قلت لويلي برانت!

لما انتهى ويلي برانت من إلقاء بيانه قال: إنه على استعداد للإجابة على جميع الأسئلة التي توجه إليه. وقد انهالت عليه الأسئلة من جوانب الحجرة التي كنا نجلس فيها، ولكنني كنت ألاحظ، وربما كنت مخطئًا أنَّ الرجل يوجه الحديث بصفة خاصة إلى الركن الذي كنت أجلس فيه مع زملائي؛ بل إنه كثيرًا ما وجه نظره إليَّ والتساؤل ظاهر في عينيه كأنه يقول: «وأنت! أليس عندك ما تسأل عنه؟»

وبدأت في النهاية أوجه الأسئلة التي كانت قد اختمرت في رأسي، فقلت له: هل حماس السكان للوحدة في برلين الشرقية، أو قل في ألمانيا الشرقية كلها، يوازي حماسكم هنا في برلين الغربية أو في ألمانيا الغربية كلها؟

وقال ويلي برانت بعد تفكير: للوصول إلى إجابة دقيقة على هذا، يجب أولًا أنْ نفرق بين رغبات الشعب ورغبات الحكام. وليس هناك أي شك في أنَّ الشعب الألماني كله — سواء في الشرق أم في الغرب — يشترك في شعور واحد من ناحية توحيد عاصمته أو بلاده، وهو يريد أنْ يتم هذا التوحيد بكل سرعة.

أما رغبات الحكام فلا شك أيضًا أنها تتعارض مع رغبات الشعب؛ وذلك لأن هؤلاء الحكام يحرصون قبل كل شيء على مناصبهم الرفيعة، التي حصلوا عليها في ظل الوضع الحالي، وهم يعرفون جيدًا أنهم سيفقدون هذه المناصب عندما يتم التوحيد، ولذلك فإنه ليس من مصلحتهم أنْ يتم.

•••

وهنا وجهت لويلي برانت السؤال الثاني، فقلت له: لقد عرف الألمان ببراعتهم في التنظيمات السرية والحركات الخفية، فهل يمكن أنْ نستنتج مثلًا، وجود هيئة أو هيئات سرية مكونة من ألمان في الشرق وألمان في الغرب، وهدفها توحيد ألمانيا؟

وضحك ويلي برانت، وهو يستعد للإجابة على السؤال، وظهرت على وجهه ابتسامة ماكرة ثم قال: المفروض طبعًا أنه إذا كانت هناك حركة أو حركات سرية تهدف لتوحيد ألمانيا أو برلين، فالمفروض — كما قلت — أنني لا أعرف بها ولا يعرف بها غيري أيضًا؛ ولذلك فإنني لا يمكن أنْ أقدم جوابًا صحيحًا على هذا السؤال، وليس في إمكاني أنْ أقول يوجد أو لا يوجد!

ولكن هذا لا يمنعني من القول بأنه يوجد في الوقت الحاضر تعاون بين شرق ألمانيا وغربها في كثير من النواحي، ومنها مسائل النقل والمرور والتبادل الثقافي والتبادل التجاري ومسائل النقد.

ومن ناحيتنا نحن؛ أي من ناحية الغرب، لا نرى أي مانع يحول دون مضاعفة هذا التعاون.

•••

والواقع أنني لم أقنع بالإجابة المقتضبة التي سمعتها على سؤالي، وخاصة بعد هذه الابتسامة الماكرة التي رأيتها بوضوح على وجه عمدة برلين، وأعظم المجاهدين في سبيل توحيدها، فقلت له: هل تقصد بهذا أنكم تتركون المسألة للأقدار، وأنه ليست لديكم أية خطة موضوعة للعمل على توحيد ألمانيا وتحقيقها؟

وضحك ويلي برانت من جديد، وكأنه أحس بشيء من الحرج ثم أجاب قائلًا: لا! لست أقصد هذا؛ فنحن نجاهد ونعمل بكافة الطرق السلمية من أجل تحقيق أهدافنا، ولكن يجب أنْ تلاحظ أنني لست من رجال السياسة، أنا رجل إدارة فقط ورجال السياسة في بون هم الذين يضعون الخطط السياسية، ويتخذون القرارات اللازمة لتنفيذها!

•••

وكان الوقت قد تقدم، و«العمدة» مرتبط بمواعيد أخرى، فأعلن آسفًا أنه لن يتمكن من الإجابة إلا على سؤال واحد آخر.

وأطلقت السؤال فورًا، فقلت: هل يمكن أنْ تذكر لنا كيف «تتصور» الحل الذي ستنتهي به مشكلة ألمانيا، أو مشكلة برلين على الأقل؟!

وهنا وضع «العمدة» يده على جبهته، وظهرت إمارات التفكير العميق على وجهه، ثم استرخى على مقعده الكبير، ونسي الموعد الذي أشار إليه، وراح يروي فصلًا مثيرًا من فصول التاريخ، وهو فصل الحرب العالمية الثانية التي نشبت في عام ١٩٣٩.

قال ويلي برانت: نحن الآن في شهر يونيو من عام ١٩٥٩، فلنعد ٢٠ عامًا إلى الوراء حيث نجد أنفسنا في شهر يونيو من عام ١٩٣٩.

فهل كان هناك من يتصور في ذلك الوقت أنَّ حربًا عالمية ستنشب في شهر سبتمبر من نفس العام؟

وهل كان هناك من يتصور تطور الحوادث التي تعاقبت؟

لقد كانت الحوادث كلها مفاجآت: دخول إيطاليا الحرب، ثم دخول الولايات المتحدة، سقوط دول أوروبا تباعًا وبسرعة لا يمكن لإنسان أنْ يتصورها.

وأخيرًا جاءت المفاجأة الكبرى، وهي إعلان ألمانيا الحرب على الاتحاد السوفييتي، وربما كانت هذه هي نقطة التحول في مجرى الحرب!

هل كان هناك من يتوقع أنْ يختلف الحليفان بهذه السرعة، فيطعن أحدهما الآخر على غير انتظار!

ولذلك فإنني أيضًا في تصوري لحل مشكلة برلين أو مشكلة ألمانيا، التي تبدو شديدة التعقيد، إنما أعتقد أنَّ تطورات الأحداث العالمية والأوروبية لا بدَّ أنْ تؤدي في نهاية الأمر إلى حل للمشكلة الألمانية بما فيها مشكلة برلين!

واختتم ويلي برانت الاجتماع بهذه العبارة:

بل انظروا إلى حالة ألمانيا نفسها منذ عشر سنوات، إذا كانت ٢٠ سنة تبدو بعيدة، فقد كانت حالة ألمانيا في السنوات التي تلت الحرب، وحتى عام ١٩٤٩ تبدو يائسة تدعو إلى القنوط، ولم يكن أعظم المتفائلين بالمستقبل يظن أنَّ في وسع هذه البلاد أنْ تحقق ربع ما حققته من التقدم في خلال هذه الفترة القصيرة من عمر الدولة.

إذن، دعونا نتطلع إلى المستقبل، وفي ظلال هذا المستقبل دعونا نتفاءل ونأمل!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠