تغيرات واحتفالات

كانت مشاعر الكراهية لدى الصبية أمرًا خطيرًا، قويًّا وصارخًا، حقًّا طبيعيًّا خارقًا مثل سيف آرثر الذي انتُزع من الحجر كما في القصة المذكورة بكتاب الصف السابع. أما مشاعر الكراهية لدى البنات فهي مشاعر مضطربة مليئة بالدموع ذات نزعة دفاعية تغلب عليها المرارة. فكان الأولاد لا يترددون في الاندفاع نحوكِ بأسلوب تهديدي وهم على متن دراجاتهم، ويشقُّون الهواء في المكان الذي تقفين فيه بقوة دون تورع، كما لو أنهم يتمنَّوْنَ وجود سكاكين في عجلات الدراجات، وقد يتلفَّظون بأي شيء.

قد يقولون: «مرحبًا أيتها الساقطات.»

أو يقولون: «هاي، أين فروجكُن؟» بنبرة صاخبة مزدرية.

فكان ما يقولونه ينزع عنكِ حقَّك وحريَّتَك في أن تكوني ما تريدين ويختزلك إلى ما يرونه هم، وكان ذلك كفيلًا بوضوح لإثارة ضحكاتهم. ولما كان كبريائي وكبرياء صديقتي ناعومي لا يسمح لنا بعبور الشارع إلى الجهة الأخرى من الطريق حتى نتجنَّبهم، فقد قالت إحدانا للأخرى: «تظاهري بأنك لا تسمعينهم.» وأحيانًا كنا نرد عليهم: «اذهبوا واغسلوا أفواهكم في حوض البقر، فأنتم لا تستحقُّون استخدام الماء النظيف.»

بعد المدرسة لم أكن أنا وناعومي نريد العودة إلى المنزل؛ لذا أخذنا نطالع إعلانات الفيلم المعروض في مسرح الليسيوم وصور العرائس في واجهة عرض استوديو التصوير، ثم ذهبنا إلى المكتبة والتي كانت عبارة عن حجرة في دار البلدية. وعلى اللوح الزجاجي لأحد جانبي الباب الرئيسي لمبنى دار البلدية كُتبت بضعة أحرف «ﺣﻤ م اﻟﺴ ﺪات»، وعلى الجانب الآخر «حجرة اﻟﻘ اءة العا ـة»، ولم تُستكمل الأحرف الناقصة قط، وتعلَّم الجميع قراءة اللافتات بدونها.

وبجانب الباب كان ثمة حبل يتدلى من الجرس تحت القبة، وإلى جواره لافتة تحوَّل لونها إلى البني مكتوب عليها: «غرامة ١٠٠ دولار عقوبة إساءة الاستخدام.» وكانت زوجات الفلاحين تظهرن من الألواح الزجاجية لدورات مياه السيدات، جالسات متلفِّعات بأوشحتهن ومنتعِّلات أحذية الكلوش المطاطية في انتظار أن يأتي أزواجهن لاصطحابهن. نادرًا ما يكون بالمكتبة أحد سوى أمينة المكتبة بيلا فيبين، وهي امرأة صماء كالحجر، وتعاني من عرج في إحدى رجليها جرَّاء إصابتها بشلل الأطفال، وقد سمح لها مجلس المدينة أن تتولى تلك الوظيفة؛ لأنها لن تتمكَّن قط من أن تنال وظيفة لائقة. وكانت تقضي جل وقتها فيما يشبه معتزلًا أعدته لنفسها خلف مكتبها، وبه وسائد وبساط ملون وعلب بسكويت وسخان كهربائي وإبريق شاي وكتل من أشرطة بديعة الشكل. وكانت هوايتها هي صنع وسائد الدبابيس، وكانت كل الوسائد التي تصنعها لها الشكل نفسه؛ فكلها دمى كوباي يزينها في الأعلى ذلك الشريط الذي يكون على شكل تنُّورة منفوشة تغطِّي الوسادة الفعلية، وكانت تهدي واحدة لكل فتاة تتزوج في مدينة جوبيلي.

وقد سألتها ذات مرة عن شيء ما فأخذت تزحف حول مكتبها، وراحت تعرج بشدة بين الرفوف، ثم عادت بكتاب وناولتني إياه قائلة بالصوت المرتفع الحاد الذي يميز الصم: «إنه كتاب جميل.»

كان كتاب «انتصار باربرا وورث.»

كانت المكتبة مُتخَمة بمثل هذا النوع من الكتب؛ كتب قديمة مملة زرقاء وخضراء وبنية اللون ذات أغلفة أصبحت مهترئة ومهلهلة بعض الشيء. وكان غالبًا ما يكون على أغلفتها صورة شاحبة بالألوان المائية لسيدة ترتدي ملابس تشبه ملابس الشخصيات التي يرسمها جاينزبورو، ويُكتب تحتها كلمات على غرار: «السيدة دوروثي تسعى للعزلة في حديقة الورود كي تتفكر مليًّا في أهمية ذلك التواصل الغامض (ص١١٢).»

مؤلفات جيفري فارنول، وماري كوريلي، ورواية «أمير بيت ديفيد»، كلهم أصدقاء قدامى ممتعون حزانى مهترئون. كنت قد قرأتها من قبل، لكنني لم أقرأها ثانيةً، أما الكتب الأخرى فكنت أعرفها من ظهرها، أعرف كل انحناءة في كل حرف في عناوينها، لكنني لم ألمسها أو أسحبها من رفها؛ روايات مثل «قس القرية لأربعين عامًا»، «أملاك الملكة في الحرب والسلام»، كانوا مثل أناس تراهم في الشارع يومًا بعد يوم، وعامًا تلو الآخر، لكنك لا تعرف عنهم سوى وجوههم، وهذا يمكن أن يحدث حتى في جوبيلي.

كنت أشعر بسعادة غامرة في المكتبة؛ فهي مكان بنيت جدرانه من صفحات مطبوعة، دليل إلى عوالم كثيرة بديعة، وهو ما كان يمنحني إحساسًا بالراحة. على النقيض من هذا كانت ناعومي؛ فكانت تشعر أن هذا العدد الهائل من الكتب يُثقل كاهليها، ويجعلها تشعر بالقلق والشك. كانت في السابق تقرأ كتب ألغاز الفتيات، لكنها كبرت على هذه العادة. وقد كان هذا أمرًا معتادًا في جوبيلي؛ إذ كانت قراءة الكتب كمضغ العِلْك، عادة يجب التخلِّي عنها عندما تطغى على المرء سمات الجدية والاكتفاء التي تأتي مع مرحلة البلوغ، لكنها كانت تظل راسخة عند السيدات غير المتزوجات، غير أنها تعتبر عادة مخزية في حالة الرجال.

وهكذا كي تظل ناعومي صامتة بينما أتفحص أنا الكتب، كنت أُحضر لها شيئًا لتقرأه، شيئًا لا تتصور هي أن يكون موجودًا بين دفتي كتاب. جلسَت على السلم الصغير الذي لم تستخدمه بيلا فيبين قط، وأحضرت لها ثلاثية «كريستين لافرانسداتر» الضخمة خضراء الغلاف. وبحثتُ في صفحات الكتاب عن الجزء الذي يصف كريستين وهي تنجب طفلها الأول، ساعة بساعة، وصفحة بصفحة، ما شعرت به من آلام وما نزفته من دماء وهي تجلس القرفصاء على القش. شعرتُ ببعض الحزن وأنا أناولها الكتاب؛ كنت دائمًا أخون شخصًا ما، لكنها بدت لي الطريقة الوحيدة كي أتدبر أموري. لم يكن هذا الكتاب مثيرًا للاهتمام بالنسبة لي. كلا، فمتى كنت أود العيش في القرن الحادي عشر مثل كريستين، بل وألد طفلًا على كومة من القش بفرض أني عشت في ذلك الوقت، ولا سيما متى كنت أريد حبيبًا مثل إيرلوند ذاك الفارس الوحيد الكئيب المليء بالعيوب؟!

بعد أن انتهت ناعومي من قراءة الرواية أتتني سائلة: «هل اضطرَّت للزواج؟»

«نعم.»

«هذا ما ظننته؛ لأن الفتاة إذا ما اضطرَّت للزواج، فإنها إما تموت أثناء الولادة، أو تُشرف على الموت، أو يُولد الطفل بخطب ما مثل شفاه أرنبية أو قدم حنفاء أو قد يكون عيبٌ ما في الرأس. لقد رأت أمي كل هذا.»

لم أجادلها في الأمر، ولكنني لم أصدقها كذلك؛ فوالدة ناعومي تعمل ممرضة ممارسة، وعلى حسب ما تقول — أو ما تنقله ناعومي عنها — سمعت أن الأطفال الذين يولدون بكيس الجنين يَصِيرون مجرمين عندما يكبرون؛ وأيضًا أن هناك رجالًا جامَعُوا نعاجًا فكانت نتيجة الجماع كائنات ضئيلة هزيلة موبرة بوجوه بشر وأذناب نعاج لم تلبث أن ماتت وحفظت في زجاجات في مكان ما؛ وعن نساء مجنونات جرحن أنفسهن بطرائق فاحشة باستخدام شماعات المعاطف. كنت أصدق أو أنكر تلك الروايات وفقًا لمزاجي العام في تلك اللحظة إن كنت مبتهجة أو كنت خائفة. لم أكن أحب والدة ناعومي؛ فقد كان لها صوت رنان متغطرس وعينان جاحظتان ذابلتان — كعيني ناعومي — وسألتني هل بدأت في المحيض أم لا. لكن أي شخص يتعامل مع أمور الولادة والموت، ومستعد لرؤية أي شيء — النزيف ومخلفات الولادة وتحلل الأجساد المريع — والتعامل معه لا بد أن يلقى آذانًا مُصغية مهما كانت الأخبار التي يأتي بها.

«هل سيمارسان الجنس في أي جزء من أجزاء هذا الكتاب؟»

أخذت أبحث في الرواية — وأنا شغوفة بأن أزينها في ناظريْ ناعومي تمامًا كقسٍّ يحاول جاهدًا أن يُظهر أن الدين من الممكن أن يكون عمليًّا وممتعًا — حتى وجدت ذلك الجزء الذي يختلي فيه إرلوند وكريستين داخل الحظيرة، لكنه لم يكن مرضيًا بالنسبة لها.

«هل من المفترض أن يعني هذا أنهم مارسوا الجنس؟»

أشرت إلى الكلمات التي تصف ما فكرت به كريستين: «هل كان هذا الشيء السيئ هو ذاته الذي تتغنَّى به جميع الأغنيات؟»

عندما خرجنا من المكتبة كان الظلام قد بدأ يهبط، وكانت زلاجات الفلاحين في طريقها إلى خارج المدينة. لحقت أنا وناعومي بواحدة منطلقة إلى خارج شارع فكتوريا. كان الفلاح يلف رقبته بكوفية ويرتدي قلنسوة ضخمة من الفراء؛ فبدا كرجل من إحدى الدول الاسكندنافية يرتدي خوذة. استدار ناحيتنا وسبَّنا طالبًا منَّا أن نترجَّل، لكننا تشبَّثنا، يملؤنا الفخر بالتحدي المرح، وكأننا مجرمتان ولدتا بكيس الجنين. كنا نتشبث بالزلاجة وحافتها تنحر بطوننا، وأقدامنا تجعل الجليد يتناثر حولنا، حتى وصلنا إلى زاوية شارع ميسون، وهناك أفلتنا الزلاجة وسقطنا على كومة من الثلوج. وبعد أن جمعنا كتبنا والتقطنا أنفاسنا، صاحت كل منا في الأخرى:

«انزلي أيتها العاهرة.»

«انزلي أيتها العاهرة.»

كان أملنا — نحن الاثنتين — ألا يكون أحد ما قد سمع السباب الذي أطلقناه في الشارع، وخفنا من ذلك.

كانت ناعومي تعيش في شارع ميسون، وكنت أقطن في شارع ريفر، وكان هذا هو أساس صداقتنا؛ فعندما انتقلت لأعيش في المدينة كانت ناعومي تنتظرني في الصباح أمام بيتها الذي كنت أمرُّ عليه في طريقي. فكانت تقول لي: «لم تمشين بهذه الطريقة؟» فأسألها: «أية طريقة؟» فكانت تمشي بشكل غريب مترنحة في حالة من اللاوعي بما حولها تخفي ذقنها في ياقة معطفها، كنت أضحك وهي تقلِّدني وأنا أشعر بالإهانة، لكن انتقاداتها لي كانت انتقادات تنم عن أنني ملكًا لها، وعندما اكتشفت أنها تعتبر أننا أصدقاء شعرت بالحذر والفخر في الوقت نفسه، فلم يكن لي أصدقاء من قبل، فهذا يحدُّ من حريَّتي ويجعلني مخادعة بشكل أو بآخر، لكنه كذلك أَثْرَى حياتي وأَضْفَى عليها أهمية؛ فكل ذلك الصياح والسباب والسقوط على أكوام الجليد لم تكن أمورًا يفعلها المرء بمفرده.

والآن، صرنا نعرف بعضنا عن بعض أمورًا كثيرة للغاية تجعلنا لا نستطيع التخلِّي عن تلك الصداقة.

سجلت أنا وناعومي اسمينا كي نصير مراقبي السبورات في الفصول، وهو ما يعني أن نبقى في المدرسة بعد انتهاء الدوام الدراسي كي ننظِّف السبورات، ثم نأخذ الفراشي الحمراء والبيضاء والزرقاء إلى الخارج ونضربها بسور المدرسة المبني من الطوب، وهو ما يصنع في الهواء ما يشبه المراوح بمسحوق الطبشور. وحينما دخلنا سمعنا موسيقى غريبة تنبعث من حجرة المعلِّمين؛ فقد كانت الآنسة فاريس تغنِّي وتَذَكَّرنا أنه وقت الأوبريت، لا بد أنه الأوبريت.

كل سنة في شهر مارس تعرض المدرسة أوبريت، والذي كان يُظهر العديد من القوى المختلفة، ويغير كل شيء لفترة. وكانت مسئولية هذا الأوبريت تقع على عاتقيْ الآنسة فاريس — التي لم تكن تقوم طوال العام بعمل مميز سوى أن تدرس لتلاميذ الصف الثالث، وأن تعزف مقطوعة «المسيرة التركية» على البيانو كل صباح، والتي نصعد على ألحانها إلى فصولنا — والسيد بويس، وهو عازف آلة الأرجن في الكنيسة المتحدة، وكان يأتي إلى المدرسة يومين أسبوعيًّا كي يدرِّس الموسيقى.

كان السيد بويس محط انتباه وعدم احترام الآخرين؛ لأنه كان مختلفًا عن المدرسين العاديين؛ فقد كان قصيرًا ذا شارب ناعم وعينين دائريتين تبدوان دامعتين كقطعتيْ كاراميل. وكان أيضًا رجلًا إنجليزيًّا انتقل إلى هنا في بداية الحرب بعد أن نجا من غرق سفينة «أثينيا». لا أستطيع تخيُّل السيد بويس في قارب نجاة في شمال الأطلنطي! لقد كانت المسافة التي يقطعها من سيارته إلى المدرسة في شتاء جوبيلي تتركه يلهث في حنق شديد. وكان يحضر معه جهاز تشغيل أسطوانات في الفصل، ويشغل مقطوعات موسيقية مثل مقطوعة «افتتاحية عام ١٨١٢»، ثم يسألنا عن المشاعر والأفكار التي أثارتها هذه الموسيقى في داخلنا. ولأننا اعتدنا فقط الأسئلة الواقعية القويمة، فقد كنا ننظر إلى ألواح أرضية الفصل ونتضاحك وتهتزُّ أجسادنا قليلًا كما لو أننا نرى شيئًا لا يَلِيق. فكان ينظر إلينا نظرة تنم عن الاستياء قائلًا: «أعتقد أنها لا تجعلكم تفكرون إلا في أنه ليس من المفترض أن تستمعوا إليها.» ثم يهز كتفيه في حركة أكثر لطفًا وذاتية من أن تصدر عن معلم.

كانت الآنسة فاريس من أهل جوبيلي، فقد ارتادت هذه المدرسة وصعدت هذه السلالم الطويلة التي بليت في موضعين بفعل مسير الأقدام التي تطؤها كل يوم في حين كان شخص آخر يعزف «المسيرة التركية» (لأن هذه المقطوعة يبدو أنها كانت تُعزَف منذ قديم الأزل). وكان اسمها الأول معروفًا، إلينور، وكانت تعيش في منزلها الصغير القريب من رصيف شارع ميسون بالقرب من منزل ناعومي وتتردد على الكنيسة المتحدة. كانت أيضًا تذهب للتزلُّج مساءً مرة كل أسبوع طوال فصل الشتاء، وترتدي زيًّا مخمليًّا لونه أزرق داكن حاكته لنفسها؛ لأنها لم تكن لتستطيع شراءه قط، فكان زيها مؤطرًا بالفراء البيضاء ولديها قلنسوة وغطاء لليدين أبيضا اللون من ذات الفراء تتماشيان مع الزي، وكانت التنُّورة قصيرةً ذات طيات متعددة، ومبطَّنة بطبقة من نسيج التفتة الحريري الأزرق الشاحب، وتحتها كانت ترتدي بنطالًا ضيقًا أبيض اللون كراقصات الباليه. مثل هذا الزي كان يوحي بالكثير وبطرائق عدة.

ولم تكن الآنسة فاريس صغيرة السن كذلك. فكانت تصبغ بالحناء شعرها القصير الذي يتماشى مع موضة عشرينيات القرن العشرين، وكانت دائمًا ما تضع أحمر خدود واضحًا على وجنتيها وترسم ابتسامة بأحمر الشفاه على وجهها. وكانت تتزلَّج في دوائر تاركة تنورتها المبطَّنة بلون السماء تطير معها. غير أنها كانت جافة ومتصلِّبة وبريئة، فلم يكن تزلُّجها هذا عرضًا لنفسها، وإنما كان في الواقع يبدو كعرض تعليمي لمهاراتها في التزلج.

كانت تحيك كل ملابسها بنفسها، فترتدي ملابس مرتفعة الرقبة بأكمام طويلة محتشمة، أو أردية قروية ذات أربطة وأشرطة، أو أثوابًا مكشكشة ذات أشرطة تحت الذقن وعند الأساور، أو ملابس ذات أزرار لامعة جريئة عليها مرايا صغيرة. كان الناس يسخرون منها لكن ليس كثيرًا، كما لو كانت لم تولد في جوبيلي. قال فيرن دوجرتي، مستأجر لدى أمي: «يا لتلك المسكينة! إنها فقط تحاول أن تصطاد رجلًا، إنني أرى أن من حق كل امرأة أن تفعل هذا بطريقتها الخاصة.»

إذا كانت تلك طريقتها، فقد باءت بفشل ذريع؛ ففي كل عام تتواتر أخبار عن علاقة عاطفية — أو فضيحة — بينها وبين السيد بويس، ويكون ذلك أثناء التحضيرات للأوبريت. يزعم الناس أنهما شوهدا ملتصقين ببعضهما على كرسي البيانو، وقدمه تكز قدمها على الدواسة، وأن هناك من سمعه يناديها إلينور. غير أن كل تلك التلفيقات المبالغ فيها تتداعى عندما ينظر المرء إلى وجهها الضئيل ذي العظام البارزة، والذي تزيِّنه بمستحضرات التجميل والنقطتين اللامعتين في زاويتيْ فمها وعينيها اللامعتين الواسعتين. أيًّا ما كان الذي تسعى وراءه فلا يمكن أن يكون السيد بويس، بل وبغض النظر عما قاله فيرن دوجرتي، لا يمكن أن يكون هدفها هو الرجال من الأساس.

كان شغفها الحقيقي هو الأوبريت، هو ما يأسر كيانها ويسيطر على كل مشاعرها في المقام الأول، عندما حضرت مع السيد بويس إلى فصلنا نحو الساعة الثانية ظهرًا وكان الجو ضبابيًّا تنهمر فيه الثلوج، وكنا ننقل المكتوب على السبورة ونحن شبه نائمين وكل شيء حولنا شديد الهدوء، حتى إنه بإمكان المرء أن يسمع الخرير الصادر عن أنابيب المياه المطمورة بعمق في داخل المبنى. وفي صوت هامس، طلبت من الجميع أن ينهضوا ويغنُّوا في حين بدأ السيد بويس يعزف النوتة الموسيقية:

هل تعرفون جون بيل ذا المعطف الزاهي؟
هل تعرفون جون بيل وقت الفجر؟
هل تعرفون جون بيل عندما يكون بعيدًا جدًّا
مع حصانه وكلابه وقت شروق الشمس؟

أما معلمنا السيد ماكينا — وهو ناظر المدرسة أيضًا — فقد عبَّر عن رأيه فيما يحدث بأن استمر في الكتابة على السبورة، فأخذ يكتب: «كان وادي النيل محصَّنًا ضد الغزو بالصحراوات الثلاث التي تحيط به: الصحراء الليبية، والصحراء النوبية، والصحراء العربية.» لكن ما فعله لم يكن أمرًا ذا بال، ففي النهاية لن يُجدي ذلك نفعًا، وستظل نغمات الأوبريت تتصاعد وتتصاعد، وستزيح كل قواعده وتقسيماته للوقت، كما تزاح الأسياج المصنوعة من عيدان الثقاب. كم كان السيد بويس والآنسة فاريس لبقين في هذه اللحظة؛ إذ كانا يتحرَّكان على أطراف أصابعهما في أرجاء الفصل بشكل احتفالي ورأساهما مائلان لتمييز الأصوات المنفردة. لكن لن يدوم هذا طويلًا؛ فالأوبريت بأكمله الآن محصور فيهما، لكن حين يحين الوقت المناسب سوف يطلقان سراحه، سوف ينتفخ كبالون السيرك، وسيكون علينا جميعًا أن نتمسك جيدًا!

ثم أشارا برفق لبعض الطلاب أن يجلسوا، وكنت أنا منهم، وكذلك ناعومي، وقد أسرني هذا في الحقيقة. كما طلبا من بعض الطلاب أن يغنوا من جديد، وأومآ للطلاب الذين أرادا لهم أن يخرجوا من الصف.

كان توزيع الأدوار في الأوبريت أمرًا غير متوقع؛ تتراوح الأدوار فيه ما بين حمل أكاليل زهر الخشخاش إلى النصب التذكاري في ذكرى الاحتفال بيوم الهدنة، إلى إذاعة برنامج الصليب الأحمر للصغار، إلى حمل الملاحظات من معلم لآخر عبر الأروقة الخاوية على نحو غير معتاد. وبإمكان المرء أن يعرف مسبقًا من الذين سيتم اختيارهم معظم الوقت، ومن الذين سيتم اختيارهم في بعض الأحيان، ومن الذين لن يتم اختيارهم قط تحت أي ظرف من الظروف. وعلى رأس القائمة كانت مارجوري كوتس التي كان والدها محاميًا وعضوًا في المجلس التشريعي المحلي، وجوين موندي التي يعمل والدها متعهدًا ومالكًا لمتجر أثاث. لم يكن أحد ليعترض على اختيارهما، بل إننا حين أقيمت انتخابات حرة لاختيار مسئولي برنامج الصليب الأحمر الصغار، اخترناهما بأنفسنا دون تردد بدافع حس رفيع لتمييز ما هو مناسب. فعلاقاتهما الطيبة التي استمرت لسنوات مع من حولهما في البلدة وفي المدرسة جعلت منهما الاختيار الأنسب؛ فهما تتمتَّعان بخصال الثقة في النفس والدبلوماسية والكتمان والطيبة. أما أولئك الذين ليسوا أهلًا للثقة ويتحولون إلى الديكتاتورية عندما يتولَّون مهمة ما، أو الذين يتعثَّرون في الطريق إلى النصب التذكاري، أو من قد يقرءون ملاحظات المعلِّمين في الأروقة على أمل أن يجدوا بها ما يمكن الوشاية به، هم من كان يقع عليهم الاختيار أحيانًا؛ وكذلك الطموحون وغير الواثقين مثل ألما كودي — التي كانت متخصصة في المعلومات الجنسية — ومثلي أنا وناعومي.

وبالضبط كما كان من المؤكد أن مارجوري وجوين تحجزان مكانيهما، كان من المؤكد أن البعض لن يتم اختياره قط، مثل تلك الفتاة الضخمة البدينة التي تُدعى بيولا باوز التي كانت مؤخرتها تتخطَّى حدود مقعدها، وكان الأولاد يغرسون فيها سنون أقلامهم، وتلك الفتاة الإيطالية التي لا تتكلم أبدًا ودائمًا ما تتغيَّب بسبب مرض في كليتها، وكذلك صبي أمهق واهن الجسد كثير البكاء يمتلك أبوه دكان بقالة صغيرًا، والذي كان يشتري حياته في المدرسة بأكياس من الحلوى باللبان والشيكولاتة والحلوى بطعم العرقسوس. مثل هؤلاء الطلاب كانوا يجلسون دائمًا في آخر الفصل، ولا يطلب منهم المعلمون أبدًا القراءة بصوت مرتفع، أو الخروج لكتابة مسألة حسابية على السبورة، وكانوا يتلقَّوْنَ بطاقتَيْ معايدة في كل عيد حب (هاتان البطاقتان من مارجوري وجوين اللتين بإمكانهما إرسال بطاقات للجميع دون خوف من أن تتلوَّث سمعتُهما). وكانوا يمضون العام بعد العام والصف تلو الصف في عزلة حالمة لا يعكر أحد صفوها. وستكون الفتاة الإيطالية هي أول من يموت من بيننا عندما نلتحق بالمدرسة الثانوية، وحينها سنتذكرها بذعر، وفخر جاء متأخرًا قائلين:

«لقد كانت في صفنا.»

وقد نجد صوتًا غنائيًّا شجيًّا في أي مكان، لكن بالطبع ليس لدى بيولا باوز أو لدى الفتاة الإيطالية أو ذلك الصبي الأمهق، لكنه كان يأتي من مكان قريب منهم. فمن يمكن أن يكون ذلك الذي اقتنصه السيد بويس والآنسة فاريس كأنه غنيمة سوى ذلك الصبي الذي يجلس خلفي — وهو صبي كنت سأضعه في آخر قائمة الطلاب الذين يجري اختيارهم في بعض الأحيان — وهو فرانك ويلز.

لم يكن ينبغي لي أن أندهش، فقد كنت أسمعه خلفي كل صباح يغني «ليحفظ الله الملك»، ومرة كل أسبوع خلال زيارات السيد بويس كنت أسمعه يغني «جون بيل»، و«تدفق برفق يا نهر آفتون الجميل»، و«كما يشتاق الأيل إلى جداول المياه الباردة عندما يصيبه الحر من المطاردات.» كان صوته صوت سوبرانو ثابتًا طبيعيًّا جريئًا ذا طبقات تكاد تكون غير بشرية، بل هادئة ومتفردة كصوت الناي. (وقد بدا جهاز تشغيل الأسطوانات — الذي تعلَّم بعد ذلك أن يشغله ليعزف موسيقى دوره في الأوبريت — كأنه امتداد لصوته). هو نفسه كان غير مكترث بامتلاك صوت كهذا، وغير واعٍ به لدرجة أنه عندما يتوقف عن الغناء، يتلاشى كليًّا ولا يفكر أحد في الربط بينه وبين هذا الصوت.

كل ما كنت أعرفه عن فرانك ويلز هو أنه سيئ جدًّا في التهجية، فقد كان عليه أن يمرر ورقة التهجية الخاصة به إليَّ أولًا لأمررها للمعلمة كي يتم تصحيحها وتوضع عليها الدرجات. وبعدها كان يذهب إلى السبورة، منصاعًا ولكن رابط الجأش، كي يكتب كل كلمة ثلاث مرات، لكن لم يبد أن هذا يساعده كثيرًا. كان من الصعب تصديق أن تهجئته هذه لم تكن حماقة أو مزاحًا عنيدًا غاضبًا، لكن لا شيء آخر بشأنه كان يرجح هذا الرأي. فبخلاف مستواه في التهجية، فإنه لم يكن ذكيًّا ولا غبيًّا؛ فقد كان يعرف على الأرجح أين يقع البحر المتوسط، لكنه لا يعلم أين يقع بحر سارجاسو.

عندما عاد إلى مقعده كتبت على مسطرتي «أي دور أخذت؟» ثم مررتها إليه كما لو كنت أعيره إياها. كان الفصل الدراسي منطقة هدنة يسمح فيها باتصال محايد، ولكن خفي، بين الأولاد والبنات.

فكتب فرانك على جانب المسطرة الآخر: «زمار هاملين.»

فعرفت أن الأوبريت الذي سوف نؤديه هو «زمار هاملين». أصابني الإحباط لأنه لن تكون هناك مشاهد في البلاط، ولن تكون هناك وصيفات للملكة ولا ثياب جميلة. لكنني مع هذا أردت بشدة أن أشارك في الأوبريت. شرعت الآنسة فاريس في اختيار الراقصات لمشهد «رقصة زواج القرويات».

«أريد أربع فتيات يستطعن أن يبقين رءوسهنَّ منتصبة ويتابعن الإيقاع بأقدامهن. مارجوري كوتس وجوين موندي، ومن أيضًا؟» جالت عيناها في الصفوف، وتوقفت عدة مرات عند العديد من الفتيات وعندي أنا أيضًا، حيث جلست مرفوعة الرأس وكتفاي مستقيمتان وتعبير وجهي مشرق لكن غير متلهِّف حفظًا لكرامتي، وإصبعاي منعقدتان حول بعضيهما بعنف تحت طاولتي، وهي إشارة خاصة بي طلبًا للحظ السعيد. «آلما كودي و… جون جانيت، والآن أريد أربعة صبية يستطيعون الرقص دون أن يسقطوا الستارة …»

شعرت بألم يعتصرني، ماذا لو أنني مقدر لي فقط أن أكون مع الجمهور دائمًا وراء كواليس خشبة المسرح؟ ماذا لو أنني لم يكتب لي قط ارتقاء خشبة المسرح؟ بعض طلاب الفصل لن يرتقوا خشبة المسرح قط، بل سيجلسون على مقاعد مصطفة أسفلها على جانبي البيانو الذي يعزف عليه السيد بويس ومعهم الطلبة من الصفوف الأصغر الذين اختيروا للغناء في الكورس، وكلهم يرتدون زيًّا موحدًا من تنورة سوداء وبلوزة بيضاء أو بنطلون أسود وقميص أبيض. في ذاك المكان جلست لثلاث سنين خلال أوبريتات «أميرة الغجر» و«راقصي كيري» و«التاج المسروق». وهناك ستجلس الفتاة الإيطالية والفتاة البدينة والفتى الأمهق — كما هو متوقع — خلال أوبريت «زمار هاملين»، لكن ليس أنا! ليس أنا! لم أكن أصدق ذلك الظلم الفظيع الذي سيبعدني عن المسرح.

ناعومي هي الأخرى لم تحصل على دور لتشارك في الأوبريت، لكننا لم نتكلم في هذا الموضوع في طريقنا إلى المنزل، لكننا سخرنا من كل شيء متعلق بهذا الأوبريت.

«أنت قومي بدور الآنسة فاريس وأنا سأكون السيد بويس. آه، يا حبي الحقيقي، يا طائري الصغير، موسيقى «زمار هاملين» هذه تجعلني أفقد صوابي ولعًا وهيامًا بك، متى سأضمك بين ذراعيَّ حتى يتصدع عمودك الفقري لأنك نحيلة للغاية؟»

«لست نحيلة، أنا باهرة الجمال، وشاربك هذا أصابني بطفح جلدي. ماذا سنفعل بشأن السيدة بويس يا حبي؟»

«لا تشغلي بالك بها يا ملاكي الجميل، سوف أحبسها في خزانة مظلمة ملأى بالصراصير.»

«لكنني أخشى أن تهرب.»

«في هذه الحالة سوف أجبرها على تناول الزرنيخ، ثم سأقطع جسدها إلى قطع صغيرة وأُلْقِي بها في المرحاض. كلا سوف أذيبها في محلول قلوي في حوض الاستحمام. وسوف أصهر حشوات أسنانها الذهبية وأصنع لنا منها خاتم زفاف جميلًا.»

«آه كم أنت رومانسي يا حبيبي!»

وبعد ذلك، اختيرت ناعومي لأداء دور أمٍّ تقول في الأوبريت: «آه، حبيبتي مارتا الصغيرة، كم كنت ترقصين كل صباح وأنا أحاول أن أضفر شعرك! وكنت أوبِّخك على هذا! آه لو كان لي أن أراك وأنت ترقصين الآن!» وفي آخر مشهد تقول: «الآن أنا ممتنة للغاية، لن أحكي أي شيء عن جيراني، ولن أكون امرأة بخيلة نمَّامة بعد الآن!» وأعتقد أنها اختيرت لأداء ذلك الدور بسبب قوامها القصير المكتنز الذي يسهل تحويله إلى قوام امرأة وقورة. وهكذا، صرت أعود إلى المنزل وحدي؛ فكل من فاز بدور في الأوبريت كان عليه البقاء بعد اليوم الدراسي ليتدرب. وعندما عدت إلى المنزل سألتني أمي: «كيف أحوال الأوبريت؟» وتقصد: هل حصلت على دور؟

«لم يفعلوا شيئًا حتى الآن، لم يوزعوا الأدوار بعد.»

بعد العشاء ذهبت إلى شارع ميسون ومررت من أمام بيت الآنسة فاريس، لم تكن لديَّ فكرة عما أنتوي فعله، أخذت أقطع الطريق جيئة وذهابًا على الثلوج المتصلِّبة دون أن أصدر صوتًا. لم تكن الآنسة فاريس تسدل ستائرها، لم يكن من عاداتها. كان بيتها صغيرًا كبيوت ألعاب الأطفال، وكان أبيض اللون ذا مصاريع زرقاء، وله سطح مدبب ذو قمة مثلثة صغيرة، وفوق الباب والنوافذ ألواح ذات نتوءات مدورة. وقد جعلت البنائين يبنون هذا المنزل من أجلها بالنقود التي ورثتها بعد وفاة والديها. ورغم أنه كان من الشائع رؤية بيوت كهذه في الأفلام السينمائية — بيوت ساحرة غريبة تبدو كما لو كانت مصممة للعب لا للسُّكْنَى — فلم يكن أحد في جوبيلي قد رآها من قبل. ومقارنة بالبيوت الأخرى بالمدينة، كان بيتها يبدو خاليًا من الأسرار والتناقضات. وكان الناس يقولون: «إنه بيت جميل، لا يبدو حقيقيًّا.» لم يكن بإمكانهم تفسير ما كان يريبهم في ذلك المنزل أكثر من هذا.

بالطبع، لم يكن بوسعي ما أفعله، وبعد وهلة عدت إلى المنزل.

لكن في اليوم التالي، جاءت الآنسة فاريس إلى الفصل ومعها جون جانيت، وسارت بها مباشرة نحو مقعدي قائلة: «قفي يا ديل.» كما لو كان عليَّ أن أفعل هذا دون أن يُطلَب مني — فقد كانت تسترد المزيد والمزيد من طباعها أثناء فترة عروض الأوبريت — وجعلت كلتينا تقف وظهري في مواجهة ظهرها. أدركت أن طول جون لم يكن مناسبًا، لكني لم أعرف هل هي أطول مما ينبغي أم أقصر مما ينبغي؛ ومن ثم لم أتمكن من الانبساط أو الانكماش. وضعت الآنسة فاريس يديها على رأسينا ثم رفعتهما ببطء. كانت تقف على مسافة قريبة جدًّا حتى إنني شممت رائحة عرقها الأشبه برائحة الفلفل، وارتجفت يداها ارتجافة خفيفة، وسرت في جسدها همهمة حماس صغيرة خطيرة.

«إنك أطول مما ينبغي بنصف بوصة يا عزيزتي جون، سوف نفكر في إمكانية إعطائك دور أم.»

تبادلت أنا وناعومي — وآخرون — نظرات سعادة توَّاقة، فقطَّب السيد ماكينا ما بين حاجبيه وأدار وجهه بنظرة عابسة بين أرجاء الفصل.

«من شريكك؟» هكذا همست لي ناعومي فيما بعد ونحن في حجرة الملابس نتدافع لانتعال أحذيتنا ذات الرقاب الطويلة. كان علينا أن نخرج في صفوف، ونحضر ثياب الخروج ونأتي بها إلى الفصل، ونلبسها على مقاعدنا بشكل منظم.

أجبتها: «جيري ستوري.» لم أكن سعيدة بتوزيع الأدوار. لقد بدا كما لو كان مقصودًا به التوافق؛ فقد كان شريكا جوين موندي ومارجوري كوتس هما موراي هيل وجورج كلاين، اللذان كانا بشكل أو بآخر قرينيهما بين الصبية؛ حيث كانا ذكيين رياضيين وكانا — حيثما كان ذلك مهمًّا — مهذَّبين. وكان شريك آلما كودي هو دايل ماكلوفلين ابن كاهن الكنيسة المتحدة والذي كان طويلًا ذا أطراف مرتخية، وجريئًا بحماقة يرتدي نظارات سميكة فوق عينين إحداهما حولاء، وكان قد مارس الجنس بشكل أو بآخر مع فايوليت تومز في مرأب الدراجات خلف المدرسة. وكان من نصيبي أنا جيري ستوري، وهو فتى يغطي رأسه شعر متموِّج طفولي وتجحظ عيناه بحماس علمي جلي. وفي حصص العلوم، كان يرفع يده ويتكلم بصوت أخنف مملٍّ شارحًا التجارب التي أجراها بأدواته الكيميائية. وكان يعرف أسماء كل شيء: العناصر والنباتات، وكذلك الأنهار والصحاري الموجودة على الخريطة، وكان يعرف موقع بحر سارجاسو. وطوال فترة تدريبنا على تلك الرقصة لم ينظر إلى وجهي قط، وكانت يداه تتعرَّقان، وكذلك يداي.

قالت ناعومي: «إنني أشفق عليك، سيظن الجميع الآن أنه يروق لك.»

لا أبالي، فليس في المدرسة الآن إلا الأوبريت. وكما في الحرب حيث لا يمكن للمرء أن يتخيل فيما كان يفكر الناس، أو ما كان يشغل بالهم، أو عما كانت الأخبار قبل اندلاع الحرب، من المستحيل الآن أن أتذكر ما كانت عليه المدرسة قبل هذا التشويق والارتباك والتوتر الذي صحب الأوبريت. كنا نتدرب على الرقص بعد المدرسة، وخلال ساعات الدراسة، في حجرة المعلمين. لم يسبق لي أن دخلت حجرة المعلمين من قبل، واندهشت لمرأى الخزانة الصغيرة ذات الستائر المصنوعة من الكريتون، وفناجين الشاي والسخان الكهربائي وزجاجة الأسبرين، والأريكة الجلدية المتكتلة. فلم يكن أحد يربط بين المعلمين وبين مثل هذه الأغراض المنزلية المألوفة، بل والمهترئة.

واستمرت مشاهد غريبة غير متوقعة في الظهور أمامنا، فقد كانت هناك كوة في سقف حجرة المعلمين، وذات يوم عندما دخلنا الحجرة للتدريب وجدنا السيد ماكينا — من بين كل المعلمين السيد ماكينا نفسه — تتدلَّى مؤخرته وساقاه في بنطلونه البني المليء بالغبار من الكوة وهو يبحث عن السلم. وكان ينزل صناديق من الورق المقوى التي كانت الآنسة فاريس تتناولها منه وهي تقول: «نعم، ذاك، وذاك! آه ماذا لدينا هنا؟ لنر ما إذا كان لدينا ثروة هنا!»

قطعت الخيط بحركة سريعة قوية، وأخرجت ما في الصندوق من أقمشة قطنية خفيفة مصبوغة باللونين الأحمر والأزرق، محفوفة أطرافها بحلقات ذهبية وفضية مصنوعة من الخيوط التي نزيِّن بها أشجار عيد الميلاد، وكذلك تيجان مغلفة برقائق ذهبية وفضية، وبناطيل مخملية ذات لون بني ضارب إلى الصفرة، وشيلان صفراء ذات أهداب مصنوعة من قماش بيزلي، وبعض من أثواب المحاكم مصنوعة من قماش تفتة رقيق مترب. ولم يملك السيد ماكينا سوى أن يأخذ في الضرب على بنطاله نافضًا عنه الغبار دون أن يتلقى أي شكر.

«لا رقص اليوم! ليخرج الأولاد، ليخرجوا ويلعبوا الهوكي.» (كان هذا واحدًا من خيالاتها إذ كانت تظن أن الأولاد يلعبون الهوكي حين لا يكونون في المدرسة.) «الفتيات يبقين ويساعدنني في الفرز. ماذا لدينا هنا يصلح لقرية ألمانية في العصور الوسطى؟ لا أدري، لا أدري. هذه الملابس واسعة جدًّا، وسوف تسقط منكم على المسرح على أية حال، لقد شهدت أعظم أيامها في مسرحية «التاج المسروق». هل ستلائم تلك البناطيل العمدة؟ هذا يذكرني بأن عليَّ أن أصنع سلسلة العمدة! وعليَّ أن أصنع زي فرانك ويلز كذلك، إن آخر من لعب دور زمار هاملين لدينا كان حجمه ضعف حجم فرانك، من كان ذاك؟ لقد نسيت حتى من كان، كان فتًى بدينًا، ولم نختره إلا لصوته.»

سألت جوين مونداي — التي كانت تشعر بالراحة والألفة في التعامل مع المعلمين — بنبرة صوتها المهذبة الرقيقة: «كم يصل عدد الأوبريتات المختلفة؟»

أجابت الآنسة فاريس بلهجة حازمة: «ستة: «زمار هاملين»، و«أميرة الغجر»، و«التاج المسروق»، و«الفارس العربي»، و«راقصي كيري»، و«ابنة الحطاب». وعندما يحين موعد إعادة إحداها يكون لدينا مجموعة جديدة من المؤدين نختار من بينهم، ونبتهل إلى السماء أن يكون الجمهور قد نسي المرة السابقة.» التقطت عباءة مخملية سوداء اللون مبطنة باللون الأحمر، ونفضت عنها الغبار ثم وضعتها على كتفيها قائلة: «هل تذكرون؟ هذا ما ارتداه بييرس موراي حين لعب دور الكابتن في «أميرة الغجر». كلا بالطبع لا تذكرون، كان هذا في عام ١٩٣٧، وبعدها قتل، كان في القوات الجوية.» لكنها قالت هذا الجزء دون اكتراث؛ فبعد أن أدى دور الكابتن في «أميرة الغجر» هل يهم ما حدث له بعدها؟ «وفي كل مرة كان يرتدي هذا المعطف كان يتمايل — هكذا — مظهرًا بطانته.» قالتها وهي تميل بخيلاء مقلدة ما كان يفعله. كانت كل تعليماتها المسرحية وتعليماتها في الرقصات مبهرة ومبالغًا فيها بشكل كبير ومتعمد، كما لو كانت تريد أن تدهشنا لدرجة أن ننسى ذواتنا. وكانت تكيل لنا الإهانات فقالت إننا نرقص كأناس في الخمسين من عمرهم مصابين بالتهابات المفاصل، وقالت إنها ستضع مفرقعات نارية في أحذيتنا، لكنها كانت تحوم حولنا طوال الوقت كما لو أن بداخلنا إمكانات رقص جميل متقدة، وكأنها قادرة على أن تخرج من داخلنا ما لا يستطيع غيرها اكتشافه، بل وحتى ما لا نعرف نحن أننا نمتلكه.

ثم دخل السيد بويس كي يأخذ جهاز التسجيل الذي كان يعلم فرانك ويلز تشغيله، ورأى حركة التمايل التي كانت تؤديها.

فقال بدهشته الإنجليزية المعهودة التي تنم عن تحكم كامل بالذات: «كون بريو يا آنسة فاريس، كون بريو (أي بحماس وحيوية باللغة الفرنسية).»

انحنت الآنسة فاريس بلباقة لتكمل حالة التمايل، وأفسحنا نحن المجال لها لتفعل ذلك، بل إننا في تلك اللحظة تفهَّمنا أن حُمرة الخجل التي امتصَّت حمرة أدوات التجميل كضوء الشمس لم تكن تمتُّ بصلة للسيد بويس، وإنما مردها إلى المتعة التي تجدها في حركتها. ولكننا توقَّفنا عند «كون بريو» وقررنا أن نخبر الآخرين بها، لم نكن نعلم ماذا تعني ولم نكترث لأن نعرف، كل ما كان يهمنا أنها كلمة سخيفة؛ فكل الكلمات الأجنبية في حد ذاتها سخيفة وتنتشر كالنار في الهشيم. بعد ذلك عرفنا مدى ملاءمتها. فلفترة طويلة بعد انتهاء الأوبريت لم تكن الآنسة فاريس تسير في رواق المدرسة، ولم تكن تمر بنا في طريقها إلى أعلى هضبة جون ستريت وهي تغني بخفة مشجعة نفسها كعادتها وتلقي تحية الصباح، دون أن تسمع هذه العبارة تتردد بمكر بجوارها. شعرنا أن هذه هي الضربة القاصمة لها؛ فقد كانت تجعلها تستشيط غضبًا.

بدأنا نذهب إلى دار البلدية لنتدرب هناك، كانت قاعة البلدية ضخمة ومفتوحة تكثر بها تيارات الهواء كما أتذكر، وكانت ستائر خشبة المسرح مخمليَّة قديمة لونها أزرق داكن ومؤطرة بأهداب ذهبية رائعة، كما أتذكر. كانت المصابيح مضاءة في تلك الأيام الشتوية المظلمة، ولكن ليس على طول الممر المؤدي إلى نهاية القاعة؛ حيث كانت الآنسة فاريس أحيانًا تقف بحيث لا نراها وتصيح: «لا أسمع كلمة هنا! لا أسمع ما تقولون! ممَّ تخافون؟ هل تريدون أن يصيح الجالسون في الصفوف الخلفية مطالبين باسترداد نقودهم؟»

كانت الآنسة فاريس على وشك أن يتملَّكها اليأس، وكانت طوال الوقت في يدها شيء ما تحيكه. وذات يوم أشارت إليَّ وأعطتني قطعة من جديلة ذهبية كانت تخيطها على قبعة العمدة المخملية، وطلبت مني أن أذهب إلى متجر ووكر لأحضر ربع ياردة تتناسق معها. كانت ترتجف، وأخذت همهمتها تصبح أكثر وضوحًا وقالت: «لا تتأخري.» قالتها كما لو أنها ترسلني كي آتيها بدواء ضروري أو برسالة يمكن أن تنقذ جيشًا. لذا غادرت مسرعة مرتدية معطفي دون أن أغلق أزراره إلى شوارع مدينة جوبيلي الصامتة، البيضاء بلون الصوف الأبيض، بعد أن غطت الثلوج التي انهمرت حديثًا المدينة، وبدا مسرح دار البلدية ورائي مشرقًا كمشعل متقد بحماسة الإخلاص الشديد. إخلاص لصناعة ما هو غير حقيقي، ما لم يكن ضروريًّا بصورة واضحة، لكنه كان أكثر أهمية — بمجرد أن نؤمن به — من أي شيء آخر لدينا.

وبعد أن حررني الأوبريت من روتين حياتنا اليومية، وبعد أن أصبحت أتذكر الفصل — حيث كان السيد ماكينا يواصل منافسات التهجية والحسابات العقلية مع أولئك الذين لم يقع عليهم الاختيار — بأنه مكان حزين وكئيب تركته خلفي، شعرت أننا جميعًا صرنا حلفاء الآنسة فاريس. كنا نجمع أدوارنا المنفصلة في الأوبريت جنبًا إلى جنب ونراها تتحول إلى كيان متكامل. وكانت قصة الأوبريت تثير مشاعري ولا تزال؛ فكنت أفكر في مدى قوة واختلاف وعجز وتراجيدية شخصية زمار هاملين. لم تكن الخيانة تفاجئه حقًّا، وبعد أن خارت قواه من استغلال العالم له، استطاع — على غرار همفري بوجارت — الحفاظ على نبله وشرفه بعد أن أصابهما الإرهاق والوهن. بل وحتى انتقامه (الذي أفسده تغيير نهاية القصة طبعًا) لم تكن تفوح منه رائحة الحقد، وإنما كان أقرب إلى الرفق؛ انتقام رقيق ومروع هدفه تحقيق العدالة الكبرى. شعرت أن فرانك ويلز — ذاك المتهجي الذي لا سبيل لتعليمه — تقمَّص دوره بسهولة وبشكل طبيعي دون أدنى محاولة للتمثيل. فكان كل يوم يحمل معه تحفظه ولامبالاته إلى خشبة المسرح، وكان هذا هو الصواب. وقد تأمَّلت ملامحه للمرة الأولى لأرى كيف يبدو، فكان رأسه طويلًا ونحيلًا، وشعره أسود قصيرًا مجعدًا وكثيفًا، ووجهه يغلب عليه الحزن — رغم أنه قد يتَّضح أنه وجه شخصية كوميدية، لكن ليس في هذه الحالة — به ندوب من أثر حبوب قديمة، وحبة جديدة بدأت تظهر في مؤخرة عنقه. كان جسده نحيلًا كوجهه، وارتفاعه كان مناسبًا لصبي في صفنا — أي إنه أقصر مني بأقل من بوصة — وكانت مشيته سريعة وعفوية، مشية شخص لا يحتاج لا إلى جذب اهتمام الناس أو دفعه بعيدًا. كل يوم كان يرتدي سترة ذات لون رمادي يميل إلى الزرقة مرقعة عند الكوعين، وقد بدا لي هذا اللون الدخاني العادي المتحفظ الغامض هو لون شخصيته، لون ذاته.

لكنني كنت أحبه، أحب شخصية زمار هاملين، وأحب شخصية فرانك ويلز.

وهكذا لم أتمالك نفسي، وكنت بحاجة لأن أتحدث عنه مع أي شخص؛ لذا تحدثت مع أمي متصنِّعة الموضوعية والنقد.

«صوته جيد، لكنه ليس طويلًا بما يكفي، لا أظنه سيكون مميزًا على خشبة المسرح.»

«ما اسمه؟ ويلز؟ أهو ابن تلك السيدة التي تبيع مشدات الخصر؟ كنت أبتاع مشداتي من السيدة ويلز، كان لديها أنحف مقاس، لكنه لم يعد لديها منه الآن. كانت تقطن في شارع بيجز بعد محل الألبان.»

«لا بد أنها والدته.» كنت متحمسة بصورة غريبة لفكرة أن هناك حلقة وصل بين أسرة فرانك ويلز وأسرتي، بين حياته وحياتي، فسألت أمي: «هل ذهبت إلى منزلها؟ هل أتت هي إلى هنا؟»

«ذهبت أنا إلى منزلها، فلا بد لمن أراد الشراء أن يذهب إلى هناك.»

أردت أن أسألها عن شكل المنزل: هل من صور في غرفة الاستقبال؟ عم تكلمت أمه؟ هل جاءت على ذكر أطفالها؟ كان أملًا مبالغًا فيه أن تكونا قد صارتا صديقتين، وأن تكونا قد تحدثتا عن أسرتيهما، وأنه في تلك الليلة على مائدة العشاء تكون السيدة ويلز قد قالت: «جاءتنا اليوم سيدة لطيفة لتضبط مقاس مشدات خصرها وقالت: إن لها ابنة في الفصل نفسه معك في المدرسة …» فيم سيفيد هذا؟ أن يذكر اسمي على مسمع منه وأن تتراءى صورتي أمامه.

دفعت الأجواء في دار البلدية في تلك الأيام الكثيرين — وليس أنا فقط — إلى تلك الحالة. فكانت جدران العداوة التقليدية بين الصبية والفتيات تتشقق في مئات الأماكن، فلم يكن من الممكن الإبقاء عليها، أو حيثما كان على تلك الجدران أن تبقى، فقد بقيت مستترة خلف غلاف من المزاح، وتيارات خفية مرتبكة من الود.

في طريق العودة من المدرسة كنت أنا وناعومي نأكل قوالب حلوى الطوفي السكرية — التي كانت تباع بخمسة سنتات — والتي كان قضمها عسيرًا في ذاك الجو البارد ومضغها لا يقل صعوبة، وكنا نتحدَّث بحذر وأفواهنا ممتلئة بالحلوى.

«إن لم يكن شريكك جيري ستوري، من كنت ستختارين ليكون شريكك؟»

«لا أدري.»

«موري؟ أم جورج؟ أم دايل؟»

هززت رأسي بحزم وأنا أمتص بصوت عالٍ لعابي المشبع بطعم الطوفي.

قالت ناعومي بلهجة شيطانية: «فرانك ويلز.»

وتابعت: «قولي نعم أو لا، هيا، سأخبرك من أحب أن يكون شريكي لو كنت مكانك.»

قلت بصوت حذر مستسلم: «لم أكن لأعترض عليه، أقصد فرانك ويلز.»

«أنا لم أكن لأعترض على دايل ماكلوفلين.» قالتها ناعومي بتحدٍّ وبصورة مدهشة إلى حدٍّ ما، لقد استطاعت أن تكتم سرها خيرًا مني. أمالت رأسها فوق كومة من الجليد تقطر ماءً، وأخذت قضمة من قالب الطوفي ثم قالت في النهاية: «أعرف، لا بد أنني مجنونة، إنه يروقني حقًّا.»

فقلت بنبرة اعتراف تامٍّ: «وأنا يروقني فرانك ويلز حقًّا، لا بد أنني أنا أيضًا مجنونة.»

بعدها صرنا نتحدث طوال الوقت عن هذين الولدين، أطلقنا عليهما الاختصار ج. ق، وهو اختصار «الجاذبية القاتلة».

«ها هو ج. ق قادم، حاولي ألا تفقدي وعيك.»

«لماذا لا تعطين ج. ق دهان نوكسيما لعلاج الحبوب؟ أف!»

«أظن أن ج. ق كان ينظر إليك لكن من الصعب التأكد من ذلك مع عينه الحولاء.»

وهكذا طورنا شفرة بيننا تتكون من رفع الحواجب، وهز الأصابع على الصدر، وكلام بدون صوت مثل «بانج أوه بانج» (والتي نستخدمها عندما نقف إلى جوارهم على خشبة المسرح)، و«غضب»، و«غضب مضاعف» (عندما يتحدث دايل ماكلوفلين مع آلما كودي ويطرقع إصبعي الإبهام والوسطى على عنقها)، و«نشوة» (عندما يدغدغ ناعومي تحت ذراعها ويقول: «ابتعدي عن طريقي يا كرة الزبدة»!)

أرادت ناعومي أن تتحدث عن الواقعة التي حدثت في مرأب الدراجات، عن الفتاة التي ضاجعها دايل ماكلوفلين، وهي فايوليت تومز المريضة بالربو، والتي رحلت عن المدينة.

«خيرًا أنها رحلت؛ لقد جلبت على نفسها الخزي هنا.»

«لم تكن غلطتها بالكامل.»

«بل هي غلطتها، إنها دائمًا غلطة الفتاة.»

«كيف تكون غلطتها إذا كان قد أمسكها عنوة؟»

قالت ناعومي بصرامة: «لا يمكن أن يكون قد أمسكها عنوة، فكيف له أن يمسكها عنوة ويضاجعها في الوقت نفسه، كيف يمكنه هذا؟»

«لماذا لا تسألينه أنت؟ سوف أخبره أنك تريدين أن تعرفي.»

قالت ناعومي متجاهلة ما قلت: «تقول أمي: إنها غلطة الفتاة، إن الفتاة هي المسئولة؛ لأن أعضاءنا الجنسية في داخل أجسادنا أما أعضاؤهم فهي خارج أجسادهم، ونحن نستطيع أن نتحكم في رغباتنا خيرًا منهم، فالصبي لا يستطيع أن يتمالك نفسه.» كانت توجهني بنبرة منذرة ومع ذلك متساهلة بصورة غريبة تقر بالفوضى والوحشية الغامضة التي تسود العالم المجاور لنا.

كان من الصعب مقاومة الحديث في تلك الأمور، لكنني مع هذا أثناء سيري في شارع ريفر، غالبًا ما كنت أتمنى لو أنني احتفظت بسري لنفسي كما نتمنى جميعًا لو أننا احتفظنا بأسرارنا لأنفسنا. قالت ناعومي: «فرانك ويلز لم يبلغ بعد؛ إذ إن صوته لم يتغير.» لا بد وأنها كانت تنقل معلومة أخرى من معلومات والدتها، وقد كنت مهتمة أن أعرف لكن في الوقت نفسه منزعجة، كما لو أن مشاعري تجاهه صُنِّفَت تصنيفًا خاطئًا، وذهبت في اتجاه غير متوقع بالمرة. لم أكن أعرف في الواقع ماذا أريد من فرانك ويلز. كنت أحلم به في يقظتي حلمًا يتكرر كثيرًا، كنت أتخيَّله يسير معي إلى البيت بعد أداء الأوبريت. (فقد أصبح متعارفًا عليه أن الصبية — بعض الصبية — يسيرون إلى منازلهم مع البنات — بعض البنات — في ليلة عرض الأوبريت، لكنني وناعومي لم نناقش حتى احتمالية فعل ذلك، فقد كُنَّا نحذر التفوه بأمانينا الحقيقية). فنسير نقطع طرقات جوبيلي التي يخيم عليها الصمت تمامًا، نسير تحت أضواء الشوارع وظلالنا تدور وتغرق في الجليد، وهناك في المدينة الجميلة المهجورة المظلمة سوف يحيطني فرانك إما بغنائه الحقيقي الرقيق الهادئ الذي لا يصدق، أو — في النسخ الأكثر واقعية من الحلم — يحيطني بالموسيقى غير المسموعة التي يعزفها مجرد وجوده معي. وكان في الحلم يرتدي قبعته المدببة — التي هي أقرب لقبعات الحمقى — والعباءة المرقَّعة بألوان عديدة — يغلب عليها اللون الأزرق — التي أعدتها له الآنسة فاريس. كنت دائمًا أختلق هذا الحلم لنفسي وأنا على شفا النوم، وكان من الغريب مدى ما يجعلني أشعر به من سعادة ورضًى، ومدى ما يغدق عليَّ من سلام وسُلوان، فكنت أُغمض عينيَّ وأَسْبَح فيه حتى أبلغ أحلامي الحقيقية والتي لم تكن أبدًا بتلك الرقة، وإنما مليئة بمشاكل صغيرة كجوارب مفقودة، أو عدم قدرة على إيجاد مكان فصل الصف الثامن، أو أمور مرعبة مثل الرقص على مسرح البلدية، ثم اكتشاف أني نسيت أن أعتمر غطاء رأسي.

خلال بروفة الملابس صرخت الآنسة فاريس كي يسمع الجميع: «يبدو أنني سوف أقفز من فوق مبنى البلدية، يبدو أنني سأقفز الآن! هل أنتم مستعدون جميعًا لتحمل المسئولية؟» وأخذت تجذب وجنتيها بأصابعها المفرودة بقوة، لدرجة أنها بدت كما لو كانت ستترك تجاعيد على وجهها. «إلى الخلف، تراجعوا، انسوا الخمس عشرة دقيقة الفائتة، انسوا النصف ساعة الفائتة، ابدءوا مرة أخرى من البداية!» ابتسم السيد بويس بارتياح وبدأ يعزف موسيقى الكورس الافتتاحي.

•••

ثم جاءت الليلة الموعودة، حان الوقت واحتشد الجمهور، والمكان الذي اعتدنا أن يخيِّم عليه الظلام ويتردد فيه صدى الصوت أصبح مليئًا بالحركة والسعال والناس المتأنِّقين المترقِّبين. كان المسرح أكثر سطوعًا وأكثر ازدحامًا — بواجهات المنازل المصنوعة من الورق المقوَّى والنافورة المصنوعة من الورق المقوى — مما عرفناه في أي وقت سابق. ثم حدث كل شيء بسرعة شديدة، ثم انتهى، انقضى، لم يكن مهمًّا كيف جرى الأداء؛ إذ كان يجب أن يتم ولا يمكن استرجاع ما حدث. لا يمكن استرجاع أي شيء. وبعد كل هذا التدريب، كان من العسير تصديق أن الأوبريت يُقدم بالفعل. كان السيد بويس يرتدي حلة ذات ذيل، والتي قال الناس: إنها تبدو سخيفة.

كانت قاعات المجلس (التي تقع أسفل خشبة المسرح مباشرة وتتصل بها من خلال سلم خلفي) مقسَّمة إلى غرف لتبديل الملابس باستخدام ملاءات معلقة على حبال، وكانت الآنسة فاريس (التي كانت تضع مئزرًا فوق فستانها الجديد القصير الضيق ذي اللون الوردي الضارب إلى الحمرة) تتحرَّك هنا وهناك؛ فترسم الحواجب والشفاه، وتضع نقاطًا حمراء في أركان الأعين، وترش لونًا أصفر على شحمات الآذان، وتغمر الشعر بنشا الذرة. ثم حدثت جلبة فظيعة؛ فقد فُقدت قطع مهمة من الأزياء، وأحدهم وطئ بقدمه على طرف فستان زوجة العمدة فمزَّقه من عند الخصر، وادَّعت آلما كودي أنها تناولت أربع حبات أسبرين لتهدئة أعصابها فأصابها ذلك بالدوار، وأخذت تتصبب عرقًا باردًا، فجلست على الأرض تقول إنها ستفقد وعيها. وسقطت بعض الملاءات أرضًا فرأى بعض الصبية البنات وهن في ملابسهن الداخلية، وحدث العكس كذلك. كما دخل بعض البنات من أعضاء الكورس إلى قاعات المجلس — ولم يكن يفترض بهن ذلك — واصطففن بجرأة بتنوراتهن السوداء وقمصانهن البيضاء ولم تنتبه الآنسة فاريس فدهنت وجوههن كذلك.

كانت لا تنتبه لأمور كثيرة. توقعنا أن تكون شرسة كما كانت طوال الأسبوع، لكن لم يحدث أي شيء من هذا، قالت ناعومي ووجنتاها متوردتان وهي ترتدي ثوب الأمهات: «لعلها مخمورة، أظنني شممت منها رائحة ما.» لم أشم منها أية رائحة سوى ماء التواليت برائحة الزهور البرية ونفحة من عرق رائحته أشبه برائحة الفلفل. لكنها كانت متألِّقة — بذاك الترتر الذي يحدد حوافَّ سترة زيها بنمط عسكري هزلي — وتتحرك بخفة ورشاقة على غير عادتها، وتتحدث بنعومة، تتحرك وسط كل ذاك الاضطراب بتقبُّل شديد.

قالت لزوجة العمدة: «ثبِّتي تنورتك بالدبابيس يا لويز، ليس في وسعك شيء الآن، لن يلحظ الجمهور من مكانه أي شيء.»

لن يلحظ الجمهور! هي من تقول ذلك وهي التي كانت صعبة الإرضاء حتى في أدق التفاصيل، حتى إنها قد أجبرت بعض الأمهات على أن يمزِّقن ما انتهين من حياكته ويُعِدْنَهُ ثلاث مرات!

وقالت لآلما كودي: «فتاة كبيرة قوية وصحيحة البدن مثلك تستطيع أن تتناول ست حبات أسبرين دون أن يطرف لها جفن، قفي على قدميك يا سيدتي.»

كانت الراقصات يرتدين تنورات قطنية لامعة ذات ألوان حمراء وصفراء وخضراء وزرقاء وبيضاء، وفوقها قمصان ذات أربطة. وقد أرخت آلما أربطة قميصها لتظهر بداية صدرها بصفاقة. حتى هذا المنظر ابتسمت الآنسة فاريس له واستمرت في طريقها. وبدا أن كل شيء مرغوب يمكن أن يحدث الآن.

بالقرب من بداية الرقصة، بدأ غطاء رأسي — وهو عبارة عن قمع طويل من الورق المقوى ملفوف بشبكة صفراء وبه غطاء صغير مرتخٍ يحمل طابع العصور الوسطى — بدأ ينزلِق بصورة طفيفة وكارثية إلى جانب رأسي. فكان عليَّ أن أميل رأسي كما لو كانت رقبتي ملتوية، وأن أؤدي الرقصة بهذا الشكل وأنا أضغط على أسناني وأرسم ابتسامة ثابتة خاوية.

وبعد أداء النشيد الوطني «ليحفظ الله الملك»، وبعد أن أُسدل الستار النهائي، انطلقنا إلى محل المصور جميعنا ونحن لا نزال نرتدي أزياءنا دون معاطف كي تلتقط صورنا. تكدسنا معًا ونحن ننتظر أمام الستائر المُهمَلة التي يتَّخذها المصور خلفية للصور، والتي رسمت عليها شلالات بنية اللون وحدائق إيطالية. وجد دايل ماكلوفلين مقعدًا من تلك المقاعد التي يجلس عليها الآباء في الصور العائلية ويتجمع الأولاد والأم من حولها. فجلس على المقعد، وجلست آلما كودي بكل جرأة على ركبته، وارتمت بتثاقل على عنقه.

«أشعر بالوهن، إنني مريضة، هل تعلم أنني تناولت أربع حبات أسبرين؟»

كنت أقف أمامهما فقال لي دايل ببشاشة: «اجلسي، اجلسي.» ثم شدني فوق آلما التي صرخت. ثم فتح ساقيه الطويلتين ورمى كلتينا على الأرض. أخذ الجميع يضحكون، وسقطت قبعتي ونقابي فالتقطها دايل ووضعها على رأسي بالمقلوب، فصار النقاب على وجهي.

«تبدين فاتنة هكذا وأنت لا ترين أي شيء.»

حاولت أن أنفض عنها الغبار وألبسها بالشكل الصحيح. وفجأة ظهر فرانك ويلز من بين الستائر بعد أن التُقطت صورته وحيدًا بزيه الفخم والمعدم في آن واحد.

صاحت زوجة المصور بغضب مطلة برأسها من بين الستائر: «التالي! الراقصون.» كنت آخر من دخل؛ إذ كنت لا أزال أحاول أن أضبط غطاء رأسي بالشكل الصحيح، فقال دايل: «انظري إلى انعكاسك في نظارتي.» فنظرت فيها رغم أن رؤية عينه الوحيدة الحولاء خلف انعكاس صورتي كانت تشتت انتباهي. وكان هو يصنع بوجهه تعبيرات ازدرائية.

ثم قال لفرانك ويلز: «عليك أن تصحبها إلى بيتها.»

فقال فرانك ويلز: «من؟»

أومأ دايل ناحيتي وقال: «هي.» اهتز رأسي في نظارته فتابع قائلًا: «ألا تعرفها؟ إنها تجلس أمامك.»

خشيت أن يكون الأمر مجرد مزحة. شعرت بالعرق يتصبَّب من تحت إبطيَّ، وهي دائمًا ما تكون العلامة الأولى للخوف من المهانة، وسبح وجهي في عينَي دايل الخرقاء. كان ذلك كثيرًا، وخطيرًا؛ أن يُزَجَّ بي هكذا إلى داخل حلمي مباشرة.

لكن فرانك ويلز قال بكل شهامة ومراعاة: «كنت سأفعل إن لم تكن تسكن على مسافة بعيدة للغاية.»

كان لا يزال يظن أنني أقطن في طريق فلاتس؛ إذ كنت مشهورة في الفصل بأنني أمشي مسافة كبيرة حتى أصل إلى المدرسة. ألم يعرف أنني أعيش في المدينة الآن؟ لا وقت كي أخبره ولا سبيل لذلك أيضًا، كما أن الأمر ينطوي على مخاطرة صغيرة — لا أستطيع تحمُّلها إطلاقًا — أن يضحك عليَّ تلك الضحكة الهادئة التي تشبه الصهيل ويقول إنه كان يمزح.

صاحت زوجة المصور قائلة: «جميع الراقصين.» فاستدرت بتلقائية نحوها وتبعتها إلى وراء الستائر. وبعد لحظة غرق إحباطي في بحر من الامتنان؛ فالكلمات التي قالها أخذت تتردد في عقلي كما لو كانت كلمات مديح أو اعتذار، فكانت نغمة حديثه رقيقة جدًّا وواقعية وإقرارية وجميلة. واستقر بداخلي شعور بالسلام — كذلك الذي كان يغمرني في حلم اليقظة — أثناء التقاط الصورة، وصاحبني في الطقس البارد في طريق العودة إلى قاعات المجلس، وبقي معي ونحن نغير ملابسنا حتى عندما قالت ناعومي: «انفجر الجميع ضحكًا من الطريقة التي كنت تمسكين بها رأسك أثناء الرقص، لقد بدوت كدمية مكسورة العنق. لكن لم يكن بيدك أي شيء.» كانت في مزاج يزداد سوءًا لحظة بعد الأخرى، وهمست في أذني: «هل تعلمين، كل ما أخبرتك به عن دايل ماكلوفلين؟ كله كذب، كله كان تمثيلًا افتعلته كي أستخرج منك أسرارك، ها ها.»

كانت الآنسة فاريس تلتقط الثياب وتطويها بشكل آلي، وكان بعض من دقيق الذرة قد انسكب على مقدمة ردائها الوردي الضارب إلى الحمرة، وبدا صدرها مقعرًا كما لو أن شيئًا انهار بداخله. كانت لا تكاد تلحظ وجودنا إلا عندما قالت: «اخلعن الحلي وردية الشكل من على أحذيتكن يا بنات، اتركنها أيضًا؛ فكل هذا سنعيد استخدامه يومًا ما.»

سرت إلى مدخل قاعة البلدية، وهناك كانت أمي تنتظر ومعها فيرن دوجرتي وأخي أوين مرتديًا زي تحية العلم (كان على طلاب الصفوف الأصغر أن يقوموا بمهام غير ذات أهمية مثل تحية العلم أو المقطوعات الموسيقية التعليمية البسيطة قبل رفع الستار لعرض الأوبريت) غارسًا علمه — الذي سُمح له بالاحتفاظ به — في كومة من الجليد.

فقالت أمي: «ما الذي أخَّرك هكذا؟» وكان لديها بعض التعليقات الصغيرة الغريبة تتعلق بالتقاليد فقالت: «لقد كان الأوبريت جميلًا، لكن هل أصبت بتشنجات في رقبتك؟ ذاك الصبي ويلز كان الوحيد على خشبة المسرح الذي نسي أن يخلع قبعته أثناء نشيد «ليحفظ الله الملك».»

ماذا حدث بعد الأوبريت؟ في أسبوع واحد تلاشى عن الأنظار. فكانت رؤية قطعة من أزياء الأوبريت معلقة في حجرة المعاطف في انتظار إعادتها إلى مكانها؛ تشبه رؤية شجرة عيد الميلاد مسندة إلى الشرفة الخلفية في شهر يناير وقد تحول لونها إلى اللون البني وأجزاء من الشرائط المبهرجة ملتصقة بها، وكأنها تذكار لوقت تبدو توقعاته المحمومة وما بُذل فيه من مجهود الآن في غير محله. لكن الأرضية الصلبة التي يوفرها لنا السيد ماكينا كانت ثابتة تحت أقدامنا؛ فكل يوم كنا نحل ثماني عشرة مسألة حسابية كي نلحق بما فاتنا من المنهج، ونستمع باطمئنان إلى عبارات مثل: «الآن وبسبب كل هذا الوقت الذي فقدناه، لا بد أن نضع أنوفنا بين شقي الرحى.» وقد بدت تعبيرات مثل «أنوفنا بين شقي الرحى»، «أكتافنا على العجلة»، «أقدامنا على الدواسات» — وهي التعبيرات المفضلة لدى السيد ماكينا — بسذاجتها وسهولة توقعها؛ مرضيةً لنا بشكل غريب. فكنا نأخذ معنا إلى المنزل أكوامًا من الكتب، ونقضي وقتنا نرسم خرائط أونتاريو والبحيرات العظمى — وهي أصعب خرائط يمكن رسمها في العالم — وندرس رواية «رؤيا السير لونفال».

كانت جميع المقاعد في الفصل قد نقلت من أماكنها، وقد اتضح أن عملية إعادة ترتيب المقاعد وتغيير الجيران فكرة مثيرة للاهتمام ومحفزة. وصار فرانك ويلز يجلس الآن على الجانب الآخر من الفصل. وذات يوم جاء حارس المدرسة بسلمه الطويل وأزال شيئًا كان مرئيًّا في أحد المصابيح المعلقة منذ عيد الهالوين. اعتقدنا جميعًا أنه واقٍ ذكري وقد ارتبط اسم دايل ماكلوفلين به، ولكن — بالقدر نفسه من الغموض وإن كان أقل خزيًا — اتَّضح في النهاية أنه مجرد جورب قديم. كان السيد ماكينا سيقول في مثل هذا الموقف: «إنه وقت نبذ الخيالات والعودة للحديث عن الأمور المهمة.»

بالطبع لم تخبُ جذوة الحب بداخلي تمامًا مع تغير الموسم؛ وظلت أحلامي تطاردني في يقظتي، لكنها كانت مستقاة من الماضي، فلم يكن هناك شيء جديد يغذيها، كما أن تغير الموسم أحدث فارقًا. فقد بدا لي أن الشتاء هو فصل الحب لا الربيع؛ ففي الشتاء يبدو العالم الذي نقطنه متقلصًا، ومن ذلك الحيز الضيق المنغلق الذي نعيش فيه، قد تزدهر الآمال الرائعة. أما الربيع، فيظهر جغرافيا المكان العادية؛ الطرقات الطويلة بنية اللون، والأرصفة القديمة المتشقِّقة تحت أقدامنا، وأغصان الشجر التي تكسَّرت في عواصف الشتاء والتي لا بد أن تزال عن الأفنية؛ فالربيع يظهر المسافات كما هي بالضبط.

لم يستكمل فرانك ويلز دراسته ويلتحق بالمدرسة الثانوية كما فعل معظمنا، بل حصل على وظيفة في مغسلة جوبيلي للتنظيف الجافِّ. في ذلك الوقت، لم تكن محال التنظيف الجاف تمتلك شاحنات؛ فكان معظم الناس يذهبون ليستلموا ملابسهم بأنفسهم، لكن قليلًا من الثياب كانت توصل إلى أصحابها في منازلهم. وكانت وظيفة فرانك ويلز أن يقوم بتسليم تلك الثياب في أي مكان في المدينة، وأحيانًا كنا نقابله أثناء تأدية مهام عمله في طريق عودتنا من المدرسة، فكان يُلقي علينا التحية باللهجة السريعة الجادة المهذَّبة التي تميِّز رجل أعمال أو رجلًا عاملًا يخاطب أولئك الذين لم يدلفوا بعد إلى العالم المسئول. وكان دائمًا ما يحمل الثياب رافعًا إياها إلى مستوى كتفيه ومرفقُه مثني بالشكل المناسب لإتمام المهمة؛ فعندما بدأ العمل لم يكن قد اكتمل نمو جسده ليبلغ أقصى طول له.

ظللت لفترة — ستة أشهر تقريبًا على ما أعتقد — أتردد على مغسلة جوبيلي للتنظيف الجاف بداخلي ارتجافة حماسة ضئيلة وأمل أن أراه، لكنه لم يكن يتواجد قط في المحل الأمامي، وإنما كان من يظل هناك هو صاحب المحل أو زوجته — وكلاهما صغير الجسد يبدو عليه الإرهاق ويميل لون بشرته إلى الزرقة وكأنما تركت سوائل التنظيف الجاف بقعًا عليه أو وجدت طريقها إلى دمائه.

أما الآنسة فاريس فقد غرقت في نهر واواناش، عندما كنت أنا في المدرسة الثانوية؛ أي بعد ثلاث أو أربع سنوات من أوبريت «زمار هاملين»، لكنني عندما سمعت الخبر شعرت كما لو أن الآنسة فاريس كانت تعيش في زمن سحيق كانت به المشاعر ساذجة وبدائية والمفاهيم خاطئة. كنت أشعر أنها مسجونة في ذلك الزمن، وشعرت بالدهشة لأنها تمكَّنت من تحرير نفسها لتقترف هذا الفعل، إذا كان هذا الفعل من صنع يديها.

من الممكن — لكن ليس من المرجح على الإطلاق — أن تكون الآنسة فاريس قد ذهبت تتمشى على ضفة النهر شمالي المدينة قرب الجسر الإسمنتي، وأن تكون قد زلت فسقطت في الماء ولم تستطع إنقاذ نفسها. كما أنه ليس من المستبعد — كما أشارت جريدة «هيرالد أدفانس» لمدينة جوبيلي — أن تكون قد اختطفت من منزلها من قبل شخص أو أشخاص مجهولين وأجبرت على أن تلقي بنفسها في النهر؛ فقد تركت منزلها مساءً دون أن تغلق الباب وكان النور مضاءً. صدق بعض الأشخاص المتحمسين لأفكار الجرائم الصامتة الغريبة التي تحدث في الليل قصة جريمة القتل تلك. أما غيرهم فرأوا أنها حادثة، ربما بدافع طيبتهم أو خوفهم. كان هذان هما الاحتمالين اللذين يخضعان للجدل والمناقشة. أما من رأوا أنها انتحار — وقد أصبح معظم الناس في نهاية المطاف كذلك — فلم يرغبوا في الحديث عن الموضوع كثيرًا، ولماذا قد يفعلون هذا؟ فلم يكن هناك ما يقال؛ فقد كان الأمر برمته لغزًا لا تفسير له ولا أمل لتفسيره يقف — بكل غطرسة وتحدٍّ — واضحًا وضوح السماء الزرقاء الصافية. فليس ثمة تجلٍّ للحقائق محتمل هنا.

صورة الآنسة فاريس وهي تتزلج مرتدية زي التزلج المخملي معتمرة قبعتها الأنيقة — التي تميزها دائمًا عن الآخرين — المصنوعة من الفراء وهي تتمايل بين المتزلجين، وصورة الآنسة فاريس والجميع يصيحون بها: «كون بريو»، ثم صورة الآنسة فاريس وهي تدهن الوجوه في قاعات المجلس، والآن صورة الآنسة فاريس وهي طافية على الماء في نهر واواناش ووجهها لأسفل — دون أي بادرة للمقاومة — قبل أن تُكتشَف جثتها بستة أيام؛ برغم أنه لا توجد طريقة منطقية لوضع تلك الصور بجانب بعضها — وإذا كانت الصورة الأخيرة حقيقية، أليس من الضروري أن تغير الصور الأخرى؟ — فسيتعيَّن أن تظل تلك الصور جنبًا إلى جنب الآن.

«زمار هاملين»، و«أميرة الغجر»، و«التاج المسروق»، و«الفارس العربي»، و«راقصو كيري»، و«ابنة الحطاب».

من مرقدها في الماء، أرسلت الآنسة فاريس تلك الأوبريتات كفقاقيع تكونت بمجهود مضنٍ ومرهق، ثم تحررت عَرَضًا حتى تتلاشى وتتلاشى، لكنها ظلت تحبس بداخلها للأبد نفوسنا الطفولية التي تحوَّلت، وحبها غير المتبادل الذي لا ينهزم.

أما السيد بويس، فكان قد ترك جوبيلي بالفعل؛ حيث إنه — كما يقول الناس — لم يشعر قط بالارتياح فيها وكأنها وطنه، ووجد وظيفة عازف للأرجن في كنيسة ومدرس للموسيقى في مدينة لندن، والتي أجد نفسي مضطرة لأفسر أنها ليست مدينة لندن الحقيقية، وإنما مدينة متوسطة المساحة غربي أونتاريو. وتردد بعد ذلك أنه استطاع أن يندمج هناك في تلك المدينة جيدًا؛ حيث وجد فيها أناسًا يُشبِهونه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤