عندما يهرب الأديب!

منذ بدأ تقسيم ألمانيا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وذلك السيل الفياض من اللاجئين الهاربين من المنطقة الشرقية إلى ألمانيا الغربية لا يكاد ينقطع، ففي كل شهر يهاجر آلاف من السكان تاركين أوطانهم ميممين شطر الجمهورية الاتحادية، حيث يجدون السبيل ليبدءوا في بناء حياة جديدة لأنفسهم، ويشيدون بأيديهم صرح وجودهم في ملجئهم ومأواهم الجديد.

وهذا السيل الذي لا ينقطع يفيض على جوانب برلين الغربية يوميًّا، إلا أنَّ هذه الأفواج تأتي في سكون، ثم تنصرف غالبًا إلى أقسام ألمانيا الغربية الأخرى، حيث تندمج فيها عاملة منتجة.

ولكن قد يأتي السيل يومًا بموجة صاخبة تحدث ضجة كبرى.

ومنذ مدة قصيرة حدثت هذه الضجة عندما ظهر بين أولئك اللاجئين إلى غرب ألمانيا، البروفيسور الفريد كانتوروفيتش كبير علماء ألمانيا في المنطقة الشرقية.

فقد زاد التجاء كانتوروفيتش إلى ألمانيا الغربية من القلق، ورفع أصوات المعارضة بين الطبقة المفكرة من أبناء منطقة الاحتلال السوفييتي لألمانيا، وكان التجاؤه إلى الغرب كالنار التي سرت بين زملائه السابقين ومعاونيه من العلماء، وذلك منذ أعلن التجاءه في بيان أذاعه من محطة «برلين الحرة».

إنَّ الرجل الذي ولد في برلين في عام ١٨٩٩، ترك ألمانيا في سنة ١٩٣٣، عالمًا له تأثيره، ومحدثًا مفوهًا، ومتزعمًا للأدب الشيوعي في «المسرح».

لقد كافح كضابط في الفرقة الدولية الحمراء في إسبانيا، وذهب بعد ذلك عبر فرنسا إلى أمريكا، حيث كان في أثناء الحرب العالمية الثانية مندوبًا للقسم الخارجي لإذاعة كولومبيا.

figure
في معسكر اللاجئين: بعض اللاجئين من ألمانيا الشرقية وهم ينتظرون دورهم في الاستجواب بواسطة المسئولين، ثم الاستقرار في ألمانيا الغربية.

وبعد الحرب عاد إلى الوطن، وسكن ألمانيا الوسطى، حيث أصدر صحيفته «شرق وغرب»، التي كانت تعد القنطرة التي تربط المفكرين في كل من شطري ألمانيا، ولقد تحول امتياز هذه الصحيفة منذ عام ١٩٤٩ إلى الحزب الواحد في المنطقة السوفييتية.

وبعد عام ١٩٥٠ اقتصر نشاط كانتوروفيتش على العمل في المعاهد في الجمهورية الديمقراطية الألمانية، أما أسرة كانتوروفيتش فقد ظلت تعيش في برلين الغربية إلى أنْ لحق بها كانتوروفيتش نفسه.

ولقد ترك كانتوروفيتش في برلين الشرقية مكتبة كاملة، تضم حوالي الثمانية آلاف مجلد، كتب على هوامشها ما لا حصر له من العبارات والإشارات والملاحظات، التي تعد — بلا شك — المنبع والأساس لكل أعماله التالية مدى الحياة.

وخلف كانتوروفيتش أيضًا في برلين الشرقية معظم أصول كتاباته، وما لديه من مواد مجموعة ومحفوظة، فضلًا عن الوثائق والكتب المتبادلة بين كل من هاينريش مان وهمنجواي وهرمنهسه والآخرين.

ويعمل كانتوروفيتش في الجمهورية الاتحادية في الأدب، فضلًا عن أنه ينوي نشر أعمال هاينريش مان، وأنْ يضع بحثًا في نقد السياسة الثقافية في المنطقة الشرقية.

ولقد كتبت جريدة «فرانكفورتر ألجمينة» أنه يؤخذ من الأحاديث الواردة من برلين الشرقية أنَّ موجة القلق بين المثقفين، وهي التي قد بدأت منذ حوادث بولندا والمجر، هذه الموجة لم تهدأ حدتها، ولم يخف وقعها بعد.

وكان التجاء كانتوروفيتش بمثابة تأكيد لحقيقة الحالة القائمة، التي دوى بها صوت اللاجئ عند حديثه عن ذلك الظلم الذي يرزح تحته الألمان في المنطقة الشرقية، كما أنَّ هذه الحادثة نفسها تدل دلالة واضحة على فشل سياسة الحزب الواحد.

ولقد وصل كانتوروفيتش إلى برلين في زيارة قصيرة للجمهورية الاتحادية الألمانية، ولكنه ما لبث أنْ تقدم للحكومة الاتحادية، برجاء أنْ تمنحه «الحماية والإقامة الدائمة وحقوق المواطن الكاملة».

كان كانتوروفيتش عضوًا في الحزب الشيوعي منذ ٢٦ عامًا، وتقلد عدة وظائف هامة في ألمانيا الوسطى، كان أستاذًا للأدب الألماني الحديث، ومديرًا لمعهد الدراسات الجرمانية بجامعة هومبولت في برلين الشرقية، ومديرًا لوثائق ومحفوظات هاينريش مان، فضلًا عن اختياره مديرًا لمخلفات هاينريش مان الكاملة.

ومن الأسباب التي جعلت كانتوروفيتش في وضع محرج مع سلطات جمهورية ألمانيا الديمقراطية، أنه رفض أنْ يوقع مع الآخرين قرارات الولاء التي رفعها اتحاد المؤلفين في خريف ١٩٥٦، كما أنه رشح البروفيسور المجري لوكاس، الذي اختير وزيرًا للثقافة في حكومة ناجي، لجائزة نوبل للآداب، وكان هذا العمل هو الآخر موضع نقد شديد من حكومة أولبريشت.

وجاء بعد ذلك الدافع الأخير لهربه، وهو ذلك الهجوم المنظم الذي قام به الحزب ضد معهده الجرماني.

ولقد أوضح كانتوروفيتش عند هربه في بيان مثير للعواطف، أذاعه من محطة «برلين الحرة» الأسباب التي دفعته إلى الهجرة من الشرق إلى الغرب، فقال: إنه في الحقيقة كان قد اعتزم الهرب منذ أعوام طوال، ولكنه ظل يؤجل تنفيذ ذلك القرار الخطير، آملا أمل اليائس في قرب الخلاص، لقد كان يأمل في أنْ تكون «القسوة الزائدة والحمق والعنف وعدم الاكتراث بالقوانين، وذلك السيل اللانهائي من الأكاذيب والأباطيل وخنق الحريات الروحية»، كان يأمل أنْ يكون كل ذلك عملًا تقتضيه فترة الانتقال فحسب، ولكن جاءت حوادث ١٧ يونيو ومأساة المجر في عام ١٩٥٦، ففقد كل خيط من خيوط الأمل في الإصلاح، واضطر إلى الهرب.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠