: دليل مُصطلحات الدراسات الثقافية والنقد الثقافي: إضاءة توثيقية للمفاهيم الثقافية المتداولة، مراجعة وتعليق سمير الشيخ (بيروت: دار الكتب العلمية، د.ت.)، ص٥٦–٥٩.
٣٤  سارة جامبل (تحرير): النسوية وما بعد النسوية: دراسات ومعجم نقدي، ترجمة أحمد الشامي، مراجعة هدى الصدة (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، المشروع القومي للمرأة، ٢٠٠٢م)، ص٣٣٢.
٣٥  المرجع السابق، ص٣٣٢. وبخصوص المزيد من التفاصيل عن الأسرة بوصفها موطن قمع المرأة ومحل نشأة الأبوية، انظر مقال كيت ميليت: «نظرية السياسات الجنسية»، ضمن كتاب النسوية والجنسانية، تحرير وتقديم هالة كمال وآية سامي (القاهرة: مؤسسة المرأة والذاكرة، ٢٠١٦م)، ص٣٣–٣٦.
٣٦  سارة جامبل (تحرير): النسوية وما بعد النسوية: دراسات ومعجم نقدي، ترجمة أحمد الشامي، مراجعة هدى الصدة (سبق ذكره)، ص٢٦٧.
٣٧  المرجع السابق، ص٢٦٧–٢٦٨.
٣٨  انظر بخصوص مفاهيم لاكان لمرحلة المرآة ومرحلتي الخيالي والرمزي: إديث كريزويل: عصر البنيوية، ترجمة جابر عصفور (الكويت: دار سعاد الصباح، ١٩٩٣م)، ص٣٩٠–٣٩١، ص٣٩٥. وانظر: لويس تايسون: النظريات النقدية المعاصِرة: الدليل الميسر للقارئ، ترجمة أنس عبد الرازق مكتبي (الرياض: مركز الترجمة بجامعة الملك سعود، ٢٠١٤م)، ص٢٩–٣٥. وانظر: إيرينا مكاريك: موسوعة النظرية الأدبية المعاصرة، الجزء الثالث: مفاهيم (القاهرة: المركز القومي للترجمة، ٢٠١٧م)، «الخيالي/الرمزي/الواقعي» ص١٧٤–١٧٧. وانظر: جان لابلانش وجي. بي. بونتاليس: معجم مصطلحات التحليل النفسي، ترجمة مصطفى حجازي (بيروت: مجد المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، ط٤، ٢٠٠٢م)، ص٢٤١، ص٢٦٦–٢٦٨.
٣٩  انظر: هشام شرابي: النظام الأبوي وإشكالية تخلف المجتمع العربي، ترجمة محمود شريح (بيروت: مركز الدراسات الوحدة العربية، ط٢، ١٩٩٣م)، ص٢١.
٤٠  بيار بورديو: الهيمنة الذكورية، ترجمة سلمان قعفراني، مراجعة ماهر تريمش (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، ٢٠٠٩م)، ص٢٤.
٤١  انظر: المرجع السابق، ص٦٠. وانظر بخصوص تأكيد الحضور بوجهٍ عامٍّ عبر الرأسمال الرمزي والسلطة الرمزية: بيير بورديو: الرمز والسلطة، ترجمة عبد السلام بنعبد العالي (الدار البيضاء: دار توبقال، ط٣، ٢٠٠٧م).
٤٢  انظر اتخاذ جمعية الاتحاد والترقي قرارًا بقتل شمسي باشا (الرواية، ص٣٠٦–٣٠٧)، ثم تأكيدها قرار القتل (الرواية، ص٣٢٩)، ثم تنفيذ القتل (الرواية، ص٣٣٠).
٤٣  سارة جامبل (تحرير): النسوية وما بعد النسوية: دراسات ومعجم نقدي، ترجمة أحمد الشامي (سبق ذكره)، ص٣٣٥.
٤٤  انظر: توريل موي: «النسوي، الأنثوي، المؤنث»، ضمن كتاب النقد الأدبي النسوي، تحرير وترجمة هالة كمال (القاهرة: مؤسسة المرأة والذاكرة، ٢٠١٥م)، ص٢٠٣.
٤٥  انظر: المرجع السابق، ص٢٠٨.
٤٦  انظر: تيسير خلف: الحركة النسائية المبكرة في سوريا العثمانية: تجربة الكاتبة هَنا كسباني كوراني ١٨٩٣–١٨٩٦م (الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ٢٠١٩م).
٤٧  انظر: هَنا كسباني كوراني: التمدن الحديث وتأثيره في الشرق (القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، ٢٠١٤م)، ص٨.
٤٨  انظر: المرجع السابق، ص٩.
٤٩  المرجع السابق نفسه.
٥٠  المرجع السابق نفسه.
٥١  المرجع السابق نفسه.
٥٢  انظر: المرجع السابق نفسه.
٥٣  المرجع السابق، ص٩–١٠.
٥٤  انظر: المرجع السابق، ص١٠.
٥٥  المرجع السابق نفسه.
٥٦  المرجع السابق، ص١١.
٥٧  المرجع السابق، ص١٢.
٥٨  المرجع السابق نفسه.
٥٩  المرجع السابق، ص١٢–١٣.
٦٠  انظر: المرجع السابق، ص١٦.
٦١  المرجع السابق، ص١٦–١٧.
٦٢  انظر: المرجع السابق، ص١٧.
٦٣  انظر: المرجع السابق، ص١٨.
٦٤  المرجع السابق، ص١٨–١٩.
٦٥  المرجع السابق، ص١٩–٢٠.
٦٦  انظر: ألبرت حوراني: الفكر العربي في عصر النهضة ١٧٩٨–١٩٣٩م، ترجمة كريم عزقول (بيروت: دار النهار للنشر، د.ت.)، ص٢٠١–٢٠٨.
٦٧  عبد الحميد الثاني: مذكرات السلطان عبد الحميد، ترجمها عن النص الأصلي وكتب مقدمتها وحواشيها وقابلها بمذكرات للمعاصرين الدكتور محمد حرب (دمشق: دار القلم، الطبعة الثالثة مزيدة ومنقحة، ١٩٩١م)، «مقدمة الطبعة الأولى»، ص١٧.
٦٨  انظر: المرجع السابق، ص١٨.
٦٩  انظر: أورخان محمد علي: السلطان عبد الحميد الثاني: حياته وأحداث عهده (سبق ذكره)، ص٦١.
٧٠  انظر: المرجع السابق، ص٦٤.
٧١  المرجع السابق، ص٦٥.
٧٢  انظر: المرجع السابق، ص٦٦–٨٤.
٧٣  المرجع السابق، ص٧٨.
٧٤  انظر تفاصيل بداية الحرب ونهايتها: المرجع السابق، ص٨٥–٩٣.
٧٥  المرجع السابق، ص٩٥.
٧٦  المرجع السابق نفسه.
٧٧  انظر: المرجع السابق، ص٨٤.
٧٨  انظر: المرجع السابق، ص٦٨–٦٩.
٧٩  ألبرت حوراني: الفكر العربي في عصر النهضة ١٧٩٨–١٩٣٩م، ترجمة كريم عزقول (سبق ذكره)، ص١٣٣–١٣٤.
٨٠  انظر: محمد عزام: «الراوي والمنظور في السرد الروائي» https://www.diwanalarab.com.
٨١  كما وَرَدَ في: المرجع السابق.
٨٢  جيرار جينيت: خطاب الحكاية: بحث في المنهج، ترجمة محمد المعتصم، عبد الجليل الأزدي، عمر حِلي (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، المشروع القومي للترجمة، ط٢، ١٩٩٧م)، ص٢٦٢.
٨٣  المرجع السابق، ص٢٦٤–٢٦٥.
٨٤  انظر: المرجع السابق، ص٢٦٥.
٨٥  المرجع السابق نفسه. وثمة مواضع عديدة في رواية الانقلاب العثماني يُشير فيها الراوي إلى مصدر معلوماته في هامش أسفل الصفحة، كما هو الحال في الهامش السفلي ص٢٣٦، وص٢٧٠، وص٣٠٠ من الرواية.
٨٦  انظر: جيرار جينيت: خطاب الحكاية: بحث في المنهج، ترجمة محمد المعتصم، عبد الجليل الأزدي، عمر حِلي (سبق ذكره)، ص٢٦٥.
٨٧  انظر: المرجع السابق، ص٢٦٦.
٨٨  المرجع السابق، ص٢٦٧.
٨٩  المساكب إما أنها شجر طيب الرائحة له زَغَبٌ، أو هي مجارٍ مائية عذبة.
٩٠  أورخان محمد علي: السلطان عبد الحميد الثاني: حياته وأحداث عهده (سبق ذكره)، ص٢٦٦. ويقول المؤرخ التركي يلماز أوزطونا: «وكان على رأس أسباب خَلْع السلطان عبد الحميد اتهامه بضلوعه في أحداث ٣١ مارت، والحقيقة أننا اليوم نعرف بكل تأكيد أن هذه التهمة كاذبة تمامًا.» كما وَرَدَ ص٢٦٤. ومنها أيضًا ضلوعه في إحراق الكتب الشرعية، انظر تفنيد هذه التهمة ص٢٦٥. وبوجهٍ عامٍّ انظر سردًا تاريخيًّا لأحداث خلع السلطان عبد الحميد الثاني ص٢٦١–٢٦٧.
٩١  جُرْجي زيدان: رحلة جُرْجي زيدان إلى الآستانة عام ١٩٠٩م، تقديم الدكتور محمد حرب (القاهرة: كتاب الهلال، العدد ٦٤٥، سبتمبر ٢٠٠٤م)، ص١٤.
٩٢  إمام عبد الفتاح إمام: الطاغية: دراسة فلسفية لصور من الاستبداد السياسي (الكويت: سلسلة عالم المعرفة، عدد ١٨٣، مارس ١٩٩٤م)، ص١١٥.
٩٣  انظر: المرجع السابق، ص١١٦.
٩٤  انظر: أورخان محمد علي: السلطان عبد الحميد الثاني: حياته وأحداث عهده (سبق ذكره)، ص٦٤.
٩٥  انظر التفاصيل في: المرجع السابق، مواضع متفرقة منص٦٤ حتى ص٨٤.
٩٦  انظر: المرجع السابق، ص٩٥.
٩٧  إمام عبد الفتاح إمام: الطاغية: دراسة فلسفية لصور من الاستبداد السياسي (سبق ذكره)، ص٩٨.
٩٨  المرجع السابق، ص١١٤.
٩٩  انظر: مكيافيللي: كتاب الأمير، ترجمة أكرم مؤمن (القاهرة: مكتبة ابن سينا، ٢٠٠٤م)، ص٣–٨.
١٠٠  هذا الفَهْم الوجيز للتاريخية الجديدة استخلصتُه من: لويس تايسون: النظريات النقدية المعاصرة: الدليل الميسر للقارئ، ترجمة أنس عبد الرازق مكتبي (سبق ذكره) ص٢٧١–٢٨٣؛ ومن ميجان الرويلي وسعد البازعي: دليل الناقد الأدبي: إضاءة لأكثر من سبعين تيارًا ومُصطَلحًا نقديًّا معاصرًا (الدار البيضاء بيروت: المركز الثقافي العربي، ط٣، ٢٠٠٢م)، ص٨٠–٨٢؛ ومن حفناوي بعلي: مدخل في نظرية النقد الثقافي المقارن: المنطلقات … المرجعيات … المنهجيات (الجزائر: الدار العربية للعلوم ومنشورات الاختلاف، ٢٠٠٧م)، ص٥٤–٦٣.
١٠١  عبد الحميد الثاني: مذكرات عبد الحميد الثاني، تقديم وترجمة الدكتور محمد حرب (دمشق: دار القلم، ط٣، ١٩٩١م)، ص٦١.
١٠٢  المرجع السابق، ص٦١–٦٢.
١٠٣  انظر بخصوص التمييز بين السيرة الذاتية والمذكرات: جورج ماي: السيرة الذاتية، تعريب محمد القاضي وعبد الله صولة (القاهرة: دار رؤية، ٢٠١٧م)، ص١٨٥–١٨٧. وثمة تعقيدات في محاولة التمييز بين السيرة الذاتية والمذكرات يخوض فيها جورج ماي في كتابه هذا، في فصل بعنوان «السيرة الذاتية والمذكرات» ص١٧٧–١٩٤؛ ولكنني اكتفيتُ منه بما يفيد دراستي الحالية.
١٠٤  انظر: أورخان محمد علي: السلطان عبد الحميد الثاني: حياته وأحداث عهده (سبق ذكره)، ص٢٧٦.
١٠٥  كما وَرَدَ في: عبد الحميد الثاني: مذكرات عبد الحميد الثاني، دراسة وتقديم الدكتور محمد حرب (سبق ذكره)، ص٢٦–٢٧.
١٠٦  انظر: المرجع السابق، ص٢٧. وانظر أيضًا: محمود شاكر (المؤرخ السوري): التاريخ الإسلامي، الجزء ٨ العهد العثماني (سبق ذكره)، ص٢٠٧.
١٠٧  كما وَرَدَ في: عبد الحميد الثاني: مذكرات عبد الحميد الثاني، دراسة وتقديم الدكتور محمد حرب (سبق ذكره)، ص٢٣.
١٠٨  انظر: المرجع السابق، ص٣٨.
١٠٩  انظر: المرجع السابق، ص٣٧.
١١٠  كما وَرَدَ في: المرجع السابق، ص٢٨–٢٩.
١١١  كما وَرَدَ في: المرجع السابق، ص٢٩.
١١٢  المرجع السابق، ص٥٤.
١١٣  المرجع السابق نفسه.
١١٤  انظر: المرجع السابق، ص٥٥–٥٦.
١١٥  انظر: المرجع السابق، ص٥٦.
١١٦  المرجع السابق نفسه.
١١٧  انظر: المرجع السابق، ص٥٦–٥٧.
١١٨  ومن أمثلة عمليات الاغتيال التي نفذتها جمعية الاتحاد والترقِّي، اغتيال الفريق أول شمسي باشا أرناءوط قائد الفيلق الثالث الذي أرسلتْه الدولة للقبض على الضابط نيازي بك وتنظيمه العسكري التابع للاتحاد والترقي. انظر: محمود شاكر (المؤرخ السوري): التاريخ الإسلامي، الجزء ٨ العهد العثماني (سبق ذكره)، ص٢٠٣. وقد وردت الإشارة في رواية الانقلاب العثماني إلى اتخاذ لجنة الإدارة المركزية لجمعية الاتحاد والترقِّي قرارًا بقتله (انظر الرواية، ص٣٠٦–٣٠٧)، ثمَّ تأكيد القرار في اجتماع آخر (انظر الرواية، ص٣٢٩)، وأخيرًا تنفيذ قرار القتل (انظر الرواية، ص٣٣٠).
١١٩  انظر: عبد الحميد الثاني: مذكرات عبد الحميد الثاني، دراسة وتقديم الدكتور محمد حرب (سبق ذكره)، ص٥٦–٥٧.
١٢٠  انظر تمهيد رجال الاتحاد والترقي للحادثة بطريقة ماكرة وتفاصيلها حتى عزل السلطان عبد الحميد في: محمود شاكر (المؤرخ السوري): التاريخ الإسلامي، الجزء ٨ العهد العثماني (سبق ذكره)، ص٢٠٥–٢٠٧.
١٢١  انظر: عبد الحميد الثاني: مذكرات عبد الحميد الثاني، دراسة وتقديم الدكتور محمد حرب (سبق ذكره)، ص٥٧–٥٨.
١٢٢  انظر: محمود شاكر (المؤرخ السوري): التاريخ الإسلامي، الجزء ٨ العهد العثماني (سبق ذكره)، ص١٤٩.
١٢٣  انظر: المرجع السابق، ص١٤٧.
١٢٤  انظر: المرجع السابق، ص١٤٨.
١٢٥  المرجع السابق، ص١٨٤.
١٢٦  المرجع السابق، ص٢٠٧.
١٢٧  علي محمد الصلابي وشقيقُه إسماعيل يندرجان في قوائم الإرهاب في كلٍّ من السعودية وليبيا والإمارات ومصر والبحرين.
١٢٨  علي محمد الصلابي: الدولة العثمانية: عوامل النهوض وأسباب السقوط (القاهرة: دار التوزيع والنشر الإسلامية، ٢٠٠١م)، ص٧–٩.
١٢٩  المرجع السابق، ص٩.
١٣٠  المرجع السابق، ص١١.
١٣١  علي محمد الصلابي: السلطان عبد الحميد الثاني وفكرة الجامعة الإسلامية وأسباب زوال الخلافة العثمانية (بيروت: المكتبة العصرية، د.ت.)، ص٤٨.
١٣٢  انظر تحليل شخصية شيرين في القسمَين «أولًا» و«ثانيًا» من هذا الفصل.
١٣٣  انظر فقرة بعنوان «منظور رامز» في القسم «رابعًا» من هذا الفصل.
١٣٤  يقول رئيس جلسة الاجتماع السرِّي لرجال الاتحاد والترقِّي نقلًا عن سعيد بك والد رامز: «إن هناك وصية مخطوطة كتبها المرحوم [مدحت باشا] وهو في قصر مالطة يوم قبضُوا عليه، وأخذوا في محاكمته تلك المحاكمة الظالمة، وكأنه أحس بالخطر القريب وهو هناك، فاغتنم فرصة انفرادِه وكتب وصية للأحرار ووضعها في مخبأ في قصر مالطة [أحد قصور يلدز] على أن يحملها معه، ويدفعها إلى بعض خاصته بعد خروجه من ذلك القصر … فأُخْرِجَ فجأةً ولم يُمْهَلْ ريثما يأخذ الوصية، فبقيتْ هناك … وظن نفسَه سيعود بعد تغير الأحوال، فلما يئس من ذلك وأحس بقرب الأجل أسرَّ إلى سعيد خبر الوصية، ودَله على مخبئها في قصر مالطة … وأوصاه أن يتلوها على الأحرار العثمانيين حيثما وُجِدوا. فلما عاد سعيد من الطائف أخذ يبثُّ أفكارَ مدحت سرًّا، وأنتم تعلمون أكثرها، وأصبح يترقب الفرص لإخراج الوصية، فلم يستطع دخول يلدز بالحيلة إلا منذ بضع عشرة سنة، ونحن في انتظار رجوعه إلى الآن. فأنا أَعد خبر خروجه فوزًا لنا، وبشارة تدلُّ على قرب النجاة من أسر الاستبداد، وإطلاق روح الدستور» (الرواية، ٢٤٥). وانظر تفاصيل طلب رامز من السلطان — بعد اتفاقهما السري — العفوَ عن والده المحبوس (الرواية، ص٢٢٠–٢٢١).
١٣٥  انظر تفاصيل علاقة مدحت باشا بسعيد والد رامز في الفصل رقم ٦١ وعنوانه «مدحت وسعيد» (الرواية، ص٢٤٤–٢٤٨). وفيه إيراد شهادة سعيد على مقتل مدحت باشا، في الطائف، على أيدي تسعة من الخونة بينهم ضابطان، وإرسال رأس مدحت المقطوع في صندوق إلى قصر يلدز، وإخبار مدحت باشا — قبل موته — لسعيد، والد رامز، بوجود وصية مخبأة في قصر مالطة بيلدز كتبها قبل إلقاء القبض عليه ومحاكمته.
١٣٦  حيث يُتخَذُ القرارُ في جلسة سرية طارئة بقتل ناظم بك جاسوس السلطان في سلانيك. ومع تطور مسار الثورة، يُتَّخذُ قرار قتل شمسي باشا مبعوث السلطان إلى مناستير للقضاء على أعضاء الجمعية (الرواية، ص٣٠٦–٣٠٧)، ثم يجري تأكيد قرار قتله في جلسة طارئة (الرواية، ص٣٢٩)، ويُنفَّذ قرار قتله (الرواية، ص٣٣٠). كذلك تلجأ الجمعية إلى الاستعانة برجال العصابات وتنظيمهم عسكريًّا ضد الدولة (الرواية، ص٣٢٨)، ويسرد الفصل رقم ٧٦ وعنوانه «عصابة نيازي» (الرواية، ص٣٣٠–٣٣٤) نجاح نيازي في جمع كلمة المسيحيين والمسلمين وتحرُّكه عسكريًّا ضد رجال عبد الحميد في مقدونية التي استولى عليها.
١٣٧  يسرد الفصل ٦٠ وعنوانه «حديث رامز» (الرواية، ص٢٤٠–٢٤٤) تفاصيل حضور رامز أحد الاجتماعات السرية لجمعية الاتحاد والترقي، حيث حكى للأعضاء عن ندم عبد الحميد وإحساسه بالخطأ، وتكليفه له بأن يُخبر أعضاء الجمعية بشأن المجيء إليه سرًّا والاتفاق على نَيْل الدستور سلميًّا دون سفك الدماء، وكيف أطلق سراحه لهذا الغرض (انظر تفاصيل خداع عبد الحميد لرامز في الفصلين رقم ٥٣ وعنوانه «باب السر» ورقم ٥٤ وعنوانه «المهمة الكبرى»، ص٢١٤–٢٢٠)، وهو ما صدَّقه رامز، واستجاب له رئيس الجمعية الذي خاطب الأعضاء قائلًا: «أنتم تعلمون قانون جمعيتنا المقدَّسة … ولا يخفى عليكم أن قانونها إنما هو المطالبة بالدستور، وقلب الحكومة الاستبدادية بالحسنى بلا سفك دماء على قدر الإمكان. ولذلك فلا يُمكننا رفض اقتراح عبد الحميد مع ما فيه من نَيْل الدستور على أهون سبيل. ولا يخفى عليكم أيضًا أن هذه الجمعية ترى إذا نالت الدستور أن لا تُلحق بالسلطان سوءًا … إذ لا رغبة لنا في الانتقام، وإنما نُريد الإصلاح …» (الرواية، ص٢٤١).
١٣٨  ألبرت حوراني: الفكر العربي في عصر النهضة ١٧٩٨–١٩٣٩م، ترجمة كريم عزقول (سبق ذكره)، ص١٣٢–١٣٣.
١٣٩  عهود محمد الخرشة: جمعية الاتحاد والترقي وأثرها في قيام الثورة العربية الكبرى (الأردن: جامعة مؤتة رسالة ماجستير، قسم التاريخ، ٢٠٠٤م)، ص٤٠. ويأتي الفصل الثالث من هذه الرسالة، الذي أرجع إليه، تحت عنوان «القومية التركية ونشأة جمعية الاتحاد والترقي»، ص٤٠–٦٢.
١٤٠  عبد الحميد الثاني: مذكرات عبد الحميد الثاني، ترجمها عن النص الأصلي وكتب مقدِّمتها وحواشيها وقابلها بمذكرات المُعاصِرين الدكتور محمد حرب (سبق ذكره)، ص١٧.
١٤١  عهود محمد الخرشة: جمعية الاتحاد والترقي وأثرها في قيام الثورة العربية الكبرى (سبق ذكره)، ص٤٠.
١٤٢  كما وَرَدَ في: المرجع السابق، ص٤١.
١٤٣  انظر: المرجع السابق نفسه.
١٤٤  انظر: المرجع السابق، ص٤٢.
١٤٥  المرجع السابق، ص٤٣.
١٤٦  انظر: المرجع السابق، ص٤٤–٤٥.
١٤٧  المرجع السابق، ص٤٥.
١٤٨  انظر: المرجع السابق، ص٤٥–٤٧.
١٤٩  انظر: المرجع السابق، ص٤٧–٤٨.
١٥٠  المرجع السابق، ص٤٨.
١٥١  انظر: المرجع السابق، ص٤٩–٥١.
١٥٢  المرجع السابق، ص٥٤، ص٥٥ على التوالي.
١٥٣  انظر: المرجع السابق، ص٥٧.
١٥٤  انظر: المرجع السابق، ص٥٩–٦٠.
١٥٥  محمود شاكر (المؤرخ السوري): التاريخ الإسلامي، الجزء ٨ العهد العثماني (سبق ذكره)، ص١٨٣.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤