برلين ترقص فوق بركان!

الحياة في برلين من أعجب ما يكون فعلًا، فإنك مثلًا إذا أردت أنْ تتصل تليفونيًّا وأنت في برلين الغربية بالقطاع الشرقي لهذه المدينة، فليس في استطاعتك أنْ تتصل اتصالًا مباشرًا، بل إنَّ هذا الاتصال يتم بطريقة معقدة، إذ تتصل غرب برلين أولًا بفرانكفورت في ألمانيا الغربية، ومنها إلى ليبزج في ألمانيا الشرقية، وليبزج هي التي توصل المكالمة بعد هذا ببرلين الشرقية! ومعنى هذا أنَّ الحديث بين أحياء مختلفة في مدينة واحدة يلف مسافة لا تقل عن ٦٢٥ ميلًا!

وتستعمل برلين مجموعتين من العملات النقدية، فإذا أراد شخص من سكان برلين الغربية أنْ يزور بعض أقاربه في برلين الشرقية ركب الترام إلى ميدان بوتسدام، ودفع الأجر بالمارك الغربي، ولكنه بعد أنْ يغادر هذا الترام ليستقل الترام الذي يسير في القطاع الشرقي من المدينة يضطر إلى استعمال عملة جديدة، هي التي يستعملها سكان الشرق!

figure
مطار تمبلهوف في برلين الغربية، وبواسطته أنقذت من حصار ١٩٤٨-١٩٤٩.

إنَّ في برلين مجموعتين من رجال الإدارة، وشكلين من العملة، وهيئتين للبوليس، ومطارين لا صلة لأحدهما بالآخر، وإدارتين لكل عمل من الأعمال المتصلة بالخدمات العامة، كالمجاري أو النقل المشترك أو البريد. وسكان مدن ألمانيا الغربية الذين يرسلون خطابات بالبريد الجوي إلى أقارب أو أصدقاء لهم من سكان برلين الشرقية لا تصل خطاباتهم إلى مطار برلين الغربية رأسًا، ثم ترسل إلى برلين الشرقية، وهذا هو الوضع الطبيعي المنطقي، ولكن هذه الخطابات تصل أولًا إلى براج عاصمة تشيكوسلوفاكيا، ومنها بالطائرة إلى برلين الشرقية!

ولا تضم برلين قوتين للبوليس فحسب، ولكنها تضم أيضًا محطتين منفصلتين للغاز، ومحطتين للقوة الكهربائية، وشبكتين للقنوات، ومطارين ليس بينهما أي اتصال.

وفي وسع «الهر مولر» الذي يعيش في برلين الغربية أنْ يزور أقاربه الذين يعيشون في شرق برلين دون صعوبة والعكس صحيح كذلك، ولكنه إذا أراد أنْ يصحب أحد هؤلاء الأقارب إلى مسافة تبعد بما لا يزيد ولو ألف ياردة خارج برلين، لزيارة مقبرة والده، أو لأن والده كان يملك حديقة خارج بوابات برلين، فإنه لا يمكنه أنْ يفعل ذلك دون أنْ يحصل على إذن خاص يسمح له بالذهاب إلى هذا المدى، وليس من المؤكد أنْ يحصل على هذا الإذن، بل ربما كان في إمكانه أنْ يحصل عليه مرة واحدة في العام إذا كان سعيد الحظ.

وهكذا الحياة في هذه المدينة العجيبة، ويمكن لكل من يريد أنْ يتثبت من هذه الحقيقة أنْ يقف في ميدان بوتسدام، حيث بوابة براندنبرج، وحيث كانت حركة المرور في الماضي تتدفق دون توقف، فسيجد اليوم بدلًا من ذلك لافتة كتب عليها:
انتبه: فأنت الآن تغادر غرب برلين.

ولكن هناك أسبابًا أعمق من هذه، هي التي جعلت كل شيء في برلين يوجد مكررًا. ففي برلين لا يلتقي قطاعان من مدينة قسَّمها الاحتلال إلى قسمين فحسب، بل في برلين يلتقي عالمان. فجنود الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا تستعمل «الجرنفالد» كساحة للتدريب، ومن الجهة الأخرى يقابلهم في المنطقة التي يحتلها السوفييت «جيش الشعب»، وبعض وحدات من القوات السوفييتية!

•••

figure
شارع ليبزيج في برلين الشرقية بحالته الراهنة.

وفي برلين وحدها يستطيع المرء بسهولة اختراق الستار الحديدي، والمقارنة عن كثب بين لونين من التفكير والقانون والمبادئ والاقتصاديات، مما يجعل برلين اليوم أغرب مدينة في العالم أجمع.

وفي برلين عملتان: مارك ألمانيا الغربية «د. م D. M.» الذي يساوي ٤ منه الدولار الأمريكي، ومارك ألمانيا الشرقية المرتبط بالعملة السوفييتية، ويشتري ١٦ منه الدولار الأمريكي، ويستبدل المرء المارك الغربي في قطاع ألمانيا الشرقي بنسبة ١ : ٤؛ أي أنَّ كل مارك غربي يساوي ٤ ماركات شرقية، ويحظر على أهالي برلين الشرقية العودة إلى ديارهم من برلين الغربية، ومعهم أية ماركات غربية.

وكثيرون من أهالي برلين الشرقية يبتاعون يوميًّا بعض السلع من القطاع الغربي، على الرغم من أنهم يتعرضون بذلك لمصادرة هذه السلع ولعقوبة السجن إذا ضبطوا، فاستيراد البضائع من القطاع الغربي محرم إذ في شراء الأهالي لمنتجات برلين الغربية إضرار بمخازن البيع الحكومية والجمعيات التعاونية.

ومن الملاحظ أنَّ الأحذية من السلع التي يقبل عليها أهالي برلين الشرقية عادة، وبعض محال الأحذية في برلين الغربية تعد فناءً مغبرًا يسير فيه صاحب الحذاء الجديد بعض الوقت قبل أنْ يعود إلى الشرق حتى لا يبدو نعل الحذاء جديدًا، ومع ذلك فما أكثر ما صادر بوليس الحدود بألمانيا الشرقية الأحذية الجديدة مستبدلًا إياها «بصنادل» من القش، توزع على أصحاب الأحذية المصادرة مقابل مارك ونصف عن كل صندل.

وليس أدل على التناقض بين الحياتين في برلين الغربية والشرقية من هذه الإعلانات، التي يطالعها المرء عند الخط الفاصل بين القطاعين، فاللوحة المعلقة عند مدخل القطاع الغربي تعلن عن أنواع السجائر وحفلات الموسيقى وروايات السينما في حين أنَّ اللوحة المعلقة عند مدخل القطاع الشرقي كتب عليها:
ساعدوا البوليس الشعبي في مكافحة الجاسوسية الأجنبية وعملائها.

وتشكو ربات البيوت في القطاع الشرقي من نقص أشياء كثيرة، أو لأنها غالية، أو لأنها من أنواع غير جيدة بالمرة، والأجهزة الكهربائية تتعطل بسبب انقطاع التيار الكهربائي، وإذا احتاجت الواحدة إلى شراء بعض المواد الغذائية فعليها التوجه إلى مخزن معين في ساعة معينة، وهي تفضل الإسراع بالوقوف في الطابور حتى تجد لها مكانًا، ثم تقرر بعد ذلك نوع السلعة التي تريدها على ضوء البضاعة المعروضة فقد تكون مما تحتاج إليه.

ويجب على كل صاحب بيت أو مسكن في برلين الشرقية الاحتفاظ بدفتر يسجل فيه أسماء أفراد البيت الذين يقيمون لديه أكثر من ثلاثة أيام، وكذلك أسماء الغرباء الذين ترددوا على البيت، ومدة إقامتهم. وأسوأ من هذا كله حالة التجسس السائدة، ففي كل بيت شخص مكلف بالرقابة على من في داخله، والتحري عن ميولهم السياسية، وهو الذي يوزع عليهم بطاقات التموين، وهو المرجع الرسمي، ومجرد وشاية منه تحرم المرء من الحصول على عمل إنْ لم تلق به إلى السجن!

وعين الحكومة في القطاع الشرقي تمتد إلى جميع أعمال الأفراد الخاصة، فإذا اشترى أحدهم سلعة كآلة كاتبة، أو سجادة مثلًا ينبغي عليه التوقيع على إقرار بأنها لاستعماله الخاص! وذلك خشية بيعها في القطاع الغربي للحصول على النقد، وكثيرًا ما يمر رجال التفتيش بعد أسابيع من الشراء للتحري عن مصير السلعة، والويل للمشتري إذا لم يكن يحتفظ بالسلعة إذ لا بد له في هذه الحالة أنْ يثبت بالدليل سبب فقدها، أو عدم وجودها.

وقد حدث مرة أن اشترت سيدة من برلين الشرقية سجادة صغيرة، ثم حملتها هدية منها إلى ابنتها التي تعيش في برلين الغربية بمناسبة زواجها، وكان عقابها السجن لمدة شهرين رغم أنها قدمت للمفتش صورة من عقد زواج ابنتها كدليل على حسن نيتها.

وتخضع جميع مراسلات سكان برلين الشرقية الصادرة والواردة لرقابة البريد، ويعيش الأهالي هناك في جو من القلق والكمد، ويتردد الكثيرون منهم على برلين الغربية، كلما أرادوا الترويح عن أنفسهم، والتخلص من ذلك الجو الإرهابي المكفهر الذي يحيط بهم، أو أرادوا التحدث في حرية، أو مطالعة ما يحلو لهم من الكتب والصحف والمجلات في المكتبات العامة.

ولا شك أنهم إذا عادوا بعد ذلك إلى مدينتهم الشرقية شعروا بشيء كثير من الحسرة والمرارة، إذ تتغير الصورة بسرعة فمن نور إلى ظلام، ومن حرية إلى كبت، ومن مرح إلى جد، ومن رخاء إلى تقشف، ومن إسراف إلى حرمان، ومن اختيار إلى إلزام …

ولذلك يؤثر كثيرون منهم البقاء في برلين الغربية مهما كلفهم ذلك من تضحيات.

•••

ولكنك إذا انتقلت إلى برلين الغربية وجدت لونًا آخر من ألوان الحياة؛ وهو لون يتسم بالرجاء والابتسام واللهو والرشاقة.

فقد تعالت المباني العصرية في كل مكان، وأزيلت الأنقاض من كل مكان، وما بقي خاليًا من الأراضي المخصصة للبناء استعمل كمواقف للسيارات الخاصة، وانتشرت السيارات بنسبة عالية جدًّا بين السكان، وكلها من الطراز الجديد.

وانتشرت كذلك الأندية الليلية الراقية التي ينفق فيها البرلينيون والأجانب مبالغ كبيرة في كل ليلة، وظهرت «النعمة» على السكان من رجال ونساء فتميزت ملابسهم بالنظافة والأناقة، وهم يتزاحمون كل ليلة على دور السينما والمسرح والرقص، ويتناولون أطيب المأكولات في المطاعم الكبيرة.

وهكذا ترقص برلين الغربية، وهي لا تعرف ما يخبئه لها القدر في الأشهر أو الأعوام القادمة. إنَّ أهلها لا يفكرون في المستقبل، ولكنهم يعيشون ويريدون التمتع بكل يوم يمر بهم، بعد أنْ قاسوا الحرمان في أعوام الحرب والأعوام التي تلتها مباشرة.

وفي نفس الوقت تستعد الإدارة المسئولة عن المدينة لكل ما يخبئه القدر؛ فهي تختزن الوقود وتختزن مواد الطعام، حتى إذا حوصرت مرة أخرى أمكنها أنْ تتفادى نتائج الحصار.

سألت صديقًا ألمانيًّا من المتشائمين: ولكن لماذا لا تغادر برلين أنت وكل من يخاف من أمثالك؟

وصاح الرجل في شيء من الحدة: كيف أغادرها وهي وطني، وبلدي!

وأخذ الرجل يشرح لي كيف أنَّ عدد سكان برلين قد نقص بعد الحرب بنحو ثلاثة أرباع مليون نسمة، ولكنها مع ذلك لا تزال مقر ثلاثة ملايين ونصف مليون من السكان، يعيش مليون و٢٠٠ ألف نسمة منهم في الشرق، و٢ مليون و٣٠٠ ألف في الغرب.

figure
الجامعة الحرة في برلين، وقد أسست على أكتاف الطلبة الأحرار وبأيديهم.
والحدود القائمة بين برلين الشرقية وبرلين الغربية حدود وهمية لا تتعدى بعض اللافتات المنصوبة هنا وهناك، والتي تقرأ فيها مثلًا:
أنت الآن تغادر برلين الغربية.

أو:

هنا تنتهي حدود المنطقة البريطانية.

كما يقف بعض رجال البوليس على الجانبين لمراقبة الداخلين أو الخارجين من كل منطقة، وسؤالهم في أدب جم عن أوراقهم، أو عن وجهتهم، ولكنهم قلما يعترضون أحدًا.

وقطار «المترو» الذي يسير تحت الأرض في برلين، يدور بين المنطقتين طول النهار وطول الليل، ويمكن لكل من يريد — سواء من سكان المنطقة الشرقية من برلين أم المنطقة الغربية منها — أنْ ينتقل إلى المنطقة الأخرى دون أنْ يعترضه أحد.

ولا شكَ أنَّ أهل المدينة جميعًا — سواء في الشرق أم في الغرب — يتطلعون إلى اليوم الذي تتوحد فيه عاصمتهم، بل وتتوحد فيه بلادهم المنقسمة إلى دولتين، تكاد العلاقات بينهما تكون أشبه بالعلاقات بين بلدين، فرقت بينهما كل أسباب القسمة والخلاف.

والشعب الألماني كله ينظر إلى برلين المنقسمة في حسرة وألم وهو يطالب بها كعاصمة، ويطالب بتوحيدها. وقد ألقى الدكتور هويس رئيس الجمهورية السابق خطابًا في أوائل عام ١٩٥٩، ذكر فيه أنَّ الموضوع الذي يشغل قلب وفكر كل ألماني، ويسيطر على عقله وشعوره وانفعالاته، هذا الموضوع يتلخص في كلمة واحدة هي «برلين».

وطلب الرئيس السابق هويس لمن استمعوا إلى خطابه — وكانوا من رجال السلك السياسي — أنْ ينقلوا للعالم صورة صادقة لشعور الشعب الألماني وإحساساته نحو تلك المشكلة، وهي إحساسات تقوم على أساس الحقوق الطبيعية لكل شعب في الحرية والوحدة وتقرير المصير.

واختتم هويس خطابه بقوله:
إنَّ كل فرد في ألمانيا يتطلع إلى اليوم الذي تتحرر فيه عاصمة بلاده، وهذه أمنية كل فتاة وشاب وامرأة ورجل وطفل.
إنَّ برلين في عقولنا وأفئدتنا، ولن تبارح ذاكرة أي منا ما لم تتحقق أمنيات شعبنا.

ولا شك أنَّ وضع برلين وتحريرها ليس إلا حلقة من مشكلة أكبر وأهم، هي مشكلة توحيد ألمانيا، وهي المشكلة التي تعلب دورًا هامًّا جدًّا في النزاع الخطير بين الكتلتين الشرقية والغربية، ولا بد من أنْ تعالج علاجًا سريعًا حاسمًا.

ولكن كيف يمكن توحيد الدولتين، بعد أنْ طالت مدة الخلاف، وبعد أن انقضى على نهاية الحرب العالمية الثانية نحو ١٥ عامًا؟

كيف يمكن توحيد الدولتين، وقد اختلفت الأنظمة السياسية في كل منهما اختلافًا تامًّا؟

ومتى يمكن أنْ يتم هذا التوحيد، إذا قدر له أنْ يتم؟

وعلى أي أساس؟

كل هذه أسئلة تحير الساسة، ولا يعرف لها أحد — حتى اليوم — جوابًا!

figure
دار المستشارية القديمة في برلين، ومنها كان هتلر يرسم غزواته الأوروبية!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠