تاريخ الفكر العربي في نشوئه وتطوره بالترجمة والنقل عن الحضارة اليونانية

١

للعقل الإنساني منازعُ قد تَسوقُ إلى نَوَاحٍ من التأمل بعيدةٍ كل البعد عن المنزع الحقيقي الذي كان سببًا في تحريك الفكر نحو النظر في المعقولات، فإذا نظرت في الخلافات التي وقعت بين النصارى لدى أول عهدهم بالوجود، لما استطعت أن تدرك بادئ ذي بدء، إلى أي حد سوف يذهب خلافهم، وتنتهي مناظراتهم.

كان الخلاف على طبيعة المسيح مبدأ مناقشات تناولتها الشِّيَعُ الكَنَسِيَّة في القرون الأولى، وكان لاختلاف المذاهب في تلك المسألة أكبر الأثر في النظر في المعقولات وفي التأمل الفلسفي.

اشتهرت أنطاكية بأنها من أُولى مدن المسيحية التي قام زعماء الدين فيها بأول حركة من تلك الحركات الفكرية، التي كانت ذات أثر كبير في شيوع الفلسفة، وفروع الفلسفة اليونانية خاصة، ذلك بعد مناظرات دينية طويلة لا محل لذكرها، وقام بالحركة في أنطاكية مُعلِّمان يقال لأحدهما: «دبودوروس» والآخر «تيودوروس المصيصي»، وكانا شديدَيْ الاعتقاد في كمال الناسوتية في المسيح — عليه السلام.

وكان أكبر المؤيدين لهذا المذهب راهب من رهبان أنطاكية يقال له: «نسطوريوس»، انتقل إلى القسطنطينية أسقفًا لها سنة ٤٢٨م، وتبع تأييد «نسطوريوس» لهذه الفكرة مناقشات حادة، حتى انتهى الأمر بعقد مجلس ديني في مدينة «إفسوس» سنة ٤٣١م، فانتصر حزب الإسكندرية، وهو الحزب القائل بما يضاد المذهب النسطوري، واعْتُبِرَ نسطوريوس وأتباعه هراطقة.

كان النساطرة على اعتقاد كامل في أنَّ نظراءهم بعيدون عن حكم العقل والضرورات الطبيعية؛ لذلك سعوا بعد مضي عامين على حكم مجلس «إفسوس» إلى جمع شملهم، وعلى الرغم من مطاردتهم والاستبداد بهم، نزلوا مصر واتخذوها مقرًّا لبث تعاليمهم.

قبيل ذلك العهد أغلقت مدرسة «نصيبين»١  Nisibis أو بالأحرى انتقلت إلى «الرها» Edessa. وفي سنة ٣٦٣م سلمت مدينة «نصيبين» إلى الفرس تنفيذًا للمعاهدة التي عقدت إثر الحرب التي أشعل نارها الإمبراطور «يوليانوس»، وكان أعضاء مدرستها منتشرين في الممالك المسيحية إذ ذاك، فعادوا إلى التجمع في «الرها»، وفتحوا مدرسة سنة ٣٧٣م، وبذلك أصبحت تلك المدينة، ولو أنها في أرض تابعة للإمبراطورية البيزنطية مركزًا للكنيسة التي ينطق زعماؤها باللسان السرياني.

أصبحت مدرسة «الرها» بعد ذلك موطنًا لأفراد من زعماء النساطرة الذين لم يقبلوا حكم مجلس «إفسوس»، غير أنَّ الإمبراطور «زينون» أغلق تلك المدرسة سنة ٤٣٩م بحجة أن صبغتها نسطورية متطرفة، فلم يجد أهلها من موئل سوى الهجرة إلى البلاد الفارسية، فهاجروا تحت رئاسة كبيرهم «بارسوما» سنة ٤٥٧م.

نجح «بارسوما» في أن يقنع «فيروز» Piruz ملك الفرس بأن النساطرة يوالون أبناء فارس، ويمضون خاضعين لقوانينهم، وظلوا على عهدهم هذا عاكفين في كل الحروب التي وقعت من بعد ذلك. ثم أسس النساطرة مدرسة أخرى في «نصيبين»، فأصبحت بؤرة تشع منها التعاليم النسطورية، تلك التعاليم التي كونت وجهًا من أوجه المسيحية مصبوغًا بالصبغة الشرقية البحتة.

ومن ثم انتشر النساطرة في جوف آسيا وبلاد العرب، ينشرون تعاليم المسيحية، ولم يكونوا عاملين على نشر المسيحية فقط، بل أرادوا أن ينشروا معها تعاليمهم الخاصة في طبيعة المسيح، فأخذوا يستعينون على بث أفكارهم بأقوال ومذاهب منتزعة من الفلسفة اليونانية، فأصبح كل مبشر نسطوري بحكم الضرورة معلمًا في الفلسفة اليونانية، كما أنه مبشر بالدين المسيحي.

ترجم النساطرة كتب زعمائهم، وعلى الأخص كتب «تيودوروس المصيصي» إلى السريانية؛ ليستعينوا بها على بث أفكارهم، ولكنهم لم يقتصروا على ذلك، بل ترجموا كثيرًا من كتب أرسطوطاليس والذين علقوا عليها؛ لأنهم وجدوا فيها أكبر نصير يشد عضدهم في فهم المسائل اللاهوتية العويصة، التي كانوا يبشرون بها بين أمم لم تشم من ريح المدنية إلا قدرًا يجعل نشر مثل تلك التعاليم متعذرًا، ما لم يستعن عليها بمبادئ من الفلسفة ومباحث في التأمل.

غير أنَّ كثيرًا من تلك التراجم قد صُبَّ في قالب لم يُراعَ فيه نقل الفلسفة اليونانية لذاتها، بل اتخذت التراجم ذريعة لبث مذهب ديني، هو مذهب النساطرة، والطعن في قياصرة الروم، والكنيسة الرومانية، فقلَّت الثقة بالنقل من هذه الوجهة وحدها، حيث كانت الضرورة تقضي بأن يختلط قليل من الفلسفة بكثير من تعاليم المذهب النسطوري أو بالعكس؛ للاستعانة بذلك على بث المذهب الديني، وهو الغرض الرئيسي.

تلك كانت النواة التي أشعت بالفلسفة اليونانية، وعلى الأخص بفلسفة أرسطوطاليس والأفلاطونية الجديدة في جو آسيا خارج حدود الإمبراطورية البيزنطية، وسوف نرى في سياق هذا البحث كيف أنَّ جماعة من مترجمي النساطرة كانوا أول من نقل تلك الفلسفة من السريانية إلى اللغة العربية، وبذلك انتشرت في العالم العربي كله.

غير أنك تجد رغم هذا أنَّ في الحركة النسطورية أوجهًا من النقص شأن كل شيء يصدر عن الإنسان، فإنَّ انْبِتَاتَ صلاتها بالعالم اليوناني خارج الإمبراطورية البيزنطية، جعل حركتها التعليمية مصبوغة بصبغة الانحصار في بقعة محدودة من آسيا.

أما «نسطوريوس» فإنه إنْ كان قد اتُّهِمَ أمام الكنيسة، وصدر حكم مجمع «إفسوس» عليه، فإنه ترك الكنيسة أمام مشكلة من مشاكلها العظمى، التي ظلت تعمل في رءوس الناس زمانًا، حتى انتهت المناقشات الشيعية بمجمعٍ آخَرَ عُقِدَ في سنة ٤٤٨م بمدينة «خلقيدونية» Chalcedon، وكانت نتيجته أن أخرجت فئة أخرى من الكنيسة الرئيسية هم فئة المعتقدين بالطبيعة الواحدة في المسيح Monophysites.

والظن الغالب على كثير من المؤرخين أنَّ الكنيسة المصرية قد تبعت القائلين بالطبيعة الواحدة، ففي القرن السادس قام يعقوب السروجي وأنشأ شيعة اليعاقبة، وهو الذي كون الكنيسة اليعقوبية المصرية، وجمع شمل أعضائها وأقام أسسها، وأكبر دليل على ذلك أنَّ اسم «أقباط» مشتق من يعاقبة، فإن اسم هؤلاء في العالم اللاتيني «جاكوبيت»، وأقباط أقرب الأشياء تحريفًا إليه.

اضطهدت إمبراطورية بيزنطية الشيعة اليعقوبية، ولكن أعضاءها لم يخرجوا عن حدود الإمبراطورية، بل ظلوا داخلها كقسم مستقل بصورة خاصة من أصحاب الطبيعة الواحدة Monophysites وأرسلوا طائفة منهم خارج الإمبراطورية تبث تعاليمهم، على أنَّ هؤلاء قد اتبعوا نفس الطريقة التي اتبعها النساطرة في ترك لغة نظرائهم في الدين، وعمدوا إلى استعمال اللغة القبطية واللغة السريانية، والحق أنَّ عصر اللغة السريانية الذهبي لا يبدأ إلا برجوع اليعاقبة عن استعمال اللغة اللاتينية إلى اللغة السريانية.

والظاهر لكل من درس علم اللغات أنَّ هنالك فاصلًا حقيقيًّا بين اللغة السريانية كما استعملها اليعاقبة في الغرب والنساطرة في الشرق؛ فإن اليعاقبة قد انتحلوا لهجات حديثة، يغلب أن يكون السبب فيها راجعًا إلى طبيعة استيطانهم وتوزعهم الجغرافي.

إذا اعتبرنا النتائج التي حدثت من خروج النساطرة واليعاقبة، استطعنا أن نفهم لماذا ترجمت أعمال الفلاسفة اليونان إلى اللغة السريانية، بينا نجد أنَّ الحركة النسطورية قد أصبحت بالتدريج الوسط الذي تركزت فيه ثمار التثقيف اليوناني، وانتشرت في آسيا خارج حدود الإمبراطورية البيزنطية خلال بضعة القرون التي تقدمت انتشار الإسلام.

ولا خفاء في أنَّ تعاليم أرسطوطاليس وأتباعه المَشَّائِين، وكذلك تعاليم فلاسفة المدرسة الأفلاطونية الجديدة، كانت ذات أثر بارز في التأثير على كل من تعمد الخوض في معارك الطوائف الدينية في ذلك الزمان، وكذلك منطق أرسطوطاليس، فإنه كان كبير الفائدة وعليه بنيت طريقة الجدل التي اتخذها زعماء الدين ذريعة لإثبات مزاعمهم.

وبعد أن انفصل النساطرة واليعاقبة عن لغتهم الأصلية، نقلوا كثيرًا من الكتب المسيحية إلى اللغة السريانية، فأصبح في هذه اللغة مجموعة كبيرة من المؤلفات الفلسفية والعلمية والدينية، على أنَّ السبب في أنه لم ينقل إلى اللغة القبطية من المؤلفات بقدر ما نقل إلى اللغة السريانية، أنَّ اليعاقبة في مصر لم تدعهم الحالات إلى مواجهة مسائل معضلة في الدين، كما كان النساطرة في آسيا.

كان العصر الواقع بين بدء المجادلات الدينية في الكنيسة المسيحية، وظهور الرغبة عند المسلمين في درس الفلسفة، عصر ترجمة وإنتاج ذهني، عُلِّقَ خلاله على كثير من مسائل الفلسفة، واسْتُعْرِضَتْ فيه طائفةٌ كبيرة من أفكار اليونان ومذاهبهم، ولم يُعْنَ الناقلون في ذلك العصر بالفلسفة وحدها، بل عمدوا إلى الطلب وعلم الكيمياء والفلك، فترجموا في تلك العلوم كثيرًا؛ لأنهم كانوا يعتقدون أنَّ بين الطب وبين الكيمياء والفلك آصرة قريبة ونسبًا أدنى، فكانوا يقولون بأن لعلم الفلك من الوجهة الطبيعية علاقة بنشوء الأمراض، وحالات الحياة والموت والصحة والمرض.

كانت المباحث الطبية أكثر ذيوعًا في مدرسة الإسكندرية منها في أية مدرسة أخرى، أما الفلسفة بمعناها الحقيقي، فكانت علاقتها باللاهوت مباشرة، حتى اضطر دارسو العلوم إلى أن يفصلوا بين مباحثهم وبين الفلسفة بقدر ما كان ذلك في المستطاع، على ما كان عليه الفكر في تلك العصور من عدم القدرة والعجز عن التفريق بين كفايات العقل البشري.

كان «يوحنا فيلوبونس» John Philoponus أو يوحنا النحوي٢ — كما يدعوه العرب خطأ — من متأخري الذين علَّقوا على أرسطوطاليس، كما كان من أوائل الذين درسوا الطب في مدرسة الإسكندرية، والسنة التي توفي فيها غير معروفة، ولكن المحقق من أمره، أنه كان يدرس في مدرسة الإسكندرية في الوقت الذي أغلق فيه الإمبراطور «يوستنيانوس» مدارس أثينا سنة ٥٢٩ ميلادية.
ومن مشهوري فلاسفة الإسكندرية «بولس الأجانيطي» Paul of Aeginae، وكان يدرس في الوقت الذي وقع فيه الفتح العربي، وظلت كتبه زمانًا طويلًا تدرس في مدرسة الإسكندرية كمتون ذات قيمة كبيرة في علم الطب، وكان أعلام المدرسة قد رسموا برنامجًا، لعله الأول من نوعه في تاريخ الدرس والتحصيل لتدريس الطب، يدرسه كل من أراد أن يزاول تلك الصناعة عمليًّا.

ولذلك انتخبوا ست عشرة مقالة من مقالات «جالينوس»، وترجموها ليؤلفوا منها برنامج الطب في المدرسة، ثم اختصروا بعضها واتخذت المختصرات كرءوس موضوعات تلقى على نسقها المحاضرات التعليمية شرحًا وتفصيلًا. وغالب الظن أنهم ما نزعوا إلى اختصار مقالات «جالينوس»، واتخاذها رءوس موضوعات فقط، إلا لِمَا أَنِسُوا في أنفسهم وفي أساتذتهم من قوة الابتكار والتعمق في الدرس، لأبعد مما كان يحدده لهم «جالينوس» في مقالاته، وفي ذلك الزمان أصبحت مدرسة الإسكندرية منبعًا للكثير من الأبحاث المبتكرة المحققة النفع، لا في مادة الطب وحدها، بل في علم الكيمياء، وكثير من العلوم الطبيعية. وما أشبه مدرسة الإسكندرية قبيل الفتح العربي بخليَّة تدوي بمختلف البحوث العلمية.

بَيْدَ أنَّ هذه الحركة الطيبة لم تخلُ من نتائجها الرجعية، على ما كان فيها من نزعة إلى العلم والفلسفة والتنوير الذهني، فإن التقاليد — وأجدر بها أن تؤثر في ذلك العصر أضعاف تأثيرها في عصرنا هذا — قد أفسدت بعض وجوه العلم والفلسفة، فنزعت فئات إلى ناحية «الجمود الفلسفي» Philosophical Obscurantism ابتغاء الضغط على العقول والرجوع بها إلى العالم المجهول من الفلسفة، على اعتقاد أن إدراكه من طريق الطلسمات وفن التنجيم مستطاع على الأقل.
هذا هو السبب المباشر في كثرة ما تقع عليه عند العرب من ضروب المفاسد والشعوذة، وفي كل ذلك يقول كبار المؤرخين: إنَّ الذنب في ذلك ليس ذنب الإسلام ولا المسلمين، ولا ذنب العقل السامي، ولكنها وراثة ورثها العرب عن الإسكندرية بعد الفتح العربي، كما ورثتها جامعة «بادوى» Padua الأوروبية في القرون الوسطى عن العرب.

كان أول احتكاك للعرب بالآراء اليونانية في مدينة الإسكندرية؛ لذلك كانت وراثتهم منها أقرب من وراثتهم عن سوريا، ولهذا انتشر عندهم التنجيم، ودلف العرب بقدمهم في مفاوزه الوعرة، وظلوا عليه عاكفين حتى آخر عصور مدنيتهم؛ ذلك لأن نجم الإسكندرية في العلم قد أطفأ أنوار السريانية، وأخص ما يأخذ بِلُبِّ الناس في مثل تلك الحالات خداع الشهرة وَبُعْدِ الصيت؛ لهذا أكب العرب تحت تأثير تلك العوامل على نواتج العقل في الإسكندرية، دون ما تضمنت السريانية من مباحث العلم والفلسفة.

في وسط هذه الصورة الذهنية نبتت مؤلفات «بولس الأجانيطي» الذي مر بنا ذكره، وقد ظلت مؤلفاته طوال العصر العربي والعصر اللاتيني في القرون الوسطى مادة التعاليم الطبية.

كذلك كانت مدرسة الإسكندرية منبتًا لعلم الكيمياء، ففيها تكونت النواة الأولى التي استمد العرب منها، سواء أفي هذا العلم، أم فيما تفرع منه من الفنون الأخر، التي كثيرًا ما امتزجت بالخيالات والأوهام، وفي ذلك يقول المؤرخ الكبير مسيو «برتيلو» Berthelot في كتابه «الكيمياء في القرون الوسطى»، الذي طبع بباريس سنة ١٨٩٣: «إنَّ المادة العربية في الكيمياء تنقسم إلى قسمين: الأول مترجم أو مأخوذ عن كتاب اليونان الذين كتبوا في مدرسة الإسكندرية، والثاني يمثل مدرسة عربية ثانية مستقلة المباحث عن الأولى.»

وبينما كانت مدرسة الإسكندرية غارقة في المباحث الطبية، كانت كنائس آسيا وأديرتها ومدارسها، ممعنة في المباحث المنطقية والفلسفية التأملية.

وكان من الطبيعي أن يأخذ اليعاقبة عن تعليقات «يوحنا فيلوبونس» في تدريس علم المنطق؛ لعلاقتهم بمصر أولًا، ولأن فيلوبونس من شيوخهم ثانيًا.

غير أنهم لم يفعلوا لك، بل رجعوا والنساطرة إلى مختصر «فرفوريوس الصوري» في المنطق المسمى «إيساغوجي»، وأخذوه كمدخل لعلم المنطق، ولا يزال هذا الكتاب يُقرأ في الأزهر حتى اليوم كمدخل لذلك العلم.

أما في الميتافيزيقا «ما وراء الطبيعة» والبسيكولوجيا «علم النفس»، وتطبيقهما على علم اللاهوت، أو في الاستعانة بهما على فهم المسائل اللاهوتية، فقد كان ميل اليعاقبة إلى الأفلاطونية الجديدة والباطنية أقوى من ميل النساطرة، كما كانت حياتهم وتعاليمهم أكثر استكانة في الأديرة، في حين أنك تجد أنَّ النساطرة قد نزعوا إلى الطريقة القديمة في تأسيس المدارس، ولو أنَّ ذلك لم يَحُلْ دون اتخاذهم أديرة، كانت بدورها منبتًا للعلم والفلسفة. وإذ أنت على ذلك إذا بك تجد أنَّ نظام المدارس قد انقلب في آخر الأمر إلى نظام الرهبنة.

كانت مدرسة «نصيبين» أقدم مدارس النساطرة وأعظمها جميعًا، غير أنَّ «مارأ بها» MarAbha وهو زرادشتي تَنَصَّرَ، وَسِيمَ أسقفًا نسطوريًّا، أسس مدرسة في «سلوقية» على نظام مدرسة «نصيبين».

وبعد ذلك بقليل أسس «كسرى أنوشروان» ملك الفرس المشهور مدرسة زرادشتية في «جنديسابور» من أعمال «خوزستان»، وحكم «أنوشروان» بين ٥٣١–٥٧٨ من الميلاد، وكان قد تأثر بتعاليم اليونان، حينما كان يحارب سورية البيزنطية، فأضاف جمعًا من الفلاسفة اليونان، والفلاسفة العارفين بالفلسفة اليونانية، عندما أغلق الإمبراطور «يوستنيانوس» الهياكل والمدارس في أثينا.

وكان الذين وفدوا على «كسرى» من الفلاسفة سبعة، فأكرم وفادتهم وأضافهم، وأمرهم بتأليف كتب الفلسفة أو نقلها إلى الفارسية؛ فنقلوا المنطق والطب، وألفوا فيهما كتبًا، فطالعها هو ورغَّب الناس فيها (راجع الفهرست ص٢٤٢)، على أن في رواية صاحب الفهرست شكًّا كبيرًا، إذ كيف ينقل الفلاسفة اليونان الوثنيون الذين لا احتكاك لهم بالفارسية، وعلى الأخص الفهلوية، كتب المنطق والطب إلى لغة فارس، في حين أنَّ الراجح ألا يكون لهم إلمام إلا بلغتهم اليونانية القديمة، يبقى ذلك الشك ما لم يثبت أنَّ الفلاسفة اليونان كان لهم سابقة في دراسة الفارسية في عصر متقدم على عصر أنوشروان.

ويقول بعض المؤلفين: إنَّ أنوشروان عقد المجالس للبحث والمناظرة، كما فعل المأمون من بعده بقرنين ونيف، حتى «خيل للإغريق الذين جالسوه أنه من تلامذة أفلاطون»، أما عقد أنوشروان لمجالس العلم فذلك محتمل؛ لأن أخباره مع وفود العرب وعقد المجالس لهم معروفة مشهور أمرها بين الأدباء، أما بقية الرواية فأمر مشكوك فيه؛ لأن عهد أنوشروان بفلسفة اليونان كان قصيرًا إلى حد لا يعقل أن يبرز فيه أنوشروان في الفلسفة إلى هذا المدى الْقَصِيِّ، ومما يجعل الرواية أَدْخَلَ في الشك أنَّ أفلاطون علم في القرن الرابع قبل الميلاد، ولم يعقد أنوشروان مجالس الفلسفة والعلم إلا في القرن السادس بعد الميلاد؛ فكيف يخيل إلى الفلاسفة اليونان الذين حضروا مجلسه أنه تلميذ من تلامذة أفلاطون، في حين أنَّ تلاميذ أفلاطون كان قد أكلهم الْبِلَى من قبل ذلك بألف عام؟

والذي ذكر هذه الرواية العلامة «غيبون» مؤرخ سقوط الدولة الرومانية (راجع كتابه تداعي الإمبراطورية الرومانية وسقوطها، طبعة سنة ١٨١٣، جزء ثان ص٢٩٨–٣٠٧). على أنَّ «غيبون» لا بد من أن يكون قد استسقى هذه الرواية من كتاب عربي قديم.٣

ومما يدلك على اهتمام «أنوشروان» بأولئك السبعة الذين وفدوا عليه من فلاسفة اليونان، أنه وضع في المعاهدة التي عقدها والإمبراطورية البيزنطية نصًّا خاصًّا بهم، ضمن لهم به حريتهم المدنية والدينية، وعدم الاستبداد بهم فيما لو أرادوا العودة إلى وطنهم.

كان هؤلاء الفلاسفة من الآخذين بتعاليم «الأفلاطونية الجديدة» Neo-Platonism على أنَّ أثرهم في الحياة الفارسية غير معروف بالضبط، فإلى أي حد تذهب هذه التعاليم في التأثير على صور التصوف التي ظهرت في فارس فيما بعد؟ ذلك ما أخذت المباحث الجديدة تجلو عنه الأستار. فقد كتب العلامة «نيكولسون» في كتاب «أشعار منتخبة من الديوان» طبع كمبردج ١٨٩٨ شيئًا يكشف عن تلك الآصرة التي تربط بين «الأفلاطونية الجديدة»، والباطنية كما أخذ بها في فارس.

وعقب عليه الأستاذ «ديلاسي أوليري» فدبج في مؤلفه الذي طبع سنة ١٩٢٠ عن الفكر العربي فصلًا في الصوفية، هو الفصل السابع من ذلك الكتاب (ص١٨١–٢٠٧) أوضح فيه أواصر العلاقة بين الباطنية المبثوثة في تضاعيف «الأفلاطونية الجديدة»، وبين الباطنية الفارسية في العصر الوثني، وما كان من أثرها فيما بعد على صور التصوف التي اختصت بها فارس وأبناء العرب بعد الإسلام.

وكان أساس التعليم في مدرسة «جنديسابور» غير مقصور على المؤلفات اليونانية والسريانية، بل أضيف إلى ذلك تعاليم من فلسفة الهند وآدابها وعلومها، ترجمت إلى اللغة الفهلوية، وهي اللغة الفارسية القديمة، وهنالك نمت علوم الطب حين تخلصت من جو الضغط والاستبداد الذي حوطتها به التعاليم اللاهوتية. ومن غريب الأمر أن يكون من أشهر الذين علموا الطب في ثوبه الجنديسابوري الحديث فئة من أشهر النساطرة المسيحيين.

ومن الذين اشتهروا من العرب قبل الإسلام في مدرسة «جنديسابور» الحارث بن كلدة الذي عرف من بعد كطبيب، وابنه «النضر» الذي ذكره الرئيس ابن سينا كأحد أعداء سيدنا محمد — عليه الصلاة والسلام — وكان مع الذين هزموا يوم «بدر»، فَأُسِرَ وقتله علي بن أبي طالب صبرًا، على رواية أبي إسحاق الحصري القيرواني (راجع زهر الآداب ص٢٧ مجلد أول). فعرضت للنبي أخته قُتَيْلَةُ بنت الحارث فأنشدته:

يا راكبًا إن الأُثَيْلَ مَطِيَّةٌ
من صبح غاديةٍ وأنت مُوَفَّق
أبلغ بها مَيْتًا بأن تحية
ما إنْ تزال بها النجائب تعنق
مِنِّي إليك وعبرة مسفوحة
جادت بواكفها وأخرى تخنق
هل يَسْمَعَنِّي النضرُ إن ناديْتُه
إنْ كان يسمع ميِّتٌ لا ينطق
ظلت سيوف بني أبيه تَنُوشُه
لله أرحامٌ هناك تشقق
قسرًا يُقاد إلى المنية متعبا
رسْفَ المَقِيد وهو عانٍ مُوثَقُ
أمحمدٌ ها أنت صِنْوُ كريمة
في قومها والفحل فحل مُعْرِقُ
ما كان ضَرَّكَ لو مَنَنْتَ وَرُبَّمَا
مَنَّ الفتى وهو المغيظ المُحْنِقُ
فالنضر أقرب من قتلتَ قرابةً
وأحقُّهم إنْ كان عِتْقٌ يُعتق
أو كنت قابل فدية فليفتدى
بأعز ما يُغلى به من يُنفق

وقتلُ علي بن أبي طالب للنضر صبرًا — أي حبسًا — غير صحيحة على ما يظهر من شعر أخته قُتَيْلَة، فإنها تقول:

ظلت سيوف بني أبيه تنوشه

أي تنهل منه وتنال، وما يدل عليه الشعر إن صحت نسبته إلى قُتَيْلَة، أنه أُسِرَ أولًا، وربما حُبِسَ كظاهر قولها:

قسرًا يُقاد إلى المنية مُتْعَبًا
وأنه قتل من بعد ذلك طعنًا بالسيوف، أما ما يغمز به بعض الأدباء في نسبة الشعر إلى قُتَيْلَة فَتَنُمُّ عن بطلانه ديباجة الشعر ورنَّة الحزن العميق، وفرط الأسى والشجن، وهو النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف بن عبد الدار،٤ فنسبه يلتقي ونسب سيدنا محمد — عليه الصلاة والسلام — في الجد الثالث.

•••

ممن ذكر «الرازي» من أعلام مدرسة جنديسابور من أبناء الهند «شركة» Sharak و«قلهومن» Qolhoman ومنهم هندي يقال له: «شاناك» Ganak كتب رسالة في السموم ترجمها من بعد أحد التراجمة ليحيى بن خالد البرمكي إلى الفارسية، ومن بعد ترجمت إلى العربية للخليفة المأمون بن هارون الرشيد.

وترجمت في عصر هارون الرشيد بواسطة طبيبه الخاص بضعة كتب عن السنسكريتية إلى العربية في علم الطب، حتى إنه من المتعذر أن تعرف أصل التعاليم الشائعة في الطب العربي إن كانت مستمدة من الإغريق أم من الهند، أم هي مبتكرة، إلا بعد طول المزاولة والصبر على تفهم حقيقتها وطبيعتها ومقارنتها بمنازع الآراء المستمدة من كل من تلك النواحي.

وفضلًا عن المدرستين المسيحية والزرادشتية، فقد وجدت مدرسة وثنية في «حران»، ولا يعلم كيف نشأت، وكيف تطورت! ولا من وضعها، وأقام أسسها! وكانت حران مركزًا للتأثير الإغريقي منذ عصر الإسكندر المقدوني الأكبر، وظلت موئلًا لتعاليم الديانة اليونانية القديمة، بعد أن انقلب العالم اليوناني الوثني إلى عالم نصراني، والظاهر أنَّ «حران» قد ورثت كثيرًا من تعاليم الديانة البابلية القديمة التي كانت قد انتعشت في القرون الأولى من انتشار المسيحية، إلا أن صور تلك الديانة القديمة قد ذهبت بها تطورات الديانة اليونانية الوثنية كما فهمتها «الأفلاطونية الجديدة»، وكما وضعها زعماء تلك الفلسفة في مدينة الإسكندرية، ولا مُشَاحَّةَ في أنَّ حالات الفكر في «حران» تمثل آخر أدوار الوثنية اليونانية والأفلاطونية الجديدة، كما وضعهما «فرفوريوس الصوري» حيث ظلتا عائشتين ممدتين بكل أسباب الحياة، عيشة بعيدة عن معترك العالم الخارج عن حيزهما.

وعلى الرغم من المدارس التي علَّمت على النسق اليوناني، وأذاعت مواد الثقافة اليونانية، فقد اقترنت التعاليم بكثير من المؤثرات الأخر التي لا يمكن لمؤرخ في تاريخ الفكر أن يغفل أمرها، فإن الجنود الفارسية عندما رجعت من غزو سورية نقلت معها كثيرًا من آثار الفكر اليوناني، وطائفة من مظاهر الرفاهية اليونانية.

وكذلك طبعت نفوس أبناء فارس بعد تلك الغزوة بطابع من الإعجاب بالفن اليوناني وهندسة البناء اليونانية، وكان المهندسون والبناءون اليونان الذين أسروا في الحرب أثمن ما رجع به الجيش الغازي من المغانم، حتى إنَّ بلاد فارس بدأت بعد تلك الغزوة تدخل نسق البناء اليوناني فيما تشيد من المباني.

إذن فتاريخ القرون التي تقدمت انتشار الإسلام يدل على ذيوع قسط عظيم من التأثير اليوناني في كثير من فروع الفن والعلم والفلسفة والهندسة والبناء، وفي زخارف الحياة ذاتها، ومن قبل ذلك منذ عصر الإسكندر المقدوني، كان غربي آسيا لا يتنفس إلا في جو مفعم بآثار الفكر الإغريقي.

٢

مر بنا من قبل ذكر «بارسوما» الذي قاد الهجرة النسطورية إلى بلاد فارس، وافتتح مدرسة «نصيبين»، كان لذلك الرجل معلم يقال له: «إيباس»، هو القوة المحركة والعقل المفكر في مدرسة «الرها» في أواخر أيامها، ويظهر من المقارنة التاريخية أنه أول من ترجم «إيساغوجي» مختصر «فرفوريوس» في المنطق إلى السريانية.

ويعتبر هذا الكتاب مدخلًا لمنطق أرسطوطاليس كما قدمنا، ويدل ذلك على أنَّ المنطق كان يعتبر العلم الرئيسي الذي عُنِيَ بتدريسه النساطرة، والظن الغالب أنه لم يكن ليقل اعتباره في نظر اليعاقبة عند ذلك.

وفي ذلك الوقت ظهر «بروبوس» Probus فعلق على كتاب «الإيساغوجي»، كما علق على بعض كتب أرسطوطاليس، ومنها «إرمانوطيقا» Hermeneutica أي العبارة، أو كما يقولون «باري أرمنياس» و«سوفسطيقا» Sophistica «وأناليطيقا الأولى» Analytica priora أي القياس، فكانت هذه التعليقات بمثابة متون يرجع إليها طلاب المنطق في بلاد السريان.

ومن الوصف الذي خصت به التراجم السريانية عن أرسطوطاليس تعرف أنَّ العرب لم يقتصروا على النقل عنهم إلى العربية، بل اتبعوا نفس الطريقة، وذات الأسلوب الذي تبعه المترجمون إلى السريانية، لا في تراجمهم فقط، بل في مؤلفاتهم أيضًا.

كان من عادة المعلقين على أرسطوطاليس قبل العصر العربي أن يأخذوا مقطعًا قصيرًا من متنه المترجم إلى السريانية، وقد لا يزيد عن بضع كلمات، يعلقون عليه بإطناب، وقد يذهب التعليق إلى عدة صفحات طويلة، وقد يقتصر على إشارات مقتضبة، حسب ما يقتضي الحال من حاجة إلى الإطناب أو الإيجاز، كما لو كان معلم في المدرسة يقرأ فقرة، ويلحق بأخرى بعد أن يفرغ من شرح الأولى.

ولو نظرت في كتاب «المواقف» لعضد الدين، أو نظرت في تفسير القرآن، لوجدت أنَّ «عضد الدين» قد اتبع هذه الطريقة نفسها في كتابة مؤلفه الفلسفي، كما اتبعها المفسرون في تفسير كتاب الله.

أما التعليق على «الإيساغوجي» فقد طُبِعَ بعناية الأستاذ «بومستراك» Baumstrack في كتاب Aristotles bei den syrern في ليبنرج سنة ١٩٠٠، كما طبع الأستاذ الكبير «هوناكر» Hoonacker «الأناليطيقا الأولى» في المجلة الآسيوية Jornal Asiatique في عددي يوليو وأغسطس سنة ١٩٠٠.

وكان «سرجيس الراس عيني» المتوفى سنة ٥٣٦ ميلادية أعظم مؤلفي اليعاقبة، وكان مترجمًا، كما كان مؤلفًا في الفلسفة والطب والهيئة والفلك، وكان اشتغاله بالطب عمله الرئيسي، بيد أنه ترجم إلى السريانية الجزء الأعظم من مؤلفات جالينوس، وأمضى زمنًا في الإسكندرية حيث أتقن اللغة اليونانية، ودرس الكيمياء والطب في مدرستها الطبية لدى أول عهدها بتدريس ذلك العلم، أما نشأته فكانت برأس العين بالعراق، ولا تزال بعض ترجماته عن جالينوس محفوظة حتى اليوم في المتحف البريطاني ضمن المجموعة ١٤٦٦١ والمجموعة ١٧١٥٦.

ونشر العلامة المستشرق «ساخاو» Sachau نتفًا مما هو محفوظ في المجموعة الثانية في كتاب سماه Inedita Syriaca في فينا سنة ١٨٧٠، ونشر «ساخاو» فضلًا عن ذلك ترجمة «الإيساغوجي»، وفي المتحف البريطاني نسخة خطية من ذلك الكتاب، كما نشر «المائدة» لفرفوريوس وقاطيفورياس؛ أي المقولات لأرسطوطاليس، ومقالة في الروح، وهي ليست مقالة أرسطوطاليس المعروفة تحت عنوان «ده أنيما» De Anima وكتب مقالة في المنطق في سبعة مجلدات، ومنها جزء في المقولات محفوظ في المتحف البريطاني ضمن المجموعة ١٤٦٦٠، ومقالة أخرى ضمن ذلك الكتاب في تعليل الكون حسب مذهب أرسطوطاليس، وعدد من المقالات القصيرة تتناول مختلف الموضوعات، أما في علم الفلك فقد ترك مقالة في تأثير القمر بناها على مؤلفات جالينوس، ونشرها العلامة «ساخاو».

وقد انتشرت مؤلفات «سرجيس» بين النساطرة واليعاقبة على السواء، وكان الكل يحسبونه مرجعًا من المراجع العليا في الطب والفلسفة، وثقة من ثقاتهما، ويقال: إنه أسس مدرسة سريانية في الطب أصبحت فيها بعدُ النبعَ المنبثق بما استسقى منه العرب، على أنَّ الراجح أنه لم يؤسسها، بل كان له أثر كبير في تأسيسها وقيامها.

وفي القرن ذاته — أي القرن السادس الميلادي — عاش «أخوديما» Ahudemmeh الذي أصبح أسقفًا في «تغريط» Tagrit سنة ٥٥٩م، فأدخل تعليقات «يوحنا فيلوبونس» على أن تكون الكتاب المدرسي بين اليعاقبة الذين يتكلمون السريانية: ويقول بعض المؤلفين: إنه ألف مقالات في تعريفات المنطق، وفي حرية الإرادة، وفي الروح، وفي الإنسان باعتباره عالمًا صغيرًا، Microcosm، ومقالات أخرى في تركيب الإنسان على أنه مكون من جسد وروح، وهذه المقالة محفوظة في المتحف البريطاني ضمن المجموعة ١٤٦٢٠.
وإن صح أنَّ «أخوديما» قد كتب في الإنسان باعتباره عالَمًا صغيرًا، حق لنا أن نكرر المثل القائل: «لا جديد تحت الشمس»؛ فإن الإنسان أو العالم الصغير Microcosm قد سد التفكير فيه فراغًا كبيرًا في عقل «هردر» Herder الفيلسوف الألماني في القرن التاسع عشر، كذلك انتشرت فكرات فلسفية، بل مذاهب حصرت همها في بحث الإنسان وعلاقته بهذا الكون الفسيح وطبيعيًّا وأدبيًّا، بل تعدت إلى النظر الغيبي.

كان مذهب «سبنسر» في النشوء، ومذهب «هردر» في «الميكزوكوزم»؛ أي العالم الصغير يرميان إلى إثبات وحدة الفكر، وإحداث ذلك التصور العميق الذي يسوق إلى الاعتقاد بأن الأشياء تحتفظ ببقائها، وأنَّ الحوادث الكونية تقع خضوعًا لعلاقة كائنة بينهما يمكن إدراكها، وأنَّ وجهتي النظر الديني والعلمي في هذه الحياة يمكن التوفيق بينهما.

في القرن التاسع عشر حصرت طائفة من الكتاب همها في وصف العالم وصفًا دقيقًا، حتى إنَّ مؤلفاتهم قد كونت في عقل «هردر» حالة تساءل معها — في وسط تلك الصورة التي صورت بها الطبيعة، وفي جوف التغيرات التي تنتاب هذا الكون الأكبر: أين يوجد الكون الأصغر؟

إنَّ صور هذه الدنيا العظيمة إذ تتغلغل في أعماق سحيقة من الإدراك العام، إنما تلزمنا الرجوع إلى أنفسنا؛ لكي نعاود التساؤل كما تساءل «هردر»: «أية قيمة لحياة الإنسان والإنسانية، بما فيها من الخصائص الخالدة، وبما في تاريخها من أوجه التغاير في وسط هذه الطبيعة من مجموعها؟»

أما إذا أردنا أن نعرف إن كانت هذه الفكرة بذاتها هي التي قامت في رأس «أخوديما» في القرن السادس الميلادي، ثم عادت إلى التكون في عقل «هردر» في القرن التاسع عشر، والفاصل بينهما ثلاثة عشر قرنًا من الزمان، فيغلب أن تكون محفوظات المتاحف الأوربية كفيلة بذلك.

•••

من بين مؤلفي النساطرة الذين عاشوا خلال القرن السادس الميلادي «بولس الفارسي» Paul The Persian، وقد كتب مقالة في المنطق أهداها إلى الملك كسرى أنوشروان، وقد نشرها مسيو «لاند» Land في كتابه المسمى Analecta Syriaca.

كان هذا فجر الفتح العربي، ففي سنة ٦٣٨ من الميلاد فتح العرب سوريا، وتبعها فتح ما بين النهرين والعراق في سنة واحدة، وبعد أربع سنوات فتحوا بلاد فارس، وسنة ٦٦١م استقر الملك لبني أمية في دمشق، ولكن هذا الفتح لم يؤثر في حياة الجماعات المسيحية، حيث كانت طوائفهم تعيش تحت الحكم العربي ممتعة بكل ضروب الحرية السياسية والدينية، ولم يتعرض حكامهم العرب لشئونهم الذاتية، وكل ما كان يطلب منهم للحكومة إنما هو الخضوع لقوانينها الزمنية ودفع الجزية.

وحوالي سنة ٦٥٠م كتب «حنانيشو» Henanieshu مقالة في المنطق، وعلَّق على «يوحنا فيلوبونس»، ولم يكن لليعاقبة مدارس ظاهرة الأثر كما كان للنساطرة، ولكنهم استعاضوا عن ذلك بدير لهم في «قنسرين» على ضفة الفرات اليسرى، كان مقرًّا لدرس منتجات العقل اليوناني، وكان أعظم من ظهر فيهم هنالك «سويرس سيبوقط» Severus Sebokt — الذي عاش قبيل الغزو العربي، وألف تعليقًا على «إرمانوطيقا» Hermeneutica — لأرسطوطاليس لم يبق منه إلا أجزاء صغيرة، ومقالة أخرى في القياس تعليقًا على «أناليطيقا» الأولى Analyica Priora وشرح بعض المعضلات التي صادفها في «الريطوريقا» Rhetorica أي الخطابة لأرسطو، أما في علم الفلك فقد كتب مقالة في «صور منطقة البروج»، وأخرى في «الأسطرلاب»، أما الأولى ففي المتحف البريطاني محفوظة ضمن المجموعة ١٤٥٣٨، وطبعها العلامة المستشرق «ساخاو»، وأما الثانية ففي برلين ضمن مخلفات «ساخاو»، وطبعها العلامة «ناو» Nau في الجريدة الآسيوية سنة ١٨٩٩.
وكان «أتناسيوس بالد» Athanasins BaLad أسقفًا يعقوبيًّا سنة ٦٨٤م، والمعروف عنه أنه ترجم الإيساغوجي إلى السريانية، ولا تزال هذه الترجمة محفوظة إلى اليوم في قصر الفاتيكان، وهو من تلاميذ سويرس سيبوقط.
كذلك كان يعقوب الرهاوي Jacob of Edessa تلميذًا لسيبوقط، وصار أسقفًا في الرها Edessa سنة ٦٨٤، وترك منصبه هذا سنة ٦٨٨؛ لأنه عجز عن إدخال الاصطلاحات في الأديرة التابعة لأبرشيته، واعتزل في دير «مار يعقوب» في «قيسون» بين حلب والرها، ثم تركه إلى دير آخر في أبرشية أنطاكية حيث أمضى إحدى عشرة سنة يعلم المزامير، ويقرأ الكتاب المقدس باللغة اليونانية حتى أحيى مواتها، بعد أن كادت تموت بالإغفال، غير أنه لم يعش هنالك هادئًا؛ فإن أعداءه اضطهدوه بحجة أنه يعلم الكتاب المقدس باللغة اليونانية، فسافر ثم عاد إلى الرها قبيل موته بأربعة أشهر فقط، وكتب في ذلك الحين مقالًا طبيًا في المصطلحات المستعملة في الفلسفة، ولا يزال محفوظًا في المتحف البريطاني في المجموعة ١٢١٥٤.
ومن تلاميذ «أتناسيوس» المذكور آنفًا «جورجيس» James Bishop of The Arabs الذي سِيمَ أسقفًا للعرب سنة ٦٨٦م، وقد ترجم كل كتاب أرسطوطاليس في المنطق «الأورغانون» Logical Organon ولا يزال محفوظًا من ترجمته حتى اليوم في المتحف البريطاني في المجموعة ١٤٦٥٩ كتاب قاطيغورياس وإرمانوطيقا، وأناليطيقا الأولى، وكل من هذه الكتب مقدم بتصدير وعليه تعليقات.

•••

إنَّ هؤلاء الأعلام الذين عرض ذكرهم حتى الآن في سياق هذا المقال، هم الذين يكونون تاريخ الفكر في العصور القديمة منذ انفصل النساطرة واليعاقبة حتى الفتح العربي، وإنَّ هذا لكاف لإظهار أنَّ المتكلمين بالسريانية قد ظلوا طوال تلك الأعصر على ما كتب أرسطوطاليس في المنطق، وما بعد الطبيعة عاكفين، ولم يفتهم أن يعنوا بالطب، ودرس كثير من فروع العلوم الأخر.

غير أنك إن بحثت في أعمال هؤلاء جميعا لما وقعت على شيء من قوة الابتكار الحقيقي، أو على تعمق في الدرس العلمي، أو التأمل الفلسفي الصحيح؛ لأن جماع ما في تلك الحركة لم يكن إلا نقل المتون الموجودة بين أيديهم، مع إصدار تراجم جديدة فيها، أو تعليقات عليها، أو مقالات تفسيرية تُحشى بها، على أنَّ هذه الأشياء بدورها قد سدت فراغًا كبيرًا في تاريخ الفكر الإنساني.

على أنَّ الفتح العربي لم يحدث من أثر يصد تلك البحوث العلمية عن الانبعاث في طريقها، فبنو أمية لم يفكروا يومًا في التعرض لشئون المدارس الفلسفية، وكان الطلاب السريان ممتعين بأقصى حد من الحرية تحت حكم العرب.

أما ما يرويه بعض المتعصبين من المؤرخين في مطاردة العرب لرؤساء الدين المسيحي فكله فاسد من أساسه، فقد كان بعض رؤساء المسيحية يلجئون إلى الخليفة العربي المسلم، ويضجون له بالشكوى من إخوانهم في الدين، وكان ذلك السبب الأكبر في التعرض لشئون النصارى. وهو ما يسميه بعض المؤرخين تعقبًا للنصرانية ومطاردة لها، واستمر أساقفة المسيحية على بحثهم العلمي والفلسفي حتى سنة ٧٤٠ حين سِيمَ «مار أبها» MarAbha رئيسًا لأساقفة النساطرة، فألف تعليقًا على منطق أرسطوطاليس.

وكانت سنة ٧٤٠م — أي سنة ١٣٣ للهجرة — بدء عهد جديد في تاريخ العربية، إذ أخذ أبناؤها يبدون حظًّا غير قليل من الاشتراك في تلقي الفلسفة والعلم، وبدأت التراجم والتعليقات تظهر في اللغة العربية، على أنَّ الدراسة باللغة السريانية لم تفقد أهميتها فجأة، بل ظلت موئلًا للعلم ومهدًا للفلسفة حتى زمان «أبي الفرج بن العبري» في القرن الثالث عشر الميلادي ١٢٨٦، الذي ينتهي به تاريخ الآداب السريانية، سوف نعود إلى الكلام فيه.

وكُوِّنَتْ أول مدرسة صحيحة للترجمة في العالم العربي من حنين بن إسحاق وابنه إسحاق بن حنين، وابن أخته حبيش الأعسم الدمشقي، مع غيرهم من المترجمين، تلك المدرسة التي أسسها في بغداد الخليفة المأمون لتنقل المتون اليونانية في الفلسفة والعلوم إلى العربية، وذلك ما سوف نعود إليه بعد.

غير أننا لا ننسى هنا أنَّ حنين بن إسحاق كان مسيحيًّا نسطوريًّا، واشتغل زمانًا بالترجمة من اليونانية إلى السريانية، والمقول: إنه ترجم من السريانية، إلا أنه راجع فقط على الرواية الصحيحة الإيساغوجي لفرفوريوس، وإرمانوطيقا لأرسطوطاليس، وجزءًا من الأناليطيقا، ومقالة لأرسطوطاليس في الروح المسماة «ده أنيما» de Anima وجزءًا من الميتافيزيقا — ما بعد الطبيعة — وتلخيصات نيقولاس الدمشقي، وتعليقات الإسكندر الأفروديسي، والجزء الأعظم من مؤلفات جالينوس Galen وديوسقورس Dioscous وبولس الأجانيطي، وأبقراط.
كذلك ترجم ابنه إسحاق مقالة أرسطوطاليس de Anima في الروح، ومن الغريب أن تصبح ترجمة إسحاق لهذه المقالة وتعليق الإسكندر الأفروديسي عليها مرجعًا من أهم المراجع لدرس الفلسفة في عصرنا هذا؛ ذلك لأن الفكر قد اتجه إلى درس علم النفس — البسيكولوجيا — في الأعصر الحديثة، كما أنه أخذ يبتعد عن درس المنطق حالًا بعد حال.

وفي ذلك العصر ألف الطبيب «يوحنا بن ماسويه» ٨٥٧م مؤلفات كثيرة في الطب باللغتين السريانية والعربية، وكان كما كان حنين بن إسحاق أحد الذين انتخبهم العباسيون واحلُّوهم محلًّا رفيعًا من الاحترام والإجلال، وحوطوهم بالعناية في بغداد عاصمة ملكهم، لينقلوا فلسفة اليونان إلى العربية، وعاصر هؤلاء فئة من الكتاب السريانيين كتبوا تعليقات على منطق أرسطوطاليس، وهو كما يقول العرب «أبو زكريا يوحنا بن ماسويه»، وكان أبوه صيدليًّا في جنديسابور، وثقفه في بغداد جبرائيل بن بختيشوع. واشتهر في زمان المأمون والواثق إلى زمان المتوكل (راجع أخبار الحكماء ص٢٤٨ طبع مصر).

وفي القرن الثاني عشر المسيحي علق «ديونسيوس بارصاليبي» Dionisius bar Salibi على كتاب الإيساغوجي وقاطيغورياس وإرمانوطيقا وأناليطيقا، وفي أوائل القرن الثالث عشر كتب «يعقوب بارشاقاقو» Jocob bar Shakako مجموعة من المحاورات، تكلم في الجزء الثاني منها على مسائل كثيرة في الفلسفة والمنطق والفوسيقى٥  Physics‍ والرياضيات وما بعد الطبيعة.
وينتهي العصر السرياني في نقل الفلسفة بالباحث «غريغوري بار إبراوس» Gregory Bar Hebraeus الذي تقدم ذكره، وهو الملقب «بأبي الفرج بن العيري» Abu L’Farag في القرن الثالث عشر الميلادي، وقد لخص في كتابه «إنسان العين»، وهو مجموعة ملخصات في المنطق، كتاب إيساغوجي لفرفوريوس، ولخص عن أرسطوطاليس كتاب المقولات — قاطيغورياس — وإرمانوطيقا؛ أي العبارة، وأناليطيقا؛ أي القياس، وطوبيقا Topica أي الجدل، وسوفسطيقا Sophistica أي السفسطة، وكتب كتابًا آخر لخص فيه مقدمات للمنطق والفوسيقى، وما بعد الطبيعة واللاهوت، وسمى هذا الكتاب على ما نظن «عيون الحكمة»، وله كتاب ثالث أذكر أنَّ اسمه «زبدة العلوم» أو ما يقارب ذلك، هو عبارة عن موسوعة جمع فيها فلسفة أرسطوطاليس، واختصر ذلك الكتاب من بعد تحت عنوان آخر، وترجم عن السريانية مؤلف «ديوسقورس» في البسائط، وألف مقالة في الطب أجاب بها على «مسائل» حنين بن إسحاق، وله كتاب آخر في الجغرافية لا أذكر اسمه العربي.
ويعرف أبو الفرج في العالم اللاتيني باسم «أبولفرجيوس»٦ أما الاسم «بارابراوس» فراجع إلى أصله العبري، ولد في مدينة من مدائن أرمينية سنة ١٢٢٦، وكان أبوه «هارون» طبيبًا، وبعد أن تلقي على أبيه زمانًا استعمق في دراسة الطب حتى نال منه حظًّا موفورًا، وكانت معرفته بالعربية والسريانية واليونانية، وتنطسه في الفلسفة واللاهوت، سببًا في أن يذيع صيته ويرتفع ذكره، وفي سنة ١٢٤٤م انتقل إلى أنطاكية Antioch، وبعد ذلك بقليل ذهب إلى طرابلس، وصار أسقفًا في «غوبا» وله من العمر عشرون سنة، ومن ثم انتقل إلى أبرشية حلب، وانتخب سنة ١٢٦٦ رئيسًا لأساقفة اليعاقبة، وظل أسقفًا حتى توفي بمراغة أذربيجان سنة ١٢٨٦.

وأبو الفرج إن كان قد كتب في كثير من فروع العلوم المعروفة في عهده، إلا أنَّ شهرته تنحصر في العالم اللاتيني على الأخص في تأليفه كتابًا وضعه في تاريخ العالم منذ الخليقة إلى زمانه، وكتبه في السريانية أولا، وبعد زمان كتب له مختصرًا في اللغة العربية، وقيمة الكتاب الحقيقية على ما يقول كثير من المستشرقين تنحصر في كلامه عن الأمم الشرقية وأصلها كالعرب والتتار والمغول وغزوات جنكيز خان، أما ما بقي بعد ذلك فمملوء بالأغلاط؛ لأنه لم يكن واقفًا على عدة من اللغات القديمة، التي كان لا بد له منها للاستعانة بها على ضبط أسانيده.

وقد ترجم المختصر العربي إلى اللاتينية بعناية الدكتور «بوكوك» Dr. Pococke وطبع في إكسفورد سنة ١٦٦٣. وظهر جزء من المتن العربي مع ترجمته اللاتينية بعناية الأستاذين برونس وكيرش Brons and Kirsche مطبوعًا في ليبزج سنة ١٧٨٨.

وقد اعْتُبِر «أبو الفرج» من الثقات في السريانية وعلومها وترجماتها، وظل له الخطر الأكبر في نظر طلاب العلم زمانًا طويلًا، في حين أنه لم يتعد — كما يؤخذ من تاريخه الذي حققه المستشرقون — حد الجمع عمن سبقه من الكتَّاب والفلاسفة في موسوعة تضمنت أبحاثهم.

كانت الجامعات السريانية التي دانت بالمسيحية بيئة طيبة انتعشت فيها الفلسفة اليونانية والعلم اليوناني، ومن ثم انتقل كلاهما إلى العرب، على أنه لم تَنْمُ بين السريان روح الابتكار والاستقلال في الرأي العلمي، حتى إنَّ الكتب التي ترجمت إلى السريانية، كانت قد خرجت من يد اليونان أنفسهم من قبل أن تنتقل إلى السريان، وكان المعتقد الثابت عندهم أنَّ أساس العلوم الإنسانية هو منطق أرسطوطاليس. أما ما بقي مما درس أو كتب المعلم الأول فيجب على معتقدهم أن يفسر على قواعد «الأفلاطونية الجديدة» ومن علق عليها. أما في الطب والكيمياء فإن برنامج مدرسة الإسكندرية فيهما كان معتبرًا أرقى ما يصل إليه التثقيف في هذين العلمين، على أنَّ هذا الأمر لو اقتصر على ما نقل عن جالينوس وأبقراط، وعلى تعاليم «بولس الأجانيطي» في طب التوليد لكان خيرًا للناس، لولا أن امتزج بتلك العلوم قسط من الباطنية Mysticism كان ذائعًا في مدرسة الإسكندرية، وكان قوامه علم التنجيم «الإسترلوغيا»، فتمازج العلم بالأساطير، وشاعت فكرة أنَّ بعض العقاقير الطبية لا تفيد فائدتها المرجوة، إلا عند مرور نجم من النجوم السيارة، وما يجري ذلك المجرى من الفكرات الخيالية التي صبغت الطب في الإسكندرية، ومن بعدُ عند العرب، بصبغة من السحر والشعوذة عاقت خطاه دون الانبعاث في سبيل التقدم والرقي أزمانًا متعاقبة.

ولا سبيل إلى القول بأن علم العرب في الطب والكيمياء كان عبارة عن تدجيل صرف، كما يقول بعض الذين لم يتجشموا مئونة البحث والتحقيق، ففي العربية مؤلفات قيمة خدمت هذين العلمين أجلَّ الخدمات وأكبرها شأنا؛ ولو أنَّ الجمود الفلسفي الذي شاع في مصر كان في الغالب السبب في صد تيار للتقدم فيهما وعاق خطى الباحثين دون الابتكار طويلا.

•••

من هنا نعتقد أنَّ اللاهوت والفلسفة والعلم في الإسلام لم يغرس إلا في أرض شبعت من قبل بالثقافة اليونانية على اختلاف ضروبها وتباين ألوانها، أما السبيل التي خطت فيها الثقافة اليونانية إلى العرب فذات خمس مفاوز:
  • أولًا: النساطرة، الذين كانوا أول من علم المسلمين، وأول الذين خدموا الطب في العصور الأولى.
  • ثانيًا: اليعاقبة الذين كانوا أول من أدخل الباطنية والأفلاطونية الجديدة في الجو العربي.
  • ثالثا: الزرادشتيون في فارس وعلى الأخص مدرسة جنديسابور، ولو أنَّ هذه المدرسة قد امتزجت بعنصر قوي من عناصر النسطورية.
  • رابعا: وثنيو «حران» ولو أنَّ أثرهم في الإسلام لم يأتِ إلا مؤخرا.
  • خامسا: العبرانيون، على أنهم لم يكونوا على صلة بالفلسفة الأرسطوطالية، وظلت مدارسهم في صور Sora «وبامباديثا» Pambaditha عاكفة على درس شرائعهم التقليدية.
لم يبدأ العبرانيون في درس الفلسفة إلا في العصور المتأخرة، وقد استمدوا من فلاسفة العرب، غير أنهم ورثوا عن النساطرة نزعة إلى علم الطب، حتى إنَّ الأطباء اليهود قد ظهروا في أوائل عمارية بغداد، غير أنهم لم يَبُزُّوا النساطرة في ذلك، فمن بين الأطباء الذين يذكرهم العلامة «لكلار» M. Leclerq في كتابه تاريخ الطب عند العرب Histroire de la Medicine Arabe في القرن العاشر الميلادي ٢٩ طبيبًا مسيحيًّا، وثلاثة من اليهود، وأربعة من وثنيي حران، في حين أنَّ النسبة اختلفت في القرن الحادي عشر، فكانوا ثلاثة مسيحيين وسبعة من اليهود، ومن ثَمَّ تكاثر الأطباء العرب من بعد ذلك كثرة لا تحفظ فيها النسبة بينهم وبين غيرهم.

٣

لم تمض على سقوط دولة بني أمية في الشام ثمانون عامًا، إلا وكان بين يدي العرب مترجمات عن أكثر ما كتب «أرسطوطاليس» وتعليقات الذين اشتهروا من زعماء «الأفلاطونية الجديدة»، وبعض كتب أفلاطون، والجزء الأكبر من كتب «جالينوس» وأجزاء أخر نقلت عن كتب بعض الأطباء والذين علقوا عليها، وطائفة غيرها من كتب حكماء اليونان وكتاب الهند وفارس.

لم يأتِ بعد هذه الحركة العلمية من مثيل لها في التاريخ، إلا حركة النهضة العلمية في إيطاليا بعد سقوط القسطنطينية في يد محمد الفاتح، مؤسس دولة بني عثمان في ربوع أوروبا.

وينقسم تاريخ الترجمة عند العرب إلى قسمين عظيمين: يبتدئ أولهما بقيام دولة العباسيين إلى قيام المأمون بن هارون الرشيد؛ أي من سنة ١٣٢ﻫ/٧٤٩م إلى سنة ١٩٨ﻫ/٨١٣م، وقد ترجم في هذا العهد كثير من الكتب نقلها كتاب ومترجمون نالوا الحظوة الكبرى عند خلفاء بني العباس، وكان كل منهم يشتغل مستقلًّا بنفسه، وأكثرهم من المسيحيين والإسرائيليين، وبعض الذين اعتنقوا الإسلام من أهل الوثنية والديانات الأخرى، ويبدأ ثانيهما بقيام المأمون والذين عقبوه على كرسي الخلافة من العباسيين، وأخص ما يمتاز به هذا العصر تأسيس تلك الأكاديمية الكبيرة — بيت الحكمة — التي أقامها المأمون في بغداد، فجمعت بين جدرانها فئة صالحة من المشتغلين بالعلم والفلسفة والترجمة، وكان همهم أن يصيغوا الكتب التي ينقلونها، أو التي نقلت، في قالب يستطيع به طلاب العلم من العرب الوقوف على أسرار العلم والحكمة.

كان أول عهد للترجمة في العالم العربي مقرونًا باسم «عبد الله بن المقفع»، وهو من أبناء فارس، زرادشتي الديانة، اعتنق الإسلام على يد محمد بن علي أبو السفاح.

وكان من المقربين في بطانته، على أنَّ نهاية ابن المقفع كانت محزنة، فإنه مات مقتولًا بأمر الخليفة المنصور إلى سفيان حاكم البصرة، وكان بينه وبين ابن المقفع تِرَةٌ، فَقَسَا في قتله، وكان ذلك سنة ١٤٢ﻫ/٧٥٩م أو ١٤٣ﻫ/٧٦٠م، ويقال: إن إسلام ابن المقفع كان ظاهريًّا، وإنه ظل أمينًا للزرادشتية، فكان يعتبر زنديقًا. والزنادقة اصطلاح يعني به «المانويون» أتباع «ماني بن فاتك»٧ وهم قوم من الوثنيين يقدسون الليل.

ولقد عثرت على قصيدة فيها ذكر للمانونيين وتقديسهم لظلمة الحلك، وضعها حافظ بك إبراهيم ترجمة لقصيدة شكسبير في رواية «مكبث»، وكان قد ترجم الرواية كلها، ولكن الترجمة فُقِدَتْ، وإليك مطلع القصيدة:

كأني أرى في الليل نصلًا مجردًا
يطير بكلتا صفحتيه شَرار
أراه فتُدنيني إليه شراستي
فينأى وفي نفسي إليه أُوار

وقال بعد أن تملكتْ من «مكبث» نزوةُ القتل ونهمة الدماء:

فيا حلم قاطعني ويا رشد لا تَثُبْ
ويا شرُّ ما لي من يديك فرار
ويا ليل أنزلني بجوفك منزلًا
يضل به سرب القطا ويَحَار
وإن كنتَ ليل المانوية فليكن
على سر أهل الشر منك ستار
على الفتك يا ضنكان صحَّتْ عزيمتي
وإن لم يكن بيني وبينك ثار
سأقتل ضيفي وابن عمي ومالكي
على أن عقبى القاتلين خسار

قال هذا في مناجاة «مكبث» لنفسه قبل أن يُقْدِمَ على الفتك بضنكان، والقصيدة مطولة نشرتها جريدة الأهرام منذ بضع سنين.

غير أنَّ كتَّاب المسلمين استعملوا لفظ «زنديق» مطلقًا من غير تحديد على فئات من الخارجين عن الإسلام، فكان يُعنى به أتباع «زرادشت» آونة، أو النصارى آونة أخرى، وكثيرًا ما كان يعني به المجوس، عبدة العناصر.

ومما يستدل به الكتاب على زرادشتية ابن المقفع، واتخاذه الإسلام ستارًا رواية رواها بعض الكتاب، إذ ذكر أنَّ ابن المقفع مر يومًا ببيت من بيوت النار فتمثل بقول الأحوص:

يا بيت عاتكة الذي أتعزل
حذر العدى وبه الفؤاد موكل
إني لأمنحك الصدود وإنني
قسمًا إليك مع الصدود لأميل

وقيل: إنه كثيرًا ما كان يقول:

الأرض مظلمة والنار مشرقة
والنار معبودة مذ كانت النار

على أنَّ ابن المقفع قد نقل بالفعل شيئًا من مبادئ المانوية عن تعاليم «ماني بن فاتك»، وكتب «ابن ديسان» إلى العربية، (بذلك يقول المسعودي جزء ٨ ص٢٩٣. طبع ليبزج م).

وفي زمان الخليفة المنصور نُقِلَتْ كتب عديدة إلى العربية عن اليونانية والفارسية والسريانية، على أنَّ الكتب التي نُقِلَتْ عن الفارسية والسريانية لم تكن في أصلها إلا تراجم عن اليونانية.

وأشهر ما ترجم ابن المقفع كتاب «كليلة ودمنة»، أو كما كان يُدعى في الفهلوية والسنسكريتية القديمة «أساطير الفيلسوف بيدبا»، ترجم ابن المقفع هذا الكتاب، وكان قد نقل لكسرى أنوشروان إلى اللغة الفهلوية عن السنسكريتية، لغة الهند القديمة، نقله الحكيم «برزويه» بعد أن سافر إلى بلاد الهند في طلبه، واستنسخه من الخزانة الملوكية مع طائفة أخرى من كتب الهند.

ولقد فقد الأصل الفهلوي، غير أنَّ المبشر «بوز» النسطوري كان قد ترجم الكتاب إلى السريانية سنة ٥٧٠م، وطبعت هذه الترجمة بعناية المستشرقين «بيكل» Bickell و«بنفي» Benfey سنة ١٨٧٦، وكذلك فقد الأصل السنسكريتي القديم، ولم يبق منه إلا آثار نشر بعضها في كتاب «بانشاتنترا» Panchatantra، وهو يحتوى على الأساطير الخامسة والسابعة والثامنة والتاسعة والعاشرة والسابعة عشرة، وبعض منها في كتاب «ماها بهارتا» Mahabharta وهو يحتوى على الأساطير الحادية عشرة، والثانية عشرة، والثالثة عشرة.

ويُجمِع المستشرقون أو هم يكادون يُجمعون، على أنَّ ترجمة «بوز» النسطوري لكتاب «بيدبا» المنقولة إلى السريانية عن الفارسية، المأخوذة بدورها عن الأصل السنسكريتي، هي الترجمة الخالية من آثار الوضع والحذف والإضافة، أما النسخة العربية التي نقلها ابن المقفع فظاهر فيها من آثار الانتحال ما يظهر في كل التراجم السريانية، التي ظهرت في أواخر العصر السرياني، وفي كل التراجم التي أخذت عن النسخة العربية إلى الفارسية الحديثة، وإلى اللاتينية والعبرية والإسبانية والإنجليزية والفرنساوية والألمانية واليونانية، على أنه لولا الترجمة العربية؛ لما نال هذا الكتاب ذلك الصيت البعيد. وأسلوب ابن المقفع في كليلة ودمنة يعد مثال الأساليب العربية المنتقاة.

وعاش ابن المقفع أكثر عمره في زمان الخليفة المنصور العباسي، ويقول المسعودي (جزء ٨ ص٢٩١-٢٩٢ طبع ليبزج): إنَّ ذلك الزمان كان خصيبًا في الترجمة والإنتاج الأدبي، فنقل فيه عدة مقالات عن أرسطوطاليس، وكتاب المجسطي لبطليموس في الفلك، وكتاب إقليدس في الهندسة، ومواد أخرى عن اليونانية.

•••

في سنة ١٥٦ للهجرة٨ وفد هندي إلى بغداد يحمل مقالة في الرياضيات، وأخرى في علم الفلك، أما الثانية فكانت مقالة «سدهانتا» Siddhanta التي عرفها العرب من بعد باسم كتاب «السند هند»، وترجمها «إبراهيم الفزاري»، فكان نقلها بداءةَ عصرٍ جديد في دراسة هذا العلم عند العرب. وقال الأستاذ نلليتو:
وما اقتصر الخليفة المنصور على مجرد أحكام النجوم وما يتعلق بها ضروريًّا، بل منذ تأسيس بغداد بسنين قليلة بادر إلى إحياء علم الهيئة المحض مستسقيًا من موارد الهند، والذي دعاه إلى ذلك أنَّ رجلًا هنديًّا جاء بغداد في جملة وفد السند علي المنصور، وهو ماهر في معرفة حركات الكواكب وحسابها وسائر أعمال الفلك على مذهب علماء أمته، وخصوصًا على مذهب كتاب باللغة السنسكريتية اسمه «إبراهمسبهطسدهانتا» Brahamasphutasiddhanta ألفه سنة ٦٢٨م/٦ أو ٧ﻫ الفلكي والرياضي الشهيد «برهمكبتا» Brahmagupeta للملك «فيا كهرمكه»،٩ وكلف المنصور ذلك الهندي بإملاء١٠ مختصر الكتاب، ثم أمر بترجمته إلى اللغة العربية وباستخراج كتاب منه اتخذه العرب أصلًا في حساب حركات الكواكب، وما يتعلق به من الأعمال، فتولى ذلك الفزاري١١ وعمل منه زِيجًا اشتهر بين علماء العرب حتى إنهم لم يعملوا إلا به إلى أيام المأمون، حيث ابتدأ انتشار مذهب بطليموس في الحساب والجداول الفلكية.
أما لفظ سدهانت Siddhanta فمعناه بالسنسكريتية معرفة وعلم ومذهب علمي، وأطلق ذلك اللفظ اصطلاحًا على كل كتاب في علم الهيئة وحساب حركات الكواكب، فمعنى «إبراهمسبهطسدهانتا» كتاب الهيئة المصحح المنسوب إلى «برهم»، وحذف العرب ثلثي اللفظ مقتصرين على الثلث الأخير، وهو «سد هانت»، ثم حرفوه قليلًا لميلهم إلى المزاوجة والإتباع في الكلام، وضبطوه على وزن أسماء البلاد التي نقل منها الكتاب فقالوا: «السند هند»، وسماه بعض المتأخرين «السند هند الكبير»، تمييزًا بينه وبين «السند هند» تأليف محمد بن موسى الخوارزمي في عهد المأمون.
وأخطأ مؤلفو العرب في قولهم: إن تفسير «سند هند» هو «الدهر الداهر»١٢ أو «دهر الدهور»،١٣ وسبب ظنهم هذا ما سأشرحه عن قليل من استعمال أدوار سنين لحساب حركات الكواكب في كتاب السند هند، ولم يصب البيروني إصابة تامة في (كتاب تحقيق ما للهند من مقولة ص٧٣) «والذي يعرفه أصحابنا١٤ سند هندا هو سدهاند؛ أي المستقيم الذي لا يعوج ولا يتغير، ويقع هذا الاسم على كل ما علت رتبته عندهم١٥ من علم حساب النجوم، وإن كان قاصرًا على زيجاتنا.
أما ما قاله المسعودي في أول الباب السابع من كتاب مروج الذهب (ج أول ص١٤٩ إلى ص١٥٠ من طبعة باريس) فأكثره خرافات وأغلاط؛ لأنه خلط «برهمن» «وهو أحد آلهة الهند» «ببرهمكبت» صاحب كتاب السند هند، ثم عكس الترتيب التاريخي الحقيقي للكتب التي ذكرها؛١٦ لأن أقدمها في الحقيقة كتاب المجسطي، والثاني لآرجبهر، والثالث السند هند، والرابع الأركند.١٧
وطريقة الكتب الهندية في تعليم حساب حركات الأجرام السماوية طريقة غريبة مبنية على ما يسمى بالسنسكريتية «كلب»،١٨ وهي جملة ألوف ألوف أدوار تامة للنيرين والكواكب الخمسة المتحيرة، فإن الهند زعموا أنَّ كل الكواكب غير الثابتة خلقت مجتمعة مع أوجاتها وجو زهراتها في أول برج الحمل، أعني في منطقة الاعتدال الربيعي، ثم أخذت تتحرك حركات مختلفة السرعة، وبعد ألوف ألوف أدوار تامة ستجتمع كلها ثانية في أوجاتها وجو زهراتها في أول الحمل،١٩ وجملة السنين الشمسية النجومية٢٠ الفائتة بين الاجتماعيين الكليين تسمى «كلب»، وعدد سني «كلب» النجومية على حساب كتاب «برهمكبت» أربعة آلاف ألف ألف وثلثمائة وعشرون ألف ألف ٤٣٢٠٠٠٠٠٠٠، فيتمم مثلًا فيها عطارد سبعة عشر ألف ألف ألف وتسعمائة وستة وثلاثين ألف ألف وتسعمائة وثمانية وتسعين ألفًا وتسعمائة وأربعة وثمانين ١٧٩٣٦٩٩٨٩٨٤ دورًا تامة، ويتمم أوجه ثلاثمائة واثنين وثلاثين دورًا تامة.
فسمت العرب جملة سني «كلب» سني السند هند٢١ وجملة الأيام أيام السند هند وأيام العالم،٢٢ وتسهيلًا للحساب ربما اتخذ الهند جزءًا من ألف جزء من «كلب» أصلًا لحساباتهم، وسموا ذلك الجزء «مهايك»٢٣ أو «يك»،٢٤ فصار عبارة عن مدة أربعة آلاف ألف وثلاثمائة واثنين وثلاثين ألف سنة. إلا أنَّ الأدوار فيه غير تامة بسبب الكسر الناشئ عن القسمة. وبما أنَّ أحد حكماء الهند الذين ذهبوا إلى هذه الطريقة وعليها بنوا الحساب هو آريبهط٢٥ المسمى عند العرب بالآرجبهر٢٦ اشتهرت جملة سني «يك» عند العرب باسم «الآرجبهر» أو أيام الآرجبهر،٢٧ وبعض العرب القدماء زعموا أنَّ الآرجبهر اسم الجزء من ألف جزء من سني السند هند،٢٨ بل إنه اسم كتاب مستخرج من كتاب السند هند٢٩ مع أنَّ الأول أقدم من الثاني.

أما المقالة الرياضية التي وفد بها ذلك الهندي مع كتاب «السند هند»، فكان لها أثر كبير في درس الرياضيات، ولو لم يكن لها من أثر إلا إدخال الأرقام الهندية واتخاذها أساسًا للعدد في العربية، لكفى بذلك أثرًا خالدًا، فقد تطور على أثرها علم العدد عند العرب، وسار بتلك الخطى الحثيثة التي كان يعوقها دائمًا استعمال العرب لغير الهندية من الأرقام المعقدة المهوشة.

وهنا يحق لنا أن نتساءل: «ماذا كان أثر ذلك على العقل العربي؟ وماذا ترك من الآثار؟»

يخطر على البال عند هذا السؤال علم الجبر، على أنَّ لعلم الجبر تاريخًا يتقدم وجود العرب، لهذا نتكلم باختصار لنعرف تاريخ نشأته، وكيف انتقل إلى العرب؟ وماذا كان أثرهم فيه؟

نتساءل: في أي عصر وفي أية بقعة من بقاع الأرض وجد علم الجبر؟ ومن هم أول الذين كتبوا فيه؟ وكيف نشأ؟ وبأية وسيلة من الوسائل؟ وفي أي عهد من التاريخ ذاع ذلك العلم؟

كان الاعتقاد السائد في القرن السابع عشر أنَّ رياضيي اليونان لا بد من أن يكونوا قد استكشفوا تحليلًا دقيقًا لطبيعة علم الجبر على الصورة التي عرف بها في الأعصر الحديثة، وبه استطاعوا أن يحللوا تلك المعضلات التي لا يسعنا إلا الإعجاب بثبات قدم كتَّابهم في معالجتها، وأنهم أخفوا طرق التحليل وأظهروا النتائج فقط.

على أنَّ هذه الفكرة قد تبددت الآن؟ فقد دلت المستكشفات الحديثة على أنَّ رياضيي القدماء كان عندهم طريقة للتحليل، ولكنها اقتصرت على الهندسة، وأنهم لم يعرفوا من الجبر على صورته الحديثة شيئًا، غير أنه إن لم يثبت لدينا أنَّ متقدمي الإغريق كانوا على علم بالتحليل الجبري، فإننا نجد في عصورهم الأخيرة آثارًا تدل على أنَّ مبادئ التحليل الجبري كانت معروفة لديهم.

في أواسط القرن الرابع الميلادي، وهو عصر بلغت فيه الرياضيات أحط دركاتها، قنع المشتغلون بذلك العلم بأن يعلقوا على ما كتب الذين تقدموهم، على أنه بالرغم من ذلك بدأ علم الجبر يتبوأ المكان اللائق به بين العلوم والمعارف الإنسانية.

في ذلك الحين كتب الرياضي «ذيوفانتس» الإغريقي Diophantes كتابًا في علم العدد، كان يتكون من ثلاث عشرة مقالة، لم يصل إلينا منها سوى المقالات الست الأولى، ومقالة ناقصة، يظن أنها المقالة الثالثة عشرة من الكتاب الأصلي، غير أنَّ هذا الكتاب لا يكون مقالة تامة في علم الجبر، ولكنه يضع أساسًا ثابتًا يمكن أن يقوم عليه ذلك العلم، فإن المؤلف بعد أن كتب قليلًا في المعادلات البسيطة والمعادلات الرباعية، عاد إلى الكلام في مسائل رياضية أخرى، ذات علاقة مباشرة أو غير مباشرة بعلم الجبر.

قد يصح أن يقال: إنَّ «ذيوفانتس» هو واضع علم الجبر في اللغة اليونانية وبين الإغريق، غير أنَّ الدلائل تدل على أنَّ المبادئ الأولية التي بثها في كتابه كانت معروفة من قبل، وأنه اتخذها قاعدة بنى عليها كثيرًا فيما كتب، وأنه ابتكر فيها مبتكرات ذات بال، ومن الثابت أنَّ هذا العلم ظل واقفًا عند الحد الذي تركه فيه «ذيوفانتس» حتى نقلت مقالاته إلى إيطاليا في بدء النهضة العلمية.

وعلقت السيدة «هيباشيا» Hypatia٣٠ ابنة ثيون Theon على كتاب «ذيوفانتس»، غير أنَّ هذا التعليق فُقِدَ الآن، كما فُقِدَتْ مقالتها على كتاب «أبولونيوس» Appolonius في القطوع المخروطية، وهي سيدة من ذوات النبوغ، ذهبت ضحية الجهل والتعصب الديني في أوائل القرن الخامس الميلادي.٣١

ويدعى هذا الكاتب عند العرب «ذيوفنطس»: وجاء في أخبار الحكماء ص١٢٦ أنه «ذيوفنطس» اليوناني الإسكندراني فاضل مشهور في وقته، وتصنيفه وهو صناعة الجبر كتاب مشهور مذكور خرج إلى العربية، وعليه عمل أهل هذه الصناعة، فكأن ذيوفانتس كان من نوابغ مدرسة الإسكندرية في أوائل القرن الخامس الميلادي.

وكان أول ما كشف كتاب «ذيوفانتس»، الذي ألمعنا إليه مكتوبًا باللغة اليونانية في أواسط القرن السادس عشر الميلادي في مكتبة قصر الفاتيكان، والراجح أن يكون قد نُقِل إليها عند ما سقطت القسطنطينية في يد محمد الفاتح.

وترجمة الكاتب «كزيلاندر» Xylander سنة ١٥٧٥ إلى اللاتينية وأذاعه في العالم اللاتيني، وتبع ذلك ترجمة أخرى أتم من الأولى وضعها «باشيه ده ميزريا» Bachet de Mezeriac سنة ١٦٢١، وهو من أقدم الأعضاء الذين أسسوا الأكاديمية الفرنسوية، وكان «ميزريا» رياضيًّا كبيرًا، فأعانه ذلك على فهم المسائل التي عرضت له في الكتاب فكان في النقل أثبت، غير أنَّ متن ذيوفانتس كان من النقص والبلى بحيث لم يستطع أن يفهم المترجم قصده في بعض المواضع تامًّا، فكان يحدس المعنى أو يتمم النقص ظنًّا، وبعد ذلك بقليل أضاف الرياضي الفرنسي مسيو «فرما» M. Verma إضافات كثيرة على تعليقات «ميزريا» تناول فيها سِيَرَ مَن كتب من اليونان في علم العدد، والنسخة التي طبعها «فرما» Verma تعتبر أتم طبعات الكتاب إتقانًا، على أنَّ الترجمة اللاتينية لم تكن أول ترجمة ظهرت لذلك الكتاب، فإن العرب كانوا أول من ترجمه.

إنَّ كتاب «ذيوفانتس» إن كان ذا شأن كبير في تاريخ علم الرياضيات، فإن أوروبا الحديثة لم تتلق ذلك العلم بداءة ذي بدء عنه، بل عن طريق العرب، فإن العرب كانوا بعد اليونان أول من عرف للعلوم قيمتها الحقيقية، في ذلك الزمان الذي كانت فيه أوروبا غارقة في ظلمات الجهالة، فحملوا أمانة العلم، وأدوها للذين من بعدهم كاملة غير منقوصة، بل مزودة بثمار العقل العربي.

ولقد ثبت من تقاليد التاريخية أنهم صرفوا أكبر عناية في جمع ما كتب رياضيو اليونان، وترجموا كتبهم، وكتبوا عليها تعليقات وشروحًا ذات أثر كبير في تقدم علم العدد، يكفي في الدلالة على ذلك أنه لولا ما كتب العرب في تلك العلوم لما عرفت أوروبا شيئًا عن هندسة إقليدس مثلًا.

ينسب العرب استكشاف الجبر عادة إلى أحد رياضييهم، محمد بن موسى، الذي عاش في أواسط القرن التاسع الميلادي في عهد الخليفة المأمون العباسي، والمحقق تاريخيًّا أنَّ محمد بن موسى ألَّف مقالة في الجبر، فإن ترجمةً لاتينيةً لتلك المقالة كانت قد أُذيعت في عصر النهضة العلمية في أوروبا غير أنها فُقِدَتْ، على أنَّ القدر قد حفظ نسخة من الأصل العربي لا تزال في مكتبة «بودلي» بجامعة إكسفورد، ويقال فيها: إنها نُسِخَت سنة ١٣٤٢ ميلادية، وينوه ناسخها في أول صفحة من صفحاتها بأن كاتبها فلان «العربي القديم»، وعلى هامش تلك الصفحة تعليق فيه ما يدل على أنها أول مقالة كتبت في الجبر وأذيعت بين «المسلمين»، أما المقدمة ففضلًا عن تعريفها بالمؤلف فإنها تثبت أنَّ «محمد بن موسى» كان يحثه الخليفة المأمون العباسي على أن يجمع في كتاب واحد ما تناثر خلال كتب الرياضة من مبادئ الحساب الجبري، وكانت هذه الفقرة سببًا في أن يعتقد الباحثون في تاريخ العلوم أنَّ «محمد بن موسى» جمع كتابه هذا جمعًا من عدة مؤلفات كانت متداولة بين أيدي طلاب العلم في البلاد العربية، أو من مؤلفات وصلت إليهم في لغات أخرى.

على أننا لا نجد من دليل يؤيد وجهة نظر الآخذين بهذا الرأي؛ فإنه لم تَجْرِ عادة المؤلفين لا من العرب ولا من غيرهم أن يعرفوا بأنفسهم في مقدمات يضعونها لمؤلفاتهم، إذن فمقدمة كتاب «محمد بن موسى» التي يعثر فيها على ذلك القول من عمل غيره، والراجح أيضًا أنها وضعت لنسخة نسخت من الكتاب بعد زمان «محمد بن موسى» أو في سني حياته، ثم تداولتها الأيدي بالنقل حتى وصلت إلى مكتبة «بودلي»، ولهذا نرجح أنَّ كتاب «ابن موسى» لا يمكن أن نميز فيه ناحية النقل عن ناحية الابتكار الصرف.

يؤيد هذا الرأي أنَّ «محمد بن موسى» كان متضلعًا في علم الفلك، عارفًا بما وصل إليه أهل الهند في علم العدد والحساب، فالراجح أن يكون قد نقل عن الهند وأخذ عنهم، ولقد ثبت بما لا سبيل إلى إدحاضه أنَّ أهل الهند كانوا على علم بالجبر، بل عرفوا كيف يحلون القضايا غير المحدودة Intermediate problems لذلك يمكن أن يقال ترجيحًا: إنَّ الجبر العربي منشؤه الهند أصلًا، ولقد عرفنا كيف أنَّ العرب مدينون لذلك الهندي الذي وفد إلى بغداد بمقالة «السند هند» في الفلك وتلك المقالة الرياضية التي اقتبسوا منها الأرقام الهندية.
إلا أنَّ العرب لم يقفوا عند حد النقل عن الأمم الأخرى، فإن التحليل الجبري ما كاد يقع في أيديهم حتى أخذ كتابهم في الزيادة إليه وتنميته. فإن محمدًا أبو الوفا الذي عاش خلال العقود الأربعة الأخيرة من القرن العاشر الميلادي، كتب تعليقات على المؤلفات الرياضية التي خلفها من تقدمه من الكتاب والباحثين، وكذلك ترجم كتاب «ذيوفانتس»، وكان آخر عهد للعرب بالتأليف في علم الجبر سنة ١٠٣١ ميلادية/٤٢٣ﻫ، على أنهم تركوا علم الجبر كما خلفه «محمد بن موسى» وأبو الوفا، ولم تحدث ترجمة كتاب ذيوفانتس من أثر كبير بينهم، وقد جاء في المقتطف مجلد ٢٨ ص٣٨٥ ما يأتي:

وقد اشتغل الهنود والعرب بعلم الجبر، غير أنهم لم يضيفوا إلى موضوعات اليونان فيه شيئًا يذكر ولم يستعملوه إلا في حل المسائل العددية، وبقي عندهم مسلكًا متوعرًا وهم يعتبرونه حسابًا عاليًا.

ولعل السبب في ذلك يرجع إلى أنَّ كتاب ذيوفانتس لم ينقل إلى العربية إلا في عصر كان العقل العربي قد أخذ يتمشى فيه مرة أخرى نحو الغيبيات، وجاء في المقتطف مجلد ٢٨ ص٣٨٤، ٣٨٥، ٣٨٦ ما يلي:
وأقدم ما انتهى إلينا من أمر الجبر مؤلف وضعه ذيوفنطس Diophante المتوفى سنة ٤٠٩م في ثلاثة عشر كتابًا، لدينا منها ستة فقط والسبعة الباقية مفقودة، ومباحث الستة الأولى هي في المعادلات البسيطة والسيالة من الدرجة الأولى لمجهولين فقط يتبعها مسائل منشورة مع حلها، والمجهول في جميعها دليله واحد، ثم كتاب في المعادلات المفردة من الدرجة الثانية؛ أي ما كان المجهول فيها مربعًا فقط مع حل بعض المسائل من هذا القبيل؛ ولعل السبعة المفقودة فيها مسائل أكثر صعوبة مما ذكر؛ لأن درجة الكتب ترتفع بالتدريج في الستة الموجودة. ولم يسبقه أحد إلى استعمال العلامات، بل هو أول من نبه إليها فاستخدم الخط القصير علامة للطرح.
وفي سنة ٥٠٧م نشر «براهما غوبتا» Brahmagupta الهندي كتابًا في الحساب والجبر يلحقهما ذيل في الهندسة، وهو كتاب نفيس في بابه حمل الكثيرين على القول بأن علم الجبر كان راقيًا درجة سامية بين الهنود قبل «براهما غوبتا»، ودعا آخرين إلى القول بأن هذا الهندي هو واضع علم الجبر دون غيره، ولعله اطلع على كتاب ذيوفنطوس اليوناني، فإن كان ذلك فالواضع هو ديوفنطوس وحده وإلا فيكون «براهما غوبتا» قد نازعه الشرف والفخر في وضع هذا الفن، أما كتاب الرياضي الهندي فيشبه كتاب ديوفنطوس في كثير من الوجوه، ولا يزيد عنه شيئًا، وهذا حمل البعض على القول بأنه منقول عنه، ويعزز هذا الزعم قصر باع الهنود في سائر العلوم الرياضية كالهندسة والهيئة عما لليونان فيه المبلغ الأعلى والخطة المثلى، فلو كان الهنود أهل اكتشاف في الرياضيات لاكتشفوا في الهندسة وهي أقرب إلى الحاجة من الجبر.
وفي أواخر القرن الثاني عشر نشر بهسكارا Bhascara الهندي كتابًا شرح فيه كتاب «براهما غوبتا» مع بعض إضافات تناولها من العرب أو من نفسه، وبهذا الشرح عظم أمر الجبر الهندي وارتفع شأنه بين الأمم، فترجم هذا الكتاب إلى الإنكليزية بصور شتى، إذ ترجمه عدد ليس بقليل من الراغبين في نشره.

ثم بعد برهما غوبتا بزمن طويل؛ أي في الربع الأول من القرن التاسع الميلادي نشر محمد بن موسى الخوارزمي قيم خزانة كتب المأمون كتابًا بأمر المأمون في الجبر والمقابلة، وهو أول كاتب كتب بالعربية في هذا الفن، فهو واضع الاصطلاحات الجبرية، وهو الذي أعطاه هذا الاسم العربي الذي نقله الإفرنج بلفظه عن عرب الأندلس وعرب المشرق، حتى خيل للكثيرين أنَّ العرب هم واضعو الجبر، وأنه لم يسبقهم إليه أحد.

وقد اشتهر هذا الكتاب في الشرق والغرب، وطار ذكره في جميع الأصقاع، وكثرت شروحه وترجماته إلى لغات كثيرة في أزمنة مختلفة، وكان هو المعول عليه في هذا الفن مدة طويلة، ولا يشك الأوروبيون اليوم أنَّ محمد بن موسى أخذ هذا العلم عن الهنود واليونان؛ فهو كان قَيِّمَ خزانة الكتب في بغداد، وله الاستطاعة أن يستنبث ركازها ويقف على محتوياتها.

أما أبحاث الكتاب فهي الجمع والطرح والضرب للكميات الحاوية مجهولًا واحدًا، أو جذر المجهول أو مربعه. وطرائق الجمع والطرح موضحة بخطوط يعبر بها عن القيم، وفيه بعض أمثلة على المعادلة المفردة من الدرجة الثانية محاولة بعد إيضاحات طويلة مبهمة، وفيه باب التجذير والترقية للكميات ذات الحد الواحد.

وقام بعده تلميذه «ثابت بن قرة» فألف كتابًا بَيَّنَ فيه كيفية استخدام الجبر في الهندسة وجمع بين الاثنين، وكثرت بعدهما كتب العرب في هذا الفن، غير أنَّ جميع ما ألف بعدهما لم يخرج عما وضعه محمد في كتابه الأول، فكلهم نقلوا عنه كما نقل هو عمن سبقه من الهنود واليونان.

وفد ذلك الهندي الذي حمل مقالة السند هند والمقالة الرياضية إلى بغداد سنة ١٥٦ﻫ/٧٧٢م، وكان من أثرهما ما وصفنا، أما كبار فلكيي العرب فلم يظهروا إلا بعد ذلك بنصف قرن ونيف، وكان أولهم أبو معشر البغدادي تلميذ الكندي وقد توفي سنة ٢٧٢ من الهجرة ٨٨٥م، وذكر ابن خلكان في الجزء الأول من تراجمه ص١٤٠ (طبع مصر): أنَّ اسمه أبو معشر جعفر بن محمد بن عمر البلخي المنجم، وأنَّ من تصانيفه كتاب المدخل وكتاب الزِّيج وكتاب الألوف، أما في العالم اللاتيني فيعرف باسم «أبومازار» Abumazar.
ومن بعده محمد بن جابر المتوفى سنة ٣١٧ من الهجرة ٩٢٩م، ويعرف في المؤلفات اللاتينية باسم «البتاغنيوس» Albategnius لأنه كان يلقب «بالبتاني» نسبة إلى بلدة «بتان» في ما بين النهرين، ونقل ابن القفطي أنَّ البتاني صائبي من حران ابتدأ الرصد سنة ٢٦٤ﻫ/٨٧٧م، إلى سنة ٣٠٦ﻫ/٩١٨م.
وأمضى ذلك العهد في مدينتي الرقة على الفرات، وفي أنطاكية بسوريا، وله من الكتب زِيجُهُ المشهور المسمى «زِيج الصابي» أصله العربي محفوظ في مكتبة الفاتيكان، وطبعه في ترجمة لاتينية «أفلاطون تبيرتينوس» Plato Tiburtinus في نورمبرج سنة ١٥٣٧ تحت عنوان De Scinetia Stellarùm، وأعيد طبعه في بولونيا Bologna سنة ١٦٤٥، ومن بين مؤلفاته التي لم تطبع تعليقات على كتاب المجسطي، وشرح مقالات بطليموس، ومقالة له في الفلك والجغرافية، وأصلح زيج بطليموس الزمني؛ لأنه لم يكن مضبوطًا، وزيجه أضبط ما وجد من نوعه عند العرب، وله عدة مستكشفات رياضية وفلكية ظلت العمدة في علم الفلك عهدًا طويلًا في القرون الوسطى، وفي مدارس أوروبا على الأخص، وكان يلقب ببطليموس العرب لثبات قدمه في علم الفلك وتضلعه فيه.

وذكر ابن خلكان (مجلد ثامن ص١١٧،  ١١٨  طبع مصر) أنه توفي سنة ٣١٧ﻫ/٩٢٩م عند رجوعه من بغداد بموضع يقال له «قصر الحضر»، وقال بأن الزِّيج نسختان أولى وثانية، وأنَّ الثانية أضبط وأجود، ولا أعلم أية من النسختين هي المحفوظة في مكتبة الفاتيكان.

وكذلك ذكر ابن خلكان أنَّ له كتابًا اسمه «معرفة مطالع البروج فيما بين أرباع الفلك»، ورسالة في مقدار الاتصالات، وكتاب شرح أربعة أرباع الفلك، ورسالة في تحقيق أقدار الاتصالات، وأنه شرح أربع مقالات بطليموس.

وترجمه ابن خلكان باسم أبو عبد الله محمد بن جابر بن سنان الحراني الأصل البتاني الحاسب المنجم.

قال ابن العبري:

وفي سنة سبع عشرة وثلاثمائة مات أبو عبد الله محمد بن جابر بن سنان الحراني المعروف بالبتاني أحد المشهورين برصد الكواكب، ولا يُعلم أحد في الإسلام بلغ مبلغه في تصحيح أرصاد الكواكب وامتحان حركتها، وكان أصله من حران صائبًا.

وجاء في الزِّيج الصابي الذي طبع حديثًا برومية ١٧٩٩، وكان قد ترجم إلى اللاتينية وطبع بها سنة ١٥٣٧ «من المقدمة العربية» ما يلي:

إنَّ من أشرف العلوم منزلة علم النجوم؛ لما في ذلك من جسيم الحظ وعظيم الانتفاع بمعرفة مدة السنين والشهور والمواقيت، وفصول الأزمان وزيادة النهار والليل ونقصانهما، ومواضع النَّيِّرَيْنِ وكسوفهما، وسير الكواكب في استقامتها ورجوعها، وتبدل أشكالها ومراتب أفلاكها وسائر مناسباتها، وإني لما أطلت النظر في هذا العلم ووقفت على اختلاف الكتب الموضوعة لحركات النجوم، وما تهيأ على بعض واضعيها من الخلل في ما أصلوه فيها من الأعمال، وما ابتنوه عليها، وما اجتمع أيضًا في حركات النجوم على طول الزمان لما قيست أرصادها إلى الأرصاد القديمة، وما وجد في ميل فلك البروج على فلك معدل النهار من التقارب، وما تغير بتغيره من أصناف الحساب، وأقدار أزمان السنين، وأوقات الفصول واتصالات النَّيِّرَيْنِ التي يستدل عليها بأزمان الكسوفات وأوقاتها، أجريت في تصحيح ذلك وإحكامه على مذهب بطليموس في الكتاب المعروف بالمجسطي، بعد إنعام النظر وطول الفكر والروية، مقتفيًا أثره، متبعًا ما رسمه، إذ كان قد تقصى ذلك من وجوهه، ودلَّ على العلل والأسباب العارضة فيه بالبرهان الهندسي العددي، الذي لا تُدفع صحته، ولا يُشك في حقيقته، فأمر بالمحنة والاعتبار بعده، وذكر أنه قد يجوز أن يُستدرك عليه في أرصاده على طول الزمان، كما استدرك هو على أبرخس (راجع القفطي ص٥٠ و٥١ طبع مصر) وغيره من نظرائه، ووضعتُ في ذلك كتابًا أوضحتُ فيه ما استعجم، وفتحتُ ما استغلق، وبينتُ ما أشكل من أصول هذا العلم وشذ من فروعه، وسهلتُ به سبيل الهداية لم يأثر به ويعمل عليه في صناعة النجوم، وصححتُ فيه حركات الكواكب ومواضعها من منطقة فلك البروج على نحو ما وجدتها بالرصد وحساب الكسوفين وسائر ما يحتاج إليه من الأعمال، وأضفتُ إلى ذلك غيره مما يُحتاج إليه، وجعلتُ استخراج حركات الكواكب فيه من الجداول لوقت انتصاف النهار من اليوم الذي يُحسب فيه بمدينة الرقة وبها كان الرصد والامتحان على تحذيق ذلك كله.

وحقق البتاني ما يلي: «عن المقتطف مجلد ٣٩ ص١٤٨»:
  • أولًا: أنَّ ميل فلك البروج على فلك معدل النهار هو ٢٣ درجة و٣٥ دقيقة، وكان أبرخس قد حسبه ٢٣ درجة و٥١ دقيقة، وهو الآن ٢٣ درجة ونحو ٢٧ دقيقة. وقد حسب علماء الفلك المتأخرون أنه يتغير قليلًا، وقد كان في زمن البتاني ٢٣ درجة ونحو ٣٤ دقيقة فأصاب في رصده وحسابه إلى حد دقيقة واحدة.
  • ثانيًا: أنَّ طول السنة الشمسية ٣٦٥ يومًا و٥ ساعات و٤٦ دقيقة و٢٤ ثانية، وكان أبرخس وبطليموس قد حسباه ٣٦٥ يومًا و٥ ساعات و٥٥ دقيقة و١٢ ثانية، وهو ٣٦٥ يومًا و٥ ساعات و٤٨ دقيقة و٤٦ ثانية، فأخطأ البتاني بمقدار دقيقتين و٢٢ ثانية فقط، وسبب خطئه في اعتماده على رصد بطليموس لا من رصده هو.
  • ثالثًا: دقق في حساب إِهْليلَجَة فلك الشمس، فقال: إنَّ بعد الشمس عن مركز الأرض إذا كانت في بعدها الأبعد يساوي ١١٤٦ مرة مثل نصف قطر الأرض، وإذا كانت في بعدها الأقرب يساوي ١٠٧٠ مرة مثل نصف قطر الأرض، وإذا كان في متوسط بعدها يساوي ١١٠٨ مرات مثل نصف قطر الأرض، والنتيجة التي وصل إليها قريبة جدًّا مما وصل إليه العلماء الآن.

وَيُحِلُّهُ الأوروبيون في المحل الأرفع بين كل علماء الهيئة الذين ظهروا في كل العصور.

وفي حدود سنة ٨٢٨ للميلاد أمر الخليفة أبو جعفر المأمون بقياس درجة من الهاجرة لاستقراء جرم الكرة الأرضية، وقام بهذا العمل أربعة من علماء الهيئة مدونة أسماؤهم في صفحات التاريخ. قال أبو الفدا:

قد قام بتحقيق حصة الدرجة طائفة من القدماء كبطليموس صاحب المجسطي وغيره، فوجدوا حصة الدرجة الواحدة من العظيمة المتوهمة على الأرض ستة وثلاثين ميلًا وثلثي ميل، ثم قال بتحقيقه طائفة من الحكماء المحدثين في عهد المأمون، وحضروا بأمره في برية سنجار، وافترقوا فرقتين بعد أن أخذوا ارتفاع القطب محررًا في المكان الذي افترقوا منه، وأخذت إحدى الفرقتين في المسير نحو القطب الشمالي، والأخرى نحو القطب الجنوبي، وساروا على أشد ما أمكنهم من الاستقامة، حتى ارتفع القطب للسائرين في الشمال وانحط للسائرين في الجنوب درجة واحدة، ثم اجتمعوا عند المفترق وقابلوا على ما وجدوه، فكان مع إحداهما ستة وخمسون ميلًا وثلثا ميل، ومع الأخرى ستة وخمسون ميلًا بلا كسر فأخذ بالأقل وهو ستة وخمسون ميلًا.

ولم يذكر أبو الفدا إلا عملًا واحدًا، والحقيقة أنهما عملان وقعا في آن واحد، أحدهما في برية سنجار في بلاد ما بين النهرين، والآخر إلى الشمال من بلد الشام بين تدمر والفرات، وقد أثبتهما ابن يونس، وهو من أشهر الذين نبغوا في علم الهيئة في الخلافة العباسية، توفي سنة ٣٩٩ﻫ/١٠٠٨م.

وقال سناد بن علي:

أمرني المأمون أن أحقق وخالد بن عبد الملك درجة في الدائرة العظيمة على سطح الأرض، فذهبنا لذلك، وسار علي بن عيسى الإصطرلابي، وعلي بن البحتري من طريق أخر، أما نحن فتوجهنا إلى أن وصلنا بين فامية وتدمر، فوجدنا الدرجة ٥٧ ميلًا، ووجدها كذلك علي بن عيسى وعلي بن البحتري، وبعثنا بالخبر فوصل في آن واحد.

وذكر ابن يونس رواية أحمد بن عبد الله الملقب بحبش في كتابه «مطالع الأرصاد»، وحاصلها أنَّ العلماء ساروا في برية سنجار وقاسوا الدرجة، فوجدوا أنها ستة وخمسين ميلًا وربع ميل من أميالهم.

أما الطرق المتبعة الآن في قياس الدرجة فعمادها حساب المثلثات، وهو حساب دقيق جدًّا (راجع المقتطف م٢٨ ص٤٤٠ و٤٤١).

•••

وبعد أن أسس الخليفة المنصور العباسي مدينة بغداد سنة ١٤٨ بعد الهجرة ٧٦٥م، استقدم الطبيب النسطوري «جورجيس بن بختيشوع» من مدرسة جنديسابور وعينه طبيبًا ملكيًّا، ومنذ ذلك الحين توارث الأطباء النسطوريون وظيفة التطبيب في قصور الخلفاء زمانًا، وأسسوا مدرسة طبية في بغداد.

ولما مرض «جورجيس» في بغداد وأذن له الخليفة بالرجوع إلى جنديسابور عين مكانه تلميذه «عيسى بن صهاربخت»، وقد ألف كتابًا في فن الأدوية «الأقرباذين» غير أنَّ القفطي صاحب كتاب «أخبار الحكماء» يقول: «لما طلب المنصور جورجيس بعد رجوعه إلى جنديسابور مريضًا وعوفي، وُجِد عند الطلب ضعيفًا من سقطة سقطها من سطح داره، فاعتذر عن ذلك، وتقدم إلى عيسى هذا بالمضي إلى المنصور فامتنع، فسير عوضه إبراهيم تلميذه، وبقي عيسى هذا في البيمارستان بجنديسابور مقيمًا.»

غير أنَّ أكثر المؤرخين على الضد من رواية القفطي يثبتون أنَّ عيسى قدم بغداد وطب بها.

وقدم من بعد ذلك إلى بغداد «بختيشوع» بن «جورجيس»، وكان طبيبًا للخليفة هارون الرشيد سنة ١٧١ﻫ/٧٨٧م، ومن بعده قدم ابنه جبرائيل، فأرسل ليقوم على تطبيب جعفر البرمكي، وزير هارون الرشيد، وكتب جبرائيل مدخلًا لعلم المنطق ورسالة للمأمون في التغذية والمشاريب، وملخصًا في الطب أخذ عن ديوسقورس Dioscorus وجالينوس وبولص الأجانيطي، وكتب في وصايا طبية كثيرة، ورسالة في الروائح، وغير ذلك، ومن المعروف أنَّ الطب الهندي كان أول ما أدخل في مدرسة جنديسابور، ومن ثم امتزج بالطب اليوناني، ولكن اليوناني تغلب أخيرًا.
ومن الذين اشتهروا من الأطباء في بغداد «يحيى بن ماسرجس» أو ماسرجويه John bar Maserjoye وقد رأس مدرسة الطب في بغداد زمانا، وله مترجمات كثيرة ومؤلفات، ويقول الأستاذ «أوليري»: إنه مترجم كتاب «سنتا غما» Syntagma إلى اللغة السريانية.

وظل الطب عند العرب واقفًا عند حد النقل والترجمة تأليفًا، وعند تجارب مدرسة الإسكندرية عمليًا، ولقد أشرنا من قبل إلى تلك الأساطير التي تخالطت بالطب والكيمياء في مصر بمدرسة الإسكندرية، فإن هذه الأساطير قد ظلت مؤثرة أثرها المحتوم في العرب طوال أيام مدنيتهم، وكان هذا الأمر سببًا في أنَّ العقل العربي لم يثب إلى الابتكار في علم الطب مبكرًا شأنه في كثير من ضروب المعارف التي زاولها، فإن الابتكار في الطب لم يأتِ إلا في عصور متأخرة من المدنية العربية.

وفي أواخر القرن الثالث الهجري نقع على أبي العباس أحمد بن الطيب السرخسي، وكان تلميذًا للكندي، ويقال: إنه كتب مقالة في الروح، ومختصرًا لإيساغوجي، والمدخل إلى صناعة الطب (راجع المسعودي جزء٢ ص٧٢ طبع ليبرج).

وحتى عصر السرخسي كانت المباحث الطبية محصورة في يد المسيحيين واليهود غالبًا، حتى إنك لتجد مؤلفًا يقال له: يوحنا أو يحيى بن سيرابيون John bar Serpion — ولم أقف على كنيته العربية — في أواخر القرن التاسع الميلادي، يكتب في الطب باللغة السريانية مختصرات ترجم أحدها عدة ترجمات، وطبعها من بعد ذلك في اللاتينية «جيرار الكريموني» Gerard of Cremonia.
ويعتبر أبو بكر محمد بن زكريا الرازي أبا الطب العربي، توفي سنة ٣١١ أو ٣٢٠ﻫ ٩٢٣ أو ٩٣٢م، ويلقبه كتَّاب اللاتينية «بالرازيس» Rhazes، وكان مؤلِّفًا موسيقيًّا، كما كتب في الفلسفة والأدب والطب، وغالب ما يشير في مؤلفاته الطبية إلى ثقات من كتَّاب الهند واليونان.

ولا مُشَاحَّة في أنَّ إدخال العنصر اليوناني الصرف في المؤلفات الطبية والاستعاضة به عما كتب أطباء مدرسة الإسكندرية نقلًا عن القدماء، كان أعظم ما قام به مؤلفو العرب لصناعة الطب من الخدمات، على أنَّ مؤلفات «الرازي» قد سادت فيها الفوضى ووصفت بضعف التأليف، فهي ليست سوى مجموعة من المقالات مفككة العرى غير متواصلة الحلقات، ولهذا السبب وحده رجع طلاب الطب عن مؤلفاته إلى ما كتب ابن سينا؛ لأن مؤلفات ابن سينا فيها من الألفة والنظام بقدر ما في مؤلفات «الرازي» من التفكك وعدم التواصل.

ولقد تلقى «الرازي» العلم بعد أن كبر، ولما نبغ تولى رياسة الأطباء في بيمارستان بغداد، ومن الأمثال التي كانت جارية على الألسنة وتدل على منزلة «الرازي» قولهم: «كان الطب معدومًا فأحياه جالينوس، وكان متفرقًا فجمعه الرازي، وكان ناقصًا فكمله ابن سينا»، وهذا المثل يدل واضح الدلالة على أنَّ مؤلفات «الرازي» خليقة بما وصفناها به من قبل.

واشتغل «الرازي» بالكيمياء واستكشف ما سماه «زيت الزاج»، وهو الحامض «الكبريتيك» والكحول، واستحضر الأول باستقطار كبريتات الحديد، واسمه في العربية «الزاج الأخضر»، فلما استقطره خرج منه سائل أسماه «زيت الزاج»، ولا تزال الطريقة التي اتبعها «الرازي» في استخراجه ذلك الحامض متبعة في استخراجه حتى اليوم، وأما الكحول فقد استحضره باستقطار مواد نشوية وسكرية مختمرة.

وألف في استخراج الذهب من المعادن الأخرى مؤلفًا كان لا يعتقد أنه حق وعلم صحيح، ولكن الراجح أنه ما ألف فيه إلا ابتغاء الرزق والمال ليستعين به على تجاريبه الكيماوية، وألف كتبًا كثيرة لم يبقَ منها إلا القليل، ويقال: إنها كانت مائتي مؤلَّف، والباقي منها كتاب «الحاوي» وهو أهمها، كتبه في الأمراض ووصفها ومداواتها، وكتاب «الطب المنصوري»، وكتاب «الجدري والحصبة»، وكتاب «الفصول في الطب»، وكتاب «الكافي»، وقد ترجم إلى العبرية، وهو موجود الآن في جامعة إكسفورد، وكتاب «برء الصناعة» وكتاب «الطب الملوكي».

وكان الخليفة المنصور أكبر مشجع للأطباء النسطوريين على أن يسكنوا بغداد ويعلموا فيها، وكان له ضلع كبير في ترجمة الكتب العلمية والفسلفية عن اللغات اليونانية والسريانية والفارسية، غير أنَّ اهتمام الخليفة المأمون بهذا الأمر كان أكبر، وحمايته للعلماء والحكماء أثبت وأكثر تشجيعًا.

٤

أسس المأمون الخليفة العباسي مدرسة بغداد سنة ٢١٧ﻫ/٨٣٢م على نسق المدارس النسطورية والزرادشتية التي كانت مؤسسة من قبل ذلك، وسمى تلك المدرسة «بيت الحكمة» ووضعها تحت عناية «يحيى بن ماسويه»٣٢  John bar Maswai، الذي توفي سنة ٢٤٣ﻫ/٨٥٧م وقد مر بنا ذكره.

وهو من المؤلفين في السريانية والعربية، أما مقالته في الحميات فقد كانت العمدة في دراسة ذلك المرض زمانًا طويلًا، ونقلت من بعد إلى اللاتينية والعبرية.

أما أكبر الأعمال التي قام بها بيت الحكمة شأنًا، فترجع إلى المجهودات التي بذلها تلاميذ يحيى وتابعوه، وعلى الأخص «أبو زيد حنين بن إسحاق العبادي»، المتوفى سنة ٢٦٣ﻫ/٨٧٦م، وهو ذلك الطبيب النسطوري الذي مر ذكره في تاريخ النقل عن اليونانية إلى السريانية، فقد نقل فضلًا عن المؤلفات الطبية جزءًا من منطق أرسطوطاليس «الأورغانون»، وبعد أن درس أبو زيد في بغداد رحل إلى الإسكندرية، وعاد منها مزودًا بكل ثمار الدرس التي كانت شائعة متقنًا للغة اليونانية التي استخدمها فيما بعد أداة للنقل إلى السريانية والعربية.

واجتمع معه في «بيت الحكمة» ابنه إسحاق وابن أخته حبيش الأعسم الدمشقي، وترجم حنين إلى العربية مقالات إقليدس Euclid، وبضعة مؤلفات عن جالينوس وأبقراط وأرخميديس Archimides وأبولونيوس البرغوسي Apollonius of Pergaeus، وهو أكبر الذين اشتغلوا بالهندسة في العالم اليوناني بعد أرخميديس، ولد في الغالب سنة ٢٥٠ق.م، ومات في حكم بطليموس فيلوباتر Ptolemy Philopater فكأنه عاش بعد أرخميديس بأربعين عامًا تقريبًا، وكتب كثيرًا، غير أنَّ كل ما كتبه في اليونانية فقد بتمامه، ولم يبق إلا ما ترجم العرب عنه، وكذلك ترجم أبو زيد عن غير هؤلاء، كما ترجم الجمهورية The Republic وكتاب تيماوس Timaeus لأفلاطون وقاطيغورياس، والفوسيقا، و الماغناموراليا Magna Moralia أي الأخلاق الكبير عن أرسطوطاليس، وتعليقات تيمستيوس Themistius على المقالة الثلاثين من الميتافيزيقا، وترجمة كاملة للإنجيل إلى اللغة العربية، ولم يقتصر على هذا بل ترجم أيضًا كتاب أرسطوطاليس في المعادن، وهو كتاب ظل زمانًا طويلًا مرجعًا من أهم المراجع في دراسة الكيمياء، وعن أصله اليوناني أخذ بولس الأجانيطي.
أما ابنه إسحاق ففضلًا عما نقل في الطب، فقد ترجم إلى العربية تراجم أخرى منها «السوفسطائي» The Sophist لأفلاطون، والميتافيزيقا والروح «ده أنيما» de Anima، والكون والفساد Degeneratione et de Corrupotione وإرمانوطيقا أو «باري أرمنياس»؛ أي العبارة لأرسطوطاليس، وهذه المقالة ترجمها أبوه حنين إلى السريانية، ثم تعليقات على «فرفوريوس» والإسكندر الأفروديسي وأمونيوس Ammonius.
وبعد ذلك بقليل ظهر في أفق التأليف «قسطا بن لوقا» Questa ben Loqa البعلبكي، وقد درس في بلاد اليونان وترجم كثيرًا، ومن أشهر ما كتب كتاب «الفلاحة اليونانية» نقله عن السريانية، وقد طبع بمصر سنة ١٢٩٣ﻫ، وتوفي ابن لوقا سنة ٣١١ﻫ/٩٢٣م.

وكان القرن الرابع الهجري في الحقيقة العصر الذهبي في تاريخ الترجمة والنقل عند العرب، أما ذلك العمل العظيم الذي تم في ذلك العهد، فإن كان في واقع الأمر راجعًا إلى فئة من المسيحيين الذين كانوا يتكلمون السريانية، واحتذوا الأمثال التي درسوها في لغتهم، إلا أنَّ عددًا عظيمًا من الترجمات قد نقلت إذ ذاك عن اليونانية مباشرة، نقلها مترجمون درسوا تلك اللغة في الإسكندرية أو في إغريقية، وغالب ما كان المترجم منهم قادرًا على أن ينقل عن اليونانية إلى العربية والسريانية معًا، وكان هناك مترجمون عن السريانية، غير أنهم كانوا يعتبرون في المنزلة الثانية بعد المترجمين عن اليونانية.

من بين المترجمين النساطرة الذين نقلوا عن السريانية نذكر «أبو بشر متى بن يونس» المتوفى سنة ٣٢٨ﻫ/٩٣٩م، وقد ترجم إلى العربية أناليطيقا الثانية Analytica Posteriora والبويطيقا لأرسطوطاليس وتعليقات الإسكندر الأفروديسي على كتاب الكون والفساد لأرسطوطاليس، وتعليقات «تيمستيوس» على الكتاب الثلاثين من الميتافيزيقا، وكل هذه الكتب نقلها عن السريانية، وله مؤلفات مبتكرة في التعليق على قاطيغورياس؛ أي المقولات لأرسطوطاليس والإيساغوجي لفرفوريوس.
ومن الثابت في تاريخ هذه النهضة الكبيرة أنَّ مترجمي اليعقوبيين يأتون بعد النساطرة، وكان من بين الذين نقلوا منهم عن السريانية إلى العربية «يحيى بن عدي» المتوفى سنة ٣٦٤ﻫ/٩٧٤م، وكان تلميذًا لحنين بن إسحاق، وقد راجع كثيرًا من الترجمات التي تقدم عليه بها المترجمون، وأصلح نقصها وأضاف إليها ما استقامت به معانيها، وترجم عن أرسطوطاليس كتاب قاطيغورياس والسوفسطيقا والبوليطيقا والميتافيزيقا، وعن أفلاطون القوانين وتيماوس، وعن الإسكندر الأفروديسي تعليقاته على قاطيغورياس — المقولات — وعن «ثيوفراسط» Theophrastus الذي علم بعد أرسطوطاليس في اللوقيون كتاب الأخلاق، وكذلك ترجم «أبو علي عيسى بن زارة» عن أرسطوطاليس كتاب قاطيغورياس، والتاريخ الطبيعي، وكتاب الحيوانات Animalia مع تعليقات يوحنا فيلوبونس.

أما وقد بلغنا هذا المبلغ من البحث فليس ثمة من حائل يحول دون الكلام فيما وقف عليه العرب من مؤلفات أرسطوطاليس.

كان «الأورغانون»؛ أي المنطق لأرسطوطاليس، من أوليات ما عرف العرب عن المعلم الأول، وقد عرفوا معه كتاب بريطوريقا «الخطابة» والبويطيقا «الشعر» مع كتاب إيساغوجي لفرفوريوس.

أما مؤلفات أرسطوطاليس في العلم الطبيعي فقد عرفوا منها الفوسيقا، وكتاب الكون الفساد وتاريخ الحيوانات الطبيعي Historia animalium، وكتاب الروح de Anima، أما كتاب المتيورلوجيا — الآثار العلوية — الذي عرفه العرب، فظاهر الانتحال، وليس لأرسطوطاليس، وعرفوا عنه من العلوم الأدبية الميتافيزيقا، وعلم الأخلاق إلى نيقوماخس Niconacheàn Ethics وعلم الأخلاق الكبير، على أنَّ هناك شكًّا كبيرًا في أنهم عرفوا الأخلاق إلى نيقوماخس.

ومن غريب الأمر أنَّ سياسة أرسطوطاليس لم يعرفها العرب، ولم يعنوا بها، واستعاضوا عنها بقوانين الجمهورية لأفلاطون.

ويرجَّح أنَّ هذا هو السبب المباشر في أنَّ نظم الحكومات ظلت عند العرب غارقة في طيات النظر الغيبي، وأعانهم على ذلك إدماج الحكومة في الدين والخلط بين السلطتين الدينية والدنيوية، وعدم التفريق بين سلطات التشريع والقضاء والإدارة.

وقد نسب العرب إلى أرسطوطاليس كتابًا في المعادن وآخر في الميكانيكا لا يعرف الباحثون في العصور الحديثة عنهما شيئًا، وليس ذلك بكافٍ في إثبات أنهما لغيره، ولكن الدليل الذي يرجح أنهما لغيره أنَّ أرسطوطاليس لم يشر إلى هذين الكتابين في بقية كتبه التي استكشف أصلها اليوناني في أوائل القرن التاسع عشر.

وظل «الأورغانون» قاعدة التعاليم الإنسانية عندهم، ومشى جنبًا لجنب مع علومهم الأصلية، كالنحو والفقه، والظاهر أنَّ ذلك أمر طبيعي الوقوع في كفاءات العقل الإنساني، أمر طبيعي أن يأتلف المنطق وعلوم الكلام، فإن هذه الظاهرة إن كانت قد وجدت متسعًا في العقل السَّامِيِّ في آسيا، فإن آثارها ظهرت في أوروبا لدى انتشار الفلسفة المدرسية في العالم اللاتيني، قبل أن يكون لزعماء هذه الفلسفة؛ أي احتكاك بالعرب، فكأن العقل اللاتيني والعقل التيوتوني الآرييْنِ، لم يَعْدُوَا القاعدة التي جرى عليها العقل السَّامِيُّ.

ظل منطق أرسطوطاليس علمًا ثابتًا أصيلًا في كل البلاد التي عرفته، وبين كل الأمم التي احتكت بالفلسفة اليونانية، رحبت به العقول أينما حَلَّ ولم تنفر منه الطبائع، لذلك نجد أنَّ كل المناقشات الفلسفية واللاهوتية التي تقع عليها في كتب العرب ليست سوى مسائل مستمدة أصولها من الميتافيزيقا والبسيكولوجيا، ولهذا نجدها جميعًا ذات آصرة متينة بالكتاب الثاني عشر من الميتافيزيقا، والكتاب الثالث من رسالة الروح de Anima.

عرفنا قبل أنَّ البسيكولوجيا لأرسطوطاليس لم تفسر عند العرب إلا بالاستعانة بما كتب فيها الإسكندر الأفروديسي من التعليقات، وبذلك اصطبغت بصبغة من الألوهية وما بعد الطبيعة «الغيبيات» أكملتها من بعد المدرسة «الأفلاطونية الجديدة»، وتعاليمها المستمدة من كتاب «إيثولوجيا» للشيخ أفلوطين الإسكندري على الأخص، وهو كتاب في القول بالألوهية نسب خطأ إلى أرسطوطاليس، وكان سببًا في أن يعنت المعلم الثاني أبو نصر الفارابي نفسه في سبيل التوفيق بين أفلاطون وأرسطوطاليس، ولم تذع الفكرات الخاصة بالقول بالألوهية في «الأفلاطونية الجديدة» بين العرب إلا بعد أن ترجم كتاب «إيثولوجيا» المنسوب إلى أرسطوطاليس إلى العربية سنة ٢٢٦ﻫ/٨٤٠م.

والحقيقة التي تثبت من البحوث الحديثة أنَّ كتاب «إيثولوجيا» ليس سوى تلخيص لثلاثة الفصول الأخيرة من كتاب يسمى «إنياديس» Enneads أي «التاسوعات»٣٣ وضعه الفيلسوف أفلوطين الإسكندري Plotinus، فنقلها «ابن ناعمة» Naymah إلى السريانية ونشرها بين الناس في صورة كتاب مستقل منسوب إلى أرسطوطاليس.

قد يؤخذ على هذا المترجم أنه لم يكن أمينًا في النقل، وأنه أظلم مفاوز العلم وأضل العلماء، غير أننا لا ننسى أنَّ اسم أفلاطون وأفلوطين متقاربين في اللغة العربية، كما هما في اللغة اللاتينية، وربما كانا متقاربين في اللغة السريانية أيضًا، فلا يبعد أن يكون «ابن ناعمة» قد تأثر بالرأي الذي شاع في مدرسة الإسكندرية من القول بأن فلسفة أرسطوطاليس وفلسفة شيخه أفلاطون، غير مختلفتين في الجوهر، وأنَّ التوفيق بينهما مستطاع، وتلك فكرة ورثها العرب، ومضوا عليها عاكفين.

ولما ذاع كتاب «إيثولوجيا» اقترن درسه بدراسة تعاليم الإسكندر الأفروديسي، وكلاهما يشرح أصول المذهب الأفلاطوني الجديدة، فكان لذلك أثر ظهر بارزًا في ما كتب العرب من كتب الفلسفة الإسلامية في سائر فروعها.

أما بين يدي الفلاسفة، والذين هم جديرون بحق أن يسموا فلاسفة، فقد ظهر بين العرب فيما كتبوا ضربٌ من الأفلاطونية الجديدة مصبوغًا بالصبغة الإسلامية، تشكل في آخر حالاته بما كتب الرئيس ابن سينا، والفيلسوف ابن رشد، ونقل على هذه الصورة إلى الفلسفة المدرسية في العالم اللاتيني في أوروبا، فكان أثره بين اللاتين لا يقل عن أثره بين العرب، ولما استشم هذا المذهب ريح الفكر الغيبي انقلب إلى «باطنية» قاسية الأحكام ظهرت تحت عنوان «التصوف» عند العرب، وكانت سببًا في ذلك الضرب من «اللاهوت التأملي» الذي نمته الباطنية وشربته بروحها الخيالية، وكثيرًا ما تخالطت الفكرات الشائعة في ذلك المذهب باللاهوت الإسلامي الصحيح، وظهرت ممزوجة به أو ممزوجًا بها، مزجًا يظهر جليًّا في سطور المؤلفات التي تناولت تلك الأبحاث.

أما التعاليم الأولى لتلك «الأفلاطونية الجديدة» كما تحنرت في اللاهوت الإسلامي، فتنحصر أولًا في الاعتقاد بالعقل الإيجابي — ويسمونه «العقل الفعال» — الذي كان الإسكندر الأفروديسي أول من قال به، على أنه فيض من فيوض الله، ثم العقل السلبي — ويسمونه العقل المستقل — ويختص به الإنسان وحده، ولا ينشط هذا إلا بقوة يبعثها فيه العقل الفعال، وما هذا المذهب في مبناه وتفصيله إلا مذهب الأفروديسي إذ يقول: «إنَّ غرض الإنسان من الحياة ينحصر في أن يصل بين عقله الهيولاني والعقل الفعال بوحدة متينة»، غير أنَّ طريقة هذا الاتصال تختلف عند الفلاسفة وعند الباطنيين.

•••

يأتي بعد الفلسفة علم الطب، وهو من أكبر ما ورث العرب عن اليونان، غير أنَّ هذا العلم، وقد استمد من مدرسة الإسكندرية ومن بيئتها، لم يظهر بين العرب إلا مسممًا بتعاليم المدرسة المصرية المتأخرة، فظهرت تعاليم جالينوس وأبقراط ممزوجة بضروب من السحر والطلسمات والتنجيم، فظلت هذه العوامل شديدة الأثر في أكثر ما خرج في الطب من المؤلفات العربية، أما الأثر الحقيقي في الطب فقد نقل عن اليونان، وقد استمد أولًا من كتب النساطرة في الفلسفة، ثم من بعد ذلك عما كتب النساطرة والزرادشتيون في مدرسة جنديسابور.

بعد ذلك يدخل الأثر الحراني في الطب عند العرب، وكانت مدرسة حران الوثنية ذات صلة وآصرة بالأفلاطونية الجديدة أيضًا، ولما مر المنصور الخليفة العباسي بِحَرَّانَ على رأس جيشه؛ ليحارب إمبراطور بيزنطية، أبدى عجبه من زي تَزَيَّى به بعض الذين قدموا من حران ليؤدوا فروض التحية والولاء، فرآهم مُهْدِلِي الشعر، يرتدون ملابس ضيقة تلاصق أجسامهم، ولما وقف على أمرهم وأنهم ليسوا نصارى ولا زرادشتيين ولا يهود ولا من أهل الكتاب، علم أنه استكشف مستعمرة وثنية في ملكه الإسلامي، فأمرهم أن يعتنقوا دينًا من الأديان ذوات الكتب قبل أن يعود من الحرب، وإلا فإنه يكون في حِلٍّ إذا حَكَّمَ السيف رقابهم، فاعتنق بعضهم الإسلام، وبعضهم الدين النصراني أو الزرادشتي، وظل بعضهم أمينًا لعقيدته الوثنية، غير أنَّ هؤلاء ظلوا في حيرة من أمرهم حتى أدركهم مِدْرَهٌ عربي أعطوه مالًا تلقاء ما ينصح لهم به من سبيل يخلصون به من سيف الخليفة، فنصح لهم بأن ينقلبوا صابئين، وهم من أهل الكتاب بنص القرآن، على أنَّ الخليفة لم يمر بِحَرَّانَ في عودته، ولكن ظل الحرانيون الذين انتحلوا الصابئية آمنين بذلك النعت الجديد، في حين أنَّ الذين اعتنقوا الإسلام أو المسيحية أو الزردشتية، ارتدوا إلى دينهم تحت عنوان الصابئية.

كان «ثابت بن قرة» أعظم من عُرِفَ في مدرسة حران في العالم العربي، توفي سنة ٢٨٩ﻫ، وكان يجيد اللغة اليونانية، كما يجيد السريانية والعبرية، وترجم في المنطق والرياضيات والتنجيم والطب، وكذلك في طقوس الوثنيين وتعاليمهم التي ظل أمينًا عليها ثابت العهد لها، وهو أبو الحسن ثابت بن قرة بن هرون «ويقال: زهرون» بن ثابت بن زكريا بن إبراهيم بن كرايا بن مارينوس بن مالاميروس الحاسب الحكيم الحراني.

«وكان في مبدأ أمره صيرفيا بِحَرَّانَ ثم انتقل إلى بغداد واشتغل بعلوم الأوائل فمهر فيها، وبرع في علم الطب، وكان الغالب عليه الفلسفة، وله تآليف كثيرة في فنون العلم مقدار عشرين تأليفًا، وأخذ كتاب إقليدس الذي عربه حنين بن إسحاق العبادي فهذبه ونقحه وأوضح ما كان مستعجمًا، وكان من أعيان عصره في الفضائل، وخرج من حران لخلاف بينه وبين أهل مذهبه فنزل إلى كفر توشا، قرية كبيرة بالجزيرة الفراتية، أقام بها مدة، إلى أن قدم محمد بن موسى من بلاد الروم راجعًا إلى بغداد فاجتمع به فرآه فاضلًا فصيحًا فاستصحبه إلى بغداد، وأنزله في داره، ووصله بالخليفة فأدخله في جملة من المنجمين، فسكن بغداد وأولد الأولاد» (راجع ابن خلكان مجلد أول ص١٢٤ و١٢٥ طبعة أميرية).

ولقد توارث آل قرة العلم، فكان منهم ابنه أبو سعيد سنان، ومن أحفاده إبراهيم ثابت وأبو الحسن ثابت وإسحاق أبو الفرج، وكل هؤلاء نبغوا في الرياضيات والفلك.

وكان أبو الحسن ثابت بن سنان بن ثابت بن قرة ببغداد في أيام معز الدولة بن بويه، وقرأ عليه كتب بقراط وجالينوس، وقد سلك مسلك جده ثابت في نظره في الطب والفلسفة والهندسة وجميع الصناعات الرياضية للقدماء.» (راجع ابن خلكان جزء أول ص١٢٥ طبعة مصر الأميرية).

•••

أما ما كان يسمونه الفلاحة فقد نقل أحمد بن على بن قيس الكلداني المعروف بابن وحشية، الذي عاش سنة ٢٩١ﻫ «كتاب الفلاحة النبطية» عن الكلدانية أملاه على علي بن محمد بن الزيات سنة ٣١٨ﻫ وجعله خمسة أجزاء، ومنه نسخ خطية في برلين وليدن وإكسفورد والمتحف البريطاني وباريس ودار الكتب المصرية، ومن الفلاحة أيضًا كتاب للزيتوني يقال له: «مختصر الفلاحة» عن كتاب ابن وحشية.

وقد تقدم أنَّ لِقسطا بن لوقا الطبيب النصراني كتاب «الفلاحة اليونانية» نقله عن السريانية، أما كتاب ابن وحشية هذا فنرجع فيه إلى الأستاذ نلليتو.

والظاهر أنَّ لمعتقد العرب في حركة إقبال الأفلاك وإدبارها سببان: الأول ما ورثوه عن مدرسة الإسكندرية من النزعة إلى التنجيم والباطنية، وما ورثوه عن هذه المدرسة أيضًا في فكرة أنَّ الأفلاك ذوات عاقلة.

ولقد يقال خطأ بأن العرب ورثوا هذه الفكرة أو الصناعة، صناعة إقبال الأفلاك وإدبارها عن الكلدانيين؛ لأنهم ترجموا كتاب تنكلوشا البابلي إلى اللغة العربية، غير أنَّ الأستاذ نلليتو قد نفى هذه الفكرة، وأثبت أنَّ كتاب تنكلوشا مختلق اختلاقًا، ولذا ننقل ما قاله في ذلك عن محاضراته التي ألقاها بالجامعة المصرية، وطبعت في كتاب تحت عنوان «علم الفلك عند العرب» إثباتًا لرأينا الأول: وإثباتًا لفكرتنا في أنَّ اختلاق هذا الكتاب دليل على أنَّ العرب قد قويت فيهم هذه النزعة من طريق مدرسة الإسكندرية، لا من طريق غيرها، قال الأستاذ حرفيًا:
تحفظ في أوروبا نسختان٣٤ من كتاب يخال المطلع عليه أول بدء أنه ترجمة تأليف تنكلوس إلى العربية، واسم الكتاب في نسخة مدينة ليون كتاب تنكلوشا البابلي القوقاني٣٥ في صور درج الفلك، وما تدل عليه من أحوال المولودين بها، نقله من اللغة النبطية إلى العربية أبو بكر بن أحمد بن وحشية،٣٦ أملاه علي بن أبي طالب٣٧ أحمد بن الحسين بن علي بن أحمد بن محمد بن عبد الملك الزيات، وفي نسخة مدنية بطرسبورغ: «كتاب تنكلوشا — كذا — القوفاني من أهل بابل في صور درج الفلك وبعض دلائلها على ما أخذ عن القدماء»، وغاية الكتاب وصف الصور العجيبة التي يتوهم المؤلف أن تطلع مع كل درجة من درج البروج الثلاثمائة والستين، ثم ذكر صفات وأخلاق من كان طالع مولده الدرجة المذكورة،٣٨ وقال مثلًا: إنَّ الدرجة الثلاثين من الميزان «يطلع فيها زحل في صورته العظمى التي لا يطيق أحد أن ينظر إليه، ولا أن يدنو منه على مسيرة ألف سنة من شدة البرد والكُزَاز، وهو جالس على رفرف من ديباج، وقد جعل إحدى رجليه على فخذ الأخرى، وعلى رأسه تاج من الزمرد الأخضر، وفي يده اليمنى طوق من حجارة الشبج فيه مرآة كبيرة محلاة وهي تلمع وتبرق، ولحيته كبيرة بيضاء مثل الثلج، وفي رجله خفَّا ديباج أسود جَلْد السواد، وهو مشتمل بكساء خزًّا أخضر أسود شديد السواد وهو ساقط مطرق»،٣٩ وقال: إنَّ الدرجة السادسة عشرة من برج العقرب «يطلع فيها لوح ذهب مدفون حواليه فصوص زمرد أخضر، ورجل شيخ جالس في حجره مصحف يقرأ فيه أخبار قيامًا الملك وأقاصيصه»،٤٠ وعلى قوله في الدرجة التاسعة من برج القوس «يطلع فيها عقويا الحكيم في صورته إذ كان شابًّا جميلًا، وقد أخذ بيده جارية حسناء، وهو يحدثها بحديث صغار لا يفهمه أحد، ويضحك إليها وعن يمينها الصن المقير الذي حمل فيه رأس ريخانا الملك إلى عمه، فلما رآه مات فبقي الصن بموضعه سنة لا يمسه أحد، ولا ينظر إليه، والباب دونه مغلق إلى أن جاءهم رسول ملك الفرس فدخل البيت وحرق الصن والرأس فيه»،٤١ وجميع الكتاب خرافات مثل هذه يحكيها لدرجة درجة من فلك البروج، فإذا قابلناها على ما وصل إلينا من تأليف توكرس أو تنكلوس الحقيقي وجدنا بين الكتابين فرقًا عظيمًا بل بونًا شاسعًا، ويركن تنكلوشا القوقاني «أو بالحري ابن وحشية أو أبو طالب الزيات حسبما سأبين» إلى حكماء أهل بابل الأوائل، ودعاهم بأسماء غريبة مختلفة اختلافًا واضحًا مثل أرميسا وبرهمانيا الخسرواني وغيرهما، فلا ريب في أنَّ هذا الكتاب هو المذكور في الفلاحة النبطية لأبي أحمد بن علي بن المختار المعروف بابن وحشية النبطي.٤٢
ويضطرني ذلك إلى وصف كتاب الفلاحة النبطية،٤٣ ولو بغاية الاختصار، قال صاحبه في مقدمته: إنَّ الكتاب الأصلي ألفه قبله بألوف سنين حكيم بابلي اسمه قوثامي نقلًا عن كتب أقدم من تأليفه بكثير وضعها ضغريث وينبوشاد، وإنَّ ابن وحشية ترجمه من لسان الكسدانيين أو النبطية — والمراد اللغة البابلية القديمة — إلى العربية سنة ٢٩١ﻫ/٩٠٤م،٤٤ وأملاه سنة ٣١٨ﻫ/٩٣٠م، على تلميذه أبي طالب أحمد بن الحسين بن علي بن أحمد الزيات، فمغترًّا بهذا الكلام وبما وجد في الكتاب من الأمور والأسماء الغريبة زعم خولسن٤٥ أنه من آثار بابل الثمينة النفيسة التي ضاعت لولا ابن وحشية وأبو طالب الزيات، فاستنبط من ذلك الاستنباطات البعيدة، ولتعلموا أنَّ الفلاحة النبطية تتعلق بالعلوم السحرية أكثر منها بالطبيعيات والنبات فقال ابن خلدون:٤٦ «وترجم من كتب اليونانيين — كذا — كتاب الفلاحة النبطية منسوبة لعلماء النبط مشتملة من ذلك٤٧ على علم كبير، ولما نظر أهل الملة٤٨ فيما اشتمل عليه هذا الكتاب، وكان باب السحر مسدودًا، والنظر فيه محظورًا، فاختصروا منه الكلام في النبات من جهة غراسه وعلاجه وما يعرض له في ذلك، وحذفوا الكلام في الفن الآخر منه جملة. واختصر ابن العوام كتاب الفلاحة النبطية على هذا المنهاج، وبقي الفن الآخر منه مغفلًا نقل منه مسلمة في كتبه السحرية أمهات من مسائله.
وقال في موضع آخر:٤٩ وكانت هذه العلوم٥٠ في أهل بابل من السريانيين والكلدانيين، وفي أهل مصر من القبط وغيرهم، وكان لهم فيها التآليف والآثار، ولم يترجم من كتبهم فيها إلا القليل مثل الفلاحة النبطية من أوضاع أهل بابل، فأخذ الناس منها هذا العلم وتفننوا فيه، ووضعت بعد ذلك الأوضاع.»
أما الذين جاءوا بعد خولسن من الباحثين عن حقيقة ذلك الكتاب، لا سيما كتشمد المذكور آنفًا ونولدكه٥١ فبرهنوا البراهين الناطقة على أنه من تأليفات الشعوبية المفرطين في تفضيل الأمم الأجنبية على العرب المحض المتخذين كل وسيلة جائزة كانت أم مكروهة، أو مذمومة بلاغًا إلى مبتغاهم. فغرض كتاب الفلاحة النبطية إثبات أنَّ قدماء أهل بابل قد توصلوا في مدارج الحضارة والتمدن والتقدم العلمي إلى غاية لم تتقرب منها العرب في الجاهلية ولا فيما بعد الإسلام.

وحيث إنَّ معرفة أحوال بابل وآثور القديمة قد اندرست كليًّا منذ قرون عند الشرقيين، اخترع صاحب الفلاحة النبطية الأسماء والنوادر والأخبار، وزور ولفق وموَّه، وفي كل وادٍ هَامَ، وَوَشَّى كلامه ونسج كتابه بالخرافات الشنيعة والأكاذيب الفظيعة.

ومن أعجب العجائب أنَّ كتاب الفلاحة النبطية على المحتمل ليس تأليف ابن وحشية كما قيل في عنوان الكتاب وصدره، بل إنما هو من مختلقات أبي طالب الزيات٥٢ الذي نسبه إلى ابن وحشية؛ أي إلى رجل قد مات وقت نشر التصنيف تخلصًا من ذم إخوانه المسلمين، وتبرئة لنفسه من تهمة النفاق والافتراء، وأنتم تدرون ما أكثر مثل ذلك الفعل عند أصحاب الأحكاميات والسحريات والكيمياء، وكم من تأليف عُزِيَ مثلًا إلى هرمس وجاماسب وغيرهما من حكماء الوهميين، وكم نُسِبَ إلى أبي معشر ومسلمة المجريطي من كتاب ألف بعد موتهما بقرون، وإني مرتاب حتى في وجود ابن وحشية، الذي عزا إليه صاحب كتاب الفهرست ص٣١١ إلى ٣١٢ عدة كتب في علوم السحر، وص٣٥٨ كتابًا في الكيمياء من دون أن يفيدنا شيئًا من أحوال حياته، وأسماؤه أبو بكر أحمد بن علي٥٣ بن المختار بن عبد الكريم بن جريثا بن بدنيا بن برطانيا بن غلاطيا — كذا — الكسداني، فترون أنَّ أسماء أجداده أسماء وهمية لا أصل لها في اللغات الآرامية — ومنها النبطية، أو في لغات أخرى، بل إنَّ برطانيا وغلاطيا أسماء ولايتين مشهورتين من ولايات المملكة الرومانية٥٤ ذكرا أيضًا في كتابين لبطليموس منقولين إلى العربية،٥٥ فيتضح أنها جعلت أسماء أشخاص تزويرًا، وزيادة على ما قلته. نستفيد من كتاب الفهرست ص٣١٢ أيضًا أنَّ جميع تأليفات ابن وحشية في السحر إنما عرفت برواية أبي طالب الزيات، فذلك يزيدني ريبًا في حقيقة وجود ابن وحشية.٥٦

ثم نرجع إلى علم الكيمياء فنجد أنفسنا مسوقين إلى أن نقرن اسم «جابر بن حيان» بِحَرَّانَ، وهو رجل ذو شخصية محققة الأثر في تاريخ علم الكيمياء، ولم يتحقق الباحثون من تاريخ مولده، ولكن التاريخ يدل على أنه كان تلميذًا يتحقق من تاريخ مولده. ولكن التاريخ يدل على أنه كان تلميذًا للأمير خالد الأموي، وهو أول أمير عربي عُنِيَ بالعلم ليكون عالمًا، وكان ثابت القدم في علم الكيمياء، وتنسب مقالات كثيرة في ذلك العلم لجابر بن حيان، وتدل التقاليد على أنَّ أكثرها صحيح النسب إليه.

يقول مسيو «برتيلو» M. Berthelot في الجزء الثالث من كتابه «الكيمياء في القرون الوسطى» La Chemie en Moyen age «باريس ١٧٩٣» في تحليل تاريخي قيم أنَّ تاريخ كيماويي العرب ينقسم إلى قسمين: الأول ينحصر في نقل المباحث الكيماوية التي قام بها فحول من علماء الإسكندرية، والثاني ينحصر في ما ابتكر العرب في ذلك العلم بعد أن اتخذوا عمدتهم على مباحث الإسكندرية، غير أنه ينسب كل ما في هذا العلم من الابتكارات في العصر العربي لجابر بن حيان حتى قال فيه: «لجابر بن حيان في علم الكيمياء، ما لأرسطوطاليس ومن قبله في علم المنطق.»

ونشر مسيو برتيلو في كتابه ذاك ستة مقالات صحت لديه نسبتها إلى جابر، ويعتبرها مسيو برتيلو كمثال لما وصل إليه العقل العربي في ذلك العلم من الابتكار: ويقول بأن كل الباحثين في هذا العلم من بعده كانوا عالة عليه نقلًا وتعليقًا.

لقد ظل العرب طوال قرون يقصرون مباحثهم في الكيمياء على البحث وراء تحويل المعادن إلى ذهب، ولكن انقلبت الفكرة فيما بعد ذلك فأخذت الكيمياء بضلع أوسع من العلاقة بعلم الطب، ولو أنها لم تتحرر تحريرًا مطلقًا من الأساطير القديمة، وكان لذلك العلم ثلاثة أغراض عند القدماء؛ الأول: إيجاد محلل عام لكل المواد العنصرية، ثانيًا: اكتشاف ما يدعونه بحجر الفلاسفة الذي يحول المعادن إلى ذهب، ثالثًا: العثور على إكسير الحياة، وهو دواء يشفي جميع العلل والأمراض. إنَّ موضوع هذا العلم كما كان يدركه القدماء لا يَمُتُّ بآصرة بعيدة أو قريبة لعلم الكيمياء كما عرف في العصور الأخيرة، غير أنَّ تحويل العناصر إلى بعضها بالتجارب الكيماوية لم يصبح في القرن العشرين ذلك الحلم الخيالي الذي تصور أهل القرن التاسع عشر أنَّ القدماء تعلقوا بأهدابه ضِلَّةً، على أنَّ كل ما يهمنا في هذا الموضوع هو ما أقر عليه المؤرخون في تاريخ العلم عند العرب في أنهم كانوا ذوي كفاءات اختبارية عظيمة، وأنهم أجروا اختبارات جليلة القدر كبيرة الفائدة، ولو أنهم لم يدركوا كلَّ الإدراك ما كان لاختباراتهم تلك من الشأن والخطر الكبير.

إنَّ كل المتون التي نشرها مسيو برتيلو بلا استثناء تبدأ بالتحذير من إذاعة أسرار تلك الصناعة، وغالبًا ما تتضمن فقرات يدرك منها أنَّ كاتب المتن قد تعمد أن يغفل ذكر بعض التجاريب والاختبارات لئلا يتناولها العامة الذين لم يتثقفوا فيفسدون على الناس أمرهم ويَنْكُثُونَ فتل الآداب والأخلاق، بما يصبح بين أيديهم من الذهب الذي يحولونه عن المعادن الأخرى.

والكيماويون من العرب يدَّعُون أنهم وصلوا إلى تحويل المعادن إلى ذهب، وأنهم وقفوا على سر ذلك، والتاريخ مملوء بإشارات إلى تلك الدعوى، غير أنَّ بعض الناقدين من معاصريِ الذين ادَّعوا هذه الدعوى يقولون بأن دعواهم لا دليل عليها ولا صحة لها، وكثيرًا ما أشار المؤرخون إلى أنَّ المعلم الثاني، أبا نصر الفارابي كان يعتقد بصحة ذلك الأمر، وأنه كان ثابت اليقين في إمكان تحويل المعادن إلى ذهب، غير أنه مات فقيرًا معدمًا، بَيْنَا تجد أنَّ الرئيس ابن سينا، وهو ممن لم يعتقدوا ذلك الاعتقاد، مات في كفاف من العيش، وكان في مستطاعه أن يجمع ثروة كبيرة، لو أنه أراد ذلك.

ولقد اختلف المشتغلون بالكيمياء من العرب في كيفية تحول المعادن، أي في صحة الكيمياء كما كانت تعلم في الصور الأولى، فقال بعضهم بأنها تتحرك فيصير النحاس فضة وتصير الفضة ذهبًا، وقال غير هؤلاء: إنَّ المعادن لا تتغير إلا في صورتها لا غير، فيصبغ النحاس فيصير أبيض اللون كالفضة، وتصبغ الفضة فتصير كالذهب، ولكن كل معدن يظل حافظًا لصفاته الأصلية فتظل الفضة فضة والنحاس نحاسًا والذهب ذهبًا (راجع المقتطف م٤١ ص١٠٥ وما بعدها).

قال حجي خليفة في كشف الظنون: «إنَّ الناس في علم الكيمياء على طريقتين؛ فقال كثير ببطلانه، منهم الشيخ الرئيس ابن سينا، أبطله بمقدمات في كتاب الشفا، والشيخ تقي الدين أحمد بن تيمية، صنف رسالة في إنكاره، وصنف يعقوب الكندي أيضًا رسالة في إبطاله، وكذلك غيرهم؛ لكنهم لم يوردوا شيئًا يفيد الظن لامتناعه فضلًا عن اليقين، وذهب آخرون إلى إمكانه منهم الإمام فخر الدين الرازي، فإنه في المباحث الشرقية عقد فصلًا في إمكانه، والشيخ نجم الدين ردَّ علي الشيخ ابن تيمية وزيف ما قاله في رسالته، ومؤيد الدين الطغرائي صنف فيه كتبًا منها «حدائق الإشهادات»، وبين إثباته والرد على ابن سينا.

ولا يقصد هنا بالإثبات والإنكار إلا مسألة تحويل المعادن بعضها إلى بعض؛ لأن الظاهر أنَّ هذه الفكرة هي التي دار حولها محور علم الكيمياء في كل عصور المدنية العربية.

قال الرئيس ابن سينا في إنكار تحول المعادن:

نسلم بإمكان صبغ النحاس بصبغ الفضة والفضة بصبغ الذهب، إلا أنَّ هذه الأمور المحسوسة يشبه ألا تكون هي الفصول — أي الخواص — التي تصير بها هذه الأجساد أنواعًا، بل هي أعراض ولوازم، والفصول مجهولة، وإذا كان الشيء مجهولًا فكيف يمكن أن يقصد قصد إيجاد أو إفناء؟

وقال الإمام الرازي مثبتًا:

الإمكان العقلي ثابت؛ لأن الأجسام مشتركة في الجسمية، فوجب أن يصح على كل واحد منها ما يصح على الكل، أما الوقوع فلأن انفصال الذهب عن غيره هو بالرزانة، وكل واحد منهما يمكن التشابه فيه ولا منافاة بينهما.

ونقل الفارابي تعليل أرسطو في إثبات التحول:

إنَّ الفلزات واحدة بالنوع، والاختلاف الذي بينها ليس في ماهيتها، وإنما هو في أعراضها، فبعضه في أعراضها الذاتية، وبعضه في أعراضها العرضية، وكل شيئين من نوع واحد اختلفا بعرض، فإنه يمكن انتقال كل واحد منهما إلى الآخر، فإن كان العرض ذاتيًّا عسر الانتقال، وإن كان مفارقًا سهل الانتقال، والعسر في هذه الصناعة إنما هو لاختلاف أكثر هذه الجواهر في أعراضها الذاتية، ويشبه أن يكون الاختلاف الذي بين الذهب والفضة يسيرًا جدًّا.

وقال الإمام شمس الدين محمد بن إبراهيم الأنصاري:

إذا أراد المدبر أن يصنع ذهبًا نظير ما صنعته الطبيعة من الزئبق والكبريت الطاهرين، فيحتاج إلى أربعة أشياء؛ كمية كل واحد من ذينك الجزأين، وكيفية ومقدار الحرارة الفاعلة للطبخ، وزمانه، وكل واحد منها عسر التحصيل، وأما إن أراد ذلك بأن يدبر دواء وهو المعبر عنه بالإكسير مثلًا، ويلقيه على الفضة ليمتزج بها ويستقر خالدًا فيها ويكسوها لون الذهب ورزانته — المقصود بها الثقل النوعي في الاستعمال الحديث — فاستخراج ذلك بالتجربة يحتاج إلى استقراء حال جميع المعدنيات وخواصها، وإنَّ استخرج بالقياس فمقدماته مجهولة، ولا خفاء في عسر ذلك ومشقَّته.

ومما يلاحظ هنا أنَّ أقوال المثبتين والمنكرين كلها نظرية مبنية على الأقيسة المنطقية، ولا شأن لها بالعمليات.

ومما لا شك فيه أنَّ العرب أخذوا مبادئ الكيمياء عن اليونان، فإن منهم فلاسفة بحثوا في الأصول العنصرية منهم هيرقليطس الإفسوسي، الذي قال بأن النار أصل العناصر، وإمبيذقليس الذي قضى بأن العناصر أربعة: الماء والهواء والنار والتراب، وقد تدعى بالاستقصات الأربعة، وديموقريطس الذي قال بتكون العالم من حركات الجواهر الفردة المكونة للهيولى، وإنا كساغوراس الذي اتبع طريقة قياس التمثيل في حل معضلات الطبيعة الكونية، وأرسطوطاليس الذي قضى بأن الأثير يجب أن يضاف إلى العناصر الأربعة، وأنه عنصر العناصر.

ولما انتقلت علوم اليونان إلى مصر من طريق مدرسة الإسكندرية توسع الكهنة الذين كانوا يدرسون العلوم في الاشتغال بعلم الكيمياء، وزعموا أنهم حولوا المعادن إلى ذهب في أول عصور المسيحية فاضلوا كثيرًا من محبي الاستطلاع والطامعين في الغنى العاجل، حتى اضطر الإمبراطوران ساويرس وديوقلتيانوس أن يأمرا بإعدام كل كتب الكيمياء، ولكن نجت منها طائفة وصلت إلى أيدي العرب فكانت عمدتهم في هذا الموضوع، ومنها اقتبسوا الألفاظ اليونانية المستعملة عندهم في الكيمياء.

•••

في خلال القرون الوسطى ترجمت عدة مقالات عن «جابر بن حيان» إلى اللاتينية، ويدعونه «جيبر» Geber، وكان له أثر كبير في تكوين مدرسة كيماوية ذات أثر في بلاد الغرب، وبعد قليل كثر العارفون بتلك الصناعة فكتبوا مقالات كثيرة في اللاتينية نسب أغلبها إلى جابر، غير أنها ظاهرة الانتحال.

على أنَّ الروايات عن جابر كثيرة، والقَصص من حوله عديدة وجوهه، غير أنَّ مسيو برتيلو يعتقد بأن كل الظواهر التاريخية تدل على أنَّ جابرًا كان ذا آصرةٍ قريبةٍ، ونسبٍ أدْنَى إلى حران في أوائل القرن الثاني من التاريخ الهجري.

برقين ١٩٢٤
١  مدينة على شاطئ الفرات كبيرة تعرف بنصيبين الروم تمييزًا لها عن نصيبين الجزيرة، وهي مدينة أخرى عامرة. وبين نصيبين الروم وبين آمد أربعة أيام أو ثلاثة، ومثلها بينها وبين حران، ومن قصد بلاد الروم من حران مر بها (معجم البلدان مجلد ٨ ص٢٩٤).
٢  أثبت العلامة الدكتور صروف في منتصف مارس سنة ١٩١١، أنَّ يوحنا أسقف نحو غير يوحنا الغرماطيقي، وأنَّ كلمة نحو آتية من اسمه، وأنه هو صاحب التاريخ الذي وصف فتح العرب لمصر وصف مشاهد له.
٣  ذكر لي العلامة الدكتور صروف أنه قرأ في كتاب عربي قديم رواية تثبت أنَّ غيبون إنما استسقى روايته عن مصدر عربي صحيح، على أنَّ الثقة بالمصادر، وعلى الأخص بمصادر عربية بعيدة العهد تناولتها الأيدي بالنسخ والحذف والإضافة، تختلف اختلافًا كبيرًا، كما أنَّ منازل الثقة ذاتها تتباين باختلاف المنقول عنه.
٤  راجع زهر الآداب جزء أول ص٢٧ طبعة المطبعة التجارية بمصر سنة ١٩٢٥.
٥  ترجمنا كلمة Physics، وهي المصطلح على ترجمتها «بالعلم الطبيعي» بكلمة «فوسيقى» تمييزًا لها عن كلمة Nature أي طبيعة ولنتنكَّب بذلك استعمال مضاف ومضاف إليه في ترجمة كلمة واحدة في اللاتينية، ولنا باستعمال العرب كلمة موسيقى Music أسوة في الاصطلاح على هذه الترجمة.
٦  عن المقتطف مجلد ٣٠ ص٨١ هو جمال الدين أبو الفرج مارغريغوريوس الملطي، ولد بقرية ملطية في آسيا الصغرى، ثم رحل مع أبيه إلى أنطاكية، وقرأ الطب على أبيه، واشتغل بالعلوم اللاهوتية والرياضية والفلسفية في أنطاكية، ثم انقطع في بعض الأديرة وصار أسقف غوبا، ثم حلب على اليعاقبة، ومؤلفاته كثيرة جدًّا، أشهرها تاريخان بالسريانية والعربية ينتهيان إلى سنة ١٢٨٤م، والعربي منهما تاريخ الدول، وتوفي في مراغة أذربيجان سنة ١٢٨٦م.
٧  ظهر ماني في أيام سابور بين أردشير، وقتله بهرام بن هرمز بن سابور سنة ٢٧٧ للميلاد، وأخذ دينًا بين الماجوسية والنصرانية، وكان يقول بنبوة عيسى وينكر نبوة موسى — عليهما السلام — قال صاحب الفهرست: إنَّ ماني زعم إنَّ العالم موضوع من أصلين قديمين هما النور والظلمة، وإنهما أزليان سرمديان، وإنه ما من شيء إلا وهو في الأصل قديم، على إنَّ تقديس المانويين لليل أمر معروف.
٨  هذا قول ابن القفطي (ص٢٧٠ من طبعة ليبك أو ١٧٧ من طبعة مصر)، فهو يقول سنة ١٥٦ﻫ/٧٧٣م نقلًا عن الزِّيج الكبير للحسين بن محمد المعروف بابن الآدمي المتوفى في أواخر القرن الثالث الهجري، أما البيروني فيقول في كتابه تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة، المطبوع بلندن سنة ١٨٨٧ ص٢٠٨: إنَّ ذلك وقع سنة ١٥٤ﻫ/٧٧١م.
٩  Vyaghramukha وهو الملك فيغر المذكور في كتاب ابن القفطي ٢٧٠ طبعة ليبزج، أو ص١٧٧ طبعة مصر.
«ملحوظة»: فهرست أبواب كتاب السند هند، وهي أربعة وعشرون توجد في ص٧٤ من كتاب البيروني المسمى تحقيق ما للهند من مقولة.
١٠  راجع كتاب البيروني في تحقيق ما للهند من مقولة ص٢٠٨ و٢١١.
١١  سماه ابن القفطي (ص٢٧٠ ليبزج و١٧٧ مصر) محمد بن إبراهيم الفزاري، فلتراجع ما سأقوله في ذلك عن قريب.
١٢  هكذا ابن القفطي ص٢٦٦ و٢٧٠ طبع ليبزج (ص١٧٥ و١٧٧ من طبعة مصر) نقلًا عن زيج بن الآدمي.
١٣  هكذا المسعودي في الباب السابع من كتاب مروج الذهب ج١ ص١٥٠ من طبعة باريس، ومن كتاب التنبيه ص٢٢٠.
١٤  أي العرب.
١٥  أي عند الهند.
١٦  ويوجد أيضًا هذا الترتيب المعكوس في كتاب التنبيه ص٢٢٠.
١٧  ترتيب كتب الفلك حسب أقدميتها لا يترتب عليه أنها عرفت عند العرب بهذا الترتيب، فلا شك مثلًا في أنَّ كتاب السند هند عرف عندهم قبل كتاب المجسطي لبطليموس، وإن كان في الطبقة الثالثة من الأقدمية والمجسطي في الطبقة الأولى. (مظهر)
١٨  Kalpa.
١٩  ولذلك قال ابن قتيبة في كتاب الشعر والشعراء ص٥٠٤ من طبعة ليدن سنة ١٩٠٤م — وهذا النص ناقص من طبعة مصر سنة ١٣٢٢ التي لا تحتوي على كل التراجم: «وأصحاب الحساب يذكرون أنَّ الله تعالى حين خلق النجوم جعلها مجتمعة واقعة في برج، ثم سيَّرها من هناك، وأنها لا تزال جارية حتى تجتمع في ذلك البرج الذي ابتدأها فيه، وإذا عادت إليه قامت القيامة وبطل العالم. والهند تقول: إنها في زمان نوح اجتمعت في الحوت إلا يسيرًا منها فهلك الخلق بالطوفان، وبقي منهم بقدر ما بقي خارجًا عن الحوت. ولم أذكر هذا لأنه عندي صحيح، بل أردت به التنبيه على البيت»، يريد بيتًا من شعر أبي نواس. ويقول الأستاذ نلليتو:
وإني أظن أنَّ الهند إنما أخذوا مثل هذه الاعتقادات عن قدماء بابل. فنستفيد مثلًا من «سنكا» اللاتيني الشهير Seneca, Naturales, Quaestiones lll.P, 29» إنَّ بروسوس Berossos الكاهن البابلي النابغ سنة ٢٧٥ ق.م قال في كتابه عن قدماء أهله: «يكون الطوفان كلما اجتمعت الشمس والقمر والكواكب الخمسة المتحيرة في برج الجدي، ويكون الحريق العام كلما اجتمعت في برج السرطان». ومن الغريب أنَّ الذين اعتنوا بنص سنكا ذلك حديثًا لم يفهموا حقيقة معناه، وأنه من باب مذهب القرانات العظمى المشهورة عند أصحاب أحكام النجوم فليصحح ما قاله شنابل الألماني: Schnabel: Apokalyptisch Berechnung der Enbzeiten bei Berossos Orientalistische Literaturzeitung, September 1910 col 402..
٢٠  السنة النجومية Anné siderale هي الزمان الذي تستغرقه الشمس للرجوع إلى نجم ثابت مفروض، وهي أطول من السنة الانقلابية بشيء يسير جدًّا.
٢١  قال البيروني في كتاب تحقيق ما للهند من مقولة ص١٦٩ «كلب وهو الاسم الذي يسميه أصحابنا سني السند هند.
٢٢  البيروني ص١٨٥ وكتاب التنبيه للمسعودي ص٢٢٠ و٢٢١.
٢٣  Mahayuga.
٢٤  Yuge.
٢٥  Aryabhata ألف كتبه في أواخر القرن الخامس للمسيح.
٢٦  إنَّ العرب في الألفاظ الهندية بدلوا أكثر الياءات الأصلية جيمًا، وكذلك في هذا الاسم، أما الراء الأخيرة فقال البيروني ص٢١١: «آرجبهد … والهند يخرجون هذه الدال فيما بينها وبين الراء، فانتقل إلى الراء وصار آرجبهر»، أما الآرجبهز بالزاي كما يوجد أحيانًا فتصحيف.
٢٧  كتاب الآثار الباقية للبيروني ص٢٥.
٢٨  قال البيروني في كتاب تحقيق ما للهند من مقولة ص٢١١: إنَّ الفزاري ويعقوب بن طارق ممن ذهبوا إلى ذلك الظن.
٢٩  قاله المسعودي في مروج الذهب ج١ ص١٥٠ وروى في التنبيه ص٢١٠: «كيف عملت الهند كتاب الآرجبهر من كتاب السند هند، والآرجبهر جزء من ألف جزء من السند هند»، وفي كتاب «البدء والتاريخ» للمطهر بن طاهر المقدسي ج٢ ص١٤٦ من طبعة باريس سنة ١٩٠١ «الصنف الثاني أصحاب الآرجبهر جعلوا سني عالمهم أربعمائة ألف واثنين وثلاثين ألف سنة، وسنو هذه الفرقة جزء من عشرة آلاف جزء من السند والهند وهكذا»، ولكن في هذا النص نقص ظاهر لعدم ذكر الصنف الثالث بين الثاني والرابع، فالمحتمل أنه سقط شيء بعد «عالمهم» وإنَّ الباقي وصف الصنف الثالث، ولا وصف صنف أصحاب الآرجبهر، وعدد ٤٣٢٠٠٠ سنة يوافق عدد السنين المسماة هازروان عند الهند التي بنى عليها يعقوب بن طارق حساب أوساط الكواكب في زيجة «اطلب ما نقول في يعقوب بن طارق ص١٦٧» — ومن الغريب أنَّ المسعودي في مروج الذهب ج١ ص١٥٢ سمى هازروان جملة ٤٣٢٠٠٠٠٠٠ سنة «مدة ستة وثلاثين ألف سنة مضروبة في اثني عشر ألف عام، وهذا عندهم هو الهازروان»، وكذلك في التنبيه ص٢٠١ و٢٢١، ولكن من دون ذكر اسم الهازروان، ولعل الصحيح في «اثني عشر عاما»؛ أي ٤٣٢٠٠٠ انتهى.
٣٠  هيباشيا ٣٧٠–٤١٥ب.م من كبار من اشتغل بالرياضيات والفلك، ولدت بالإسكندرية وعاشت بها، وهي ابنة ثيون Theon وكان فيلسوفًا رياضيًّا، وقد علَّق على مبادئ إقليدس وعلى كتاب المجسطي في الفلك، ويقال بأن لابنته أثرًا كبيرًا في هذه التعليقات المدرسية، وكان قد اعترف بها كرئيسة لجماعة الأفلاطونيين الذين كان يطلق على مذهبهم اسم الأفلاطونية الجديدة، وكانت على جانب كبير من العلم والفصاحة وبلاغة التعبير.
٣١  والمحقق تاريخيًّا أنَّ كتاب أبولونيوس قد تُرجم إلى اللغة العربية، فقد وجدت نسخة من الكتب السبعة الأولى منه؛ لأنه مقسم إلى ثمانية كتب سنة ١٦٥٨، وكان مسيو بورلي أول من عثر عليها في مكتبة فلورنسا، وفي ذلك الحين عاد الأستاذ غوليوس أستاذ اللغات الشرقية في مدرسة ليون من الشرق بنسخة عربية من الكتب السبعة، وقال: إنَّ الثامن لم يترجم إلى العربية، ويذكر الأستاذ الدكتور صروف أنه رأى نسخة من كتاب القطوع المخروطية حروفها بلا نقط، وأرقامها حروف في مكتبة المدرسة الكلية ببيروت سنة ١٨٨١، ويرجح أنها نسخة الطوسي (راجع المقتطف ص٤٠٥ مجلد ٣٨).
٣٢  يلاحظ أنَّ اسم John يترجم حينًا باسم يوحنا، وحينًا باسم يحيى، كذلك فعل العرب وأكثر المترجمين — فقد يقال مثلًا يوحنا النحوي في كتاب وفي كتاب آخر يحيى.
٣٣  يروى أنَّ كتب أفلوطين جمعها تلميذه فرفوريوس الصوري في ستة مجلدات، وكل مجلد يحوي تسعة كتب، وأنه أسماها التاسوعات Enneads فكأن اسم الكتاب من وضع فرفوريوس لا من وضع أفلوطين، وأنَّ الاسم صُرف على مجموعة أعماله الفلسفية.
٣٤  Catalogus codicum orientatium Bibliothecae Acadcmiae Lugduno Batavae, Lugdumi Batavorum 1851–1877, t lll, P. 81, nr. 1047-V: Rosen, Les manuscrits arabes M L’institnt des langues Orientales, St. Petersburg 1877, mr 191 20. ولعل نسخة ثالثة مصونة بالمكتبة اللورنتيانية Biblioteca Laurenziana في فيرنسي Eirenze في مدن إيطاليا.
٣٥  والصحيح القوقاني نسبة إلى قوقان، وهي الآن قرية تسمى عقرقوف في بلاد ما بين النهرين عن غربي بغداد، اطلب نولدكه Noldeke ص٤٤٩ عن مقالته الآتي ذكرها عن قريب.
٣٦  كذا في النسخة والصواب: «أبو بكر أحمد».
٣٧  كذا في النسخة والصواب: «على أبي طالب».
٣٨  مثال ذلك يكون عالمًا فيلسوفًا يجمع الكتب ويكثر النظر فيها، ويتعلم أكثر العلوم ويحتوي على ما يريد الاحتواء عليه، ويبلغ مطلبه ومقاصده أو أكثرها.
٣٩  Chwolson P. 463 135,, N. 200.
٤٠  Chwolson P. 463 135,, N. 289.
٤١  Chwolson P. 455 137,, N. 294.
٤٢  النبط أو النبيط في اصطلاح العرب في القرون الأولى للهجرة اسم أهل الحضر المتكلمين باللغات الآرامية الساكنين في الشام، خصوصًا في بلاد ما بين النهرين، فليسوا النبط أو الأنباط الذين اتسعت مملكتهم في أرض الحجاز الشمالية إلى حدود فلسطين ونواحي دمشق، وصارت سنة ١٠٥م ولاية من ولايات الرومان.
٤٣  نقل شيئًا من هذا الكتاب محمد راغب باشا في كتاب سفينة الراغب المطبوعة ببولاق سنة ١٢٨١ﻫ (ص٦٧٠ إلى ٦٧٥).
٤٤  وفي كتاب سفينة الراغب ص٦٧١ «سبعين» غلط، والصواب تسعين.
٤٥  ص٣٥ إلى ص٤٤٦ من كتابه السابق ص١٩٨.
٤٦  مقدمة ابن خلدون ص٤٣١ من طبعة بيروت سنة ١٨٧٩ وص٥٥١ من طبعة مصر سنة ١٣٢٧ وج٣ ص١٦٥ من الترجمة الفرنسية لدى سلان.
٤٧  أي من علم الفلاحة المرتبطة بعلوم السحر.
٤٨  أي الملة الإسلامية.
٤٩  مقدمة ابن خلدون ص٤٣٤ بيروت، وص٥٥٤ مصر، وج٣ ص١٧١ من الترجمة الفرنسوية.
٥٠  أي علوم السحر والطلسمات.
٥١  Th. N. oldeke, Noch Einiges über die Nabataisch Landwirtschaft, Zeitschrift der deutschen morgenländischen Gesellschaft, xxxlx, 1875, 445–455.
٥٢  راجع نولدكه ص٤٥٣ إلى ٤٥٥.
٥٣  وقيل: ابن علي بن قيس بن المختار.
٥٤  أعني Galatia, Britannia — ولعل بدنيا تحريف بيثونيا Bithynia أو بنونيا Pannonia.
٥٥  وهما الجغرافيا وكتاب الأربع مقالات.
٥٦  المرجح استنتاجًا أنَّ شك الأستاذ نلليتو في وجود ابن وحشية لا محل له؛ لأن أبا طالب الزيات إنما ينسب جميع الكتب المترجمة في السحر لأستاذه ابن وحشية؛ أي إنه ينسبها إلى شخص قريب منه، وعلى الأخص قرابة التلميذ من الأستاذ، ولا سيما في الزمان، وابن وحشية، ولو أنه اسم غريب إلا أنه يظن أنه اسم عربي وعلي وزن عربي، ولا يعقل أنَّ أبا طالب الزيات يختلق اسمًا غير معروف، أو يخلق اسمًا لا مسمى له، ويؤمل أن تنال المؤلفات التي ينسبها إليه ثقة المشتغلين بتلك الفنون، بل يرجح أنَّ ابن وحشية كان موجودًا، وأنَّ أبا طالب الزيات لم ينشر هذه الكتب منسوبة إليه إلا بعد موته، ولو نسب الزيات الكتب إلى شخص غير معروف لطُعِنَ فيها ولظهر لهذا الطعن أثر من بعده، غير أنَّ الأمر الذي لا تشوبه شائبة عندي هو أنَّ هذه الكتب بعد تحقيق الأستاذ نلليتو من وضع أبي طالب الزيات، على أنَّ اختلاق أسماء غير معروفة في نسب ابن وحشية يجعل مجالًا للشك في وجوده، غير أنَّ ورود هذه الأسماء في آخر السلسلة يحمل على الظن بأن ابن وحشية لم يكن عربيًّا أصلًا، بل كان من الكلدانيين أو السريانيين، وأنَّ له جدين على الأقل اعتنقا الإسلام من قبله، والمعروف أنَّ هؤلاء لا يحفظون أنسابهم كما يحفظها العرب، لهذا يفتح مجال واسع لأبي طالب الزيات؛ لكي يتخذ من أسماء الولايات الرومانية أجدادًا لابن وحشية مبالغة في تكريمه في أعين العرب (مظهر).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤