جولة في برلين

مدينة برلين العاصمة القديمة للرايش، من أعجب مدن العالم في الوقت الحاضر، فهي تنقسم إلى قطاعين، القطاع الشرقي الذي يتبع الجمهورية الديمقراطية ذات النظام الشيوعي، والقطاع الغربي وهو يتبع الجمهورية الاتحادية — الفيدرالية.

والقطاع الشرقي يشمل خمسي المدينة، أما الغربي فيشمل ثلاثة أخماسها، ويعيش في الشرق نحو ١٫١ مليون في حين يعيش في الغرب نحو ٢٫٢ مليون، وفي الشرق ثمانية أحياء، وفي الغرب ١٢ حيًّا، وتوجد في المدينة كلها ٤٢ بحيرة.

والحدود القائمة بين شرق برلين وغربها حدود وهمية، والانتقال من الشرق إلى الغرب، وبالعكس لا يحتاج من المرء إلا إلى ركوب المترو الذي يمر بكل أحياء المدينة، ولكن تحت سطح الأرض، ثم النزول في المحطة التي تعجبه سواء في الشرق أم في الغرب، وليس معنى هذا أنَّ المترو فقط هو الذي يربط القطاع الشرقي بالقطاع الغربي، فهناك سيارات الأومنيبوس، ولكنك إذا استعملت الأومنيبوس فإن عليك أنْ تستعمل أومنيبوس الغرب والشرق معًا؛ لأنه محظور على أومنيبوس الغرب أنْ يسير في الشرق، والذين يعبرون الحدود على دراجاتهم وأقدامهم وفي سياراتهم كثيرون أيضًا.

ولنبدأ جولتنا في برلين الغربية

من الأحياء الجميلة الجديدة في برلين الغربية ذلك الحي الذي استدعي لتخطيطه مهندسون من جميع أنحاء العالم. فقامت به عمارة سكنية كبيرة صممها سويدي، وعمارة أخرى صممها برازيلي، وثالثة صممها أمريكي. وهكذا أصبحت العمارات في هذا الحي مزيجًا عجيبًا من الهندسة الدولية المختلفة الأشكال، وقد أطلق على هذا الحي اسم حي «هانرا».

figure
بناء الرايشستاج، برلمان العهد السابق الذي دمر أثناء الحرب، ويعاد الآن بناؤه.

وفي أثناء مروري على مقربة من هذا الحي، رأيت بناءً غريبًا لا يمكن أنْ يعرف أحد بالضبط ما هو إلا إذا اقترب منه.

قال الدليل وهو يشير إلى البناء: هل رأيتم مثل هذا البناء من قبل؟

وقلنا: لا.

وهنا ابتسم الدليل وقال: ألا ترون أنه يشبه الجاراج؟

وكدنا نقول نعم!

لولا أنه أشار إلى برج منعزل غريب الشكل في أعلاه جرس، فعرفنا في الحال أنَّ البناء عبارة عن كنيسة، وقلنا: إنها كنيسة!

فأجاب الدليل، وهو يضحك: نعم، ولكن الشبه الهندسي العجيب بين بنائها، وبين الجاراج دعانا إلى تسميتها «جاراج الأرواح»!

ومثل هذا يقال أيضًا عن ذلك البناء الذي بناه الأمريكيون وأهدوه إلى مدينة برلين، وهو البناء الذي يجتمع فيه مجلس برلين النيابي، وتقام فيه انتخابات الرئاسة، وتعقد فيه الاجتماعات الكبرى والحفلات المهمة ذات الطابع الدولي والمؤتمرات.

لقد أطلق الناس على هذا البناء اسم «الصدفة المقلوبة»؛ وذلك لأن شكل سقف البناء أشبه فعلًا بصدفة البحر إذا قلبتها.

figure
أجمل وأكبر صالات الاجتماع في برلين الغربية، ويطلق عليها اسم «الكونجرس هاليه»، وفيها تعقد المؤتمرات والحفلات الكبرى وسقفها أشبه بالصدفة المقلوبة!

ولكن على الرغم من مظاهر العمران والرخاء والسعادة والمرح في برلين الغربية، فقد واجهت هذه المدينة بعد انتهاء الحرب أزمات حادة قاسية، كانت أهمها أزمة المساكن وأزمة توقف دولاب الصناعة في المدينة.

ولكن استطاع سكان برلين بما عرف عنهم من جد ونشاط وصبر، أنْ يتغلبوا على أزمة المساكن بإنشاء نحو ١٠٠٠٠٠ منزل، ثم تمكنوا بعد ذلك من إنقاذ اقتصادهم المتدهور، بعد أنْ كان قد انكمش عقب الحرب بنسبة ٧٥٪ نتيجة التدمير وسياسة تفكيك المصانع التي اتبعت بعد الحرب.

ولكن التغلب على أزمتي المساكن والصناعة، ليس معناه أنَّ برلين قد تغلبت على كل العقبات، وحلت جميع المشكلات بحيث انتهت جميع آلامها.

لقد واجهت برلين الغربية مشاكل ومصاعب كثيرة، كان أهمها ذلك الحصار الذي فرض عليها في عام ١٩٤٨، فكان سببًا في تأخر القيام بعملية الإصلاح عامًا كاملًا! وما زالت برلين حتى اليوم تعيش في ظل ظروف قاسية ومصاعب متعددة.

فلأسباب سياسية قطعت الصلة بين غرب برلين وموارد تموينها الطبيعية، فاللبن يرسل إليها من أماكن بعيدة كبافاريا وسكسونيا السفلى، وكذلك الفواكه والخضر تنقل إليها من مسافات بعيدة بواسطة السيارات والقطر والطائرات والعربات، بالإضافة إلى كافة المواد الخام المستعملة في الصناعة والبناء، باستثناء الفحم الناعم الذي يأتيها من المنطقة الروسية، ويسلم إليها مقابل كميات من الحديد والصلب، وفقًا لشروط اتفاقية تجارة المناطق التي تجدد كل عام، وتبلغ نسبتها نحو ١٪ فقط من تجارة غرب ألمانيا.

ولكن جميع هذه المصاعب لم تمنع برلين الغربية من الاحتفاظ بمكانتها كمركز للثقافة الألمانية كلها، ففيها فرقة أوركسترا برلين «الفيلهارمونيك» ذات الشهرة العالمية الكبيرة، وهي تعد بحق سفير برلين وألمانيا المتنقل في العالم أجمع، أما دور المسارح فتتنافس في اجتذاب النظارة من الألمان، ومن الأجانب الذين يزورون العاصمة، كما تعتبر أوبرا برلين من أوبرات الدرجة الأولى في أوروبا، وهي تفخر برواياتها الممتازة التي اشتهرت بها.

ولنذهب الآن إلى برلين الشرقية

في جولة سريعة قمت بها مساء يوم وصولي إلى برلين، أشار صديقي الألماني إلى أنقاض بناء متهدم في القطاع الشرقي، وقال لي: هنا اتخذ جوبلز وزير دعاية هتلر قاعدته، ومن هنا كان يملأ الدنيا كلامًا وصراخًا!

وقلت له: ولكن فيم يستعمل البناء الآن؟

وضحك الرجل ثم قال: لنفس الغرض بالضبط؛ فهو مقر دعاية حكومة ألمانيا الشرقية!

وكان الصمت هو أبلغ تعليق على ما قال الرجل، ولكن ذهني هو الذي سبح بين حوادث عشرين عامًا بالضبط؛ من ١٩٣٩ إلى ١٩٥٩.

وبين الأنقاض كذلك رأيت منظرًا محزنًا آخر؛ رأيت بقايا ما كان أعظم فندق في أوروبا، وهو فندق «أدلون»، الذي كان الناس قبل الحرب يتزاحمون أمام أبوابه ليتطلعوا إلى فخامته وإلى نزلائه، لقد نال شهرته في وقت من الأوقات باعتباره أفخم فنادق العالم كله!

كل ما بقى منه جناح واحد دلفنا إليه من باب الموردين، وبدت الحسرة على وجه الرجل، وهو يقول لي: أرستقراطية العالم كانت تنزل هنا في الماضي، لقد رأيت وأنا أعمل فيه مهراجات الهند يؤمونه مع خدمهم، إنني لا أكاد أعرف المكان!

وسألته إذا كان هذا الجناح ما يزال يستعمل كفندق، فأخبرني أنه أعد لنزول الوفود الرسمية التي تزور برلين الشرقية.

لقد نهب كل ما كان في الفندق، ولم تبق إلا «المراتب» التي اشتهرت بأنها أحسن «مراتب» في برلين كلها! وفي حجرة الطعام لم يكن عدد الموائد يزيد على عشر.

•••

والآن، فلنتوغل قليلًا في برلين الشرقية إذ لا بد لنا، كما يقول الدليل من زيارة المدفن التذكاري الذي أقامه الاتحاد السوفييتي تخليدًا لذكرى ضحاياه في معارك ألمانيا، إنه من أعظم المدافن التذكارية التي شهدتها في حياتي، وأول ما يواجهك فيه تمثال للأم، «الأم روسيا»، وهي تبكي أبناءها الذين استشهدوا في الحرب.

وفي مدخل المقبرة التذكارية دفن الروس سويًّا أربعة من المحاربين من مختلف الرتب في الجيش، فمنهم جندي «النفر» وصف ضابط، وضابط برتبة كابتن وجنرال …

وتضم المقبرة التذكارية بعد ذلك من الجانبين ١٦ لوحة تذكارية كبيرة، نقش على كل لوحة منها جزء من تاريخ الحرب العالمية الثانية؛ لكي يوضح اعتداء ألمانيا الهتلرية، وأنها هي التي بدأت العدوان. وقد وزعت هذه الصور الحية التي تمثل قصة الحرب على ١٦ نصبًا باعتبار أنَّ الاتحاد السوفييتي يتكون من ١٦ ولاية، وأنَّ كل ولاية قدمت نصبًا منها.

وأقيم في مواجهة مدخل المقبرة تمثال هائل لجندي روسي، تشبه ملامحه ملامح ستالين، وإنْ كان الدليل قد أكد لي أنه لا يمت إلى ستالين بصلة، وقد رفع الجندي الروسي في يده اليمنى سيفًا حادًّا عريض النصل، وحمل في ذراعه اليسرى طفلًا صغيرًا. والمقصود بذلك تصوير الجندي الروسي، وقد تولى بسيفه الحاد حماية الطفل الصغير الذي يمثل مستقبل الاتحاد السوفييتي.

وتحت قدمي الجندي الروسي ظهر الصليب المعقوف (ألسواستيكا) وقد تحطم، وقد كان الصليب المعقوف هو الشارة الرسمية لألمانيا الهتلرية، حتى إنها اتخذت منه علمها.

وتحت التمثال الضخم توجد حجرة صغيرة تصعد إليها بواسطة سلم يتكون من درجات عديدة، وعلى جدران هذه الحجرة الصغيرة ظهرت صورة كبيرة من الموزايكو الجميل، تتبين فيها ١٦ شخصًا بين رجال ونساء، وقد حملوا جميعًا في أيديهم زهورًا كتب عليها باللغة الروسية:

السلام للأموات!

figure
بوابة براندنبرج، ويطلق عليها الآن بوابة الحرية؛ لأنها المنفذ السهل من الشرق إلى الغرب.

والرجال والنساء الستة عشر يمثلون جمهوريات الاتحاد السوفييتي الستة عشر، وقد أقيمت المقبرة كلها وسط حدائق خضراء تشبه الغابة الصغيرة، وزرعت الأشجار على جانبيها في تناسق جميل.

وقد أقام الروس في برلين الغرب مقبرة أخرى لذكرى قتلاهم، ولكنها ليست في ضخامة هذه المقبرة.

ولنعد الآن لنتجول في أكبر شوارع برلين الشرق، وهو شارع ستالين أو الستالين آلية، وفيه أكبر المحال التجارية التي تملكها الدولة وتدار لحسابها، والعمائر الضخمة التي تراها على جانبيه تجعلك تظن أنك في موسكو!

ولكنك ما تكاد تخرج من هذا الشارع، أو تنتقل منه إلى شارع من الشوارع الخلفية حتى تصادفك الأنقاض من جديد.

لقد مضى على الحرب ١٤ سنة، ولكنها تبدو هنا كما لو كانت ١٤ يومًا فقط، ولكن إذا اجتزت بوابة براندنبرج، ومررت بتلك اللافتة التي ترى صورتها إلى يسار هذا الكلام، وقد كتب عليها: «انتبه! فأنت الآن تغادر برلين الغرب» إذا وليت ظهرك لهذه اللافتة وتوغلت في برلين الغرب، أحسست أنك دخلت عالمًا جديدًا!

في الشرق

في الساعة السابعة صباحًا من كل يوم من أيام العمل يتقدم شاب أشقر نحيل اسمه «هورست موللر» نحو أمه قبل أن يغادر المنزل، ويقبلها مودعًا إياها في مطبخ المسكن الذي يقطنه في برلين الشرقية، ثم يقفز بعد ذلك فوق دراجته، ويسير في الشوارع المقفرة التي تمتلئ جدرانها باللافتات الملأى بالعبارات المختلفة، وأهمها:

يا أمي العزيزة! كافحي من أجل تحريم القنبلة الذرية.

وفي الغرب!

وإذا ما وصل هورست إلى الأعمدة السوداء التابعة لبوابة براندنبرج الضخمة توقف؛ لكي يقدم أوراق تحقيق شخصيته أو هويته لأحد رجال «الفوبو»، وهم رجال بوليس ألمانيا الشرقية من لابسي الملابس الرسمية الخضراء.

وبعد ذلك يركب هورست دراجته من جديد مخترقًا الستار الحديدي، ويتجه نحو برلين الغربية.

إنَّ هورست ليس واحدًا من اللاجئين؛ لأنه بعد أنْ ينتهي من عمله اليومي في إحدى الشركات الهندسية ببرلين الغربية، يعود أدراجه بهدوء إلى بيته الذي يقع في منطقة السيطرة الشيوعية، ومعه زوج من الأحذية أو زجاجة من النبيذ، أو أي شيء آخر يمكنه أنْ يعود به دون أنْ يتعرض للمسئولية.

إنَّ هورست ليس إلا واحدًا من ٤٥٠٠٠ ممن يعبرون الحدود كل يوم، ويطلق عليهم الألمان «جرنز جانجر»، وهم الذين يسكنون في قطاع من برلين، ولكنهم يعملون في القطاع الآخر، ويقول هورست: «إنني سعيد حقًّا فإنني أحصل على المواد التموينية رخيصة في شرق برلين، بينما أستمتع في الوقت نفسه بالكماليات والرخاء في غربها!»

هذه هي الحقيقة المدهشة عن الحياة التي يحياها عابرو الحدود هؤلاء، أو على الأصح سكان برلين جميعًا، فلقد تعلموا أنْ يعيشوا في ظل الحرب الباردة بنفس الطريقة التي يتعلم بها الإنسان استعمال الذراع الآخر إذا شل أحد ذراعيه، فالستار الحديدي بالنسبة إليهم ليس إلا محطة يمرون بها في طريق انتقالاتهم اليومية.

•••

أما الجندي سجفريد شيللر، الذي يقود إحدى الدبابات، فقد قام بنصيبه في قتل عدد كبير من الأمريكيين والروس في الحرب العالمية الثانية، وهو يعمل الآن في جيش ألمانيا الغربية، وهو يعلل عودته إلى الجندية تعليلًا عمليًّا بقوله: «الجندية حرفتي ومرتبها أعلى من مرتب البوليس!» وفي نفس الوقت يقوم الروس من ناحية وقواد ألمانيا السابقون بتدريب جيش لألمانيا، وبظهور هاتين القوتين العسكريتين المتنافستين أخذ شطرا ألمانيا يبتعدان عن بعضهما.

وهناك مثل آخر يمثله و«نزل وت» و«فردناند جلوكنر»، اللذان كانا صديقين حميمين، لهما ماض مشترك وعواطف وطموح، تزوج فردناند من أخت ونزل، وفي سنة ١٩٤٥ طردهما التشيك من بلاد السوديت، وتفرقا وسط الجيوش والمهاجرين، فنزح ونزل إلى الغرب حيث وجد عملًا في مصنع نسيج، ثم اشترى أخيرًا قطعة أرض من مدخراته، أما فردناند فقد استقر في الشرق وانضم إلى الشيوعيين، حيث أصبح رئيس عمال في مصنع للحديد في كالبي.

وقد حدث يومًا أنْ قرر ونزل أنْ يقضي أسبوعًا مع فردناند في شرق ألمانيا، وهناك أخذ يراقب ما يجري حوله، وقد لاحظ أنَّ فردناند قلما يبقى في منزله، بل إنه يذهب إلى المصنع صباحًا ومساءً، ولم يكن يفعل ذلك من أجل الحصول على أجر إضافي، بل كانت هناك اجتماعات تعقد لزيادة الإنتاج أو جلسات سياسية، أو تمرينات على إطلاق البنادق مع فرقة العمال، وكان ونزل يقضي وقته كله في المشي في كالبي يقارن شوارعها الموحشة بموطنه في مدينة وتزلر، فلاحظ أنَّ العربات الخاصة نادرة، كما لم تكن هناك مساكن خاصة، وأنَّ هناك قيودًا على استهلاك اللحم والسكر، وأنَّ الكماليات تكاد تكون معدومة، ومع ذلك قال له فردناند أنه سعيد، وأنه يملك مستلزمات الحياة العصرية، وأنَّ هناك أملًا في التحسين، ولكن ونزل فاجأه بقوله بأنه من المستحيل أنْ يكون سعيدًا وهو محاط بالخوف، فهو يسدل الستائر عندما يتحدث، وأنَّ ابنه هورست لا يعرف سوى معلومات مشوهة عن ألمانيا الغربية، وأنهم لا يذهبون للكنيسة، وأنهم محرومون من الحرية.

أما هو فبعد أنْ ينتهي من عمله لا يجبر على حمل السلاح، وأنه يصلي لله متى شاء، وأنَّ الدولة لا تسيطر لا على جسمه ولا على روحه، ولذلك فإنهما لا يستطيعان التفاهم، وأحس ونزل بأن هناك فراغًا من عدم الثقة وسوء التفاهم يحول بينهما، وهو يمثل مأساة العلاقات الإنسانية في ألمانيا التي شطرت.

•••

figure
مبنى السفارة السوفييتية في برلين، وهو من أضخم العمائر، ويقع على مقربة من الحدود الفاصلة بين برلين الشرق وبرلين الغرب.

إنَّ سكان برلين يعلمون تمام العلم كيف أن نيكيتا خروشوف طلب من حلفاء الغرب أنْ يخرجوا من برلين، وحدد لهم يوم ٢٧ مايو ١٩٥٩ على الأكثر، ولكن رغم ذلك فإن الحلفاء لم ينسحبوا بوصة واحدة، ومع ذلك فبينما يتناقش الدبلوماسيون، ويتطلع العسكريون بقلق نحو الأفق، اعتاد سكان برلين على الحياة في وسط العاصفة التي تنذر من وقت لآخر بأن تتحول إلى حرب عالمية ثالثة.

إنَّ سكان برلين يفخرون بأن يطلقوا على أنفسهم «سكان الجزيرة»، فإن برلين الحرة التي تبلغ مساحتها ٣٠٠ ميل مربع، هي عبارة عن جزيرة فريدة وسط المنطقة الشيوعية، منقطعة الصلة بأرض ألمانيا الغربية التي تبعد عنها مسافة ١١٤ ميلًا، وأسهل وسيلة للاتصال بينهما هي الطائرات.

ومشرب «كرانزلر» حيث يستمتع الناس بسهراتهم المرحة في برلين الغربية، يقع على بعد بضعة أميال من الحواجز التي أقامها الشيوعيون وسط الشوارع.

ولو ركبت سيارة تاكسي من مقهى كرانزلر متجهًا إلى الشرق لمدة عشر دقائق، لوجدت نفسك أمام مبنى السفارة السوفييتية الهائل، وهو يقع في شارع انتردن لندن، الذي كان يعتبر فيما مضى أهم شوارع برلين.

كان سكان برلين في الماضي يعتبرون مدينتهم فريدة في العالم، فنساؤها أرشق النساء، وحديث الناس فيها كله مرح، وحركة المرور أسرع منها في أية بقعة أخرى من ألمانيا، أما اليوم فقد أصبحت برلين الغربية حصن الحرية المحاصر، ورخاؤها وأنوارها المضاءة بالنيون تجعل نصفها الشيوعي يبدو كقرية صغيرة مظلمة بجانب العاصمة.

وفي برلين الغربية يتنافس أشهر مهندسي العالم في بناء المنازل والعمارات الشامخة بحي هانزا، حيث تبدو جدرانها الزجاجية وهي تناطح السماء وتطل على حديقة الحيوان.

أما في برلين الشرقية، فإن المساكن الشعبية ذات المظهر الخارجي الخداع، التي تقع في شارع ستالين (ستالين آليه) ليست إلا عبارة عن جدران ضخمة من الأحجار لا أثر فيها للذوق أو الفن، وقد امتدت في تماثل تحت أعين تمثال ستالين الجامدة!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠