ما هي العقيدة الدينية؟

نعم، ما هي العقيدة الدينية التي يعنيها المفكرون الغربيون حين يطلبونها أو يحسبونها مطلبًا صالحًا للمحاولة والاتباع من طريق إلى طريق؟

إن مفكري القرن العشرين في الحضارة الغربية هم أحق الناس بالرجوع إليهم في جواب هذا السؤال؛ لأننا نعرف من الطالب نفسه ما يطلبه ولا نعرفه ممن طلبوه قبله، وإن ظهر أنهم متحدون في الغاية والاتجاه.

وقد بحث المشتغلون بالدراسات الدينية زمنًا طويلًا في أصول الأديان والمقابلة بين العقائد والعبادات منذ أقدم العصور إلى هذه الأيام، وفسروا معنى العقيدة الدينية كما وضحت لهم من هذه البحوث الطوال.

ولكننا لا نعني عقيدة البحث في هذه الدراسات.

إنما نعني بالعقيدة الدينية ما يشتمل عليه وجدان المفكر في العصر الحديث، ولا نعني بها ما تشتمل عليه أوراقه ومجلداته أو متاحفه ومحفوراته …

إنما نعني بالعقيدة الدينية طريقة حياة لا طريقة فكر ولا طريقة دراسة.

إنما نعني بها حاجة النفس كما يحسها من أحاط بتلك الدراسات ومن فرغ من العلم والمراجعة ليترقب مكان العقيدة من قرارة ضميره.

إنما نعني بها ما يملأ النفس لا ما يملأ الرءوس أو يملأ الصفحات.

وبهذا المعنى عُرِّفت العقيدة الدينية أكثر من تعريف واحد في أقوال المفكرين العصريين، سواء منهم من وصل إلى اعتقاد واضح يطمئن إليه ومن لم يزل في الطريق، على أمل في الوصول أو على يقين بأن الطريق غير موصد في وجوه الساعين والمتطلعين.

•••

بدأ القرن العشرون وعلماء النفس يستحسنون في تلخيص جوهر الديانة مذهب وليام جيمس الفيلسوف الأمريكي المخضرم بين القرن التاسع عشر والقرن العشرين، وفحوى مذهبه أن جوهر الديانة هو الإيمان بالبقاء، وأن هذا البقاء مرهون بوجود قوة صديقة للإنسان وراء الظواهر الكونية أو المادة العمياء.

ومما هو جدير بالنظر أن هذا التلخيص من رأي فيلسوف متخصص للدراسات النفسية، وليس من رأي العلماء المتخصصين للبحث في تواريخ الأديان.

ويستحسن اليوم رأي جوليان هكسلي — عالم الأحياء المشهور — في كلامه عن الوحدة بين العقائد الدينية المترقية أو الهابطة على اختلاف طبقاتها، وقد أجمله في تقديمه لمجموعة الآراء التي أذاعتها طائفة من علماء العصر ونشروها باسم «العلم والدين» … فقال بعد تمهيد موجز عن أثر العلم في العقيدة:
لكن هل هناك في الحق روح دينية واحدة؟ هل هناك في الحق عناصر مشتركة توجد مثلًا في نحلة الصحابيين١  (Quakerism) ووثنية أبناء الكنغو، أو توجد في زهادة البوذية ونزعاتها الصوفية وفي شناعات الدين المكسيكي القديم؟ هنا أيضًا يساعدنا النظر في الديانات المقارنة، فنعلم أن الروح الدينية لا تكون واحدة على اختلاف العصور واختلاف طبقات الثقافة، ولكنها على الدوام تحتوي بعض العناصر المشتركة، فلا يزال الشعور «بالقداسة» كامنًا في قرارة كل عقيدة دينية، ولا يزال كامنًا فيها كذلك شعورٌ بالتسليم والاتكال؛ لأن الإنسان محوط بقوى لا يستطيع فهمها ولا يستطيع السيطرة عليها، ويدخل أخيرًا في كل ديانة نزوع إلى التوضيح والتفسير والإدراك، إذ يعلم الإنسان أنه محوط بالخفايا ويطلب منها على الدوام أن تكون ذات معنى.

إلا أن شعور القداسة هو أعمق الأسس في عناصر كل ديانة، وهو لباب كل حاسة جديرة أن توصف بالصفة الدينية، ولولاها لما كانت للإنسان ديانة على الإطلاق …

وقد اعتمد جوليان هكسلي في الواقع على الشعور النفساني في رأيه هذا أكثر من اعتماده على تواريخ الأديان، فإنه شعر بقداسة الدين قبل أن ينشدها ويتحقق وجودها في عقائد الأولين والآخرين.

•••

والأستاذ «جوردون آلبورت» أستاذ علم النفس بجامعة هارفارد يتكلم في كتابه «الفرد وديانته»٢ عن طبيعة الاعتقاد فيقول:

إنه ينطوي على ثلاثة أطوار الأول فترة التصديق الساذج وهو أوضح ما يرى في الطفل الذي يصدق حواسه وخياله وما يسمعه بغير تمييز، فعقائده الدينية الأولى مستمدة على الأكثر مما يسمع، أي من الواقعية الكلامية، فإن الكلمات عنده والوقائع بمثابة واحدة، وبقاء هذا التصديق الساذج معه مدى الحياة أمر ظاهر ولكنه في الغالب ملازم للعقول التي توقف بها النمو دون التمام أو مقصور على المسائل التي يحيط بها الجهل المطبق أو تتسلط فيها قدوة قوية الأثر، وبعض العقائد الدينية بين الكبار مؤلف من هذا الخليط: أي من التصديق الصبياني والقدوة وما لم يمحصه التفكير.

ومن المعتاد على كل حال أن تأتي بعد هذه المرحلة مرحلة تزعزع قرارها، فإن الشكوك تطرق عقل الإنسان من جميع الأبواب المتقدمة، وهي جزء متصل من كل تفكير مفهوم، وليس في وسع الإنسان أن ينشئ له عقيدة مستقلة قائمة على الملاحظة والتفكير المفيد ما لم يواجه النقائض التي يشتمل عليها كل عرف مسموع.

والمرحلة الثالثة هي مرحلة الاعتقاد الناضج، وهي تتطور — مع المشقة — من تراوح الشكوك والتوكيدات التي يتسم بها كل تفكير مفيد …

ثم يسأل الأستاذ: هل الإيمان والاعتقاد شيء واحد؟ فيقول: إن الكلمتين تستخدمان أحيانًا بمعنى واحد، وهما في بعض المواطن تعبران عن معنيين مختلفين؛ لأن التسليم غالب على الإيمان. أما الاعتقاد فيقترن أحيانًا بمعرفة بعض الأسباب، ولو من قبيل التقدير والترجيح.

قال: «ويبدو أن الإيمان أحر شعورًا من الاعتقاد، فهو يجازف على علم بالمجازفة؛ لأنه يشعر بأن الثقة أقوى ونتيجة الرهان أنفس وأغلى.»

ثم استطرد إلى التفرقة بين الشعور الديني الخالص وبين الشعور الذي يمتزج بالخوالج النفسية الأخرى، فقال: إن أبسط وسيلة نبتدئ بها هي الرجوع إلى تعبيرات المتدينين. وضرب مثلًا لذلك عبارتين من كلام القديس توماس كمبس (Kempis) حيث يقول عقب الدعاء: «إن أشواقي كلها تتنهد إليك»، وحيث يقول من عظة قصيرة: «لو كان الله هو صفوة المقاصد التي نتشوق إليها لما خامرنا القلق بهذه السهولة.»

قال الأستاذ في التعقيب على العبارة الأولى ما فحواه: إن الشمول الواضح في قول القديس «أشواقي كلها» هو آية الاعتماد الديني في طبيعته، وإن النفس لا تقبل التجزؤ والتفرق وهي تتجه بأشواقها إلى معبودها، ثم قال في التعقيب على العبارة التالية: «أتراني على خطأ حين ألمح في هذه العبارة دليلًا على طبيعة الاستطلاع أو الاستقراء في العقيدة الدينية؟ أليس معناها أن العقيدة إذا كانت قويمة سديدة وجد المؤمن مشكلاته محلولة مفسرة ووجد قلاقله ومخاوفه مهدأة مستقرة؟ … إنه لخليق إذن أن يهتدي إلى كشوف من المعرفة والفضيلة …»

يريد الأستاذ أن الإنسان يطلب المعرفة من وراء العقيدة والإيمان، وأنه ينظر إلى الإيمان كأنه برهان على أنه قد وثق بالله فاستحق أن يهديه في طريق المعرفة، ويتجلى عليه بما هو أكبر من قدرته لو اعتمد على عقله وفهمه.

فموقف المؤمن من الله كموقف التلميذ الذي يطمئن إلى علم أستاذه فلا يمتحنه ولا يتردد في قبول دروسه ومعارفه، فيكون هذا الاطمئنان برهانًا على أنه تلميذ صالح للتعلم مستحق للمكافأة وحسن الجزاء.

•••

ولا يظهر في هذه السنوات معهد مشتغل بالبحث في قضايا العصر الحاضر إلا كان البحث في مسألة العقيدة من أوائل بحوثه الهامة التي ينشر فيها الرسائل ويذيع فيها المحاضرات والأحاديث، ومن ذلك مكتب المسائل الجارية بلندن (The Bureau of Current Affairs) فإنه عهد إلى الأستاذ جيسوب (Jessops) أستاذ الفلسفة وعلم النفس بجامعة هل (Hull) أن يكتب رسالة في موضوع الحاجة إلى الدين، فكتبها بعنوان «لم الدين؟» وعرض في الفصل الثاني منها لمقوِّمات العقيدة الدينية فقال: «إن الفكرة الأساسية فيها تقوم على حقيقة فوق الطبيعة تخضع لها كل حقائق الطبيعة، ولا بد أن تكون أفضل من الطبيعة وأن يكون الإنسان قادرًا على أن يتصل بها صلة شخصية. وواضحٌ أن هذه الفكرة هي فكرة الإله.

ولا بد أن نلاحظ أنها تشتمل على عناصر ثلاثة، وأن غياب عنصر منها يخرج بها في نظر العقل العصري من عداد العقائد الدينية فلا ينطبق عليها وصف الربانية، فإذا كان هناك قوة فوق الطبيعة لا سلطان لها على الطبيعة فقد يروقنا أن نراقبها وأن نعقد الجلسات لمناجاتها والتحدث عنها وننظم الأناشيد في وصفها وأن نجعلها موضوعًا من موضوعات الاستطلاع والفن لا من موضوعات الديانة، إذ هي لا تعيننا على الحياة ونحن مركبون بحياتنا في وسط الطبيعة … وإن كان هناك من الجهة الأخرى قوة فوق الطبيعة ليس فيها إلا أنها قوة فقد نرهبها ونفزع منها، ولكننا لا نعظمها ولا نتعبد لها ولا نكون دينيين في اتصالنا بها، وإنما قصاراها أنها العصا الكونية الكبرى أو العلة الأولى، ونحن نأبى أن نصف شيئًا بوصف الربانية ما لم يكن أسمى وأقدر من كل شيء نعرفه في نطاق المكان والزمان. وإذا بحثنا فيه انتهى بنا البحث إلى أننا نقصد به روحًا كاملًا أو عقلًا كاملًا، فلا ننحني ساجدين لشيء دون ذلك.

وجملة القول أن الديانة تلتمس كائنًا نستطيع أن نتجاوب معه تجاوب الفهم، فلا يتحقق هذا الشرط في غير كائن عاقل. ومن ثم تفيد كلمة الله في العقل العصري معنى الروح الأعلى الأكمل الذي يستجيب لقربان الإنسان، فالسمو والكمال والاستجابة هي العناصر الثلاثة التي يتم بها قوام الفكرة الدينية، والكائن الذي تجتمع له هذه الصفات أهل منا للعبادة وله أن يفرض علينا أرفع الفضائل وأن يعيننا على بلوغها، وصلاتنا له ذات معنى …»

ثم قال بعد الكلام عن استجابة المطالب الإنسانية: إن للدين في العقل الإنساني جذرين آخرين، هما الحزن والفرح. إذ هناك حالات من العذاب النفسي نحار فيها ونعجز عن احتمالها، فتدفعنا النوازع التي لا سلطان للتعليم عليها إلى ملجأ وراء الجماعة الإنسانية، بل وراء الأكوان الطبيعية، نبغي فيه نورًا يضيء لنا ظلمات الحيرة وعزاء أو قوة على احتمال آلامنا … نبغي ذلك في ملاذ فوق هذا الكون كله قد يكون هنالك أو لا يكون، وربما كانت طبيعتنا عابثة بنا في هذه الحالة عبثًا قاسيًا، ولكننا هكذا نحن في طبيعتنا، وهكذا يكمن فينا باعث آخر من بواعث التدين والعبادة.

أما الفرح فمن أنواعه ودرجاته أيضًا ما يرتفع بنا صعدًا ولا يقف بنا عند المتعة به وحسب، بل يرتفع العقل كله علوًّا إلى طباق أعلى بكثير من موضوع الفرح نفسه، وباعث هذا أن الفرح العظيم يولد في نفوسنا عرفان الجميل، فنود أن نشكر أحدًا ولا نرى إنسانًا جديرًا بمثل هذا الشكر، فنرتفع بالشكر إلى النجم البعيد!

ذلك شعور طبيعي هو كما لا يخفى أحد الأجنحة التي تعلو بالعقل إلى ما فوق الطبيعة، فإن كان وهمًا فإنه لوهم سعيد.

ولن تستطيع التعليلات النفسانية أن تقيم الديانة على أساس مطالبنا وحاجاتنا دون غيرها، فإننا لا نستطيع أن نفسر ظواهر الكون ولا أن نستخرج طبيعة التدين من مجرد التنقيب عن المطالب والحاجات في نفوسنا، إذ لا ريب أن الديانة تأتي إلينا من الخارج كما تنجم في نفوسنا من داخلها. ونحن نستجيب كما نطلب الجواب، وعندنا إلى جانب التجارب التي تعتلج في باطن النفس تجارب أخرى تنتزع منا وتفرض علينا من خارجنا، منها الروعة التي لا منجاة منها لأحد منا في طوال أيامه، ولا حيلة لإنسان في تلك المواقف التي تروعه وتتعاظمه حيث يواجه أطوار الطبيعة وأزمات البشرية فرديةً كانت أو جماعية، وتلك العوارض التي نسميها تارة بالخفية وتارة بالغيبية. كذلك تطل علينا الروعة حين نفكر في الكمال أو نحسه في نفاذ وقوة، وليست الروعة هي الخوف وإن كانت لا تخلو منه، إذ هنالك فرق بين مجرد الخوف من جلالة الطبيعة أو سر الموت وبين الشعور أمامها بالروعة. وكأنها خوف محلول في مزيج آخر من العناصر والأخلاط، ففيها خوف ودهشة وإعجاب وإحساس بضآلة وجودنا، فإن يكن ثمة شعور له سمة خاصة من سمات التدين فهو هذا الشعور لا مراء، وقد ساور الإنسان من قديم ويساوره اليوم، ولن يزال للإنسان دين على نحو من الأنحاء ما دام له شعور من هذا القبيل، فما كان غاية الأمر في هذا الشعور أنه جواب من طبائعنا للعالم المجهول، فقد يوجد هذا الجواب الشعوري في نفس الفلكي كما يوجد في سائر النفوس، ولكنما هو محور العبادة في الصميم.

إن الدنيا فيها من العظم الكفاية بغير ما فوق الطبيعة، فإذا أضيف إليها فوق الطبيعة بدا الإنسان أصغر وأصغر، وإن الزمان لمن الطول بحيث يرينا التاريخ كله مسافة جد قصيرة، فما هي حياة الإنسان إذن حين تقاس بمقياس الأبدية؟ وإن الإنسان إذا قيس بروائع الطبيعة لا يتراءى صغيرًا وحسب بل حقيرًا مع صغره. فما أخس ما يبدو لنفسه إذن حين يعقد المقارنة بينه وبين الكمال المطلق! إن إضافة الآفاق الربانية إلى وجودنا تهبط بالإنسان إلى منزلة مزرية، ولهذا كان اتضاع النفس وتهوين شأنها حالة من الحالات الدينية المأثورة، فلا مناص مع الإيمان بالله من القضاء على الكبرياء.

بيد أن الديانة لم تكن قط مقصورة على التمرغ والاستكانة، بل هي — مع هذا التهوين من شأن النفس — قد نفخت روح الكرامة حتى في النفوس التي لا يخولها أبناء نوعها حظًّا من الكرامة. إذ كان المخلوق الذي يقدر على معرفة الخالق قمينًا أن يتصل به ويفقه مشيئته ويظفر بقبس من كماله ويصبح محلًّا لعنايته، ولا جرم يتعالى مخلوقٌ كهذا أن يكون هملًا في نظام الطبيعة، فإنه لروح على أوفى وأرفع حظ من الصلات الروحانية، ولن يكون من أجل هذا خاضعًا كل الخضوع لطغيان الطبيعة، ولا تموت روحه مع الجسد حين ينقضي أمده، بل تنطلق في حياة لا عائق لها، أو كما قال أفلاطون: إن العقل الذي يسمو إلى معرفة الحقائق الأبدية لا يفنى حيث يتداعى الجسد، وفي معظم الديانات — ولا سيما المترقي منها — إيمان بخلود الإنسان …

•••

ومن علماء النفس الذين وضحوا الشعور بالعقيدة الدينية من الوجهة السيكولوجية أستاذ في جامعة «كلارك» مارسَ العلاج بالوسائل النفسية ومنها وسائل الإيمان، وهو الأستاذ رايموند كاتل (Cattell) صاحب كتاب «علم النفس ومسألة الدين»٣ وفيه يقول عند الكلام على التحليل النفساني والخواطر الدينية: «إن الصلاة تتراجع — بازدياد — إلى الاكتفاء بتحسين الشخصية والمحافظة على الروح المعنوي في الفرد أو الجماعة، وبهذه المثابة لا يستطيع علم النفس أن ينكر جدواها على اعتبارها من الإيحاء الذاتي، ولكنها على هذا قد تنتحل لنفسها مزية لا ضرر فيها: وهي مزية الإرشاد إلى مزاولات عملية تزيد من قابلية النفس للاستيحاء والاستجماع. ومما تقدم القول فيه عن خلود النفس نلخص أصولها النفسانية — أي أصول الصلاة — في هذه المراجع الثلاثة: العودة إلى عادة الاسترسال مع التفكير الذي يسر ويرضي، والاستمرار في تجارب الإنسان البدائي في الأحلام والخيالات، وضرورة الاحتفاظ بالوازع الأخلاقي لمجازاة الذين عجز العدل الإنساني عن جزائهم في هذه الحياة …»

ثم يقول في تعليل النزوع الديني المفاجئ في بعض أطوار النفس الإنسانية: «يبدو على العموم أن هذا النزوع يعلل بأن الفورات الجنسية في طور المراهقة يقابلها في هذا السن زواجر كابحة من الآداب التي تربط بالأهواء الجنسية كثيرًا من إحساس الجريمة أو الخطيئة، وكلما اشتد التدافع بين التعبيرات الجنسية والأهواء الكامنة وبين الزواجر الأدبية أحاط بالنفس القلق والندم وتخلصت منهما فحلت المشكلة بالإعراض عن الشهوات والاعتزاز بالذات تساميًا إلى حب بني الإنسان جميعًا بديلًا من الحب الجنسي، وإلى مقاربة العزة الإلهية بديلًا من الاعتزاز بالذات …»

ويقول الأستاذ كاتل بعد ذلك: إن الدراسات النفسية لم تستلزم وجود حاسة دينية خاصة، فإن هذه الحاسة الدينية مجتمعة من خوالج الخوف وأهواء الجنس وروح الجماعة وتوكيد الذات والتطلع والتسليم.

ومن جملة آراء الأستاذ في هذا الكتاب يظهر جليًّا أنه يقفو آثار العالم النمسوي المشهور «فرويد» أشد علماء العصر إغراقًا في تكبير شأن الغرائز الجنسية وإدخالها في تفسير كل قوة نفسية تحتاج إلى تفسير. وخلاصة فلسفة فرويد هذه أن هواجس العصبيين هي بالنسبة إليهم ديانة فردية خاصة، وأن الديانات العامة هي الهواجس العصبية بالنسبة إلى نوع الإنسان، وأن الضمير هو مناط الأنانية النوعية في طوية كل فرد، كأنه الذات العليا فوق ذوات الآحاد.

على أن صاحب هذا الكتاب يقرر في أول الفصل الثالث من كتابه أن العلماء والأتقياء معًا يعلمون بعد بحث يسير أن وجود دواعي الوهم مركبة في طبائع البشر لا يستلزم القول بأن وجود الإله وهم من هذه الأوهام.

•••

ومن الفلاسفة وعلماء النفس من يؤمن «بالعقيدة الروحية» ويفهم من «الروح» أنها قوام حياة الإنسان الأدبية والوجدانية، ولا يرجع بها إلى مصدر وراء الطبيعة.

من هؤلاء الفيلسوف الألماني ماكس أوتو الذي عاش في الولايات المتحدة وكان رئيسًا لمجمع الفلاسفة في الأقاليم الغربية، ومن كلامه الذي يلخص مذهبه ومذاهب أمثاله في الرأي فصل عن «الأشياء والأمثلة العليا» يقول فيه:

ليكن في قرارة قلوبنا أن الروح ليست اسمًا لشيء ولكنها اسم لحياة، وأن خلاص الروح ليس بالسلعة أو المنحة التي تشترى أو تستعطى، ولكنه تطور نبلغه ونترقى إليه، وأن تخليص روح الإنسان ليس بالعمل الموقوت الذي يتم في ساعته ولكنه سعي طويل يستغرق مدى العمر كله، وليس هو إنقاذًا لكيان مبهم لا تعريف له في سبيل التأهب لحياة مقبلة، ولكنه خلقٌ لنموذج من الشخصية من طريق الاعتراف بالقيم البينة التي تدور عليها تجارب كل يوم. إنه نضج باطني ويقظة لمعاني الحق والجمال وكرامة الحياة …

•••

وتكلم ماكس شوين (Schoen) أحد مؤلفي المكتبة الفلسفية٤ عن العلاقة بين العقيدة الدينية والعقل في كتابه «تفكير في الدين» فقال من فصل عن الحاجة إلى التفكير في الدين:
إن الإيمان لا يعرف الهوادة ولا يقبل الاستثناء، ولكن الاعتقاد (Belief) هوادة وتسوية عملية يتطلع صاحبها إلى ما يغنمه الداعي إليها والمستجيب لها. إنه وسيلة في الديانات للاشتراك بين الناس في معيشة واحدة وشغل واحد باسم الله. وهذا الاعتقاد الديني يتبع الخلاف بينه وبين العقل لأن العقل لا يساوم ولا يذعن، ومن دأبه أن يتغلغل في بواطن كل شيء يعرض عليه باسم الحقيقة، وإن الذين يضعون الاعتقاد موضع المناقضة للعقل ليفعلون ذلك عن خطأ منهم في فهم الاعتقاد والديانة، والعقل يبطل الخطأ.

إن منطقهم يجري على هذا القياس: ما نريد تصديقه مخالف للعقل، ولكن الأمر الذي نصدقه لا يجوز أن يكون باطلًا، ولهذا ينبغي أن يصبح اعتقادًا ولا يتقيد بموافقة العقل.

وعلى هذا النحو يصبح الاعتقاد مسوغًا لكل هاجسة أو استحالة تحيك في نفس المعتقد.

أما الذين يرون أن الأصول الدينية تجري مع العقل ولكنها أرفع منه وأسمى، فهؤلاء يتكلمون عن الصواب أو التصويب (Rationalization) ولا يتكلمون عن العقل. فإن الفكر إنما يعمل ليكون شيئًا من شيئين، فإما أن يعمل للامتحان والنقد وإما أن يعمل للتسويغ والقبول، فإذا عمل للامتحان فهو العقل، وإذا عمل للتسويغ فهو الصواب أو الحكمة …

ثم ينتهي المؤلف من بحثه في هذا الفصل إلى أن العقائد الشائعة كثيرًا ما تخل بمعنى الدين، أو أن الديانات التي تناقض العقل هي تطبيق غير صحيح للدين الصحيح، فهناك دين واحد في الجوهر ولكنه يصبح ديانات شتى في حيز التطبيق.

•••

وقد نشر الكاتب الإنجليزي أرنست مارتن (Martin) مجموعة من الآراء لأساطين المفكرين سماها البحث عن عقيدة٥ قال في تقديمها عن معنى العقيدة العصرية:

ليس من الخير أن نقول — كما يقول كثير من الشكوكيين الأذكياء — إن الديانة نبعت من الخوف، أو إن الإيمان بما فوق الطبيعة إنما هو مجرد تعويض لما في دنيا الواقع من الجهامة والعبوس، فإذا كان هذا ولا ريب صحيحًا في حالات الديانة الهمجية فليس هو بصحيح في موقف الإنسان المتحضر من المسيحية، وقد كان الهمجي يعبد أربابه وأرواحه لأنه يشعر بالرعب من الحياة والموت، ولكن المخاوف الصبيانية والخرافات المضللة قد زالت اليوم مع اتساع نصيب الإنسان من الفهم، وبقيت العقيدة ولم يكن للجماعات البدائية غنى عن السحر حيثما دعتها الحاجة إلى تنظيم مراسم العبادة، وليست كذلك جماعات الإنسان في الحضارة العصرية، فإن الإنسان العصري لا حاجة به إلى السحر وفي وسعه أن يتأمل الخير ويسعد بالسعي فيه وهو يعلم أنه ينبوع السعادة … إن العقيدة لهي اسم آخر للشجاعة. وقد قيل بحق إن الديانة الصحيحة هي خطار — أو رهان — على الحياة كلها معلقٌ على وجود الله …

•••

وقد تكلم اثنان من رجال العمل والسياسة عن العقيدة من حيث القيمة العملية في حياة الآحاد والجماعات.

فالمؤرخ المشهور هربرت فيشر الذي تولى وزارة التعليم زمنًا في الحكومة الإنجليزية يكتب عن السيدة التي أسست جماعة العلم المسيحي التي تعالج أمراض الروح والجسم بقوة الإيمان، فيقول في كتابه (ديانتنا الجديدة):

دلت التجربة على أن الدقة في تصوير ما فوق الطبيعة قليلة الأثر في اجتذاب الناس إلى الديانة، وأن شيوع ديانة من الديانات يرجع على الأرجح إلى مبلغ ما تلبيه من مطالب النفس البشرية قبل رجوعه إلى مطابقتها لوقائع الحياة، وما كانت أسخَف السخافات لتصد أناسًا عن قبول دعوة تملأ في قلوبهم فراغًا من حاجاتهم الروحانية، فهم يأخذون ما يطلبون وينبذون ما لا يدركون، وثمة قيمة محققة للدعوات الجريئة. وقد قال رينان إن الإنسان يولد وسطًا ولا طاقة له بعمل ذي بال حتى يتعلق بحلم من الأحلام.

هذا واحد من المفكرين الذين اشتغلوا بالسياسة والإدارة ونظروا إلى الديانة من ناحية القيمة العلمية. أما الآخر فهو الشاعر الناقد اللورد فانسترت (Vansittart) الذي قام بمهام السياسة الخارجية زمنًا طويلًا في الوزارة البريطانية، وقد سئل أن يقدم المجموعة التي كتبها طائفة من المفكرين عن مستقبل العقيدة فقال: إن فقدان الثقة بما فوق الطبيعة على صلة بفقدان الثقة بأنفسنا، وكلاهما لم يسعد أحدًا، بل أعقب بعده خللًا في ميزان الحياة، لم تصلحه مذاهب الشك واللذة.

ثم أشار إلى فقدان العقيدة في فرنسا فقال إنه ساقها إلى المسالمة والاستسلام قبل الأوان، وإلى فقدان العقيدة في ألمانيا فقال إنه ساقها إلى بديل لها من العصبية والنازية، ولولا البحر حول الجزر البريطانية لساقها فقدان العقيدة إلى مصير كهذا أو ذاك، وختم مقدمته قائلًا: «لقد آن الأوان «أولًا» لتعديل التشبث ببعض الأفكار والمراسم التي لا توافق المطالب العصرية، و«ثانيًا» للعلم بأن العقيدة قد عرضت نفسها بعمل يديها لعوائق شتى، و«ثالثًا» إن السلطان الروحاني تزداد صعوبات التوفيق بينه وبين المساوئ السياسية، مما قد بينت في غير هذا الموضع وسائل اجتنابه، و«رابعًا» إن الأمل في التجديد والبقاء ينمو كلما فصلناه من الأدعياء، وقد يحسن أن نحلم ونحن مفتوحو الأعين فإنما نحن وأعمالنا مصنوعون من مادة الأحلام، ولكن لا شيء يمكن أن يقام على أساس من الهواء، و«خامسًا» إن فصائلنا لا ينبغي أن تضر بوطننا، ومن ثم لا غنى لنا عن مزيد من الحيطة ومزيد من المعرفة، و«سادسًا» إنه في الخيار بين الحيطة والمعرفة ستظل العقيدة قوام ما نرجوه وإن لم تكن على الدوام برهانًا على ما نجهله …»

•••

تلك نماذج متفرقة من أطراف متعددة، نحسبها كافية للتعريف بمعنى العقيدة كما يفهمها مفكرو هذا العصر في الحضارة الأوروبية، وقد لاحظنا في جمعها التعويل على التجارب النفسية أو التجارب المنقولة من الحياة، ولم نعول كثيرًا على روايات التاريخ ودراسات المقارنين بين الديانات كما تحفظها السجلات والمأثورات؛ لأننا في هذه العجالة إنما ننظر إلى العقيدة الحية كما يعيش بها الأحياء المثقفون في العصر الحاضر.

ويتبين من جملة الآراء المتقدمة أن العقيدة التي يصح أن توصف بالدينية هي العقيدة التي تعتمد على سند فوق الطبيعة، وأن العقيدة على أية حال قوة مطلوبة لا يستغني عنها من وجدها ولا يطيق الفراغ منها من فقدها، ولا يرفضها من اعتصم منها بمعتصم واستقر فيها على قرار.

١  هم جماعة أصدقاء أو «إخوة» في العقيدة البروتستانتية.
٢  The individual and his Religion by professor Gordon Al-Iport.
٣  Psychology and the Religious Quest, by Raymond Cattell, Clark University, New England.
٤  Philosophical Library. New York.
٥  In Search of Faith.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤